هجوم رجعي في البرازيل منذ الانقلاب “البرلماني” عام 2016

Print Friendly, PDF & Email

 

 

منذ الانقلاب “البرلماني” في 2016 ضد داليما روسيف، الرئيسة المنتخبة، نشهد في البرازيل هجوما رجعيا مثيرا للقلق  بنحو متزايد.

تتعرض البرازيل، منذ نهاية الديكتاتورية العسكرية (1964-1985)، لازمة غير مسبوقة بدأت عام 2016 بانقلاب برلماني حفزته ودعمته جبهة رجعية موحدة. كان ذلك الانقلاب يستهدف صراحة  إنهاء تجربة قادتها من 2002 إلى 2016 قوى إصلاحية، تحت هيمنة حزب الشغيلة.  ويتواصل في إطار دولي نكوصي، مطبوع بأزمة اقتصادية وبهجمات عنيفة ضد الاقتصاد وضد ما كسبت الطبقات الشعبية  من حقوق بعد سقوط الديكتاتورية.

في منتصف سنوات 1980 كانت الديكتاتورية منهكة، وتمت مساومة بين الساسة المرتبطين بالنظام العسكري وأحزاب المعارضة البرجوازية.  وتم تكريس نظام أكثر ديمقراطية، معلن في 1985، بدستور 1988  وبقوانين العفو (التي كانت تغطية لمقترفي جرائم التعذيب)ـ  وهذا ما كان مطلبا للعسكر، الذين بُيضت صفحتهم في اللحظة ذاتها التي كان دورهم الضار وجرائمهم مكشوفين.  أدى هذا الاتفاق الهجين الذي  يحمي مقترفي جرائم التعذيب والقتلة إلى نقص في الذاكرة، كما قال صحافي  جريدة البايس الاسبانية  إليان بروم. وهكذا فإن كون المسؤولين عن جرائم الدكتاتورية جالوا و لا زالو يجولون بحرية ( رغم جهود لجن الحقيقة التي نسفتها السلطات)، في بلد أسسه من قاموا بتصفية الأهالي والسود، يضفي طابعا عاديا كليا على القمع وعلى المناخ قبل الفاشي المتطور حاليا.

بعد انتصارات حزب الشغيلة الانتخابية، جرى اتخاذ تدابير متواضعة لصالح  الشرائح الاجتماعية  الأشد فقرا، دون الشروع في إصلاحات هيكلية. وكما في بلدان أخرى كانت المزايا المقبولة متوقفة على وضع اقتصادي كان آنذاك في ملائما  للبلدان المصدرة  للمواد الأساسية، مثل البرازيل، وقد زال  ذلك الوضع منذئذ.

 إنه في النضال ضد الدكتاتورية، وبحفز من عمال المراكز الصناعية،  تشكل حزب الشغيلة بقيادة عامل سابق في التعدين، لويس إنياسيو “لولا” داسيلفا. وقد انتخب رئيسا في العام 2002، بعد محاولتين. وابرم، باسم “القابلية للحكم”، تحالفا مع ساسة فاسدين ولا سيما مع شركات الزراعة الصناعية، دون إعادة نظر في  المنطق الرأسمالي النيوليبرالي، بل بالعكس.

 وأفلح لولا مرتين في إنجاح انتخاب خليفته ديلما روسيف، وهي معارضة سابقة للديكتاتورية، وذات شخصية ليبرالية اجتماعية تذكر برئيسة الشيلي ميشال باشليه. ومع التدهور السريع للوضع الاقتصادي الدولي، زالت  الظروف الداعمة  للتنازلات الإصلاحية واتضح آن أغلبية ديلما روسيف البرلمانية أضعف من أغلبية لولا.  وحدثت إبان رئاستها تراجعات كبيرة، بضغط من  الطبقات السائدة (رأسماليي الزراعة الصناعية، اتحاد صناعات ولاية ساو باولو، الخ). ولم يمنع هذا الانزلاق يمينا البرجوازية الكبيرة وصحافتها من سحب دعمها لحزب الشغيلة ولروسيف ومن إزاحتها من السلطة في 2016، عبر محاكمة  بناء على مخالفة حساباتية  مارسها  كل الرؤساء السابقين.  وشنت الصحافة الكبيرة حملة عنيفة ضد حزب الشغيلة، ذات صبغة عنصرية ومعادية للمثليين، ودعت صراحة إلى مظاهرات ضد  الفساد المنسوب إلى حزب الشغيلة وحده ولروسيف.  كانت هذه الحملة تجند البرجوازية  والبرجوازية الصغيرة  الحضريتين، اللتين استفادتها مع ذلك من  فترات تدبير لولا، وكذا قطاعات شعبية باتت تحت تأثير شخصية ديماغوجية  من اليمين المتطرف، النائب الفيدرالي جاير بويْسونارو . وكما العادة في حالات تقدم الرجعية، كان حقد الفقراء الذي تغذيه البرجوازية والاستسلامات بوجه اليمين يعطي لوسائل الإعلام ولقوى القمع الحاضرة دعما قويا. هكذا ورغم مظاهرات مساندة نظمها قسم من العمال، تمت إزاحة روسيف من الرئاسة في العام 2016 بقرار تشريعي، في جلسة أتاحت لأغلبية النواب التعبير عن تصريحات هاذية. مثلا  صرح بويْسونارو سيء الذكر بتصويته المناوئ لحزب الشغيلة في شكل تكريم لبعد نظر أحد أشهر مجرمي التعذيب في ظل النظام العسكري، العقيد أوسترا!

 تربع على الرئاسة نائب الرئيس، ميشال تيمير، الحليف السابق  لحزب الشغيلة ولديلما روسيف.  وتم إطلاق جملة قرارات صوت عليها برلمان بلا تمثيل شعبي، مثل منع كل زيادة في النفقات الخاصة بالتعليم والصحة  مدة عشرين سنة، وجملة قرارات ضد حقوق العمال المكتسبة، بمبرر الأزمة، فيما أرباب العمل- كبريات البنوك والصناعة الزراعية- عليهم ديون ضخمة إزاء الدولة، تعادل 125 مليار دولار، إزاء نظام الضمان الاجتماعي وحده، كما أن البنوك لم تحقق قط  ما تحقق حاليا من الأرباح. وتضاف إلى هذا عشرات القرارات اللاشعبية، ولصالح الأغنياء، مثل إعانات للسكن –غير خاضعة للضريبة- ممنوحة لكبار الموظفين  ولأعضاء هيئة القضاء، تفوق أربع مرات الحد الأدنى للأجور. والى يومنا هذا سبب آخر هذه الاجراءات ارتفاعا مهولا في أسعار المحروقات، من غاز منزلي ومشتقاته.  وفي 29 مايو 2017، امتد إضراب قوي لسائقي الشاحنات في بلد ليس لديه بديل عن النقل الطرقي. وتعيد هذه الوضعية إلى الأذهان  الإضراب الذي أفضى إلى إسقاط أليندي في الشيلي، مع فرقين أساسيين:  اليمين المتطرف الذي له وزن أكيد في هذه المهنة غير متحكم فيها، كما أن النقابات واليسار  يتبنون هذه الحركة،  وتضامن عمال البترول  واضربوا  دفاعا عن بتروبراس، مقاولة البترول العمومية التي تسعى الحكومة إلى بيعها للشركات متعددة الجنسية في القطاع.

 ترافقت هذه التراجعات التشريعية الكبيرة  مع مناخ قمعي، باغتيال  مناضلين وعمال، لا سيما الشبيبة  السوداء  في ضواحي المدن، وبقمع النقابيين والمثقفين  والجامعيين اليساريين. و أثار الاغتيال الأخير  لماريال فرانكو، المستشارة البلدية المنتمية لحزب الاشتراكية والحرية في ريو، من قبل  العصابات شبه العسكرية، موجة  استياء  في البرازيل وفي العالم.  وتمثل ماريال جيلا  جديدا من نساء السود الشابات الراديكاليات  متزايدة الحضور في البرازيل. ماريال شجاعة ونزيهة لم تكف عن التشهير بتجاوزات الشرطة والجيش- أرسلها تيمير  “لتهدئة” ريو- ضد الشباب السود في الأحياء الفقيرة.  ولا ريب أن ذلك سبب كان قتلها، مع سائقها اندرسون، قبل أسابيع.    

على صعيد آخر،  يبين سجن لولا مؤخرا، بهدف صريح متمثل في منعه من الترشح للانتخابات الرئاسية في أكتوبر 2018- التي لاشك سيفوز بها-عزم البرجوازية وممثليها على إنهاء  التنازلات، حتى الطفيفة، والمساومات.  لم تعد الطبقات السائدة تريد التفاوض مع لولا وأنصاره، رغم محاولات ساسة معزولين والرغبة الجلية لقيادة حزب الشغيلة.

 هكذا، تهاجم  حكومة تيمير منذ 2016 العمال على كل الأصعدة. حيث يتعرض حاليا التعليم والصحة العموميان، الموجودان في وضعية هشة، للتفكيك. كان حزب الشغيلة يستشير المنظمات الممثلة لأجراء التعليم والصحة – غالبا كي يقرر في اتجاه معاكس لرأيها، بمبرر “القابلية للحكم” ، لكنه كان يحاول ضمان مساندتها له بفضل  بعض التنازلات.  هذا لم يعد واردا.  تعمل الحكومة الجديدة يدا في يد مع  المجموعات الرأسمالية البرازيلية (المتشاركة  عادة مع مجموعات أمريكية) أو مع مجموعات أجنبية، التي يستعمل تقنيوها كفالة لتعليم رخيص، مع إلغاء تدريس التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع والدراسات الإفريقية البرازيلية ومواد أخرى محفزة لتفكير نقدي ومستقل. ولهذه الغاية،  يحاول أقصى اليمين، لاسيما عبر حركة ” حركة البرازيل الحرة” وهي منظمة تمولها الامبريالية المصادقة على تشريع  يسمى ” مدرسة بلا حزب” أي  محرومة من كل تفكير.  تترافق خصخصة التعليم العالي والصحة، التي شُرع فيها في عهد لولا،  بتفكيك نظام الصحة والتعليم العموميين لإتاحة خصخصتهما التي سيقبلها المستعملون،  الذين ضاقوا ذعرا من عدم فعاليته.  كان النظام الحالي الموروث عن تجربة لولا يحابي  رأسماليي التعليم، المستفيدين من نظام منح الدولة الذي يضمن لهم زبائن مشدودين ومتأثرين حتما ب”مزايا” القطاع الخاص. لكن مع العصابة الاوليغارشية الحالية الحاكمة، ثمة سعي إلى الذهاب أبعد وخصخصة كل شيء عمليا.

 كانت معارضة الانقلاب القضائي الذي أطاح داليما روسيف لإرساء إصلاحات رجعية فورية وقوية، لكنها محدودة  في القطاعات الشعبية المنظمة ومحيط تأثيرها المباشر، من نقابات ومنظمات الشعب الأسود والمثليين. لكن حتى بإضافة قاعدة حزب الشغيلة، يبلغ حجم تلك المعارضة مئات آلاف العمال والبرجوازيين الصغار، والموظفين والمدرسين والطلاب والفلاحين الفقراء وبلا أرض، لكن ليس الجماهير العريضة  لبلد به أكثر من 200 مليون نسمة. عادة ما يقال إن الأمور ستتغير لو نزل سكان الأحياء الهامشية إلى المدينة، مع تأثير لم يسبقه نظير.  تنتج صعوبة التعبئة بدرجة كبيرة إلى تأثير حركة لولا الذي لم يعتمد على هذه الجماهير سوى بشكل محدود ومتحكم فيها نحو معارضة مؤطرة. اليوم، حتى إن كان لابد من جبهة موحدة مع المنظمات الإصلاحية (لاسيما النقابات المتجمعة في  الاتحاد الوحيد للعمال CUT، لا غنى لبناء بديل مناهض للرأسمالية من نقد دور الإصلاحية.

كخلاصة، يشير كل شيء أن  الطبقات السائدة البرازيلية- رجال بنوك وصناعة وملاك أراضي كبار، الخ يعتبرون أن وضع الأزمة المالية الراهن وحالة الركود يعتبر كل تنازل، حتى طفيف، للطبقات الشعبية ترفا لا يمكن قبوله.

ويجب أن يضاف إلى هذه اللوحة السوداء تهديد جديد: التدخل السياسي للجيش، لأول مرة منذ نهاية الدكتاتورية. إبان نقاشات المحكمة العليا حول مشروعية سجن لولا، كان القضاة منقسمين-  صرح العديد من الجنرالات ومؤخرا قائد هيئة الأركان أنهم لا يستطيعون قبول “إفلات لولا من العقاب”، و أنهم سيكونون مجبرين على التدخل إن لم يُعتقل. إنها قمة الوقاحة عند جماعة عفت على نفسها وتتمتع حتى اليوم بإفلات من العقاب على جرائم الديكتاتورية. هذا التهديد بانقلاب عسكري غير ممكن لولا الضوء الأخضر من البنتاغون وإدارة ترامب التي لها تقاربات جلية مع السلطات الأشد عداء للديمقراطية في العالم.  هل نشهد في البرازيل عودة  للدكتاتورية الدامية  التي دامت 20 سنة؟

المقاومة الشعبية التي تجلت منذ 2016 هي أمل البرازيل الوحيد. إنها منظمة في قطبين : جبهة البرازيل الشعبية، أكثر اعتدالا،  تجمع حزب الشغيلة و نقابة الاتحاد الوحيد للعمال  وحركة الفلاحين معدومي الأرض؛ وجبهة الشعب بلا خوف، أكثر راديكالية  مع حركة بدون سقف -الحركة الاجتماعية الحضرية الأهم في البرازيل حاليا- و حزب الحرية والاشتراكية.  توجهاتهما مختلفة، لكنهما يشكلان  جبهة موحدة ضد الانقلاب  الذي أطاح داليما ، وضد حكومة تيمير غير الشرعية  ومن اجل إطلاق سراح لولا.

ستجري انتخابات رئاسية جديدة في أكتوبر 2018. إذا بقي لولا في السجن، سيتوجب على حزب الشغلية تقديم مرشح جديد، لكن لم يتقرر أي شيء لحد الآن.  شعبية مرشحي اليمين إلى السلطة  متدنية جدا، وحده الفاشي بويْسونارو  يتمتع مع الأسف بمساندة أكيدة.

حزب الحرية والاشتراكية، الذي أسسه في 2004 مناضلون من اليسار مطرودون من حزب الشغيلة هو القوة  اليسارية الجذرية الرئيسية. تشكل باندماج  تيارات وحساسيات عديدة- اشتراكيون ومسيحيون يساريون وتروتسكيون، وله انغراس  متفاوت في البلد.  توجد قوته الرئيسية في ريو حيث  حصل مرشحه  مارسيل فريْشو – الذي كانت ماريال فرانكو متعاونة قريبة معه، على أكثر من 40 في الأصوات في الانتخابات البلدية  الأخيرة.  مرشحو  حزب الحرية والاشتراكية إلى انتخابات الرئاسة هم  چ

يلهيم بولوس، منسق حركة معدومي السقف وناطق باسمها مع سونيا غواخاخارا مرشحة لنيابة الرئيس، وهي قائدة شابة للسكان الأهالي، مشهورة بمعركتها للدفاع عن غابة الأمازون .

 لكن يمكن التساؤل هل ستجري الانتخابات فعلا… إن كانت استطلاعات الرأي  تشير إلى فوز مرشح حزب الشغلية، قد تجنح الاوليغارشية الحاكمة وذراعها العسكري إلى إنهاء  الديمقراطية  الهشة والمحدودة البادئة في 1985.

 يتمثل التحدي بوجه  اليسار المناهض للرأسمالية من جهة في بناء جبهة موحدة عريضة  في الدفاع عن الديمقراطية وضد التهديدات الفاشية، وجهة أخرى  في ترسيخ قطب مستقل اشتراكي وبيئي وحذر من المساومات الطبقية والاستسلامات.  

 بوريس فارغافتيغ وميخائيل لوفي  

 المصدر

MEDIAPART : LE BLOG DE MICHAEL LOWY. 31 MAI 2018 :
https://blogs.mediapart.fr/michael-lowy/blog/310518/offensive-reactionnaire-au-bresil

ترجمة جريدة المناضل-ة