واحات طاطا تحترق تباعا ..

Print Friendly, PDF & Email

                                 

 

 

 

تعتبر مدينة طاطا، إحدى المدن الصحراوية المناخ، الواقعة بالجنوب الشرقي للمغرب، تتشكل  من مجموعة من الدواوير، في شكل واحات نخيل، تنتشر على طول وعرض تراب الإقليم، وقد لعبت واحات النخيل هذه أدوارا اقتصادية واجتماعية وايكولوجية وثقافية الخ، بالمنطقة. حيث ساهمت في استقرار الإنسان منذ القدم بهذه المنطقة (الرسومات على الأحجار التي تعود لأزمنة غابرة بأقا- تمانرت..) كما تعتبر احد الموارد الاقتصادية وأحد مكونات الغذاء الأساسي للساكنة، هذا المكون الغذائي الذي لعب دورا أساسيا ولا زال  في محاربة المجاعة بالمنطقة . كما لعبت واحات النخيل هذه أدوارا ايكولوجية مهمة سواء في الحد من التصحر عبر منع انجراف التربة بواسطة الرياح او تلطيف الجو وتوفير دورة حياة للحيوان والنبات وسط أحضان الصحراء .. هكذا صارت الواحة والنخلة والتمر موروثا ثقافيا، تتزين موائدهم بأنواع وأشكال وألوان تمورها ، وتتغنى الساكنة بها في أشعارها وأمثالها ،ويحاكون شموخ وتمايل أشجارها في رقصاتهم وإيقاعاتهم، ويستلهمون كرمها وطيب ثمارها في قيمهم ..

تستمر الكوارث ويستمر التهميش :

باعتبار المنطقة من “المغرب الغير النافع”  فقد نالت حظا أوفر من كل صنوف التهميش و الإقصاء فلا البنيات التحتية قائمة ولا الخدمات العمومية ( تعليم وصحة وتشغيل وسكن..) متوفرة ولا الحق في استغلال أراضيهم ممكنة ، حيث ممنوعين حتى من الاستغلال الدائم لأراضيهم الزراعية على طول وادي درعة لاعتبار العسكرة التي تعرفها المنطقة منذ اندلاع حرب الصحراء …وخلال العقود الأخيرة أنضاف سخط الطبيعة لسخط النظام ، فتوالت نوبات الكوارث على هذا الموروث الأخضر،حيت طالت سنوات الجفاف والجدب، ما أدى لتساقط العديد من أشجار النخيل بعد طول تحمل، وكذلك اجتياح مرض البيوض للعديد من الواحات فأردى نخيلها خشبا منخورا، تم جاء دور الحرائق والنيران اللاهبة، لتجهز على ما تبقى من شروط الحياة بهذه المنطقة.. نعم، كل هذا يحدث وملايير الدراهم تصرف وتسرف ذات اليمين وذات الشمال في ما سمي بالمخطط الأخضر وفي برامج انقاد الواحات… دون أن تصل الى شريان هذه الواحات التي يسكنها مزارعين بسطاء…

عواصف النيران اللاهبة تجتاح الواحات :

مع حلول القرن الواحد والعشرين بدأت بعض الكوارث الطبيعية تجتاح مجالاتنا الحيوية كارتفاع درجة البرودة والأمطار الطوفانية والفيضانات شتاء، والحرارة المرتفعة والحرائق صيفا، وغيرها من التغيرات المناخية..
مدينة طاطا لم تشد عن هذه التطورات، فان كان ارتفاع درجة الحرارة والجفاف صيفا احد المميزات المناخية للإقليم والتي تلاءم الشروط المطلوبة لنمو شجر النخيل وإنضاج تمورها، إلا إنه في العقود الأخيرة، احتدت وارتفعت وثيرة و حِدّة هذه الخصائص، حيث توالت عقود من الجفاف، وازدادت الحرارة ارتفاعا… ما عمق النقص في المياه الجوفية وجفاف السواقي و تصحر التربة، وارتفاع سرعة وقوة الرياح والعواصف .. هذه المعطيات صعبت من استمرار الإنسان بهذه المجالات البيئية ما سرع من هجرة العديد من الأسر، كما ان ارتفاع نسب الوفيات في الصيف قد يعزى لهذه المعطيات خاصة في فئة الشيوخ والأطفال ..

 وفي السنوات الأخيرة عمقت الطبيعة من هجومها وشراستها لتتخذ شكل حرائق مهولة، صعبة السيطرة، ويمكن اعتبار حريق واحة تمنارت – التابعة لبلدية فم الحصن والتي تبعد بحوالي 160 كلم عن المركز- الذي حدث في غشت من صيف سنة 2010، النقطة المفصلية في تاريخ كوارث الحرائق بالواحات بإقليم طاطا، حيث التهمت حوالي 4000 نخلة دفعة واحدة وفي ساعات محدودة، بعد استغراقها لعقود من الزمن كي تنمو ويشتد عودها. لم تمر على الواقعة الا أربع سنوات حتى شب حريق في يوليوز  2014 بواحة تداكوست ، المتواجدة على الأراضي الترابية لجماعة ايت وابلي، والتي تبعد عن مركز الإقليم بحوالي 120 كلم ،لتجتث أكثر من 300 نخلة. سنة بعدها، في العاشر من يوليوز 2015، ستندلع النيران في واحة إيشت التابعة للحدود الترابية لبلدية فم الحصن، وستقضم حوالي 4000 نخلة .

فمن خلال الثلاث حرائق كانت الحصيلة اكثر من 8300  نخلة، تعد مصدر لقمة الغداء لمئات الأسر جيلا وراء جيل، احتاجت لقرون من الرعاية، كي تنمو وتشمخ وتشكل عبر التاريخ مجالا حيويا للعديد من الأنواع، وفي ساعات محدودات تصير يبابا ورمادا ومقبرة من لهب .

فعل عرضي أم تغير مناخي أم غضب إلهي ..


كعادة جميع الكوارث والحوادث بالمغرب، غالبا ما ترد الى القدر خيره وشره، أو تسقط التهمة على بعض الضحايا، الذين سببوا بشكل عرضي في المشكل،تيمنا بالمثل المغربي “طاحت الصمعة علقوا الحجام”. دون البحث عن الأسباب الحقيقية لهذه الكوارث، وللتغاضي عن مسؤولية الدولة في صون ممتلكات الناس وأرواحهم وتعويض خسائرهم وموارد عيشهم خاصة الناتجة عن كوارث طبيعية . فقرون من الزمن والإنسان تعايش ويعيش داخل هذه المجالات دون أن تقع مثل هذه الحوادث، وان حدثت سرعان ما يتم السيطرة عليها بطرق محلية، إلا انه مع الشروط المناخية الحالية (ارتفاع درجة الحرارة على غير المعتاد وسرعة الرياح والعواصف القوية والجفاف الحاد.. ) المتميزة بالقسوة والاختلال… كنتيجة لظاهرة الاحتباس الحراري على صعيد كوكبنا، الناتج عن فوضى الإنتاج السائدة بالعالم الرأسمالي. هذه العوامل سرعت وعمقت وأججت مثل هذه الكوارث فالعديد من الدراسات العلمية في المناخ تؤكد ان العالم مقبل على حرائق مهولة وأكثر انتشارا واتساعا وأكثر تأثيرا من ناحية الخسائر المادية والطبيعية، ما يجعل المناطق الصحراوية أكثر عرضة لهذه الكوارث، لطبيعة مناخها الحار والجاف .. إن هذه الوقائع الكارثية التي أصابت واحات طاطا ليست الا علامات وإشارات تنبيه لما هو آت في السنوات القادمة.

ختاما:

إننا أمام شبح طبيعي مرعب، متمثل في الاحتباس الحراري، الناتج عن الإنتاج المفرط وغير العقلاني لموارد الطبيعة، من قبل النظام الرأسمالي الساعي لمراكمة الأرباح دون أي اعتبار آخر لحياة الكوكب، ما يهدد بانهيار الحياة على ربوع كوكبنا ، وستسقط المناطق الهشة والمهمشة فريسة سهلة أمام هذه التغيرات لغياب الإمكانيات المادية ووسائل المقاومة ..

ما يستوجب تنظيم الضحايا في إطار تنظيمات للتشهير بمأساتهم ومعاناتهم ان على الصعيد المحلي والوطني والعالمي، مع انفتاحها على كل الإطارات البيئية والجمعوية والحقوقية.. وكافة المدافعين عن الحقوق الأساسية عامة للإنسان محليا ووطنيا ودوليا، للنضال من أجل :

  • تعبئة السكان المحليين وتوعيتهم بطبيعة التغيرات المناخية والرهانات المناخية القادمة مع المطالبة بإجراء دراسات علمية محايدة حول حقيقة التغيرات المناخية بالإقليم..
  • ضرورة تحمل الدولة مسؤولية حماية الممتلكات ومصادر عيش السكان بهذه الواحات.. بتوفير أطقم متخصصة ومجهزة ببنيات ومعدات و وسائل متطورة للتدخل الفوري نظرا لشساعة الإقليم ووعورة التضاريس”كالطائرات” ، في مثل هكذا كوارث، خاصة بعد التأكد العلمي من ارتقاب ارتفاع نسب ووثائر الحرائق على كوكب الأرض جراء تأثيرات الاحتباس الحراري ..
  • اعتبار الواحات التي تتعرض لمثل هذه الكوارث مناطق منكوبة ..
  • تعويض المنكوبين والمتضررين من مثل هذه الكوارث ..
  • جبر الضرر للساكنة جراء حرمانها من استغلال أراضيها المحاذية لوادي درعة بمبرر كونه منطقة عسكرية منذ سبعينيات القرن الماضي، ورفع القيود فورا أمام السكان للزراعة والانتجاع بأراضيهم.
  • جبر الضرر للساكنة عن مخلفات سنوات الحرب ( تعويض أسر المتوفيين والسجناء والمعطوبون المدنيين وتعويض الدين نهبت أملاكهم دون نسيان …)
  • فتح تحقيق شفاف من طرف المجلس الأعلى للحسابات في ميزانيات المخطط الأخضر وبرامج انقاد الواحات و المشاريع العمومية التي استفاد منها الإقليم، وصفقات تمليك أجانب لمساحات شاسعة من أراضي الساكنة بدون أي سند إلا تواطؤ السلطات و الوسطاء المرتشون.
  • استرجاع أراضي شاسعة يسيطر عليها أجانب كمحميات دون وجه حق .
  • الوقف الفوري لنهب الوعاء العقاري للإقليم، وإبطال كل المضاربات العقارية التي تورط فيها رأسماليين كبار و أطر في أعلى هرم الدولة.
  • الحد من الشطط في تحديد الملك الغابوي، كحيلة لإعادة تمليكها للرأسماليين.
  • تقديم إعانات مادية على ارتفاع الحرارة والنقص الحاد من المياه…كإعفاء ساكنة الإقليم من تأدية سومة الكهرباء والماء في الصيف خاصة شهري يوليو وغشت ..
  • وفي الأخير النضال من اجل نظام بيئي عادل مبني على احترام الطبيعة وفق اقتصاد مخطط صديق للبيئة يستهدف الحاجات الأساسية للإنسان لا الربح.

                                                                                             ع.ل