الاقتصاد السياسي المتواري خلف انتخابات المغرب

سياسة10 أكتوبر، 2026

بقلم؛ علي أموزاي
07.10.2026

نُظِّمت الانتخابات التشريعية بالمغرب يوم 23 سبتمبر 2026. وكما كتبنا في المقال السابق، أعطت الحملة الانتخابية الحادة بين الأقطاب الحزبية المتنافسة انطباعا بوجود حياة سياسية فعلية بالبلد. واستمرار في عزف السيمفونية المعهودة عن الاستثناء المغربي كونُه جنةَ الديمقراطية في صحراء الاستبداد العربي، يبدو المغرب للناظر من بعيد، على أنه يشهد فعلا حياة سياسية حيث التداول على السلطة يجري بكل ديمقراطية، إذ تنتج عن الانتخابات أغلبياتٌ تشكل ائتلافات حكومية، بينما تتمتع المعارضة بحرية العمل داخل المؤسسات (خصوصا مؤسستي البرلمان: مجلس النواب ومجلس المستشارين).

لكن خلف هذه الواجهة البراقة تكمن آلية مخملية لممارسة الاستبداد بالسلطة من طرف الحاكم الفعلي الوحيد والأوحد بالبلد: المؤسسة المَلكية. وقد انتهت الانتخابات بفوز الحزب الذي أرادته المَلكية أن يفوز، حزبٌ من صنيعتها هو حزب الأصالة والمعاصرة، الذي أسسه سنة 2007 فؤاد عالي الهمة، صديق الملك ومستشاره الحالي.

يسعى هذا المقال إلى الغوص في الأساس الاقتصاد لهذا الاستبداد السياسي، بدل التركيز على الآليات السياسية وحدها؛ من قبيل ما تنشره المعارضة لتفسير ما تسميه “انغلاق الحقل السياسي” مثل استعمال “المال السياسي” وتحكم وزارة الداخلية في الخريطة الانتخابية… إلخ. فهذه الأخيرة ليست تفسيرا، بقدر ما هي تجليات لما يجب تفسيره.

الملكية: ليست فقط حاكما سياسيا بل مالكا اقتصاديا قويا

سنة 2014 تساءل الملك في خطاب بمناسبة جلوسه على العرش: “أين الثروة؟”. أجابت مجلة telquel: “بثروة تقدر بنحو ملياري دولار، يُعد الملك محمد السادس أغنى حاكم في أفريقيا وفقًا لمجلة فوربس“.

ليس الملك مجرد حاكم سياسي، بل هو رجل أعمال. بل إنه أقوى رجال الأعمال ويقف على قمة السلسلة الاقتصادية بالبلد؛ لذلك يُعجَب كثيرا صنفٌ من المعارضة (خصوصا المعارضة ذات الخلفية الليبرالية) بمفهوم “الافتراس الاقتصادي” لنعتِ السلوك الاقتصادي للمَلكية.

تضم مِلكية المؤسسة الملكية الاقتصادية عمالقة اقتصاديين وتلف البلد بشكبة تسيطر على الحياة الاقتصادية. وضمن هؤلاء العمالقة مجموعة “المدى”، التي تسيطر على قطاعات حيوية من اقتصاد البلد: ثُلثا القطاع المصرفي من خلال التجاري وفا- بنك، كما أنها موجودة في القطاع المالي في العديد من البلدان الأفريقية. وفي قطاع المعادن، هناك شركة “مناجم” وهي فرع من مجموعة “المدى”، وهي التي تحتكر إنتاج وتسويق الكوبالت، وفي قطاع الطاقة هناك شركة ناريفا. وفي سلسلة التوزيع بالجملة هناك شركة “مرجان القابضة” العملاقة. وهناك أيضا “المجمَّع الشريف للفوسفاط”، وهي مقاولة عمومية، ولكن تتصرف فيها المؤسسة المَلكية كمِلكية خاصة. وتدخل هذه المقاولات المَلكية في شراكات مع الرأسمال الأجنبي، ضامنة حصتها في الاستثمارات… وهذا فقط غيض من فيض، فثروة الملك العقارية ضخمة جدا، تضم قصورا فخمة في أغلب المدن الرئيسية بالبلد، وإقامات فخمة في الخارج، ضمنها “قصر خاص اشتراه بمبلغ 80 مليون يورو في قلب باريس، وشقة تبلغ مساحتها 1000 متر مربع بالقرب من برج إيفل، وقصر في مقاطعة أواز يمتد على مساحة 70 هكتارًا، ورثه عن والده الحسن الثاني”.

في سنة 2012، أصدر الصحفي علي أنوزلا مقالا بعنوان “كُلفة المَلكية بالمغرب”، أوردَ فيه المبالغ المخصصة للقصر المَلكي، أي مجموع الميزانية الخاصة بالمؤسسة المَلكية في قانون مالية سنة 2013: “إن ميزانية القصر تبلغ: 2.576.769.000 درهم، (أي 7 مليون درهم يوميا أو 700 مليون سنتيم يوميا) أي ما يعادل أكثر من ضعف مجموع ميزانية وزارة الثقافة ووزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية (مجموع ميزانية الوزارتين هو1.265.788.000 درهم) . وللمقارنة فمجموع ميزانية وزارة الثقافة هو : 571.063.000 درهم. أما مجموع ميزانية وزارة التضامن فهو: 694.725.000 درهم. وهكذا سنجد أن ميزانية القصر تساوي 4.5 مرات ميزانية وزارة الثقافة و3.7 مرات ميزانية وزارة التضامن”. تعرض الصحفي علي أنوزلا للعقاب سجنا بسبب هذا المقال… وفي مشروع قانون المالية لسنة 2026، لا زال رقم مخصصات المَلك ضخما جدا: “حوالي 2.8 مليار درهم (نحو 270 مليون دولار)“.

دستوريا حافظ آخرُ تعديل دستوري سنة 2011، في سياق “الربيع العربي”، على سيطرة المَلك على القرار الاقتصادي الاستراتيجي، حيث يتمتع بصلاحيات تحديد قائمة الشركات والمؤسسات “الاستراتيجية” وتعيين مديريها.

بوقوفه على رأس الدولة واحتكاره للسلطة يسيطر الملك على أهم آليات تدبير وتوزيع الفائض الاقتصادي، ويتحكم بالتالي في الاستثمار وقطاعاته، وأقسام البرجوازية التي يمنحها إِذْنَ الولوج إلى “مَعلف الثروة القومية” للاستفادة من فرص الاستثمار المُجزية جدا.

نيوليبرالية مرسخة للاستبداد

رسخت النيوليبرالية، المتبناة من طرف الدولة عقب أزمة المديوينة في بداية الثمانينيات وتطبيق برنامج التكييف الهيكلي ابتداء من سنة 1983، قوة المَلكية الاقتصادية بدل أن تضعفها، وهو ما أثار دوما حنق المعارضات البرجوازية بشتى تلاوينها. تلخص مريام كاتوس الحصيلة السياسية لعملية التحرير الاقتصادي في مقالها “الاقتصاد السياسي للمغرب: الخصخصة الغامضة والمسألة الاجتماعية الناشئة”، حيث فسرت “آليات تركيز رأس المال وتراكم الثروة والسلطة” بكون برامج الخوصصة قد جرت “في معظم الحالات بموجب عقود خاصة، غالبًا في القصر ونادرًا ما كانت شفافة. وكانت المؤسسات التي أنشئت حسب الحاجة تتألف من شخصيات اختارها الملك حسب تقديره”. وعكس التقييمات التي تصر على تراجع دور الدولة، تتقدم كاتوس بأطروحة “مراجعة دور الدولة، وانتقال مركز ثقل تدخل القطاع العام إلى “آليات عمل بديلة عن آلية المؤسسات السياسية التمثيلية”، ملخصة نتيجة ذلك بقول: “من الضروري إجراء تحليل شامل لكل من هذه الآليات الجديدة وطرق تمويلها ومنطق إعادة التوزيع الذي تعمل به. فهي تولد أشكالاً جديدة من تدخل الدولة في مجالات يُتحدث فيها عموماً، على العكس من ذلك، عن انسحابها. ولا يتعلق الأمر بالمبالغة في تقدير صلاحيات وموارد السلطة العامة، بل بإظهار أن السلطات العامة المغربية، وراء الإصلاحات، تعيد توزيع المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية باللجوء إلى القطاع الخاص والاستحواذ على الموارد الوطنية والدولية الموجهة نحو التنمية”.

هكذا تتقوى المَلكية اقتصاديا وترسخ بذلك نفوذها الاقتصادي الذي يعزز سلطتها السياسية في تبادل جدلي. ولأن السياسة مع النيوليبرالية أصبحت تجري خارج المؤسسات التمثيلية، فإن تلك النيوليبرالية عززت ورسخت ما كان ماثلا منذ البداية في بنية الحكم السياسي في المغرب: السلطة في يد المعيَّن من طرف الملك وليس في يد المنتخَب من طرف الشعب.

هذه السيطرة على مدامك الاقتصاد المغربي وفرص الاغتناء الاقتصادي الكبرى هي التي تمنح للمَلكية سيطرتها السياسية وتدعم استبدادها السياسي. لكن هذا مجرد تفسير أحادي الجانب. فليست المَلكية نظاما سياسيا معلقا في فراغ، بل يجد قاعدته الاجتماعية الأقوى في البرجوازية المغربية.

البرجوازي المغربي المدافع العرش

في سنة 1976 صدر للمؤلف الفرنسي ريمي لوفو كتابٌ يحمل عنوانا مثيرا: “الفلاح المغربي المدافع عن العرش”. كانت أطروحته أن المَلكية المغربية، بعد خروج الاستعمار الفرنسي والإسباني، وفي مواجهة حركة وطنية برجوازية، اعتمدت على الأعيان القرويين من أجل ترسيخ حكمها السياسي واحتكارها الاقتصادي. لكن أولئك الأعيان القرويين كانوا في طريقهم نحو التحول إلى برجوازية زراعية بدعم من المَلكية التي ضَمِنَتْ لهم مِلكيتهم العقارية الكبيرة، وتحديثا زراعيا متحكَّما فيه من أعلى. وفي نفس الوقت أسهمت أدوات السياسة الصناعية، التي اعتمدتها الدولة آنذاك وأنشأت بموجبها قطاعا عاما إنتاجيا وتجاريا، في ولادة برجوازية مغربية في قطاعات الاقتصاد الأخرى.

لذلك كان الأصح القول ، ولا يزال، هو “البرجوازي المغربي المدافع عن العرش”، وليس صيغة ريمي لوفو “الفلاح المغربي المدافع عن العرش”. فقد كانت البرجوازية المغربية الوليدة ضعيفة وغير قادرة على على الحكم دون مظلة المَلكية، بل أيضا عاجزة على تزويد البلد ببنية تحتية وإنتاجية تنتشله من التخلف الموروث عن الاستعمار.

لذلك نشأت تسوية بين تلك البرجوازية والمَلكية. تسوية عبَّر عنها الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي، في كتابه الموسوم: “الاقتصاد المغربي تحت سقف من زجاج”. كالتالي: “وبالتالي، فإن هذه ‘البرجوازية’ سوف تتأقلم مع الوضع وتجد ‘الترتيبات المؤسساتية’ القادرة على السماح لها بالاستمرار في الازدهار في ظل النظام القائم. والحقيقة أن عقودا من التجربة أظهرت أنه، من منظور هذه ‘النخبة’، يمكن صياغة منطق هذه ‘التسوية’ على النحو التالي: الحد الأقصى من الامتيازات والحد الأدنى من المخاطر… أجل، متفقون أننا لن نمارس السياسة، لكننا سنمارس المال والأعمال!”. [1]

ليس الملك إذن شخصا معلقا في فراغ، بل هو الرأس المتوَّج للطبقة السائدة في المغرب؛ الطبقة البرجوازية. إنه أغنى الرأسماليين وأقواهم، والحاكم بأمرهم. إنه الملك السياسي الذي يتيح للملوك الاجتماعيين، أي الرأسماليين، فرص الازدهار والتراكم والتربح؛ أي ما يسمونه “سِلما اجتماعيا” و”استقرارا سياسيا”، دون أن يلحقهم تهديد من الطبقات الشعبية… وبالتعبير الدقيق للمؤرخ الماركسي إيريك هوبسباوم: “يمسك قرون الشعب كي يتاح للبرجوازية حلبه”.

هذه التسوية هي التي تشكل القاعدة الاقتصادية للبرامج الانتخابية التي تبدو كلها متماثلة، وكأنها منسوخة من نفس الأصل. وهذا الأصل هو برنامج الملك. كل الأحزاب المشاركة في الانتخابات تُدرك جيدا أنها لن تنفِّذ إلا برنامج الملك، وأن وعودها الانتخابية محضُ ديماغوجية لإضفاء بعض الحيوية على حياة سياسية راكدة. فهذا عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي يوجد حاليا في المعارضة بعد ولايتين في واجهة الحكومة (2011- 2017)، يقول بعظمة لسانه: “حكومة ـ2030، لن تسيروها لا أنتم ولا نحن بل الملك”. وسبق لنبيلة منيب، النائبة عن الحزب الاشتراكي الموحد في البرلمان، أن اشتكت من طغيان المعيَّنين من طرف الملك على صلاحيات المنتخَبين من طرف الشعب، وصرخت في جلسة داخل البرلمان يائسة: “لماذا الانتخابات أصلا إذا كان القرار سيصبح في يد المعيَّن“.

تسوية تنتج مؤسسات منتخَبة بدون سلطة

نتج عن هذه التسويات مؤسسات واجهة تخفي وراءها سلطة الحاكم الفعلي وسلطات رجال الإدارة الترابية المعيَّنين من طرفه، بينما المؤسسات المنتخَبة لا سلطة ولا صلاحيات فعلية لها. هكذا فالسلطة التنفيذية المنتخَبة تنفذ برنامجا غير مقرَّر من طرف المؤسسة التشريعية المنتخَبة (البرلمان)، بل برنامج المؤسسة الملكية. وهذه الأخيرة تحكم بآليات مختلفة، وضمنها الديوان الملكي والمجلس الوزاري الذي يرأسه الملك غير المنتخَب، وهو الذي يحدد التوجهات الاستراتيجية والخيارات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، التي سينفذها المجلس الحكومي الذي يرأسه رئيس الحكومة المنتخَب. ومن آليات استفراد المَلكية بالحكم أيضا، ما يُطلَق عليه “حكومة ظل”، أي تلك المكوَّنة من مستشاري الملك، فضلا عن اللجان العليا التي يعينها الملك ويضع على رأسها مستشاريه وموظفيه الكبار، وهي التي تتكلف بصياغة الاستراتيجيات الكبرى للبلد، وكان آخرها تلك اللجنة التي صاغت “النموذج التنموي الجديد” سنة 2021.

البرجوازية راضية بهذه القسمة الضيزى، ما دامت المَلكية تضمن لها شروط الاستثمار (ما يُطلق عليه مناخ الاستثمار) وتضبط الحياة السياسية بشكل يجعل من النضال الطبقي والاجتماعي قريبا دوما من النقطة صفر. إلا أن هذا الرضى لا ينسحب على مثقفي البرجوازية الساعين إلى صيغة أخرى من الرأسمالية.

يثير هذا الواقع عزوفا شعبيا عن الانتخابات، يتمثل في شكل مقاطعة سلبية/ فردية عن الاقتراع لا يتحول إلى فعل سياسي جماعي موجَّه إلى تقويض المؤسسات القائمة وتعويضها بمؤسسات تمثل حكم الشعب فعلا، وأملا طوباويا في إمكان سياسة أخرى إذا توفَّرت النزاهة والشفافية في العملية الانتخابية، وفي أسوأ الحالات المناداة بحل جميع الأحزاب والمؤسسات وترك الملك يحكم ما دام هو من يحتكر كل السلطات، لكن الملك محتاج دوما إلى واجهة مؤسساتية تتحمل وزر السياسات التي يقررها هو، ما يسمح باستمرار نفس آلية الحكم دون خدش.

معارضة برجوازية: استياء من احتكار المَلكية

أنتجَ هذا الوضع طيلة التاريخ السياسي الحديث للمغرب طيفا من المعارضة البرجوازية التي تعبِّر عن استياء أقسام من الرأسماليين الصغار والمتوسطين الذين تحرمهم المَلكية من فرص الاغتناء الاقتصادي الكبرى المحتكَرة من طرف المَلكية وبطانتها السياسية والعسكرية والأمنية. تتكون قيادات هذه المعارضات من مثقفين جامعيين ومحامينن مع قاعدة جماهيرية من صغار الموظفين ذوي الرواتب، خصوصا المدرٍّسين، وتمد تأثيرها إلى صفوف الطبقة العاملة، عبر سيطرتها على النقابات العمالية.

طالبت هذه المعارضات دوما بأن تكف المَلكية عن استغلال موقعها السياسي كحاكم لاحتكار فرص الاستثمار الكبرى وتطالب برأسمالية نقية؛ “رأسمالية التنافس الشريف” و”رأسمالية المنافسة الحرة”. وكي يتاح لها ذلك تركز مطالبها السياسية على إصلاحات دستورية تبلغ أقصاها مع مطلب “المَلكية البرلمانية” حيث الملك “يسود ولا يحكم”. وهكذا فإذا كان برنامج الأحزاب البرجوازية الموالية للمَلكية هو ذاته برنامج الملك، فإن برنامج المعارضات البرجوازية، هو برنامج ابن شقيق الملك، الأمير هشام، الذي فصله في كتابه المعنون بـ”سيرة أمير مبعد، المغرب لناظره قريب”. [2]

كان هذا، أي المَلكية البرلمانية، مطلبَ الحركة الوطنية البرجوازية منذ نشوئها، وورثه عنها حزب الاتحاد الاشتراكي الذي أسسه عبد الرحيم بوعبيد سنة 1975، وهو الآن المطلب الرئيسي للمعارضة البرجوازية الليبرالية التي تتدثر برداء يساري، وحتى اشتراكي: مثل الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي اللذان دخلا الانتخابات الحالية تحت لواء “تحالف اليسار”.

في بداية سنوات 2000، وبعد تجربة الاتحاد الاشتراكي تدبيرَ حكومة الواجهة، فقدَ هذا الحزب كليا قاعدته الجماهيرية وتلاشى تأثيره السياسي بعد إشرافه على تطبيق البرنامج البنيوليبرالي المملى من البنك وصندوق النقدي الدوليين وتحوله إلى كائن انتخابي مشوَّه يُلْحَق بالائتلافات الحكومية من كل الخلفيات، اكتسحت الحركة الإسلامية (حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان) الحياة السياسية، وورثت ما كان يشكل القاعدة الجماهيرية لذلك الحزب: صغار الموظفين ذوي الرواتب. وورثت عنه أيضا مطلبه الاقتصادي عن رأسمالية المنافسة الحرة ومحاربة الاحتكار والريع. وهو ما عبَّر عنه بصريحة العبارة الأمين العام الحالي لحزب العدالة والتنمية الإسلامي بقول: “الحاكم ليس تاجرا، ولا يجب أن يكون تاجرا. دور الحاكم هو أن يكون حارسا وحريصا على أن تكون التجارة نزيهة… ولا يكون فيها تدخُّل لذوي النفوذ”. إنه آدم سميث بلحية وسبحة.

تريد كل هذه المعارضات البرجوازية رأسماليةً من طينة أخرى، متغافلة على أن أساس الحكم السياسي للمَلكية هو الرأسمالية القائمة، وهي الرأسمالية الوحيدة الممكنة في عهد الإمبريالية وقسمة العمل الدولية المحددَّة من طرف هذه الإمبريالية، هذا دون الحديث طبعا على أن هذا النقد ذو الطابع الأخلاقي، لا يقدم بديلا اجتماعيا واقتصاديا عن الرأسمالية يستطيع أن يلف حوله مجمل الطبقات الشعبية، فالبرجوازية- حتى المعارضة منها للمَلكية- تتخوف من الشعب أكثر مما تستاء من المَلكية، لذلك تلخص كل سلوكها السياسي منذ الاستقلال في محاولة الوصول إلى توافق وتسوية مع القصر يتنازل بموجبها عن بعض صلاحياته ويتيح لجميع أقسام الرأسماليين إمكان التربح من فرص الاغتناء الاقتصادي الكبرى، لكن التسوية الوحيدة التي نتجت عن هذا الأمل الخيالي، هي التي تحدث عنها نجيب أقصبي (انظر أعلاه) وتمخض عنها بنيان سياسي/ مؤسساتي تختفي فيه سيطرة المَلكية السياسية والاقتصادية وراء وجهة مؤسساتية (حكومة وبرلمان) لا سلطة فعلية لها.

لا حزب عمالي مناهض للرأسمالية

في المغرب عمليا ليس هناك حزب عمالي مناهض للرأسمالية. ما هو موجود هو يسار مناهض للريع والاحتكار، أي يسار مطالب برأسمالية “غير طفيلية”، حسب تعبيرهم، رأسمالية تنمِّي قوى الإنتاج. حتى حزب يضم اسمه لفظ العمالي؛ أي “حزب النهج الديمقراطي العمالي”، يدخل ضمن هذا الطيف من اليسار المناهض للريع والاحتكار، ويعتمد نظرة مراحلية تجعل من الاشتراكية أفقا لسيرورة طويلة تمر بالضرورة عبر رأسمالية نقية تطوِّر قوى الإنتاج ومع جمهرة البروليتاريا، في استعادة للأطروحة المنشفية الكلاسيكية.

هذا ما يجعل من الطبقة العاملة فريسة أحزاب غير عمالية، قوى سياسية معبِّرة عن قوى طبقية أخرى؛ برجوازية وبرجوازية صغيرة. هكذا تتحول الطبقة العاملة إلى عدمٍ سياسي سواء في  لحظات الانتخابات أو خارجها. وتتشتت أصوات الطبقة العاملة على تلك الأحزاب البرجوازية والبرجوازية الصغيرة.

عندما كان ممثلٌ للعمل في البرلمان

الحالة الوحيدة الفريدة من نوعها هي حالة عبد الحق حيسان، الذي كان ممثلَ الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمجلس المستشارين (الغرفة الثانية للبرلمان) في الولاية البرلمانية 2015- 2021. وكانت هذه الفرادة راجعة إلى كونه قائدا نقابيا رغم انتمائه إلى حزب معارض من مواقع برجوازية ليبرالية (فيدرالية اليسار الديمقراطي).

أظهر عبد الحق حيسان غريزة عمالية معادية لأرباب العمل. فقد أدرك بتجربته أن المؤسسات المنتخَبة هي في آخر المطاف تحت هيمنة ممثلي الرأسمال، وصرح شارحا: “سيكون ممثلو أرباب العمل أكثرَ، هؤلاء الذين منحهم دستور 2011 فريقا من ثمانية أعضاء. كما نجح أرباب العمل في الانتخابات الجماعية وأكيد ستزداد نسبتهم في مجلس المستشارين. وأكيد سيدافعون عن مصالحهم في هذه المؤسسة التشريعية”. أما عن موقع ممثلي العمال في تلك المؤسسات فقد شرحها عبد الحق حيسان بصورة ساخرة: “بتجربتي الخاصة داخل المجلس كنت ألاحظ كيف أن من يتكلم باسم الطبقة العاملة في هذه المؤسسة يبدو وكأنه قادم من كوكب آخر”.

عندما حاولت الدولة في مارس 2023 تمرير إصلاح أنظمة التقاعد بشكل سري، واجهه حيسان مشهِّرا بما تُعدِّه الدولة من هجوم على الحق في التقاعد مطالبا بجعل النقاش عموميا. صرح عبد الحق حيسان قائلا: “لقد أكدت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل أن إصلاح التقاعد شأن مجتمعي يهم كل المغاربة، ولا يمكن التداول فيها في سرية… ونعرف كيف تشتغل الأحزاب وبعض النقابات، فكما سبق وقلت هناك نقابات تتفق مع الحكومة في الاشتغال بسرية، وهو ما أثار استغرابي كثيرا”. وكان قد حُكم عليه سنة 2019 بستة أشهر سجنا موقوفة التنفيذ وغرامة مالية بتهمة تسريب معطيات بشأن مداولات اللجنة النيابية لتقصي الحقائق حول الصندوق المغربي للتقاعد.

وقبل ذلك، في سنة 2017، انتفض عبد الحق حيسان، ضد حضور وفد صهيوني رسمي في المناظرة الدولية التي ينظمها مجلس المستشارين المغربي والجمعية البرلمانية للبحر الأبيض المتوسط بشراكة مع المنظمة العالمية للتجارة حول “تسهيل التجارة والاستثمارات في المنطقة المتوسطية وإفريقيا”، وصرخ في وجه وزير الدفاع الصهيوني آنذاك: “هذا الشخص مجرم حرب وعليه أن يرحل من هنا، نحن لم نقبله في البرلمان، والشعب المغربي يرفض حضوركم”.

طبعا ليس عبد الحق حيسان بممثل العمال “المثالي” الذي تستوجبه اللحظة، فكل ما صدر عنه كان بادرة شخصه بحكم أنه كان أقرب إلى القاعدة العمالية المناضلة، بينما حزبه فيدرالية اليسار الديمقراطي، لا يزال يطالب برأسمالية التنافس الشريف النقية من الاحتكار والريع. ولكن تجربة حيسان الفريدة من نوعها، تُظهر أي إمكان جبار يتيحه استعمال مؤسسات الواجهة بالمغرب إذا تمكَّن حزب عمالي من الظفر انتخابيا واستعمال تلك المؤسسات من أجل إنماء قوة الكفاح العمالي.

كل السلطة للمنتخَبين- ات

طيلة التاريخ السياسي الحديث تواجهت سلطة التعيين مع سلطة الانتخاب. وقد تمكَّنت المَلكية من ضمان نصرها عبر إعلاء شأن السلطات المعيَّنة من طرفها، ونزع أي إمكان لأن يمارس المنتخَبون أي سلطة فعلية وحقيقية.

تبدأ الديمقراطية الفعلية عندما تكون جميع السلطات في يد المنتخَبين- ات من طرف الشعب، وهو مطلب يتردد بين الفينة والأخرى في تصريحات الحزب المعارض (من موقع برجوازي) الحزب الاشتراكي الموحد، وكذلك الحزب المعارض (من موقع عمالي). لكن لأن الأول يشارك في انتخابات عبَّر دوما عن يأسه منها لأن المؤسسات المنتخَبة لا سلطة فعلية، والثاني يقاطع الانتخابات بنفس المبررات، فإن أي تنسيق فعلي من أجل النضال حول شعار “كل السلطة للمنتخَبين- ات”، يظل عالقا.

كما أن النقابات العمالية المقسَّمة أوصالها بين أحزاب غير عمالية، أحزاب برجوازية (ليبرالية وإسلامية) لا تتيح إمكان تدخل الطبقة العاملة كطبقة بمطالبها الخاصة، وضمنها مطالبها السياسية.

كما أن التركيز على الواجهة السياسية، دون الغوص في جذور الهيمنة الاقتصادية للمَكية، كونها القسم الحاكم من الطبقة البرجوازية، وليس قسما معزولا ومستقلا عنها، يجعل من الصعب كثيرا دمج المطالب السياسية (الديمقراطية السياسية) مع المطالب الاقتصادية والاجتماعية (الديمقراطية الاجتماعية)، بما يتيح ضغطا شعبيا فعليا ينزع من المَلكية ليس فقط سلطتها السياسية، بل أيضا أعمدتها سلطتها الاقتصادية، فاتحا بذلك الأفق الحقيقي والفعلي نحو مجتمع خالي من الاستغلال الاقتصادي والاضطهاد الطبقي والعسف السياسي.

=================

إحالات

[1]- نجيب أقصبي (أبريل 2024)، “الاقتصاد المغربي تحت سقف من زجاج، من البدايات إلى أزمة كوليد- 19″، ترجمة نور الدين سعودي، المجلة المغربية للعلوم السياسية والاجتماعية- عدد 36، سلا- المغرب، ص 255- 256.

[2]- مولاي هشام العلوي (2015)، “سيرة أمير مبعد، المغرب لناظره قريب”، ترجمة أحمد بن الصديق، دار الجديد، الطبعة الأولى، دار الحديد، لبنان.

شارك المقالة

اقرأ أيضا