الايكولوجيا، واستعمار ترامب الجديد، ونظرية غير دوغمائية للإمبريالية: مقابلة مع آنا كريستينا كارفالهايس

بلا حدود17 أغسطس، 2026

بقلم؛ آنا كريستينا كارفالهايس وفيديريكو فوينتيس

آنا كريستينا كارفالهايس مناضلة مؤسسة لحزب الاشتراكية والحرية البرازيلي (PSOL) وعضو في مكتب الأممية الرابعة التنفيذي. تدافع كارفالهايس، في هذه المقابلة مع فيديريكو فوينتيس لمجلة LINKS International Journal of Socialist Renewal، عن نظرية غير دوغمائية للإمبريالية، تدمج قضية الايكولوجيا، وتحلل منعطف ترامب العدواني نحو الاستعمار الجديد، وتعترف بالدور الإمبريالي وشبه الإمبريالي الذي تؤديه بعض “الاقتصادات متوسطة الحجم”.

  • استُخدم مصطلح «الإمبريالية» في القرن الماضي لتعريف أوضاع مختلفة، وأستعيض عنه أحيانًا بمفاهيم مثل «العولمة». فهل لا يزال مفهوم «الإمبريالية» راهنيا؟ وإذا كان الأمر كذلك، كيف تُعرّفينها؟

“الإمبريالية” مفهوم ماركسي، على الرغم من استعماله الشائع في وسائل الإعلام ومن قبل باحثين غير ماركسيين. تتوقف الإجابة على أسئلتك على المنظور الماركسي الذي تحلل منه، حيث توجد أشكال مختلفة من الماركسية. أنا أتبنى مقاربة ترفض العقائد الجامدة، والكلاسيكيات غير القابلة للمساس بها، والآباء الروحيين المُقدَّسين. فهكذا رؤى غير التاريخية تتعارض مع جوهر المادية التاريخية الماركسية. وبدون النظرية الماركسية، يستحيل، على سبيل المثال، فهم الجذور المادية والأيديولوجية لسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الداخلية والخارجية — حروبه، ورسومه الجمركية، وابتزازه لحلفائه السابقين.

لا تزال فكرة الإمبريالية صالحة ومفيدة للغاية اليوم، حتى وإن كانت قد اغتنت بالواقع والظواهر الجديدة في الـ110 سنوات التي انقضت منذ كتيب لينين الرائد حول هذا الموضوع. أنا من بين الذين يدافعون عن مفهوم الإمبريالية ويستوحونه، وهو المفهوم الذي صاغه وناقشه جيل عظيم من الماركسيين في مطلع القرن العشرين. لكنني أعتقد أيضًا أنه يجب علينا الاستفادة من تاريخ هذه السنوات التي تجاوزت المائة عام، ومن المساهمات المهمة المتعلقة بالظواهر الجديدة في الاقتصاد العالمي والجيوسياسة، لا سيما تلك التي قدمها مناضلون ومفكرون متحدرون مما يُسمى «الجنوب العالمي» — أي من البلدان والمناطق المستعمرة.

بنظر للماركسيين، لا يمكن لـ«الانتقال الهيمني»، المستمد من إيمانويل والرشتاين ومدرسة النظام العالمي لجيوفاني أريغي، ولا للعولمة — وهو مصطلح ذو جذور نيوليبرالية — أن يحل محل فكرة الهيمنة الاقتصادية والسياسية التي تمارسها مجموعة دول «مركزية» —تتميز بتصنيعها وأمولتها المبكرين — على غالبية الدول، المستغلة و المضطهدة بدرجات متفاوتة. إن عدم المساواة والاستغلال (استخراج القيمة) والاضطهاد السياسي جزءًا من جوهر الرأسمالية منذ ما يقرب من 150 عامًا. ومفهوم الامبريالية الماركسي تعريف منظومي ذو قيمة أكبر بكثير —أكثر دقة من الناحية النظرية لفهم الواقع وأكبر فائدة لنضال الشعوب المستغلة والمضطهدة — مقارنة بالنظريات التي أتيت على ذكرها.

هذا لا يعني عدم دمج النظريات الماركسية لإسهامات من مدارس فكرية أخرى. ففكرة «الانتقال الهيمني»، التي تحل فيها الدول الرأسمالية المركزية (الهيمنية) الرئيسية محل بعضها البعض (أولاً جنوة والبندقية، ثم هولندا وإنجلترا والولايات المتحدة، والآن الصين)، هي فكرة مثيرة للاهتمام. فهي تنقل فكرة أنطونيو غرامشي عن الهيمنة إلى الساحة الدولية وتسهم في فهم تاريخ الرأسمالية. علاوة على ذلك، كان أريغي رائدًا في إبراز أمر أصبح واضحًا اليوم؛ ألا وهو أن الصين كانت تصعد كقوة هيمنة جديدة محتملة في سنوات 1980 و1990. وقد عرض ذلك في كتابه الصادر عام 2007، آدم سميث في بكين. وبالمصطلحات الماركسية، كانت الصين آنذاك تهيئ بالفعل الظروف لتصبح إمبريالية جديدة — وهي سيرورة لا تزال جارية.

العولمة مصطلح صاغه أنصار النيوليبرالية لتمجيد المزايا المفترضة لاقتصاد عالمي تحت قيادتهم. ومع ذلك، حدثت ظاهرة جديدة في تلك الفترة. وقد شجع ذلك العديد من الماركسيين، بمن فيهم الاقتصادي الفرنسي فرانسوا شيسنيه والاقتصاديون البنيويون من أمريكا اللاتينية مثل ماريا دا كونسيكاو تافاريس، على أن يدرسوا من منظور مادي ما كان يحدث للرأسمالية في التسعينيات. وفي معرض تعامله مع هذا الواقع الجديد، وصف شيسنيه آليات العولمة المالية النيوليبرالية بأنها فترة جديدة من هيمنة أكبر للقطاع المالي. من جانبهم، سلطت تافاريس ومجموعتها في البرازيل الضوء على الآثار الجيوسياسية المضطهِدة لقوة الدولار الأمريكي، التي تضافرت مع التفوق العسكري الأمريكي لإعادة تأكيد قوة هذه الدولة في أعقاب أزمات السبعينيات.

  • غالبًا ما تحيل المناقشات حول الإمبريالية إلى كراسة لينين عن الإمبريالية. فهل لا تزال هذه الكراسة ذات صلة بالواقع اليوم؟ وما هي العناصر التي تجاوزتها التطورات اللاحقة؟

بالإضافة إلى كونها دقيقة للغاية ومفيدة سياسياً في عصره، تكمن ميزة توليفة لينين، قبل كل شيء، في أنها كشفت رؤية استراتيجية استثنائية طويلة الأمد. كان لينين ، بصفته ثورياً، قلقاً بشأن الحرب، التي كانت قد أودت بحياة مئات الآلاف في أوروبا عند كتابة الكراسة في عام 1916، ووبشأن كيف ينبغي لرد فعل الاشتراكيين على جانبي الخنادق أن يكون.

لا تزال معظم العناصر التي وصفها بالإمبريالية صالحة حتى اليوم:

  • الهيمنة المنظومية لتحالف بين رأس المال المصرفي ورأس المال الصناعي — رأس المال المالي؛
  • الميل المتزايد نحو تركيز رأس المال عبر تشكيل احتكارات أو احتكارات قلة — نهاية المنافسة الحرة؛
  • فجوة التطور الآخذة في الاتساع بين دول المركز ودول الأطراف؛
  • ميل الدول الصناعية، مدفوعة بحاجات رأس المال، إلى توسيع نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي على الدول الأخرى؛ و
  • تنافس القوى الإمبريالية والميل نحو الحرب.

تصف كل سمة من هذه السمات الأزمات الحالية وصفًا دقيقًا — باستثناء الأزمة الايكولوجية والمناخية التي تُعد استثناءً ملحوظًا.

لم يكن سهلا دائمًا الدفاع عن مفهوم الامبريالية اللينيني في الـ 110 سنة الأخيرة. فقد أجبرت تطورات جديدة الماركسيين على مناقشة الإمبريالية وتحولاتها. اتسمت حقبة الثلاثين عامًا التالية للحرب العالمية الثانية بهيمنة الولايات المتحدة الاقتصادية الكاملة (بتحالف مع أوروبا الغربية واليابان). وأدى ذلك إلى نقاشات حول ما إذا كانت تنافسات القوى الإمبريالية قد انتهت، حيث بات التنافس الأكبر مع الكتلة «الشيوعية». أدى التطور الصناعي الكبير في الخمسينيات والستينيات إلى دفع بعض الماركسيين في «العالم الأول» إلى التساؤل عما إذا كان رأس المال المالي لا يزال مهيمنًا — وهو ما ستدحضه العولمة المالية بنحو نهائي.

بشكل عام، أثبتت النظرية الماركسية للإمبريالية صحتها على المدى الطويل، وإن كانت، بالطبع، لا تخلو من أوجه قصور. تؤكد نظرية الماركسية عن الإمبريالية، التي طورها لاحقًا منظرو مدرسة التبعية في أمريكا اللاتينية والمفكرون المناهضون للاستعمار من أفريقيا وآسيا، وبحق، على التناقض بين المركز والأطراف. لكن الاعتراف بصعود اقتصادات الدول الوسيطة استغرق وقتًا طويلاً — ولا يزال البعض لا يعترف بذلك.

تعتمد هذه الاقتصادات الحكومية على القوى الإمبريالية المركزية، لكنها تضطهد جيرانها وشركاءها على المستوى الإقليمي. ليس ممكنا اعتبارها جزءًا من المركز، لكنها لم تعد مجرد أطراف. وتمثل البرازيل إحدى الحالات؛ وأستراليا، في رأيي، حالة أخرى. هذه المجموعة متباينة للغاية بسبب الاختلافات التاريخية والاجتماعية والديموغرافية، من بين أمور أخرى.

ثانيًا، وهذا أمر لا يقل أهمية، ثمة عدم إيلاء أي اهتمام للتأثيرات المفترسة للرأسمالية الصناعية على الطبيعة. في الواقع، لم تظهر الطبيعة في كتابات هؤلاء المفكرين. فهم لم يعمقوا النظر، على سبيل المثال، في توضيح الصلة بين الإمبريالية والتفاوتات من حيث الدمار البيئي الأكبر بكثير الذي لحق بالشعوب المستعمَرة.

  • سعى الماركسيون، في الآونة الأخيرة، إلى دمج الايكولوجيا والأزمة البيئية في مفهومهم للإمبريالية، على سبيل المثال باقتراح مفاهيم مثل «التبادل البيئي المتفاوت». ما مدى أهمية دمج الأزمة البيئية في فهمنا للإمبريالية؟ وكيف يمكننا القيام بذلك على أفضل وجه؟

يمثل هذا الدمج المتأخر ، بنظري، أهم إسهام في النظرية الماركسية منذ سبعينيات القرن الماضي. وهناك مجموعة متنامية من الأعمال حول هذا الموضوع، تطورت بالتوازي مع تزايد عدد الكوارث البيئية، وزيادة الوعي لدى شرائح واسعة من المجتمع، وتزايد الأدلة على أزمات المناخ والتنوع البيولوجي التي نواجهها. ومن بين المنظرين الماركسيين والمتأثرين بالماركسية الذين يساهمون في هذا النقاش المستمر: مايكل لوفي، وإيان أنجوس، وجيمس أوكونور، ودانيل بنسعيد، وجون بيلامي فوستر، وجيسون مور، وأرييل ساليه، وأندرياس مالم، وماريستيلا سفامبا، وكوهي سايتو. وقد أدى مناهضون للرأسمالية، مثل ناعومي كلاين، دوراً حاسماً في تعميم هذه المسألة.

كان دمج الايكولوجيا من قبل المنظرين الماركسيين والحركات الاجتماعية- ولا يزال- أمرًا أساسيًّا، لأن النضال ضد الرأسمالية مسألة تتعلق ببقاء البشرية. فهذا النظام يدمر الطبيعة. وإذا كان النظام الرأسمالي — الذي أدى إلى ظهور الاستعمار والإمبريالية — هو جوهر المشكلة، فإن آليات هيمنته لا تعمل سوى على مفاقمة الأزمات الحالية وتهدد بانهيار الكوكب.

التبادل الايكولوجي المتفاوت” آلية رأسمالية-إمبريالية. وهو يفسر لماذا يكون تدمير النظم البيئية والتنوع البيولوجي، فضلاً عن تلوث المياه والهواء، أكبر بكثير في البلدان التي تستغلها قوى المركز. يُنظر إلى هذه البلدان على أنها مصدرة للمنتجات الزراعية والماشية والمعادن والنفط، أو مواقع لتصريف الصناعات الملوثة التي لا يريد الإمبرياليون وجودها عندهم.

كما تخلق الرأسمالية ما يسميه الايكولوجيون «مناطق التضحية» في البلدان شبه المستعمرة غير المركزية: أراضٍ تفرض فيها الشركات الإمبريالية والحكومات مشاريع التعدين والنفط والغاز، ومزارع الأوكالبتوس لصناعة عجينة الورق (ومصانع العجينة)، وتقوم بتصريف نفاياتها فيها. ونحن نشهد ذلك الآن في بناء مراكز البيانات لشركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية.

كما تتجلى التفاوتات في ظل الإمبريالية في «العنصرية البيئية»، وهو مفهوم تستخدمه الحركات المناهضة للعنصرية في الجنوب العالمي لتفسير (ومحاربة) كون الأهداف الرئيسية للتلوث، والتسربات السامة، والضوضاء، والدمار هي الأراضي التي يميل السكان الأصليون، والشعوب المتحدرة من أصل أفريقي، والمجموعات العرقية المضطهدة، إلى العيش فيها. لحسن الحظ، تتناول الحركات واليسار هذه المسألة، وإن لم يكن بالوتيرة المطلوبة، لوضع حد للرأسمالية الإمبريالية في خضم أزمة المناخ.

  • بنت القوى الإمبريالية الأصلية ثروتها وقوتها العسكرية بالغزو الاستعماري ونهب المجتمعات ما قبل الرأسمالية. فهل ما زالت هي القوى الإمبريالية الوحيدة؟ أم أن بعض الدول- الأمم تحولت من إلى إمبريالية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الخصائص المحددة والأسس الاقتصادية التي مكنتها من الانضمام إلى نادي القوى الإمبريالية؟

هذا نقص آخر يشوب المقاربة اللينينية. ودفاعًا عن لينين وأقرانه، هم لم يروموا التنبؤ بالمستقبل. فلم يكن من المتوقع احتمال أن تفقد بعض القوى الإمبريالية نفوذها بينما تفرض امبرياليات جديدة نفسها على المستوى الإقليمي. والحال أن هذا بالضبط ما نشهد اليوم.

اليوم، فقدت الدول الأوروبية دورها الريادي، رغم أنها لا تزال إمبريالية. ولا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بهيمنتها داخل المجموعة «المركزية»، لكنها تشهد تراجعاً اقتصادياً وتفقد نفوذها السياسي. أما روسيا، في عهد الرئيس فلاديمير بوتين، فتُظهر الخصائص الجيوسياسية لقوة إمبريالية إقليمية. وتسعى الصين للانضمام إلى «نادي» الأقوى. فالصين لا تريد فقط حصتها في إعادة تقسيم مناطق النفوذ، بل تتنافس مباشرة مع القوة المهيمنة على السيادة الاقتصادية والتكنولوجية والجيوسياسية.

ليس النظام الرأسمالي-الإمبريالي العالمي ثابتًا، بل ديناميا؛ فهو في حالة تحول مستمر. صعود الصين وتأكيد بوتين للإمبريالية الروسية العظمى — إلى جانب وجود دول شبه إمبريالية —نتيجة لظروف عالمية ووطنية.

ومن المثير للاهتمام أن كلًا من روسيا والصين — اللتين يمكن اعتبارهما شكلين جديدين من الإمبريالية — كانتا وريثتين لثورات عمالية وشعبية. وقد أتاح ذلك تحقيق تنمية اقتصادية كبيرة في الاتحاد السوفيتي السابق في القرن العشرين، و، في حالة الصين، تراكمًا «ما قبل رأسمالي» كبيرًا بعد ثورة ماو. وقد مهد ذلك طريق قفزتها الرأسمالية اللاحقة التي بدأت في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، وكانت مرتبطة بالإمبريالية الغربية.

  • في ضوء التغيرات الحاصلة في القرن الماضي، ما الوزن النسبي لآليات الاستغلال الإمبريالي اليوم مقارنةً بالماضي؟

إذا كنت تقصد بـ«الماضي» حقبة ما قبل الحرب العالمية الثانية، والثورة الصينية (1949)، واستقلال الهند وتقسيمها (1947)، وحركات التحرر من الاستعمار في أنحاء أفريقيا وجنوب شرق آسيا في الخمسينيات والستينيات، فجلي أن آليات الاستغلال والاضطهاد السياسي إما قد تغيرت أو تم صقلها بشكل كبير. لكن، كما هو الحال في رواية لامبيدوزا النمر، فقد تغيرت هذه الآليات لضمان أن «يظل كل شيء على حاله». لا تزال بلدان المركز تستولي على جزء كبير من القيمة التي تخلقها البلدان الطرفية.

لم يتبق سوى عدد قليل من المستعمرات المباشرة: بورتوريكو مستعمرة تابعة للولايات المتحدة؛ وتحتفظ فرنسا وإنجلترا وهولندا ببعض المستعمرات في الخارج، بما في ذلك في أوقيانوسيا. لكن الاستعمار المباشر لم يعد الآلية الرئيسية للاستيلاء على القيمة. وبدلاً من ذلك، فإن الآليات الرئيسية هي:

  1. قسمة العمل الدولية، التي تحكم على البلدان التابعة بدور «دائم» كمصدر للمواد الخام (بشكل أساسي الزراعة والمعادن) لصالح البلدان الصناعية المركزية؛
  2. استغلال العمالة المفرط في البلدان التابعة أو شبه المستعمرة، والذي لا يعود بالنفع إلا على المشترين؛
  3. تدفق الأرباح إلى الاحتكارات أو احتكارات القلة في مجالات الصناعة والخدمات والتكنولوجيا التي تتخذ من البلدان الإمبريالية مقراً لها، على الرغم من أنها تعمل في بلدان الأطراف، حيث تدمر الشركات الصغيرة وتعيق تنمية المنشآت المحلية؛
  4. ديون البلدان الطرفية للحكومات الإمبريالية ومؤسسات الإقراض الدولية مثل البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، فضلاً عن بنوك التنمية التي يديرها الاتحاد الأوروبي واليابان وغيرها.

إلا أن الفرق الرئيس بين إمبريالية العصر النيوليبرالي — إلى جانب تقويض المكاسب الاجتماعية وسيادة الدول الاقتصادية والمالية— وتلك التي سادت في الحقبة السابقة يكمن في ميزان القوى. ففي العصر النيوليبرالي، توسع الاستغلال الإمبريالي وأصبح أشد تعقيدًا مع استئناف الإمبريالية لهجومها الذي خسرته في الحقبة السابقة المطبوعة بالثورات الكبرى والتحرر الوطني.

واليوم، سعى إمبريالية ترامب المتطرفة ، التي تدعم إبادة جماعية في القرن الحادي والعشرين ضد الفلسطينيين في غزة، إلى إعادة تأسيس الآلية الاستعمارية القديمة المتمثلة في الاستيلاء على الثروة بالنهب والغزو والسلب والسيطرة المباشرة على البلدان (كما الحال مع فنزويلا منذ 3 يناير). ويجسد التدخل السياسي السافر من جانب ترامب وأعوانه في الانتخابات التي جرت في هندوراس والأرجنتين وكولومبيا، والآن في البرازيل، الموقف الذي «تم تنظيره» في استراتيجية الأمن القومي للبيت الأبيض، والتي تحدد مكانة الولايات المتحدة باعتبارها سيدة «نصف الكرة الغربي» (الأمريكتان بالإضافة إلى غرينلاند).

  • بعد الحرب الباردة، بدت الإمبريالية الأمريكية مهيمنة على السياسة العالمية. لكنها اليوم في تراجع واضح. ما العوامل التي تفسر ذلك؟

كانت الولايات المتحدة، بما هي القوة الإمبريالية المهيمنة، المحرك الرئيس (إلى جانب بريطانيا والقوى الإمبريالية الأوروبية الأخرى) للتغييرات النيوليبرالية التي حدثت في كل من الحوكمة العالمية وفي معظم الدول بين عامي 1990 و2007. ابتكرت النخبة الرأسمالية العالمية — التي تمثل غالبية الفصائل البرجوازية الإمبريالية — نظام التراكم الرأسمالي النيوليبرالي حلاً لاستعادة معدلات الربح والتراكم، التي كانت في تراجع منذ سبعينيات القرن الماضي.

وقد أسهمت هزيمة الاتحاد السوفيتي وأنظمة أوروبا الشرقية في تسهيل ظهور النيوليبرالية، ما أدى إلى أزمة سياسية-أيديولوجية هائلة بين الشغيلة. كما ساعد على ذلك موافقة الصين على المشاركة في إعادة البناء الاقتصادية النيوليبرالية هذه. فقد كانت عودة الصين إلى الرأسمالية — التي بدأت في الثمانينيات لكنها استندت إلى التراكم «ما قبل الرأسمالي» الذي أتاحته ثورة عام 1949 — عنصراً أساسياً في العولمة النيوليبرالية.

كان صعود الصين و«إعادة إضفاء طابع إمبريالي» على روسيا نتيجة للتناقضات الكامنة في المشروع النيوليبرالي. وعلى الرغم من نجاحات النيوليبرالية — انتشارها عبر الغرب وأجزاء من الشرق، وفرضها على الحكومات من جميع الأطياف، بما في ذلك الاشتراكيين الديمقراطيين والتقدميين — فقد فتحت أيضًا الباب أمام التصنيع السريع للصين وشرق آسيا (اقتصادات «النمور») بتصدير خطوط إنتاج إلى الشرق. وهلل القادة الأمريكيون والأوروبيون بالنصر بعد سقوط الأنظمة البيروقراطية في روسيا وأوروبا الشرقية، ووضعوا خططًا واستراتيجيات تجارية لـ«الحكومات الصديقة» في آسيا الوسطى. لكنهم استخفوا بالتاريخ ورغبة أوليغارشية الكرملين الجديدة في الانتقام، والتي لم تنبثق من البلشفية بل من الإمبريالية الروسية الكبرى.

 وبالعكس، شهدت الولايات المتحدة تراجعًا كبيرًا في التصنيع، وفقدت قوتها ونفوذها الاقتصاديين — وهو اتجاه تفاقم منذ أزمة 2007–2008 على الرغم من احتفاظها بالسيطرة على العملة العالمية (الدولار الأمريكي) والمعاملات المالية العالمية. وقد أفلت أحد قطاعات الأعمال الأمريكية من هذا التراجع، إنه قطاع تكنولوجيا المعلومات (IT، وادي السيليكون)، ولا سيما شركات الذكاء الاصطناعي. ويسعى الأوليغارشيون الجدد في شركات التكنولوجيا الكبرى وشركات التكنولوجيا المالية ومستثمرو العملات المشفرة إلى التصدي لتقدم الصين.

  • كيف تقيمون سياسة ترامب الخارجية في هذا السياق؟ هل تمثل تحولاً جذرياً في الدور الذي تسعى الإمبريالية الأمريكية إلى أدائه على الصعيد العالمي؟

يؤكد فرانسيسكو لوسا وديوغو ماتشادو على أنه حتى قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض في عام 2025، كانت هناك تحولات كبرى جارية في نمط التراكم الرأسمالي منذ الأزمة الكبرى في 2007–2008 وما أعقبها من ركود. وقد ساعدت هذه التحولات، التي تؤثر على الحياة اليومية عبر الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي والعمل القائم على المنصات والرقمنة الجماعية، في تهيئة أرضية خصبة لازدهار الحركات اليمينية المتطرفة النيوفاشية في جميع أنحاء العالم.

لايمثل التحالف النيوفاشي في البيت الأبيض  مجرد«تغيير للوجهة». تحكم إدارة ترامب لصالح شركات التكنولوجيا الكبرى، وشركات الذكاء الاصطناعي، وشركات التكنولوجيا المالية، ومديري الأصول، ومستثمري العملات المشفرة. من وجهة نظر سياسية-اقتصادية، فقد تغيرت الكتلة الحاكمة في البيت الأبيض — أي الفصائل البرجوازية الأمريكية في الحكومة — حتى مقارنةً بولاية ترامب الأولى. وتجدر في هذا الصدد قراءة مقال جون بيلامي فوستر بعنوان «الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة ونظام ترامب». تدعم الأوليغارشيات الجديدة — أو المليارديرات الجدد — الجناح الأكثر وقاحة وعنفاً وابتزازاً من بين أنصار التفوق العرقي في «مشروع 2025» الخاص بترامب وتحالفه المتطرف.

تعبر إدارة ترامب، على صعيد محلي وعلى الساحة العالمية على السواء، عن نوع من اليأس لدى قطاعات من رأس المال الإمبريالي المهيمن لوقف التراجع النسبي للولايات المتحدة. يساند هؤلاء الرأسماليين، بوجه صعود الصين، ونفوذ روسيا واستقلاليتها غير المقيدين، والوضع غير المسبوق بالمثل في أمريكا اللاتينية وأفريقيا (حيث ارتفعت الاستثمارات الصينية بشكل كبير)، التحول الاستعماري الجديد العدواني لترامب. كما يرتبط هذا التحول، مع انخفاض معدلات التراكم وظهور منافس صاعد، ارتباطًا وثيقًا بالجهود الرامية إلى جعل النظام السياسي الأمريكي أكثر استبدادًا.

هذه التغييرات كبيرة ونوعية، لكنني لن أصفها بأنها «جذرية» — على الأقل في الوقت الراهن. يتيح تجنب فكرة خاطئة مؤداها أن ترامب يمثل شكلاً «آخر» أو «جديداً» من أشكال الإمبريالية. إنها بالأحرى الإمبريالية الرأسمالية خلف قناع «جديد». وهي في الواقع قديمة الطابع إلى حد كبير، تشبه نوعاً من إمبريالية القرن التاسع عشر في عصر المنصات ووسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي.

يعلن مفكر ماركسي ما، من حين لآخر، ظهور رأسمالية جديدة أو إمبريالية جديدة، كما فعل ديفيد هارفي في عام 2005 في أعقاب الحرب الأمريكية على العراق. وقد قدم الجغرافي البريطاني مساهمة مهمة بالتحذير من «التراكم بواسطة المصادرة» — وهو مفهوم صاغته لأول مرة روزا لوكسمبورغ. ومع ذلك، فإن التعريفات المتسرعة، مثل «الإمبريالية الجديدة»، قد تساعد في بيع الكتب واكتساب شهرة في الأوساط الأكاديمية، لكنها لا تفيد النضال كثيرًا.

  • كيف ينبغي فهم تنافس الولايات المتحدة والصين المتزايد، بالنظر إلى أن الاقتصادين أكثر اندماجا من أي وقت مضى، وأن الولايات المتحدة لا تزال تحظى بميزة عسكرية كبيرة؟

هذا هو التناقض الرئيس في برنامج ترامب وأفعاله: منع الصين من تحدي السيطرة الاحتكارية للولايات المتحدة على نادي الدول الإمبريالية — أي منع الصين من أن تحل محل الولايات المتحدة — دون قطع العلاقات الاقتصادية تمامًا مع «التنين الآسيوي». يُشعل ترامب نار التنافس الاقتصادي والجيوسياسي الشرس بواسطة الرسوم الجمركية، والتدابير الموجهة ضد الرقائق الإلكترونية الصينية وتطبيق «تيك توك»، فضلاً عن مضاربات وتدخلات في النزاعات حول بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان. ومع ذلك، تشير أجزاء من خطاب ترامب وممارساته إلى أنه يريد حوارًا مع الصين (وروسيا) حول إعادة ترسيم مناطق النفوذ بالتوافق.

إن للإمبريالية الأمريكية مصلحة أساسية في «احتواء» الصين ومنع تزايد نفوذ  منافستها وقوتها العسكرية. لكنها ليست، لبلوغ ذلك، في نفس الموقف ولا تواجه نفس الظروف التي كانت عليها في القرن العشرين. أما عن الهيمنة العسكرية، فلا شك في أن الولايات المتحدة تظل أقوى قوة في التاريخ؛ ومع ذلك، أظهرت الحرب في إيران أنها ليست منيعة.

  • ما رأيك في مفهوم التعددية القطبية، الذي يدافع عنه البعض في اليسار؟ هل يمكن اليوم الحفاظ على موقف حياد أو عدم انحياز إزاء الكتل أو الأقطاب الإمبريالية (أو القوى العظمى)، دون التخلي عن التضامن مع النضالات الدائرة في أماكن أخرى؟

تحظى المدارس الفكرية غير الماركسية بنفوذ قوي في مجالات العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي. تنبع مصطلحات مثل «القوى» و«الأقطاب» و«القوة المهيمنة» و«الأحادية القطبية» و«التعددية القطبية» من نظريتين غير ماركسيتين سائدتين للنظام العالمي بين الدول: الواقعيون (الداعون إلى السياسة الواقعية والغلبة الحتمية لبعض الدول على غيرها) والمؤسسيون (الداعون إلى «التعاون الدولي» والسعي إلى تعايش المستغِلين والمستغَلين السلمي).

التعددية القطبية مفهوم خاص بالمدرسة المؤسسية. وهو يصف حالة يكون فيها للنظام الدولي أقطاب قوة متعددة. ويُنظر إلى هذا الأمر بشكل إيجابي، مقارنة بنقيضه، وهو الأحادية القطبية، حيث لا يوجد سوى قطب واحد (إمبريالية واحدة).

تُغفل هذه المدارس الشعوب والشغيلة في تلك البلدان، والاستغلال والاضطهاد القوميين يد القوى العظمى، وكذا النضالات التحررية. فعلة وجودها إدامة النظام، لا تغييره. (وللإنصاف، يجب أن أقول إن معظم المحللين الدوليين — سواء الواقعيين أو المؤسسيين، بمن فيهم العديد من المستشارين السابقين في البيت الأبيض والبنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية — مستاؤون من سياسة ترامب الخارجية).

يبحث معظم اليسار  بالمعنى الواسع في «الجنوب العالمي»، بعد أن انقطعت صلاته بالكتلة السوفيتية وتعرض للاضطهاد على يد الإمبريالية الأمريكية، إلى إيجاد ملاذ خادع في صعود منافسي الولايات المتحدة وأوروبا — أي روسيا والصين. وبما أن كلاهما مستقلان تمامًا عن واشنطن، وبذلك المعنى، هما خصمان للقوة المهيمنة، ترحب قطاعات اليسار هذه بـ”التعددية القطبية”.

لكنها، في الواقع العملي، تقف ببساطة إلى جانب خصوم «عدوها الرئيسي»، دون مراعاة طبيعة اقتصادات روسيا والصين وأنظمتهما السياسية. كما أنها لا تأخذ في الحسبان مصالح الشغيلة والشعبين الروسي والصيني. هذا الموقف هو إنكار لمبدأ التضامن الأممي مع المضطهدين. فالأمميون ليسوا محايدين — نحن نقف إلى جانب الشعوب والشغيلة.

  • شهدنا، على الصعيد الإقليمي، غزو روسيا لأوكرانيا، ودولًا مثل تركيا والمملكة العربية السعودية وهي تبسط قوتها العسكرية خارج حدودها. كيف ينبغي فهم هذه الديناميات الإقليمية في إطار الرأسمالية العالمية؟ يُستخدم مصطلح «الامبريالية الفرعية» أحيانًا لوصف مثل هذه الدول. هل هذا مصطلح مفيد؟

الامبريالية الفرعية حقيقة واقعة، وهي ليست مجرد مفهوم مفيد بل لا غنى عنه. علاوة على ذلك، فهي ليست شيئًا جديدًا. بدأ النقاش حول الاقتصادات والبلدان «المتوسطة» في ستينيات القرن الماضي. أشار إرنست ماندل إلى تلك البلدان باعتبارها بلدانًا متأخرة في التصنيع. ووصفها والرشتاين بأنها “شبه طرفية”.

وقد تم تطوير مفهوم الإمبريالية الفرعية على يد منظري التبعية الماركسيين في أمريكا اللاتينية، وتحديدًا البنيويين اليساريين في اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (CEPALC)، وبشكل أكثر تحديدًا، روي ماورو ماريني. درس هذا الأخير، في سياق التغيرات الحاصلة في قسمة العمل الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، ظاهرة الدول «الوسطى» التابعة التي تجمع بين السمات التالية:

  1. درجة من فرط استغلال العمالة وعدم المساواة، ما يحدّ من تحقيق القيمة داخل الحدود الوطنية؛
  2. تحويل جزء كبير من إنتاجها الصناعي نحو الصادرات بسبب القيد المذكور أعلاه؛
  3. استخراج الأرباح من البلدان الأكثر ضعفاً في منطقتها وممارسة النفوذ الجيوسياسي عليها؛ و
  4. تحويل مستمر للثروة والتبعية السياسية لقوة إمبريالية مهيمنة.

اعتبر ماريني أن البرازيل والمكسيك والأرجنتين كانت إمبرياليات فرعية في ذلك الوقت.

ومع ظهور قوى إمبريالية فرعية أخرى على مدى الأربعين عامًا الماضية، مثل جنوب أفريقيا، أصبح المصطلح يُستخدم الآن بطريقة واسعة وغير دقيقة. لكي يُعتبر بلد ما إمبريالية فرعية، يجب أن يكون تابعًا لقوة إمبريالية. وهذا لا ينطبق على روسيا، على سبيل المثال، فضلا عن الصين، التي لا يمكن حتى وصفها اليوم بأنها اقتصاد متوسط الحجم. إن وصف مجموعة بريكس (BRICS) بأنها كتلة من القوى الإمبريالية الفرعية، كما يفعل البعض، هو وصف خاطئ. البرازيل والهند وجنوب أفريقيا هي دول إمبريالية فرعية — شأنها شأن تركيا، التي تقع خارج هذه المجموعة — لكن مجموعة بريكس ككل ليست كذلك.

  • هل ترى إمكانات لبناء جسور بين النضالات المناهضة للإمبريالية على نطاق دولي، بالنظر إلى أن بعض النضالات تسعى للحصول على دعم من قوى متنافسة؟ كيف ينبغي أن تبدو النزعة الأممية المناهضة للإمبريالية وللرأسمالية في القرن الحادي والعشرين؟

يتمثل النهج الاستراتيجي المثالي في بناء حركات مناهضة للإمبريالية وللفاشية وللرأسمالية ضد جميع أشكال الإمبريالية. يجب على الحركات التي ترفع أصواتها ضد الحروب، والرسوم الجمركية، والتدخلات، والغزوات التي تشنها الولايات المتحدة، أن تفعل الشيء ذاته ضد غزو روسيا لأوكرانيا. نحن بحاجة إلى نزعة أممية تتحالف مع الشعوب والعمال الصينيين في القارة وتايوان على السواء. من يتصور النضال بهذه الطريقة يجب أن يكون جزءًا من كل هذه الحركات.

لكن يجب أن ندرك أن توحيدها جميعًا مهمة صعبة، نظرًا لقوة الأفكار «الاصطفافية» في اليسار التي ترى في روسيا والصين دولتين حليفتين. ماذا علينا أن نفعل في مواجهة هذه الصعوبات؟ من ناحية، يجب أن نكوّن أي تحالفات تكتيكية ممكنة (جبهات موحدة) وأن نشارك في أي مبادرات واسعة ومحددة ضد الولايات المتحدة. ومن ناحية أخرى، يجب أن نفعل الشيء نفسه ضد روسيا بسبب حربها على أوكرانيا.

يجب أن نفعل كلا الأمرين مع الحفاظ على استقلالنا السياسي وشن حملة دعائية قوية لفضح طبيعة نظام بوتين الإمبريالية والاستبدادية. ليس من الحكمة و لا من المفيد، في الأوقات العصيبة هذه، أن نبقى معزولين باشتراط تبني الآخرين لموقفنا قبل المشاركة في الوحدة المناهضة للفاشية والإمبريالية التي نحتاجها اليوم.


المصدر: https://links.org.au/ecology-trumps-new-colonialism-and-non-dogmatic-theory-imperialism-interview-ana-cristina

مراجعة الترجمة الآلية: جريدة المناضل-ة

شارك المقالة

اقرأ أيضا