النزعة الاستعمارية الجديدة وأزمة الحركات المقاومة
بقلم؛ راؤول زيبيشي Raúl Zibechi
عندما تتيح القوة العسكرية لقوة عظمى حكم أراضٍ وأمم أخرى، بشكل مباشر أو مداور، والاستيلاء على الموارد الرئيسة، وتجريد شعوب بأكملها من ثرواتها، نكون إزاء علاقة استعمارية غير متكافئة بنحو عميق، يمكننا وصفها بالإخضاع. هذا نوع الروابط التي تفرضها الولايات المتحدة حيثما أمكنها ذلك، لتقوية اقتصادها، واحتواء الصين، وضمان الهيمنة على العالم الغربي.
ما تفعله منذ 3 يناير، عندما غزت فنزويلا واختطفت الرئيس وشريكته، هو إعلان نوايا بحد ذاته، وبرنامج حقيقي ينذر بتدخلات جديدة. ما حققته أمر مهول: السيطرة على حصة أغلبية في سبعة عشر حقلًا نفطيًّا فنزويليًّا تضم 65 مليار برميل من الاحتياطيات المؤكدة، أي حوالي 22% من إجمالي الاحتياطيات. ورغم وجود روايات متعددة، يتعلق الأمر باتفاق مدته 25 عامًا (وفقًا لترامب، لمدة مائة عام).
يجري الحديث عن 100 مليار دولار من الاستثمارات وحوالي 209 مليار دولار من الإتاوات والضرائب للدولة الفنزويلية في 25 سنة الأولى، من خلال تطوير سبعة عشر حقلًا نفطيًا استراتيجيًّا بهدف إنتاج يزيد عن 1,5 مليون برميل يوميًّا. ثمة تباينات حتى في مدة سريان الاتفاق، لأن الغموض هو السائد، كما هو حال كل علاقة استعمارية غير متكافئة لا يضطر فيها الطرف المهيمن إلى الادلاء بتفسيرات. ولم يتم حتى توقيع أي عقد بعد.
سيجري تنفيذ الاتفاق بواسطة شركة «نورث أمريكان بلو إنيرجي بارتنرز» (Nabep)، وهي الشركة التجارية التي حصلت على حقوق استغلال الآبار. تمتلك حكومة الولايات المتحدة حصة أسهم بنسبة 35% في الشركة الأم لـ Nabep، عبر مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الدفاع، وحصة مضمونة بنسبة 20% من الإنتاج بسعر التكلفة لصالح وزارة الخارجية، بالإضافة إلى حق الشراء الأول على الـ 80% المتبقية («إل بايس»، 3 سبتمبر 2026).
من غير القابل للتصديق أن تقول الرئيسة ديلسي رودريغيز إن «فنزويلا تحتفظ بملكية مواردها وسيادتها عليها». والأمر الأكثر مدعاة لعدم التصديق أنه بينما ابدى البعض موقفا لفظيا قويا مناهضا للإمبريالية، بعد فترة وجيزة من اختطاف مادورو، وافقت الجمعية الوطنية، التي يسيطر عليها أنصار التشافيزية، بالإجماع على تعديل القانون الأساسي للهيدروكربونات، الذي يسمح بدخول رأس المال الأجنبي إلى فنزويلا.
التغيير مفاجئ لدرجة أن الحيرة تستبد بمعظم اليسار القاري. وهذا مفعول سعى إليه البيت الأبيض والبنتاغون بنشاط وتمنياه على نطاق واسع، لأن الفوضى والارتباك هما أفضل وسيلة لتعزيز مصالحهما. ويشتد الارتباك بقدر ما أن التشافيزية والمعارضة، شأنهما شأن جزء كبير من الفنزويليين، منقسمين، دون بلوغ قراءة صحيحة للوضع. يدعم الحزب الاشتراكي الموحد الحاكم الرئيسة، وقد قام ديوسدادو كابيلو، زعيمه الأعلى، الذي وعد في ديسمبر 2025 بعدم إرسال «ولا قطرة واحدة» من النفط إلى الولايات المتحدة، بانعطافة يصعب تفسيرها، حيث أصبح الآن يدعم العلاقة الجديدة القائمة على التبعية لواشنطن.
لا يزال هناك الكثير من الأشخاص النزهاء الذين يؤكدون أن التشافيزية الحاكمة «تناور» في مواجهة وضع صعب، مع الحفاظ على قيمها سليمةً، بينما يعتبرها قسم آخر من اليسار الإقليمي «خائنة» بكل بساطة. ومع ذلك، لا أعرف أي تقييم متزن يسمح بفهم ما يحدث، بدون صفات مبالغ فيها وبحجج منطقية. أقترح أدناه عدة نقاط يجب أخذها في الاعتبار.
أولها أن البنتاغون شن هجوماً عسكرياً بالغ العنف، بمساعدة متواطئين من الداخل، ما يُظهر تفاوتاً مذهلاً في القدرات التدميرية وقدرات العمل المباشر على الأرض. وقد يفسر هذا تراجع بعض الأشخاص، لكنه لا يكفي لفهم سبب انضمامهم إلى المعسكر المنتصر. المقاومة لها ثمن باهظ، لكن كل الدلائل كانت تشير إلى أن التشافيزية مستعدة للصمود لأن الأمر، كما نتذكر، كان وفقًا لعباراتها، يتعلق بــ”ثورة”.
ثانيًا، لا يمكن أن تكون المشكلة قد بدأت في 3 يناير 2026. لا أحد يتغير إلى هذا الحد في غضون 24 ساعة. لذلك، لا بد من تتبع ما كانت تفع به القيادة التشافيزية منذ سنوات، وكل الدلائل تشير إلى أنها مارست قمعًا شديدًا على شعبها، وأن كوادرها الرئيسة كانت تعيش في بحبوحة، بلا شك نتيجة لفساد واسع النطاق ومسموح به. وقد كُتِبَ الكثير عن هذا الأمر في السنوات الذهبية لـ«الثورة البوليفارية»، لكن لا يمكن إخفاء حقيقة أن غالبية اليساريين كانوا ينكرون ذلك.
أما النقطة الثالثة فتتمثل في الدروس الهائلة التي يخلفها لنا هذا الحدث. وأهمها التأكيد على أن مخططات الإمبراطورية في مرحلة افولها تدفعها إلى حرب لا نهاية لها ضد شعوب «الجنوب العالمي» وبلدانه. وإن شدة حرب الإبادة هذه بادية بجلاء في غزة والضفة الغربية، وكذلك في إيران وكوبا، وليس ثمة ما يشير إلى أنها ستنتهي. أصبح من المألوف بين المحللين الحديث عن الأسلحة النووية التكتيكية، الممكن استخدامها ضد الشعب الإيراني، وربما، من يدري، ضد الذين يقاومون الإمبراطورية.
لكن هذا يعلمنا أيضا الاستماع بحذر إلى القادة، لا أن نتبعهم دون روية. وعلى وجه الخصوص، تكتسب الحاجة إلى التمييز بين الشعوب والحكومات أهمية خاصة. فالأولى تستحق تضامننا غير المشروط. أما الثانية فتتخذ بسهولة طابعاً قمعياً، لا سيما في هذه الأوقات العصيبة. وحالة إيران واضحة جداً: إن دعم الشعب الإيراني الذي يعاني لا يعني تأييد نظام ثيوقراطي ارتكب جرائم وانتهاكات.
نحن بحاجة إلى نقاش المسألة ودراستها بجدية، لأننا في أوقات الارتباك مثل التي نجتاز راهنا لن نتقدم بعيدا بتكرار الشعارات القديمة. على الأقل في هذه القارة، نرى أزمات في المنظمات الشعبية وارتباكًا بين مناضليها.
المصدر: https://vientosur.info/nuevo-colonialismo-y-crisis-en-las-resistencias/
ترجمة جريدة المناضل-ة
اقرأ أيضا

