برلمان الكلام

سياسة27 أكتوبر، 2026

بقلم؛ سعيد الريشة

تبدو جلسات مجلس النواب، الناتج عن انتخابات 23 سبتمبر 2026 التشريعية، وكأنها استمرار للحملة الانتخابية والتنافس على من هو أقل الأحزاب تمثيلا للأمة وأكثرها ولاء للمَلكية؛ كل حزب يكيل للآخر اللكمات واتهامات بالفساد والاتجار في المخدرات… إلخ. جلساتٌ للسجال بين ممثلي الأحزاب السياسية التي لا خلاف جوهري بينها، أكثر منها جلسات لممثلي- ات الأمة المنتخَبين- ات لممارسة السلطة التشريعية والرقابية على السلطة التنفيذية. هذا الدور الأخير لا يوجد إلا في أذهان من يؤمنون فعلا بأن للبرلمان سلطة تشريعية.

لا ينطبق هذا على المغرب فقط، حيث الاستبداد يستأثر بكل السلط (التشريعية والتنفيذية)، بل بكل دول العالم. فمنذ أن أصبحت الطبقة العاملة قوة سياسية لها تنظيماتها الحزبية والنقابية، ومنذ أن اكتسبت الطبقة العاملة (وعموم الجماهير) بالنضال حقَّ التصويت السري والمباشر، انتقل مركز ثقل التشريع من المؤسسات المنتخَبة إلى المؤسسات غير المنتخَبة، وأصبحت السلطة التنفيذية والبيروقراطية هي التي تتحكم في الخيارات الكبرى وتشريعها. لذلك فإن قول رئيسة حكومة الواجهة فاطمة الزهراء المنصوري: “هذه القبة أنشأها المشرِّع، ونظَّر لها مونتيسكيو، عند حديثه عن فصل السلط، كي تمارس الرقابة ونقاش مستقبل أولادنا ومستقبل الوطن…”، إنما ينتمي إلى غابر الأزمان. تحول بذلك البرلمان إلى ساحة للكلام والخطابة، وانتهى عهد البرلمانية تاريخيا، وإن استمرت أوهام إمكان استعمالها من أجل إحداث تغيير في حياة الناس، أوهام تكرسها الإصلاحية بكل تلاوينها. ولكن في الحقيقة يُدرك أعتى الإصلاحيين أن البرلمان لا سلطة فعلية له.

في جلسة من جلسات أول برلمان في تاريخ المغرب (صيف 1964)، اعترض علال الفاسي على ملتمس لتحديد مدة التدخل في ربع ساعة متسائلا عن دواعي “وضع محددات قانونية لمنع النواب من حقهم في الكلام! وما هي وظيفة البرلماني غير أن نتكلم بحرية ونستغرق الوقت الذي نحتاجه؟”. علَّق عبد الواحد الراضي على ذلك قائلا: “والحق أن الزعيم علال ما كان ليتدخل أقل من ساعة ونصف، ولكن طريقته في الحديث وأسلوبه الخطابي كانا يعجباني شخصيا. وأيضا البلاغة في الكلام والتعبير عن الأفكار التي كان يتميز بها المرحوم عبد الخالق الطريس وإخوة آخرون داخل مجلس النواب” [1]. وفي نفس الجلسة التي تحدثت فيه فاطمة المنصوري عن دور مجلس النواب “الرقابي والتشريعي”، أفصح رئيس المجلس عن دوره الفعلي والحقيقي: “هذه القاعة لم تنشأ إلا لكي نتكلم، معارضة وأغلبية”.

استمر هذا الدور طيلة التاريخ السياسي للبلد. فالبرلمان واجهة مؤسساتية تخفي سلطة الفرد؛ المؤسسة الملكية التي تشكل الحاكم الفعلي للبلد. بينما أصبح كل ما يسعى إليه البرلماني هو ضمان الحق في الكلام والخطابة محاصَرا بالتعقيدات القانونية والتنظيمية والدقائق القليلة من زمن التدخل. فحتى مجلس المستشارين (الغرفة الثانية للبرلمان) اعترف في تقرير له تحت عنوان ربع قرن من الإنتاج التشريعي” بقول: “إن الإنتاج التشريعي الضعيف للبرلمان معطى بنيوي مرتبط بالمؤسسة البرلمانية ككل، في علاقتها بالجهاز الحكومي، وليس مرتبطا بأي غرفة من الغرفتين، خصوصا إذا استحضرنا أنه لا يتم استكمال المسطرة التشريعية لمقترحات القوانين إلا إذا أبدت الحكومة الموافقة المسبقة عليها، رغم أن الدستور لا يشترط ذلك”.

أصبح بذلك البرلمان فضاء لتصفية الحسابات بين ممثلي الأحزاب، وليس ممثلي الأمة، والتنافس على من هو أكثر ولاء للملك وليس أكثر وفاء للشعب. يذكرنا هذا بواقعة تاريخية سابقة (سنة 1964)، حين قدَّم برلمانيو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ملتمس الرقابة ضد “حكومة” باحنيني التي اتَّهمت أعضاء الاتحاد الوطني بـ”الخيانة والتآمر”، فاختار أعضاء الاتحاد الهجوم على جبهة “من الأكثر ولاء للمَلكية”، مُذكِّرين بمواقف ثلاث وزراء (مولاي أحمد العلوي وزير الإعلام، با حنيني رئيس الحكومة، عبد الرحمن الخطيب وزير الداخلية) من نفي محمد الخامس وتولية بن عرفة… يحكي عبد الواحد الراضي أن وزير الأنباء (أحمد العلوي) سارع “إلى الفريق التقني للتلفزيون ليأمرهم: ‘سدوا.. سدوا التلفزيون’… وما إن أغلق الوزير العلوي البث، حتى اتصل الحسن الثاني تلفونيا- كما أشيع آنذاك- وأمره باستئناف البث التلفزيوني. وأعيد البث”. [2]. كيف لا يرقص الحسن الثاني طرباً آنذاك، وهو يرى “الحكومة” و”المعارضة” يتنافسان على من هو الأكثر ولاء له، وهو ما يصدق على “الحكومة و”المعارضة” الحالية…

طبعا ليس الكلام في حد ذاته عيبا. المشكل في الهدف الذي يخدمه الكلام. فالتشهير والتحريض كلام، والتعبئة واستثارة الناس للنضال كلام. وأحيانا تكون الكلمة أقوى من أي سلاح. خاض تحالف اليسار (فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد) حملة انتخابية ناجحة، إذ ركز على شعار “كل السلطة للمنتخَبين وليس للمعيَّنين”، ووعد جمال العسري (الكاتب الوطني للحزب الاشتراكي الموحد) أنه، في حالة نجاح التحالف انتخابيا، سيطبق برنامج الحزب وليس برنامج الملك. التحالف يدرك جيدا أن ما ينفَّذ هو برنامج الملك، لذلك فإن تركيز السهام في جلسات البرلمان على حكومة الواجهة، ليس إلا جَلدا للظل وإغفال الجذع، انتقاد القناع والسكوت عن أصل البلاء. إذا كانت الأحزاب البرجوازية تستعمل البرلمان للاستمرار في حملتها الانتخابية (تنابز وسجال على من هو أكثر ولاء للمَلكية) فحري بتحالف اليسار أن يجعل من مداخلات نوابه استمرارا لحملته الانتخابية تحت شعار “كل السلطة للمنتخَبين”.

يمكن استعمال الكلام في البرلمان من أجل حفز النضال الشعبي والعمالي، وتوجيهه في اتجاه سياسي يناهض حكم الفرد الاستبدادي. وبدلا من الالتهاء بالدقائق التنظيمية والقانونية والدستورية، سيكون حريا بالنائب اليساري والنائبة اليسارية أن يوجِّها “كلامها” نحو الشعار الذي خاض به تحالف اليسار حملته الانتخابية: “كل السلطة لممثلي-ات الشعب المنتخَبين- ات وليس للمعيَّنين من طرف السلطة غير المنتخَبة”.

هذا الشعار السياسي ينبغي أن يُملأ بمضمون اجتماعي. فالشعب لا يريد الديمقراطية كي يمارس ترف فصل السلط والرقابة، بل ليحسن من ظروف معيشته، بشكل يتيح له إمكان النضال لاجتثاث مجتمع الاستغلال من جذوره مرة إلى الأبد: وقت عمل لائق يوفر وقت فراغ للعمال والعاملات كي ينالوا التثقيف الذي يساعدهم- هن على النضال، أجور تكفي لسد الحاجات الضرورية للأسر العمالية، مقعد دراسة لجميع الأطفال، سرير وخدمة صحية مجانية وجيدة، طرق وفك للعزلة عن العالم القروي مع خدمات شبكية لائقة (ماء وكهرباء واتصالات… إلخ)، حرية التعبير والتنظيم… إلخ.

إذا لم يجد الشعب في الديمقراطية وسيلة لتحسين أوضاعه المعيشية، فإن ذلك يشكل أرضية خصبة للنزعات المناهضة للديمقراطية؛ النزعات اليمينية المتطرفة التي تنتعش في كل بقاع العالم. وإذا لم يستطع اليسار أن يشكل قوة تُلفت انتباه الشعب إليها، فإن هذا الأخير سيلتفت تجاه قوى أخرى. لذلك فإن الأحزاب البرجوازية تُدرك كل الإدراك دور الكلمة الملقاة في قبة البرلمان: وسيلة لمد تأثيرها السياسي ليشمل أقساما من الشعب لا يزال يؤمن بأوهام التغيير عبر المؤسسات؛ أي وسيلة لتحقيق الهيمنة الأيديولوجية بمفهوم غرامشي. مقاطعة هذه المؤسسات وجهُ العملة الأول لسوء فهم دور اليسار داخلها، بينما يشكل الوجهَ الثانيَ ما تقوم به حاليا المجموعة النيابية لتحالف اليسار: انجرار إلى مساجلات فارغة لمن لا يملك حتى ظل السلطة (حكومة الواجهة) وإغفال مالك السلطة الحقيقي (المؤسسة الملكية).

—————

[1]- عبد الواحد الراضي (2017)، “المغرب الذي عشته، سيرة حياة”، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، الطبعة الأولى ، ص 268- 269.

[2]- نفسه، ص 258- 259.

شارك المقالة

اقرأ أيضا