بعد التطورات الأخيرة: إلى أين تسير جبهة البوليساريو؟

بقلم؛ علي أموزاي

انتهى فشل مجلس الأمن الدولي في تجديد مهام بعثة المينورسو إلى مأزق قانوني/ مؤسسي. فالبعثة التي كانت مهامها تجدَّد سنويا نهاية شهر أكتوبر من كل سنة، أصبحت بحكم العدم بعد الاستعمال المتبادَل لحق الفيتو من طرف روسيا والولايات المتحدة داخل الاجتماع الأخير لمجلس الأمن الذي لم يصدر أي قرار بتمديد ولاية البعثة.

استغلت الدولة المغربية الأمر لُتعلن رسميا، عبر بلاغ للديوان الملكي (30-10-2026): “إن تواجد هذه البعثة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، لاسيما من خلال طواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي في الأيام المقبلة”. وبالفعل، بدأت الأمم المتحدة، يوم 1 نوفمبر 2026، “إنهاء عملياتها الميدانية وتصفية أصولها، وفق ترتيبات انتقالية تشرف عليها فرق أممية محدودة”.

مأزق التعويل على المنتظم الدولي

يضع هذا التطور جبهة البوليساريو أمام واقع تغيَّر بشكل جذري. فالجبهة، منذ وقف إطلاق النار وإعلان خطة التسوية سنة 1991، جعلت من التعويل على المنتظم الدولي ومؤسساته (الأمم المتحدة وبعثة المينورسو) نقطة ارتكازها الوحيدة للوصول إلى مبتغاها المتمثل في استفتاء لتقرير مصير الصحراء الغربية. في حين تعلن الدولة المغربية، التي استغلت التطور الأخير داخل مجلس الأمن، انتهاء مسلسل التسوية بكامله، وهو ما ورد بلاغ الديوان الملَكي: “إن عدم التمديد لمهمة المينورسو يتعين أن يضع حدا لإحالة هذا الملف على مجلس الأمن، وسحب هذه القضية من جدول أعماله. وبناء عليه، لن يبقى أَي مبرر لانعقاد الاجتماعات النظامية الدورية للمجلس المخصصة للصحراء المغربية، ولا لتقارير الأمين العام للأمم المتحدة ذات الصلة، ولا لإحاطات مبعوثه الشخصي”، مستخلصا النتيجة المنطقية، حسبه، لهذا الإعلان: “وهكذا، يتوقف المسار السياسي الأممي…”، مؤكدا أن العملية ستتواصل بـ”اتخاذ خطوات مماثلة في القريب العاجل داخل هيئات أخرى تابعة للأمم المتحدة”، قاصدا اللجنة الرابعة داخل الأمم المتحدة، هذه الخطوة التي أعلن وزير الخارجية، في برنامج بثته القناة الثانية، أنها “سهلة جدا، إذ لا وجود لآلية حق النقض (الفيتو) داخل هذه اللجنة، وأن الطرف الذي يستطيع حشد أكبر دعم حول مقترحه هو الذي سينتصر”.

إن قوانين وقواعد المنتظم الدولي، كغيرها من القوانين الأخرى، لا تسمو فوق قوة الواقع، أي فوق ميزان القوى. فالطرف الأقوى والأذكى يستطيع دوما تحوير مقتضيات تلك القوانين والقواعد لما يخدم مصلحته، وإن لم يجد إلى ذلك سبيلا، فإنه يرفضها. هذا ما لم تُرد جبهة البوليساريو فهمه طيلة 35 سنة من شكاويها من تنصل الدولة المغربية من التزاماتها مع المنتظم الدولي وفي نفس الوقت تأكيدها التعويل على هذا المنتظم!

بين القلق والتباهي بالانتصار

كعادتها كان رد البوليساريو على جبهتين، الأولى موجَّهة للاستهلاك الداخلي لأنصارها، والثاني يتضمن الموقف الحقيقي من المستجدات.

في جبهة التباهي يتصدر الموقف ما صرح به محمد سالم ولد السالك (وزير الدولة المكلف بالشؤون الدبلوماسية لدى رئاسة الجمهورية، رئيس لجنة العلاقات الخارجية للجبهة): “إن ما حدث في مجلس الأمن يشكل انتصارا عظيما للشعب الصحراوي… هذا الحدث التاريخي يمثل ديناميكية تخدم أهداف الشعب الصحراوي في الدفاع عن النفس ونيل الإستقلال”.

أما الموقف الحقيقي فقد تضمنه البيان الصحفي الصادر عن جبهة البوليساريو (31-10-2026)، الذي أعرب عن قلق الجبهة “إزاء حالة الانسداد الذي ساد جلسة مجلس الأمن، والذي نبع أساساً من مشروع القرار الذي قدمته الولايات المتحدة، والذي عكس تماماً الموقف الوطني لحكومة الولايات المتحدة وموقف دولة الاحتلال المغربي. ومما فاقم من حالة الانسداد هو تلك المواقف الصادرة عن قلة محدودة من الدول الأعضاء في مجلس الأمن، والتي عكست دعماً واضحاً لسياسات التوسع والاستعمار وتكريساً لنهج ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الدولية”، وإن كان البيان قد سكت كليا عن خطورة عدم تجديد ولاية بعثة المينورسو وتأكيده الالتزام بالتعاون مع المنتظم الدولي “في إطار البحث عن حل عادل ودائم ونهائي لتصفية الاستعمار في الصحراء الغربية، آخر مستعمرة في أفريقيا”.

من جهتها أبدت الهيئة الصحراوية لمناهضة الاحتلال المغربي (إساكوم) قلقها إزاء التطورات الأخيرة التي شهدها مجلس الأمن الدولي بشأن مستقبل  بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)”. تعلق قلق الهيئة بما قد ينجم إنهاء مهمة المينورسو من انعكاسات مباشرة على أوضاع المدنيين الصحراويين وحقوقهم الأساسية”.

ليس الأمر محض حرف في تسمية

تضمن مشروع القرار الأمريكي حذف حرف “R” من تسمية “المينورسو” الذي يحيل إلى الاستفتاء. وكان ذلك وراء الاعتراض الروسي واستعمال حق الفيتو. لكن المقترح الأمريكي لم ينبع من فراغ، بل من تطورات أدت إلى انحسار الدعم الدولي لمطلب جبهة البوليساريو، وتنامي الداعمين لمقترح الدولة المغربية المتعلق بـ”الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية”. وهو أمر أقرَّ به التقرير الأخير للأمين للأمم المتحدة (ستمبر 2026)، وأيضا جبهة البوليساريو، حيث أشار محمد سالم ولد السالك، إلى دور ما يُعرف بـ”مجموعة أصدقاء الصحراء الغربية”، التي اتهمها بالوقوف “وراء عدم قدرة البعثة على تنظيم الإستفتاء ومنعها من مراقبة حقوق الإنسان ووقف نهب الثروات…”.

ساهمت أخطاء الجبهة في تزييت هذا المنزلق الذي استفادت منه الدولة المغربية. فبعد أحداث الكركرات أعلنت الجبهة، من جانب واحد، إنهاء وقف إطلاق النار سنة 2020، في حين تمسكت الدولة المغربية بادعاء احترامها لاتفاق وقف إطلاق النار. ولم تتعدَّ العمليات العسكرية للجيش الصحراوي مناوشات شرق الجدار لا يحس بها أحد، إلى حدود أن مجلس الأمن ذاته لم يُصدر أي قرار يُعلن إلغاء اتفاق وقف إطلاق النار.

حركة تحرر فريدة من نوعها

مطلب الاستقلال/ الانفصال ليس دائم الورود في تاريخ التجربة الصحراوية. أشار إلى ذلك علي الشامي في كتابه “الصحراء الغربية، عقدة التجزئة في المغرب العربي” (المنشور سنة 1980)، عند حديثه عن “انتقالات التجربة الصحراوية نفسها (من مغربية في الخمسينات، إلى وحدوية بخصوصية صحراوية في الستينات، إلى صحراوية صافية مع البوليزاريو)”.

اختيار المَلكية المغربية لمنطق التسويات مع القوى الاستعمارية هو الذي أطال أمد الاحتلال الإسباني لمنطقة الصحراء. وقد أدت تلك التسوية إلى مشاركة الجيش الملكي، إلى جانب الجيشين الفرنسي والإسباني، في عملية تصفية جيش التحرير الوطني- منطقة الجنوب سنة 1958. كان ذلك الجيش يتكون من قيادة شمالية بينما يتحدر معظم مقاتليه من الجنوب. [علي الشامي].

كانت القطيعة بين الشمال والجنوب نتيجة التقسيم الاستعماري. لكن الباحث عن روابط بيعة دائمة من جهة والباحث عن نزوع تحرري دائم من جهة أخرى، ستذهب جهودهما سدى كمن يبحث عن ماء عذب وسط أمواج المحيط. فالنزعات الممركزة والنابذة للمركزة موجودة في المنطقة وفي كل تاريخ البلد، كما هو شأن تاريخ كل مناطق العالم.

النزعة النابذة للمركزة التي نشأ عنها مطلب الانفصال ووسيلته المتمثلة في الكفاح المسلح في الصحراء الغربية، نتاج تطور تاريخي مديد ساهم التدخل الاستعماري في تشكيله بشكل كبير. بينما أدت طريقة نزع الاستعمار إلى مفاقمة الأمر. فاستقلال المغرب عن فرنسا وإسبانيا لم يكن بسبب انتصار حركة التحرر الوطني، بل نتيجة انتكاستها بسبب التسوية التي عقدتها الحركة التي قادت معركة التحرر من الاستعمار (الحركة الوطنية البرجوازية التي مثل حزب الاستقلال تعبيرها الحزبي الأقوى)، تسوية مع الاستعمار الفرنسي والمَلكية المغربية، تقضي بربط الاستقلال برجوع المَلكية وتوليها عملية تصفية الوجود الاستعماري. استغلت المَلكية الأمر لتوطيد ركائز سلطتها، وفي نفس الوقت ترسيخ الوجود الاستعماري في شكله الجديد. وترتب عن ذلك قمع كل ما يقف في وجه تلك التسويات، بما فيه جيش تحرير الجنوب.

ومن أوجه ذلك أيضا قمع تظاهرات الشبان الصحراويين ضد الاستعمار الإسباني في طانطان سنة 1972. وكان موقف المعارضة المغربية (الحركة الوطنية البرجوازية ويسارها المتمثل آنذاك في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) مساهما في تطور الحركة الصحراوية نحو المطالبة بالاستقلال، بعد أن كانت كوادر هذه الحركة جزءا من المعارضة المغربية.

بعد التسويات مع إسبانيا والاتفاق الثلاثي الذي قسم الصحراء بين المغرب وموريتانيا (اتفاق مدريد 14 نوفمبر 1975) انطلقت أعمال الكفاح المسلح لجبهة البوليساريو. شن الجيش الملكي حربا شعواء ضد مغاوير الجبهة والقبائل الصحراوية الداعمة لها، ما أدى إلى نزوح جماعي نحو الجزائر، حيث أنشئت مخيمات تندوف وأعلنت الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية (27 فبراير 1976).

هكذا تحولت الجبهة إلى حركة تحرر فريدة من نوعها. حركة تحرر توجد خارج الأرض التي تريد تحريرها، بينما تتمتع الدولة المغربية بميزة التواجد في تلك الأراضي وإعلان سيادتها عليها بحكم الأمر الواقع، بغض النظر عن الترتيبات الأممية والتسويات المعلن عنها. هذا هو أحد جذور مآزق حركة البوليساريو، وما جعلها تعتمد على الدعم الخارجي (خصوصا الجزائري) والاستناد على المنتظم الدولي، أكثر من كفاح الشعب الذي تدعي تمثيله، المتواجد أغلبه في المنطقة التي تحكمها الدولية المغربية بحكم الأمر الواقع.

أما عشرات الآلاف من اللاجئين الصحراويين في مخيمات تندوف، فيوجدون في وضع لا يُحسدون عليه. فحسب مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة “لا يتمتع اللاجئون وطالبو اللجوء بحق الحصول على عمل الأمر الذي يحد من تمكنهم من الاعتماد على أنفسهم”، وتقول بأن “هؤلاء اللاجئين المقيمون في خمسة مخيمات بالقرب من تندوف يعتمدون على المساعدات الإنسانية بشكل أساسي كما أن احتمال اعتمادهم على أنفسهم ضئيل جداً نظراً لمحدودية الأنشطة المدرة للدخل”.

الجمهورية الصحراوية ذاتها دولة دون مقومات السيادة الأساسية: أرض ومالية خاصة، خصوصا مع سكان بلا عمل وبالتالي بلا دخل يمكن جباية الضرائب منهم. فهي دولة مَهْجَر تقيم على أرض دولة أخرى هي الجزائر، وماليتها مرتبطة بالتمويل الدولي. ويتفاقم الأمر مع جهاز متضخم من الجيش والإدارة وسلك دبلوماسي يحتاج مالية دائمة. هذا ما يجعلها رهينة ما يريده عسكر الجزائر منها.

مستقبل غامض

تحكم كل هذه الظروف والتطورات على مستقبل الجبهة بالغموض. لا تزال الجبهة تعوّل على نفس الاستراتيجية التي آلت بسببها إلى وضع المآزق الحالي. فبيانها الأخير (31-10-2026) يؤكد على نفس الاستناد على الآليات الأممية، والتعويل على دول لا تقل اضطهادا لشعوبها أو لشعوب أخرى. ولا تبخل جبهة البوليساريو فرصة التملق لهذه الدول، وعلى رأسها روسيا، حيث أعلن بيان الجبهة الأخير: “تعرب جبهة البوليساريو عن امتنانها العميق للموقف المبدئي الذي اتخذه الاتحاد الروسي في معارضته لمشروع القرار”، رغم أن روسيا لا تزال تحتل أراضي أوكرانيا وتشن حربا إمبريالية ضد شعبها.

بعد رحيل بعثة المينورسو قد تتوالى انتصارات دبلوماسية أخرى تحصدها الدولة المغربية، وخاصة إذا تمكنت من تنفيذ ما أعلنته في بلاغ الديوان الملكي: “وضع حد لإحالة هذا الملف على مجلس الأمن، وسحب هذه القضية من جدول أعماله” وإنهاء وجود القضية في اللجنة الرابعة للأمم المتحدة.

ماذا ستفعل جبهة البوليساريو آنذاك؟ هل تشن حربا، بدل المناوشات غير الفعالة التي تقوم بها منذ نوفمبر 2020؟ هذا أمر لا يتعلق بها وليس لها الحق في اتخاذ قرار بذلك. فالجزائر، المستضيفة للجبهة والمخيمات والمموِّلة والمسلِّحة الرئيسية لها، هي من يملك صلاحية اتخاذ قرار شن الحرب. وهذا القرار ليس رهين تطورات قضية الصحراء في الأمم المتحدة، بل تحكمه ظروف أخرى أكبر من ذلك. فالجزائر حليف روسيا والصين، لكنها لا تستطيع تحدي الولايات المتحدة الأمريكية ما يجعلها في مدفع عقوباتها وهي التي تعاني أزمات سياسية واقتصادية- اجتماعية متفاقمة.

ماذا سيتبقى من الجبهة إذا انتفى أساس تكتيكها منذ وقف إطلاق النار: أي التعويل على الآليات الأممية؟ ماذا سيكون أثر تقليص المساعدات الدولية التي تمثل الشريان الرئيسي الذي يغذي الجبهة والجمهورية ومخيمات اللاجئين، خصوصا إذا ما قامت الولايات المتحدة بتصنيف الجبهة تنظيما إرهابيا؟ وهذا ليس مستبعَدا إذا أرادت الولايات المتحدة التلويح به للضغط على الجزائر والجبهة من أجل قبولها مقترحها الداعم للسيادة المغربية (الحكم الذاتي).

ماذا سيكون موقف اللاجئين في مخيمات اللجوء بتندوف، عندما يرون آمال حل اعتمادا على الأمم المتحدة، كما أوهمتهم لعقود جبهتهم، تنتهي إلى التبدد كسراب في صحراء قاحلة، وفي نفس الوقت لا جدوى المناوشات العسكرية تجاه الجدار؟ هل سيقبلون بقيادة أدت استراتيجيتها إلى هزيمة استراتيجية؟ أم سيكون هناك حراك سياسي قد يؤدي إلى تغييرات في هيكلة القيادة وفي نفس الوقت في استراتيجيتها؟ هذه تطورات بعيدة المنال بحكم أن اللاجئين معتمدين في معيشهم اليومي على ما توزعه الجبهة من المساعدات الإنسانية؟ ماذا سيكون موقف بوليساريو الداخل (أي القاطنين في الصحراء الغربية)، خصوصا مع تحديات انسحاب ما كان يشكل ضمانا لتوثيق ما يتعرضون له من انتهاكات (أي المينورسو حسب تعبير الهيئة الصحراوية لمناهضة الاحتلال المغربي)؟ الأمر أكثر صعوبة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن أكبر نضال شهدته الصحراء الغربية، كان هو مخيم إكديم إزيك (أكتوبر 2010) وكان بخفية مطالب اقتصادية واجتماعية، بينما تركز الجبهة وأنصارها في الداخل على مطلب الاستقلال حصرا، ما لا يجعلها قطبا يتوجه إليه كادحو الصحراء بمطالبهم و مظالمهم الاقتصادية والاجتماعية.

نضال الشعوب من أجل اتحاد مغاربي

لأكثر من نصف قرن تصادمت أطروحتان: أطروحة الوحدة من أعلى وبطرق استبدادية وعسكرية التي نفذتها الدولة المغربية، وأطروحة الانفصال اعتمادا على الكفاح المسلح ثم الآليات الأممية التي اعتمدتها جبهة البوليساريو. وبين الأطروحتين يغيب المنظور الذي دافع عنه جيش تحرير المغرب العربي وأحد مؤسسي الأماجد؛ محمد بن عبد الكريم الخطابي. ذاك المنظور الذي كان يربط تحرر أي بلد من البلدان المغاربية بتحرر كل هذه البلدان. انتفى ذلك المشروع باستفراد الاستعمار الفرنسي بكل بلد على حدة: منح استقلال للمغرب وتونس كي يتمكن من التفرغ لقمع الثورة الجزائرية. أورث هذا أحقادا بين شعوب المنطقة، وفي نفس الوقت تنافسا وصراعات بين الدول الناتجة عن نزع الاستعمار، وغاب أمل وحلم الوحدة: الدولة المغربية تبرر إفشال الاتحاد المغاربي بمحاولات الجزائر والانفصاليين تجزئة المغرب، بينما تصر الجبهة على أن تقرير المصير أسبق تاريخيا ومن ناحية الأولوية على الوحدة المغاربية.

طبعا لا يعني هذا الوقوف في وجه طموحات شعب الصحراء الغربية في التحرر من الاستبداد المَلكي، الذي ينظرون إليه على أنه احتلال. لا يمكن التسامح مع إبقاء شعب داخل دولة لا يريد الانتماء إليها رغما عنه. فقط التعبير عن الإرادة الحرة لذلك الشعب هو ما سيتيح ذلك.

المبدأ التاريخي والأساسي للحركة العمالية هو تربية العمال بروح “اللامبالاة” بالفروق القومية، فما يهم الحركة العمالية هو وحدتها كيفما كانت الانتماءات القومية والثقافية والدينية لأقسامها؛ وحدتها في وجه مستغليها (الرأسماليين) ومضطهِديها (الأنظمة المستبدة). لكن هذه “اللامبالاة” لا تعني أن يكون المرء “لامباليا” تجاه مشاعر أقسام من السكان، أي لامبالاة تجاه الإلحاق والانضمام القسري.

بالنسبة لنا طبعا نفضل وحدة بين شعوب المنطقة، وضمنها بين الشعب المغربي ومن ينظُر إلى نفسه على أنه شعب آخر (أي شعب الصحراء الغربية)، وحدة في النضال من أجل التحرر السياسي والاجتماعي والتخلص من التبعية الاستعمارية والإمبريالية. لكن هذه الوحدة لا يمكن أن تتم بالوسائل البوليسية والعسكرية كما هو الحال حاليا مع الدولة المغربية تجاه الصحراء الغربية. إننا نناضل من أجل وحدة إرادية معبَّر عنها بشكل ديمقراطي.

هذا المنظور لا يمكن أن تدافع عنه جبهة البوليساريو، فهي غارقة في التسويات مع قوى استعمارية أخرى (روسيا) ومع قوى استبدادية (الجزائر) ولا تعطي أي نموذج تحرري يغري الشعب المغربي بالتعاطف معها، بل بمعاداتها، وهو ما تستغله أيما استغلال الدولة المغربية. وهذه الأخيرة أيضا لا يمكن أن تكون منفِّذة وحدة إرادية معبَر عنها بشكل ديمقراطي، فالديمقراطية تعني حكم الشعب نفسه بنفسه وليس بنظام موروث ووراثي غير منتخَب… فقط بروز أجيال جديدة من طلائع النضال في الصحراء تُدرك أهمية وحدة الكادحين ات في مجمل المنطقة، هو ما يمكن أن يفتح باب النضال الفعلي من أجل التحرر الحقيقي من أنظمة الاستبداد الإقليمية، وسيتيح إمكان تقرير المصير بكل حرية أمام شعوب المنطقة؛ انفصالا أو وحدة، مع تحبيذنا ودفاعنا المستميت عن خيار الوحدة.

شارك المقالة

اقرأ أيضا