بين التاريخ والذاكرة، مقدمة دانييل بنسعيد لكتاب الأممية الرابعة من تروتسكي مؤسسا إلى الآن
ضمن ملف الاحتفاء بذكرى تأسيس الأممية، نتيح للقارئ/ة مقدمة كتبها دانييل بنسعيد لكتاب فرانسوا موروا ( الأممية الرابعة معارك ونقاشات الصادر عام 1993 ، والمترجم الى العربية عام 2008). نتيحها لما جاء فيها من نقاش تقييمي لبعض جوانب مسيرة الأممية الرابعة بقصد حفز النقاش، ومواصلته، حول إشكالات بناء الأممية وفروعها.
جريدة المناضل-ة
تشكل كتابة تاريخ معاصر للأممية الرابعة مشروعاً حساساً ومحفوفاً بالأخطار لأسباب عديدة. فبالتأكيد، لا يتعلق الأمر بقضية ناجزة أو تكوّن رأي نهائي بصددها . ذلك أن الشارحين غالباً ما يكونون في الوقت ذاته الفاعلين. وتبقى قائمةً العلاقة العاطفية بالمساجلة. بيد أن هذه الصعوبة المنهجية ليست الصعوبة الرئيسية، وعمل لقد أمكن بعض التروتسكيين أن يعتقدوا أحياناً بأن الصيغ الصحيحة في عموميتها (الثورة الدائمة أو الثورة السياسية) تقوم مقام السياسة الملموسة. والحال أن كل المشكلة تكمن بالضبط في تجسيد هذا الخط العام: أي تحالفات ننسجها، وكيف نبني الهيمنة البروليتارية في صراع لأجل التحرر الوطني، وأية علاقة بين النضال السياسي والعمل الجماهيري والاستراتيجية العسكرية ؟ إن حالات الضعف هذه نابعة من الوجود. لكن من المهم أن نعيها ونفهمها عند حافة وضع جديد يفتح أمداء جديدة الممارسة سياسية معاد إحياؤها فرانسوا مورو يعطي صورة كاملة عن المشكلة.
كتيار أقلية في الحركة العمالية العالمية، منبثق من هزيمة تاريخية كارثية (انتصار النازية في ألمانيا والثورة المضادة البيروقراطية في الاتحاد السوفييتي)، وجدت الأممية الرابعة نفسها تواجه منذ تأسيسها عام 1938 مجموعة أحداث هائلة ومعقدة: الحرب العالمية والحروب داخل الحرب، وإعادة البناء الرأسمالية، وتشكيل الأحدور [*] glacis السوفييتي، والثورتين الصينية واليوغسلافية، والانتفاضات المناهضة للبيروقراطية في بولونيا والمجر، ونزع الستالينية في ظل خروتشوف، ونضالات التحرر الوطني في الخمسينيات والستينيات، والثورتين الكوبية والفيتنامية، والثورة الثقافية الصينية، والسلاح الذري وسباق التسلح والثورتين في إيران ونيكاراغوا، والتدخل السوفييتي في كل من تشيكوسلوفاكيا وأفغانستان، وإعادة توحيد ألمانيا وتفكك الاتحاد السوفييتي… كيف ولقاء أي أخطار يمكن منظمة عالمية صغيرة أن تحتفظ عبر هذه الاضطرابات برؤية موحدة للعالم، وبممارسة متحدة الاتجاه، وبذاكرة واستمرارية، في حين تحطم هذا القدر الكبير من القوى والعقول، وتعرض لتثبيط الهمة وفقدان الاتجاه ؟
إن كتاب الأممية الرابعة معارك ونقاشات هو تعبير عن هذا الجهد، ويمكن أن تبدو العلاقة بعيدة أحياناً بين المنطق الداخلي للنقاش (مع حصته المحتومة من المبالغات السجالية، والأحكام المتسرعة، وسوء النية)، والمسار الفعلي لصراع الطبقات على المستوى العالمي. إن وجوداً أقلياً مديداً إلى هذا الحد، مع نصيبه من الاضطهادات الستالينية، لابد أن يتلازم مع علامات مَرَضية: تفرز المجموعات الصغيرة عُصابات الفشل الخاصة بها وتنجز عملها الكئيب، وبالأحرى حين يميل فهم المأساة التاريخية إلى المزج بين حس المسؤوليات والشعور بالذنب.
في عام 1938، كتب تروتسكي أن أزمة البشرية ليست سوى أزمة قيادتها الثورية. وفي فترة محاكمات موسكو، والحرب الأهلية الإسبانية، وعشية الحرب العالمية، كانت الصيغة تمتلك راهنية لا جدال فيها، وتنذر بالضبط بالكارثة الوشيكة. لكن مع دوام الوضع، باتت تستحق دراسة أشد اتساعاً: إذا كانت الشروط «الموضوعية» لمملكة الحرية بالغة النضج، وإذا كانت أزمة البشرية هي أزمة قيادتها، وإذا كان التروتسكيون يمثلون إزاء قيادات خائنة القيادة المخلصة، تكون للخطأ أو العجز عواقب على البشرية من الخطورة بحيث تقارب الخطيئة المميتة. إن انعدام التناسب بين الأهداف والوسائل أنتج في صفوفنا مقداراً مهماً من حالات جنون العظمة والذهان الهذياني النقدية، ومن التضخيم الكلامي والمغالاة، ومن المآسي الهرجية والهرجات المأساوية.
مع ذلك، وأبعد من زبد الأشياء هذا، يستحق العناء الرجوع إلى جوهر النقاشات ورهاناتها. إن هذيان الاضطهاد والعصبوية يترصدان دائماً منظمة مستمرة في وضع الأقلية زمناً طويلاً. لكنها لا تصبح بالضرورة شيعة ، فإذا تتبعنا مسار المؤتمرات، والسجالات والانشقاقات، وإعادات التوحيد، نلاحظ أن تاريخ الأممية الرابعة لا يفقد أبداً صلته بالواقع . فالمشكلات التي تهزها وتشقها هي بالضبط المشكلات الأساسية بالنسبة لحاضر البشرية ومستقبلها. تحتفظ نقاشاتها ومعاركها بخيط من المعقولية والوضوح. لقد انهارت في الامتحان عوالم فكرية (ذلك الخاص بالستالينيين، أو بالماويين، أو العديد من الشلل المتحدرة من التروتسكية) . إن تفسيرا وممارسة جماعيين محافظاً عليهما يبقيان على العكس، عالمنا الحالي ممكن الفهم. ولا يعني ذلك بالتأكيد أننا توقعنا كل شيء، وكنا دائماً على حق أو أن بإمكاننا إعفاء أنفسنا من تفحص نقدي للذات. لكننا لا نشاطر الستالينية إفلاسها السياسي والأخلاقي. وهذا هو الشرط الضروري، إذا لم يكن الكافي، للتمكن من استئناف البناء. لأن كوكبنا لم يصبح أكثر قابلية للعيش فيه، ولم يصبح نظام رأس المال مقبولاً في نهاية هذا القرن القائمة أكثر مما كان في بدايته، أو في عام 1917، أو 1933، أو 1938، أو1945.
على الرغم من الفخاخ، التي يعي فرانسوا مورو وجودها، تجرأ على تمحيص هذا التاريخ الذي هو قيد الصنع. وقد فعل ذلك بشهامة وتواضع. وبالتأكيد، لسنا على الأرض الثابتة (الموهومة) للموضوعية التاريخية، بل بالضبط بين التاريخ والذاكرة، في مجادلة لا تزال مفتوحة. غالباً ما تستمر خلافات بخصوص المسائل المعالجة. وبفعل اهتمام يمكن تفهمه بالمضي عكس تيار ازدراء المنتصرين المؤقتين تبدو بعض الأحكام حول دور الأممية أحادية الجانب أو أنها تفتقر إلى إبراز الفروق الدقيقة. فضلاً عن ذلك، ومع وجود أممية بالذات يسمح برؤية العالم في آن معا بعيني الـ zek السوفييتي، أو عامل المناجم البوليفي، أو الفلاح الجزائري (أو بمحاولة القيام بذلك)، فإن رؤية هذا التاريخ فيما هو يُصنع لا تفلت من التحديات الإقليمية والثقافية : إن مناضلاً أوروبياً، وأمريكياً شمالياً، وأمريكياً لاتينياً، وعربياً، وافريقياً ويابانياً، يميلون لاستخدام لغة مشتركة، لكنهم لا يمتلكون الرؤيا نفسها، ولا الإضاءة نفسها.
إن عمل فرانسوا مورو، كما هو ، وفي الحدود التي عينها هو نفسه، يساهم إذن في سد ثغرة بصدد تاريخ الأممية الرابعة باللغة الفرنسية. وإن مناضلين شباناً يهتمون بالموضوع يمتلكون اليوم مواد ثمينة: مجموعة أعداد مجلة الأممية الرابعة (التي بات يصعب العثور عليها أكثر فأكثر )، الأجزاء الأربعة لمؤتمرات الأممية الرابعة في منشورات لابريش (التي لا تغطي سوى الفترة الممتدة من 1930 إلى 1952)، وكتاب بيير فرانك الصغير النافع، الأممية الرابعة في دار ماسبيرو). إن نص فرانسوا مورو هو الوحيد الذي يدرس السنوات العشرين الأخيرة بصورة تأليفية. وعلى سبيل التحية والحوار المتوقف للأسف، سوف أسمح لنفسي بأن أقدم بعض التعليقات.
وبما أنها انعكاس لجانب معين آخر من هذه التجربة، تحتفظ حتما بحصتها من الذاتية، إذاً من الخطأ البشري.
***********************
تأسست الأممية الرابعة عام 1938 على فكرة أن أزمة البشرية تتلخص بأزمة قيادتها الثورية. وهذه الفكرة صحيحة بمعنى ما وفي سياق ما. لقد كانت توجد آنذاك حركة عمالية منظمة قوية في أوروبا والولايات المتحدة هدف تياراتها الرئيسية المعلن إطاحة الرأسمالية، حتى إذا كانت منقسمة بصدد الوسائل بين إصلاحيين وثوريين. ولم تكن استمرارية الأجيال قد انقطعت بعد. فحدث أكتوبر التأسيسي لم يكن بعيداً في الزمن ( عشرون سنة تقريباً) وكان إشعاعه لا يزال ناشطاً بالرغم من الترميدور [**] البيروقراطي. كان يمكن التفكير بإنصاف بأن التراث البلشفي لا يزال حياً في الاتحاد السوفييتي على الرغم من التطهيرات وأعمال النفي. وكان يمكن الأمل بصورة مشروعة إذاً بأن الظاهرة غير المعروفة سابقاً للاستبداد التوتاليتاري المنبثق من هذه الثورة المضادة لن تقاوم النزاعات المتوقعة وأن حركة التحرر ستستعيد بنضج متزايد الاندفاعة التي كانت تمتلكها غداة الحرب العالمية الأولى.
لقد أعقبت الحرب العالمية الثانية حقاً موجة ثورية عارمة (الثورتان اليوغسلافية والصينية، والحرب الأهلية في اليونان)، لكن الستالينية لم تتهاو. تلقت، على العكس، إضفاء جديداً للمشروعية خلال النصر على النازية ، مع امتداد سيطرتها إلى المعسكر المسمى اشتراكياً وتقاسم القيادة العالمية الذي رمزت إليه اتفاقات يالطا وبوتسدام. إن كتاب ف. غروسمان، حياة وقدر، يبين بصورة دقيقة كيف أن الحرية التي استشفها مقاتلو ستالينغراد ضاعت في النصر بالذات: لا يُطالَب المنتصرون بتقديم حسابات! ويخطئ دائماً في التاريخ من يستدلون بالقياس، علماً أن هذا واحد من السبل الوحيدة للاستدلال الاستراتيجي. وهذه من جهة أخرى النقطة المشتركة بين العسكريين والثوريين. فغالباً ما يكون الأولون متأخرين حرباً واحدة، لأنهم في غياب القدرة على تجريب ترسانتهم الحديثة يكونون محكوماً عليهم أن يفكروا على أساس ترسيمة المعارك السابقة. ونحن نخاطر أيضاً بأن نكون متأخرين دائماً ثورة واحدة. فلا شك أن مؤسسي الأممية الرابعة كانوا قد تخيلوا نهاية الحرب العالمية الثانية على صورة الأولى مع مجالس عمالية في برلين وتورين، وسوفييتات مستعادة في بتروغراد وموسكو. وبما أن السيناريو لم يثبت صحته، لم يتأخر البعض في استنتاج أن من الضروري تغيير المشروع.
في الواقع، كان يمكن أن يرتبط تأسيس الأممية الرابعة بفرضيات استراتيجية (جرى التثبت من صحتها بخصوص قرب اندلاع الحرب، ولم تصدق في ما يتعلق بإطاحة الستالينية)، لكنها لم تكن تنبع من تشخيص. كانت تقوم على برنامج. كان المقصود إعادة تجميع الثوريين على المستوى العالمي انطلاقاً من تأليف للتجارب الكبرى لصراع الطبقات التي حدثت في ما بين الحربين: الثورتان الروسية (السلطة المزدوجة والسوفييتات) والألمانية (الجبهة الموحدة)، والنضال ضد الفاشية (المطالب الديموقراطية)، والثورة الصينية (الثورة الدائمة والتحالفــات)، والحرب الأهلية الاسبانية والجبهات الشعبية، والثورة المضادة البيروقراطية وضرورة الثورة السياسية (الاشتراكية التعددية، واستقلال الأحزاب والنقابات حيال الدولة، والحقوق الديموقراطية). كان الخيط الموصل الحقيقي إذا الاستمرارية البرنامجية والتنظيمية ضمن منظور النضال لأجل السلطة في أفضل الأحوال، ولأجل مقاومة طويلة الأمد في أسوئها. كان الأمر بين الحالتين مع ميل للحالة الأسوأ. وكان ذلك الوضع غير المتوقع يطرح مشكلة جديدة على أممية ولدت ضمن شروط لم يسبق لها مثيل : ليس من انتصار ثوري كما كانت حال الأممية الثالثة، وليس من تشكل حركة عمالية جماهيرية كما كان الحال مع الأممية الثانية، وليس حتى من صعود للنضال كما كان حال الأممية الأولى، بل من الجزر والهزيمة، وانطلاقاً من مجموعات مقاومة صغيرة.
إن الطريقة التي أمضت بها فروع الأممية إجمالاً تجربة الحرب، وعرفت كيف تحافظ على موقف أممي، وكيف تجمع بين مقاومة الاحتلالات والاستقلال الطبقي، علاوة على الابقاء على فهم مشترك للأحداث والمهمات، على الرغم من التشتت ، والقمع، والاختفاآت، هذه الطريقة تبرر المنهج والمشروع. أما تيارات أخرى، كانت دخلت الإعصار بقوى أكبر حجماً، فقد اختفت بالكامل. إلا أنه انطلاقاً ممـا بعـد الحرب، وجدت هذه الأممية نفسها تواجه مأزقاً سوف يطبع كل تاريخها اللاحق. ففي مرحلة أولى، كان في وسعها أن تأمل ألا يدوم طويلاً بقاء البيروقراطية الستالينية والرأسمالية، وأن الحريق الثوري مؤجل فقط . لكن انطلاقاً من 1947-1948، ورغم تأثير الثورتين اليوغسلافية والصينية، باتت آثار إعادة البناء وخطة مارشال واضحة للعيان. مذاك بدأت محاولتان اثنتان تشقان طريقيهما:
واحدة تتسم بتفاؤل نبوي من جهة سوف ينصفنا التاريخ في الأخير، وتلتحق الجماهير بالبرنامج الذي هو برنامجها حتى إذا كانت تجهله إلى الآن؛
وأخرى هي الالتحاق، من جهة أخرى، بالحركة الطبقية الفعلية كما هي، مع المجازفة بالذوبان فيها : إذا لم تجئ الجماهير إلى البرنامج، سوف يذهب البرنامج إلى الجماهير.
هذا الملخص الترسيمي بتبصر هو بالتأكيد قائم على النقد الذاتي لجانب من إرثنا. هو خال من أي سخرية. فلقد كانت تلك الأزمنة عقوقاً. كان يصعب الصمود فيما ينبغي أن نصمد. وهو ما حدث بالفعل. وهو يندرج في إيجابيات الأممية، وأولئك الذين ناضلوا وماتوا أحياناً لكي تحيا. وليس المقصود منح الذات شهادات رضى سخية، بل فهم لماذا أمكنها البقاء واقعاً حياً على الرغم من وجود على هذا القدر من الهشاشة. أولاً وقبل كل شيء لأنها لم تنظر إلى العالم يوماً من طرف المنظار الصغير، وعرفت كيف تتخذ موقفها وقراراتها تبعاً لمصالح البروليتاريا العامة والتاريخية وفقاً للمبدأ الأساسي الوارد في بيان الحزب الشيوعي. فحين كان الأمر يتعلق بالاعتراف بالثورة اليوغسلافية ودعمها في وجه تهديدات ستالين، كان ذلك سهلاً نسبياً. ولقد بات ذلك أقل سهولة حين تعلق الأمر بالاعتراف بالثورة الصينية أو الثورة الفيتنامية والدفاع عنهما على الرغم من قمع التروتسكيين في الصين وفي فيتنام. كانت تلك الأحداث تطرح فضلاً عن ذلك مسائل سياسية واستراتيجية جديدة لم يكن يقدم أجوبة عنها مجرد فهم الثورة الروسية. كيف نحدد تشكل دولة عمالية جديدة: انطلاقاً من الاستيلاء على السلطة الذي هو عمل سياسي ذو أشكال متغيرة في المحصلة، أو انطلاقاً من تحولات اجتماعية بنيوية هي بالضرورة سيرورة غير متساوية ؟ كيف نفسر ثورات ظافرة من دون حزب ثوري، لا بل ضد إرادة قيادتها المفترضة، أو كيف نفسر أن تكون أحزاب منبثقة من الأممية المستلنة تمكنت من قيادة تلك النضالات الشرسة إلى النصر ؟ إن قرار عام 1951 حول الثورة اليوغسلافية والأممية الرابعة يقدم لهذه الأسئلة عناصر جواب إذا كانت تبقى جزئية إلا أنها تطلق تفكيراً خصيباً.
كان ينبغي فضلاً عن ذلك فهم تطور موازين القوى لدى الخروج من الحرب. لقد حدثت ثورات ظافرة وبلبلة ضخمة في العالم، لكن الأعمدة صمدت، متمثلة بالنظام الرأسمالي في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، وبالنظام البيروقراطي في الاتحاد السوفييتي. أعيدت السلطة البرجوازية في باريس، وروما وبروكسل. وإذا كانت خيانة الأحزاب الاصلاحية الأكيدة مسؤولة عن ذلك إلى حدود بعيدة (1)، وإذا كانت سياستها اصطدمت مباشرة بالتطلعات الشعبية، كان يجب أن تنتج من ذلك بصورة منطقية تقصفات ضخمة في النقابات والأحزاب، يمكن مقارنتها من حيث الاتساع بالتغيرات المفاجئة في المواقع على صعيد الاشتراكية – الديموقراطية الكبرى في ألمانيا بين عامي 1914 و 1923 . فإذا كانت حصلت أعمال قطع وانشقاقات، ومغادرات، إلا أنها بقيت هامشية وسرعان ما استعادت الأحزاب الاشتراكية والستالينية هيمنتها المطلقة أو المتقاسمة على الحركة العمالية.
لقد حاول ارنست ماندل أن يقدم، استدلالياً وبعد التجربة، تفسيراً تاريخياً مثيراً للاهتمام (2). كانت الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى فترة نمو اقتصادي ومراكمة للقوى على صعيد الحركة العمالية في البلدان الرئيسية. وإذا كانت هذه الحركة العمالية فقدت الاتجاه السليم تحت تأثير سياسات الوحدة المقدسة، فسرعان ما صححت خطأها، وتشكلت من جديد شبكاتها الكادرية، وخرجت من الحرب قوية نسبياً. على العكس، انطبعت الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية بمراكمة للهزائم التاريخية (ألمانيا، إيطاليا، إسبانيا روسيا)، وانضافت إلى ذلك الآثار المستديمة للحرب. فلنفكر في الاتحاد السوفييتي الذي شهد في ربع قرن اختفاء ما يقارب ربع سكانه بالموت العنيف ( إذا جمعنا الحربين العالميتين، الحرب الأهلية، والتطهيرات والمجاعات في الثلاثينيات) ! وكان ينبغي أن يضاف إلى هذا الوجه التاريخي المهم جداً بالتأكيد فهمٌ لشروط الازدهار المتجدد للاقتصاد الإمبريالي الذي لم يكن معروفاً بعد انه سيحمل اسم “الثلاثينيات المجيدة”. إن الفضل يعود بوجه خاص لأرنست ماندل الذي جعل أمراً راهناً، على ضوء نظرية الموجات الطويلة، فهم الدينامية الرأسمالية المعاصرة وتموجاتها. إن كتابيه الأساسيين (البحث في الاقتصاد الماركسي، والرأسمالية المتأخرة) الصادرين في عامي 1962 و1970، هما نتيجة تفكير ينطلق من هنا. في الانتظار ، أدى التثبيت النسبي لنظام اتفاقات يالطا وعدم حدوث اختراق ثوري إلى إبقاء الأممية الرابعة في نهاية الأربعينيات في وضع أقلي طويل الأمد لم يكن متوقعاً. (3)
إن اندلاع الحرب الباردة وحرب كوريا سيشكلان منعطفاً. لقد وضع ميشال بابلو في هذا السياق أطروحته عن بناء الحزب الثوري، ثم عن الحرب القادمة: تمضي الرأسمالية الآن بسرعة نحو الحرب لأنه ليس لديها من مخرج آخر على المديين القريب أو البعيد» (إلى أين نمضي ؟ 1951) ” لا نستبعد إمكانية حرب عامة […]، حرب أهلية عالمية ستكون ثورة من حيث الجوهر (لا سيما في أوروبا أو في آسيا) […]. إلى هذا التصور ينبغي أن تستند منظورات الماركسيين الثوريين بخصوص عصرنا وتوجهاتهم..”. في الفترة نفسها، كتب ماندل: «ستظهر الفترة ما بين الحربين العالميتين الثانية والثالثة في التاريخ كفاصل مؤقت وستتأكد تاريخياً طريقة تروتسكي القائلة إن البيروقراطية لن تبقى قائمة بعد الحرب» (ما ينبغي الابقاء عليه وما ينبغي تغييره، أبريل / نيسان (1951). وتشهد هذه النصوص على إرادة الابقاء ليس فقط على منهج تروتسكي بل أيضاً على تشخيصاته، مع احتمال تنظيم استحقاقاتها. إنها تتيح في الواقع تأجيل إعادة تحديد جذرية لدور الأممية الرابعة. فضلاً عن ذلك، إن تفسير دور القيادتين اليوغسلافية والصينية في سيرورة التحرر القومي حتى النصر لا يرتبط كثيراً بالتاريخ الخاص بكل من الحزبين ( بأصلها، وتكونهما، والنزاعات التي ظهرت منذ بداية الثلاثينيات مع قيادة الكومنترن)، ويتشبث بصيغة عامة كفاية وردت عن تروتسكي مفادها أنه، في ظروف استثنائية، قد يصبح البرجوازيون الصغار، “بما في ذلك الستالينيون” قادرين على المضي أبعد مما يريدون في طريق القطع مع البرجوازية.
إن التفسير الواسع لصيغة كهذه ينطوي على العديد من العواقب. بادئ ذي بدء من حيث انعدام الدقة فيه: المضي أبعد في طريق القطع مع البرجوازية . لكن إلى أي مدى؟ أإلى حد إطاحة الرأسمالية في أكبر بلد في العالم بمواجهة جيش تدعمه الولايات المتحدة بكل قواها، وضد سياسة ستالين بالذات؟ ومن ثم من حيث نتائجه : إذا كانت تكفي ظروف استثنائية، وإذا كانت الاستثناءات يمكن أن تتضاعف، لماذا لا نتخيل إمكانية أن تتكرر التجربة اليوغسلافية والصينية، هما أيضاً؟ هذا من جهة أخرى ما يتصوره بابلو في أين نمضي ؟ مُعَمِّما النتائج الممكنة لضغط الشروط الموضوعية على الأحزاب الشيوعية. ينزع الاستثناء هكذا لأن يصبح القاعدة: يمكن لأزمة وضغط الجماهير أن يقودا «أحزاباً شيوعية مختلفة لتفجير المعركة والمضي أبعد من الأهداف التي حددتها البيروقراطية السوفييتية».
إلا أن هذه الإمكانية التاريخية لا تستتبع أن تكون الاتجاهات قيد الفعل كافية لتغيير طبيعة الستالينية. فالثورة السياسية تبقى على جدول الأعمال. وسوف يبين صحة ذلك دعم الانتفاضة العمالية في برلين الشرقية عام 1953 . لكن ضمن هذه الشروط الاستثنائية يمكن أن تنمو اتجاهات وسطية داخل الأحزاب الشيوعية قد تصبح شريكة مميزة لأجل إعادة بناء أحزاب ثورية. وفي تعليق لماندل في يوليو/ تموز 1953 حول دلالة المؤتمر العالمي الرابع، يحدّد هكذا نظام مرور الوعي الطبقي بأطوار : تتسم الموجة الأولى بعفوية الجماهير، وتشكل قيادات تجريبية قبل أن تتعمق حركة باتجاه الماركسية الثورية: «يمكن تلخيص هذه الخصائص الثلاث بصيغة واحدة: أول طور للثورة العالمية هو طور الوسطية»، والتطبيق على نطاق واسع للتكتيك الدخولي في بداية الخمسينيات “يأخذ كل معناه على ضوء منظور كهذا”.
لدى إعادة قراءة الوثائق، تظهر هذه السنوات الخمسون المطبوعة بانشقاق كعبور مُمِضّ للصحراء. فالتباعد لم يكن يوماً بهذا القدر بين الشروط الموضوعية، المفترض أنها تستمر في النضج، والعامل الذاتي الذي لا يزال على هزاله. إن فكرتي «نصف الوعي» و «الطور الوسطي» تُستخدمان لسد الثغرة. مع ذلك، يبدو جليد التاريخ يذوب، مع أوائل الانتفاضات المناهضة للبيروقراطية فى عام 1956، من جهة، ومن جهة أخرى مع اندفاع الثورة الكولونيالية في فيتنام والجزائر وكوبا . منذ عام 1956، تؤدي ملاحظة أجوبة تتلاقى مع هذه الأحداث الكبرى إلى فتح السيرورة التي أفضت إلى إعادة توحيد عام 1963 . لكن انشقاق 1952-1953 يترك آثاراً مستديمة ويستحق العناءَ استخلاصُ بعض الدروس منه. الدرس الأوضح هو أن هذا الانشقاق، بوصفه نتيجة لصعوبات في التحكم بوضع جديد، لم يكن له أساس سياسي ثابت. فإذا كان ينبغي لحالات القطع أن تتدخل، لا يجب أن يحصل ذلك بصورة رئيسية انطلاقاً من نصوص، أو من تشخيصات ذكية، بل من اختبارات عملية. وبالأحرى حين يتعلق الأمر بمنظمات صغيرة، يكون الرابط النضالي الذي يشدها إلى الواقع دقيقاً، ووسائل الاستعلام متناسبة عكساً مع المساحة الاجتماعية، وامكانات التحقق العملية من سلامة القرارات بطيئة ومحددة. إن الاتفاقات بصدد انتفاضتي بولونيا والمجر، ودعم الثورة الجزائرية والثورة الكوبية، كانت تملك وزناً أكبر بكثير وقدرة أعظم على الإقناع من الخلافات النظرية بصدد الحرب القادمة (حتى إذا كانت لتلك التأملات النظرية نتائج عملية). وكما يذكر فرانسوا مورو، تشكل وثيقة مؤتمر إعادة التوحيد بخصوص ترتیب قطاعات الثورة العالمية الثلاثة قاعدة سياسية صلبة، حتى إذا كانت هذه الركيزة ثلاثية القوائم عرجاء قليلاً. إن هم التوازن الذي يوضح دينامية هذه القطاعات على التوالي بالثورة الكوبية فالانتفاضة المجرية، فإضرابات 1961 في بلجيكا، هم متصنع، لكن له فضل إدراك سيرورة وليد ( في قعر الموجة في أوروبا) وتهيئة الفروع لتجذر الشبيبة الذي سوف يفضي إلى انفجارات 1968.
بالمقابل، إن أحد شروط إعادة التوحيد هو “أرشفة” من دون حساب ختامي لمسألة الدخولية المتفجرة التي كانت تجربتها لا تزال مستمرة آنذاك، لا سيما في أوروبا. إن هذا الصمت الحذر بلا شك والحكيم في تلك الفترة، ليس مع ذلك عديم الضرر، بمقدار ما لا يسمح باستيعاب دروس تجربة (هي تجربة الخمسينيات) جاءت بعد التجربة التي حفزها تروتسكي في الثلاثينيات. في الحالتين، ليست المسألة بسيطة، وهي لا تمتلك فائدة تاريخية صرفة . ففى الحالتين، وعلى الرغم من الفروق الكبرى، عبرت التجارب الدخولية عن الاهتمام بالبقاء على ارتباط بحركة الجماهير الفعلية وبعدم البقاء منحشرين في العالم الاصطناعي لحلقات مقفل عليها.
ولا شك أنه نتج منها حس مبادرةٍ، وعملٍ جماهيري، اهتمامٌ بصنع السياسة التي تؤثر في موازين القوى ولا تلخص دعاوة مستنيرة، وباختصار نوع من الثقافة السياسية الخاصة التي لا تزال تميز إلى اليوم العديد من الفروع. للأسف أيضاً، لقد نتج من ذلك نوع من الثقافة المضادة التنظيمية التي تشكل عائقاً ثقيلاً : صعوبة أن تتصور في الزمن، وبصورة منهجية، مسائل التنظيم والتكوين، وتجديد القيادات. هل هذه الميزات وهذه الأخطاء مرتبطة عضوياً في مجموعات صغيرة؟ كيف يمكن التوفيق بين رشاقة المبادرات، والمنعطفات المفاجئة، والمرونة التكتيكية والاستمرارية والثبات التنظيميين ؟ لقد فشلنا عموماً في ذلك كله . (4)
إن كشف حساب الدخولية في الخمسينيات أكثر اشكالية مما يوحي به فرانسوا مورو بحذر. لا شك أن الفرع الإيطالي كان الأكثر تفخيخاً بشكل واضح في عام 1968 بالنتائج الواعدة للدخولية في حزب شيوعي جماهيري مرن نسبياً. وبمقدار أقل، كانت تلك هي الحالة أيضاً في ألمانيا في فترة انطلاق الحركة الطالبية Sozialistische Deutsche Studentenbund كان الرفاق الألمان يشتغلون في ( (Sozialdemokratische Partei Deutschlands **** وشبيبته . يتولد الانطباع بأن كل شيء يتم بعد عام 1968 في غير محله، في الركض لاستدراك فرص ضائعة : التأخر أولاً في الانطلاق في حركة القطع مع الأحزاب التقليدية، ثم الالتصاق بالحركة الوحدوية حين تتراجع وتحتاج لتوضيح. إذا كانت فرنسا استثناء ناجحاً، فهي تدين بذلك، جزئياً، لفظاظة قيادة الحزب الشيوعي التي ساهمت في حسم النقاش الجاري في الفرع الفرنسي عبر طردها منذ عام 1965، المعارضة اليسارية في منظمة الشبيبة الخاصة بالحزب. لقد أتاح لنا وجود الشبيبة الشيوعية الثورية ( ش ش ث) استقبال أحداث 1968 تحت رايتنا الخاصة بنا ومواجهة التدفق الماوي، الذي اكتسح الشبيبة انطلاقاً من عام 1966 .
رمزياً، تؤكد سنة 1968، وتُوسِّع، ديالكتيك القطاعات الثلاثة المذكورة حول الثلاثة أحداث النموذجية التي هي : هجوم التيت في فيتنام، وربيع براغ، والإضراب العام في مايو/ أيار الفرنسي. هذا التركيب المتفجر يعبر عن نفسه بتجذر للشبيبة التي يحركها نفَس أممي عظيم. إلا أن هذه المقدمات المنطقية لعملية تجدد بقيت ضعيفة في الطبقة العاملة بالذات، وبقيت المسافة بين القتالية والوعي السياسي كبيرة.
ثمة هنا جذور يساروية لا جدال فيها أشار إليها فرانسوا مورو. سوف أخاطر مع ذلك (آملاً ألا يكون ذلك بنتيجة حنين) في القول إن تلك كانت يساروية جيدة، فتوية، تعبر بشكل أساسي عن رد فعل سليم على تلوثات الأجهزة القديمة الخاصة بالحركة العمالية. ففي فرنسا، مثلاً، كان يجري النقاش مطولاً بخصوص سوسيولوجيا الطبقة العمالية الجديدة، ومنافع النمو والاندماج. كان يمكن لتأكيد راهنية صراع الطبقات والثورة في هذا السياق أن يعتبر فعل إيمان ربما جدياً لكنه بلا ريب مخالف للتسلسل الزمني. كان في ذلك ما يدعو لبعض النشوة.
لكثرة ما كررنا بصورة سجالية رغماً عن الأجهزة الاصلاحية القديمة وأمامها أن مشكلة السلطة مطروحة، انتهينا إلى أخذ كلماتنا على محمل الجد : إذا كانت مطروحة فلنطرحها ! بالنسبة لبعض مئات من المناضلين الهامشيين في القطاعات الأساسية في المجتمع، كان ذلك مزيجاً من الوقاحة وانعدام الوعي. كيف نردم بصورة متسارعة الحفرة المستمرة في عمقها بين الشروط الموضوعية وغياب «العامل الذاتي»؟ تخيلنا تكراراً لمايو/ أيار 68 مايو/ أيار 68 ناضجاً، تعبئة عفوية كبرى سوف يكنس خلالها مستوى الطبقة العاملة الجديدة الثقافي وتصميم طليعة صغيرة منضبطة ومتماسكة رقابة البيروقراطيتين النقابية والسياسية على الحركة العمالية. من هنا فيض النشاطية، والإرادوية والأعمال النموذجية، لاسيما أن الخروج غير المتحكم به من الدخولية كان يتركنا من دون إرشادات بخصوص الجبهة العمالية المتحدة. حين كان مناضلونا في الأحزاب الشيوعية أو الاشتراكية، كانوا يمارسون نوعاً من الجبهة المتحدة بالوكالة: كان على الحزب الشيوعي أن يقترح على الحزب الاشتراكي الوحدة من القاعدة إلى القمة، والوحدة النقابية، وحكومة للحزبين الشيوعي والاشتراكي. لكن حين يتم تشكيل منظمة مستقلة أقلية جداً، تطرح الجبهة المتحدة على الفور ( وليس الدعاوة فقط ) مسألة موازين القوى، من هنا هاجس تغيير موازين القوى غير الملائمة هذه بفيض من المبادرات والتصميم (5).
يسترجع فرانسوا مورو لإبراز هذه المرحلة اليساروية توجه الفروع الأوروبية بعد المؤتمر العالمي التاسع عام 1969 ، والتوجه إلى الكفاح المسلح في أميركا اللاتينية.
ففي الحالتين، كانت هذه اليساروية أكثر تنوعاً وتناقضاً مما يبدو. إن جذورنا في تاريخ الحركة العمالية، ورجوعنا إلى المؤتمرات الأولى للأممية الشيوعية حمتنا هكذا من الهذيانات التي ميزت المنظمات الماوية . لقد تمسكنا دائماً بضرورة بناء النقابات الجماهيرية، ولم نستسلم يوماً للتشهير الخرافي بالأحزاب المتعاملة (المعتبرة مجرد منظمات ملحقة بسلطة أرباب العمل) . أما في حالة أميركا اللاتينية، فالمسألة أكثر تعقيداً وينبغي أخذ الحذر من منطق النصوص الحصري، فالواقع أهم بكثير. إن الوثيقة التي تبناها المؤتمر التاسع وثيقة في غير محلها . فهي لا تكتفي بالدعوة إلى الكفاح المسلح، الذي ليس بحد ذاته توجهاً ولا حتى استراتيجية، بل صيغة عامة. لقد أعطت الأولوية بلا جدال لحرب الغوار الريفية، في حين أن هذه الممارسة باتت، بعد مقتل تشي في بوليفيا، موضوعاً لإعادة نظر نقدية في أميركا اللاتينية بالذات. كان التنظيم الأكثر تصميماً على تطبيق الكفاح المسلح هو الحزب الثوري للشغيلة -جيش الشعب الثوري في الأرجنتين بقيادة روبيرتو سانتوشو. منذ عام 1970، أعطى تفسيره الخاص به للصيغة الجبرية المجردة للكفاح المسلح عبر خلق جيش الشعب الثوري. مذاك، بات توجهه يستلهم النظريات الفيتنامية حول حرب الشعب طويلة الأمد (وبالتبعية فهماً تقريبياً للكفاح التحرري الجزائري) أكثر مما نظريات الثورة الكوبية. كان كل شيء ينبع منها بمنطق صارم: التسبب بحالة احتراب، إقامة مناطق محررة، إيجاد حلفاء ديموقراطيين. كانت استراتيجية الحرب طويلة الأمد هذه تستند إلى تداخل صراع فعلي ضد الديكتاتورية العسكرية الأرجنتينية واستباق صراع لأجل التحرر في الحالة المرجحة لتدخل أميركي. كل من كان يذهب إلى الأرجنتين في 1972 – 1973 (إبان السيرورة الانتخابية التي أعادت بيرون إلى السلطة) كان يمكنه أن يلاحظ العنف اليومي، لكن أن يفهم أيضاً أن الأمر لا يتعلق ببلد في حالة حرب، وأن هذا التوجه كان يصطدم بحائط .
فضلاً عن ذلك، كان هناك رابط منطقي بين هذا المنظور وسعي سانتوشو وراء دعم عالمي من جانب دول (من هنا الاصطفاف وراء كوبا ورفض إدانة التدخل السوفييتي في تشيكوسلوفاكيا). ومنذ عام 1972 ، كان ذلك كله موضع انتقادات مكتوبة ونقاشات في الأممية. وكان ذلك برهاناً على أن لليساروية حدودها (6).
كانت تلك حقبةُ “لينينيةٍ مستعجلة” تعترف بالبؤروية الأمريكية – اللاتينية على أنها شقيقتها التوأم. كان منظور بناء الحزب، المرتبط بالدخولية، يراهن على انفصال أجزاء كبرى من الأحزاب الاصلاحية وكسب “كوادر منظمة” أو “رجال (ونساء) موضع ثقة” داخل الطبقة. لم يكن قد تم استبدال هذه الترسيمة الوهمية لأجل ذلك. كان الفراغ مموهاً بالأمل في “اختراق” سريع مرتبط بانهيار الستالينية على المستوى العالمي. ومن عام 1967 إلى 1976 تقريباً كان انطلاق (أقصى) يسار جديد ظاهرة فعلية في العديد من البلدان، إلى حد هز هيمنة المنظمات التقليدية، لكن من دون التوصل إطلاقاً، ولو من بعيد لمنافستها. كان المؤتمر العالمي العاشر المنعقد في بداية عام 1974، يحاول التنظير لممارسة السنوات السابقة عبر التنبؤ بأزمات ثورية في البلدان الإمبريالية “في السنوات الخمس” وعبر إعطاء قيمة لفكرة “الطليعة الواسعة”. ونحن نقع هنا على إحدى المشكلات المتواترة لمناقشات الأممية فالحذر المحتوم لمنظمات صغيرة، والامكانات الضئيلة وبطء تداول الأفكار تجعل النقاشات تدور غالباً على الماضي، وتعبر عن ممارسة باتت فعلية ، أكثر مما تحدس بالمستقبل وتستبقه. ونقاش عام 1974 لا يشذ عن هذه القاعدة: انه يحاول سستمة (إضفاء تنظيم على) التجربة المنقضية منذ عام 1968 في حين يتم التحضير لمنعطف جديد للوضع العالمي يلي بوجه خاص ركود عام 1973 الاقتصادي وانقلاب التشيلي والأوروغواي، والأرجنتين في عامي 1973 و 1974.
كانت الثورة البرتغالية لعامي 1974-1975 آخر اختبار للسجالات الكبرى التي بدأت في الخمسينيات. ولا أزال اعتقد اليوم أن تيار الغالبية لذلك الحين كان على حق في الجانب الجوهري. لقد بدأنا منذ إطاحة الديكتاتورية في أبريل/ نيسان، نقدم مطالب ديمقراطية من بينها شعار الجمعية التأسيسية (7). وبعد محاولتي انقلاب دستورية ثم عسكرية (في أكتوبر/ تشرين الأول 1974 ومارس / آذار
1975)، كان صحيحاً التشديد على تطوير ومركزة سيرورة فعلية للتنظيم الذاتي (لجان منشآت وأحياء ولجان جنود)، من دون جعل ذلك في موقع معارضة الجمعية التأسيسية المنتخبة. كانت تلك السيرورة غير متكافئة، وضعيفة جداً، لكنها فعلية (لاسيما في سيتوبال)، وليس شائعاً أياً يكن أن نرى في أوروبا القديمة جنوداً ينضمون إلى المتظاهرين مع دباباتهم ! بهذا المعنى، كان من شأن تعميق للثورة البرتغالية أن يغير ، بداهة، شروط الانتقال المتفاوض عليه في إسبانيا بعد وفاة فرانكو في نوفمبر/ تشرين الثاني 1975). بالمقابل، لقد توافق موت الديكتاتور الإسباني عملياً مع استخدام القوة في البرتغال، والثورة المضادة الديموقراطية، وإعادة نظام الدولة بحفز من ماريو سواريس والاشتراكية – الديموقراطية.
كانت تلك بداية منعطف تم في أوروبا والعالم بين عامي 1974 و 1978. لقد ضللت الآثار الاجتماعية الأولى للأزمة، وبوجه خاص سياسة التعاون المخجلة من جانب القيادات الاصلاحية الحركة العمالية، وأوقفت الاندفاعة التي نشأت عام 1968. كانت تلك هي التسوية التاريخية في إيطاليا عام 1968. ومعاهدات مونكلوا والقبول بالملكية في إسبانيا عام 1977، وانقسام اليسار وهزيمته في فرنسا في عام 1978. كانت صفحة قد طُويت. بات يبتعد منظور الاختراق حول بوليفيا في تاريخ أسبق، وحول إسبانيا في تاريخ سابق. والمؤتمر العالمي الحادي عشر لن ينعقد حتماً في برشلونة كما كانت تصورت المخيلات الوجدانية المتسلطة عليها صورة كاتالونيا الحرة عام 1936.
إما أن الهزيمة كانت عميقة (ولم تكن تلك هي الحال) ، أو أنه كان ينبغي التسليم بأننا بالغنا، بفعل حماس يمكن فهمه في تصور تأثير أحداث عام 1968 والامكانات المفتوحة مباشرة ( هذا الخطأ بصدد أحجام حدث ما يترصد المنظمات الأقلية المدفوعة كالأطفال لرؤية العالم المحيط بها أكبر ما هو في الواقع). أياً يكن، فإن المؤتمر العالمي الحادي عشر لعام 1979 ، والسلم المفقود بين تياري الأممية الكبيرين، يحملان طابع ذلك المنعطف. كان الأمر يتعلق بتوافق على الطريقة وعلى المستقبل، أقل مما بهدنة بين أبطال رئيسيين منهكين. إن وثائق المؤتمر الحادي عشر تشهد على اتفاق جاء مجدداً في غير محله . فهو يلح على المركزية المستعادة لصراع الطبقات في البلدان الصناعية (فى الوقت الذى تستنفد فيه اندفاعة 1968 وتتم الثورات فى أميركا الوسطى وإيران) ليستنتج من ذلك العودة بقوة للنموذج الاستراتيجي الكلاسيكي وللبرنامج التروتسكي القويم. وتنبع من هذا التحليل منطقياً الأولوية التنظيمية المعطاة لوحدة الحركة التروتسكية فى العالم، مع تجاوز الخلافات العميقة فى الخط . وهذا التحليل يعطى نوعا من التماسك لارادوية “الانعطاف نحو الصناعة”، لأن الأمر لا يتعلق فقط، في التقرير الذي صوت عليه المؤتمر، بالتصحيح الصبور للاختلالات في الانغراس، بل بالرد على إلحاح تشخيص تجذر عمالي في الحواضر الإمبريالية.
لقد أنقذ هذا المؤتمرَ الكئيبَ دعمُ الثورة الساندينية الذي يثبت صحة أفضل ما في تراث الأممية : الاعتراف بالتجارب الثورية، وتقديم الدعم غير المشروط لها، وإرادة التعلم من تجديداتها من دون التخلي عن حرية نقدية تجاه قيادتها. لقد أنقذته أيضاً المساهمات البرنامجية التي تشكلها الوثائق المتبناة بصدد الديموقراطية الاشتراكية وتحرر النساء. لكن السؤال الوجودي يبقى ملحاً أكثر مما في أي وقت مضى : إذا كانت أزمة البشرية تختصر منذ ربع قرن بأزمة قيادتها، لماذا لم تنجح كل استعداداتنا الطيبة في حلها ؟ هذا التناقض في حدود المشكلة بالذات يغذي حدة النقاشات والشبهات المتبادلة بالخيانة : بما أن قوانين التاريخ أقوى من الأجهزة (كما يقول البرنامج الانتقالي)، ولما كانت لم تتغلب بعد فذلك يعني أن ثمة شيئاً ما مصاباً بالخلل. لذا يحصل بصورة دورية أن يعتقد فرع أو قيادي ملهم أنه وجد العلاج السحري. إن تاريخ الأممية الرابعة مليء بهذه الدعوات الخلاصية.
تشير الوثائق التحضيرية للمؤتمر العالمي الثاني عشر المنعقد عام 1985، على العكس، إلى أن أزمة القيادة الثورية على المستوى العالمي لم يعد يمكن طرحها بتعابير فترة الثلاثينيات. لا تقتصر على أزمة للطليعة وضرورة استبدال قيادات تقليدية مفلسة ببديل لا عيب فيه . فما هو على جدول الأعمال إنما هو إعادة تنظيم اجتماعي ونقابي وسياسي للحركة العمالية وحلفائها على مستوى الكوكب. سوف يتعلق الأمر على الأرجح بسيرورة لا متساوية ومديدة، إلا إذا طرأ حدث مؤسس جديد يلعب دوراً شبيها بدور الثورة الروسية. ولكى تكون هذه السيرورة منسقة بأكبر قدر ممكن، يمكن أن تشكل الأممية الرابعة أداة فعالة من دون أن يكون في وسعها اعتبار نفسها بعد الآن كالبديل شبه الطبيعي من إفلاس الستالينية والاشتراكية -الديموقراطية : ” في غياب أحداث ذات أهمية عالمية من شأنها قلب موازين القوى بين الطبقات والتسبب بإعادة اصطفاف عام للقوى، سوف تبقى إعادة تركيب الحركة العمالية العالمية بطيئة، وغير متساوية ومتمايزة بفروق عميقة. لم يحن الوقت للإعلان المجرد لأممية جماهيرية، ولا للبحث عن قادوميات (دروب مختصرة) على هذه الطريق. لا نزال في بداية تحولات عميقة ومديدة في الحركة العمالية ينبغي أن نتصدى لها عبر الجمع بين بناء الأممية الرابعة كما هي والتعاون مع قوى الطليعة التي تتطور في مختلف البلدان والقارات”. وخلال المؤتمر الثاني عشر، كنا نتصور التصدي لسيرورة إعادة تركيب صعبة على قاعدة الدمج بين التجربة الفعلية وعناصر أساسية في برنامجنا (الثورة السياسية المتمثلة بتكون سوليدار نوسك في بولونيا، والثورة الدائمة المتمثلة بالتطورات الثورية في أميركا الوسطى المتقفية أثر الثورة الكوبية). وقد بات المشروع أكثر تعقيداً بعد منعطف التسعينيات. فمع أن دينامية إعادة الرأسمالية لم تستكمل بعد، هي ذي تحرز الغلبة في الشرق. وتراجع الثورة في أميركا الوسطى والتغيير في موازين القوى العالمية يطرحان بتعابير أخرى الترجمة العملية للثورة الدائمة في البلدان التابعة. فالتدويل المتزايد لرأس المال وعولمة الاقتصاد يجبران على اعتماد تمفصل أشد وثوقاً بين الإجابات الاستراتيجية، التي تمت بلورتها في الثلاثينيات على صعيد دول قومية (انطلاقاً من تجارب الثورة الألمانية) ومنظورات قارية على الأقل (البناء الأوروبي، معاهدة التبادل الحر في أميركا الشمالية).
تتميز الأممية الرابعة، كما هي، بلا جدال، بكونها حافظت على التراث الثوري حياً سواء من وجهة نظر نظرية أو من وجهة نظر نضالية، في الفترة الطويلة من مقاومة الستالينية، ولم تسقط في الأخطار العصبوية الملازمة للوضع الأقلي. وهي لم تصل إلى ذلك من دون أن تتعرض لتشويهات، وهذا أمر طبيعي. لقد سبق أن الححت مراراً على اختزال مشكلات البشرية، المريح جداً في الزمن، إلى أزمة قيادتها الثورية. إن كل شيء يتوقف بالتأكيد على تفسير هذه الصيغة العامة جداً. مع ذلك نقع على التطبيق الحرفي لهذه الترسيمة الكلاسيكية في نص فرانسوا مورو بصدد أزمة النظام التي تمر بها بلدان الشرق: «بالطبع، وكما يحصل دائما، إن غياب العامل الذاتي هو الذي يفسد تحقيق هذه الإمكانية. لكن العامل الذاتي هو ذلك الذي يتغير بالصورة الأسرع في حالات الأزمة». يبدو لي خاطئاً أن نطبق صيغة تعود إلى الثلاثينيات من دون أي احتياطات على قرابة قرن من التاريخ المعاصر من دون طرح أسئلة أخرى من أين تأتي أزمة العامل الذاتي هذه وما هو قوامها؟ هل المقصود مشكلة استراتيجية بحتة ؟ ما هي جذورها الاجتماعية؟ ألا يخلص إفلاس ذاتي تاريخي إلى إنتاج نتائج «موضوعية»؟ ماذا في صراع الطبقات عن وحدة الذات والموضوع؟ إذا لم نطرح هذه الأسئلة، نخاطر في إعطاء صيغة تروتسكي تفسيراً ذاتوياً صرفاً: إذا توفرت الشروط الموضوعية، وإذا كانت المشكلة الوحيدة هي العامل الذاتي، وإذا لم نتوصل لحلها، فذلك لأننا أفلسنا نحن بالذات أو تعرضنا دائماً لـ «خيانة» من الداخل. إنها صيغة مختصرة بعض الشيء بحيث لا يمكن أن تفسر عدة عقود من التاريخ.
كما أن وجودنا الأقلي غذّى مفردات معيارية لاعتلال اجتماعي وتاريخي. لقد امتلأ العالم بدول عمالية منحطة أو مشوهة . وجرى اعتبار الستالينية انعطافة على طريق الثورة العالمية. كل هذه التعابير تطرح كمسلمة نمواً تاريخياً طبيعياً، لا مفر منه، لا يمكن أن يكون هناك بالنسبة إليه غير معترضات ينبغي تكسيرها وانحرافات ينبغي تصحيحها . إن تيارنا ، ولا شك أنه الأفضل تسليحاً ديالكتيكياً، دفع هكذا ضريبته النظرية للضغط التطوري المسيطر في الأمميتين الثانية والثالثة. وقد يكون اليوم ملائماً أن يعاد النظر في هذه الرؤية للتاريخ، الممكن تفهمها بمقدار ما تغذي أمل تيار أقلي، لكن المضرة بتأمل نظري بخصوص تاريخ هذا القرن.
أخيراً، من دون أن يكون الرابط بين نظريتنا وممارستنا قد انقطع، فهو قد انحل. وليست هذه أدنى العواقب لهذه المسيرة الطويلة ضد الستالينية. لقد أمكن بعض التروتسكيين أن يعتقدوا أحياناً بأن الصيغ الصحيحة في عموميتها (الثورة الدائمة أو الثورة السياسية) تقوم مقام السياسة الملموسة. والحال أن كل المشكلة تكمن بالضبط في تجسيد هذا الخط العام: أي تحالفات ننسجها، وكيف نبني الهيمنة البروليتارية في صراع لأجل التحرر الوطني، وأية علاقة بين النضال السياسي والعمل الجماهيري والاستراتيجية العسكرية ؟ إن حالات الضعف هذه نابعة من الوجود. لكن من المهم أن نعيها ونفهمها عند حافة وضع جديد يفتح أمداء جديدة الممارسة سياسية معاد إحياؤها (8).
إن الشروط التي حصل فيها سقوط الستالينية وتفكك الاتحاد السوفييتي تفرض علينا جهود تفكير جديدة. ويبدو تحليل تروتسكي للاتحاد السوفييتي، اليوم أيضاً، الأكثر عملانية. لم يكن يفضي إلى الفرضية الوحيدة لتاريخ ذي اتجاه واحد وثورة سياسية محتومة، بل إلى الخيار بين ثورة سياسية وإعادة الرأسمالية: إما إطاحة البيروقراطية بانتفاضة جماهيرية أو إطاحتها بقصف بالسلع. وإذا خلطنا تفاؤل الإرادة بتشاؤم العقل، تولد لدينا ميل إلى نسيان الفرضية الثانية أو تنسيبها. والحال مع مرور الوقت، وتوسع التذرير الاجتماعي، وانطماس التقاليد، باتت هذه الفرضية هي الأكثر ترجيحاً. كان الانتقال إلى الركود البريجنيفي في السبعينيات قد أشار بعد الاختبار إلى أن المنظومة البيروقراطية استنفدت حصتها من الدينامية وأن المجتمع السوفييتي دخل في طور تقهقر بالنسبة إلى النمو الرأسمالي. إن ما حدث منذ سقوط جدار برلين سوف يضع حتماً على جدول الأعمال تفكيراً منهجياً بصدد العلاقة بين الاستيلاء على السلطة السياسية والتحول الاجتماعي، وحول توصيف الدول، وحول مفهومي الطبقات المغلقة والطبقات ، متحاشين سهولات مقولات تصنيفية أكثر دينامية.
يتوقف عمل فرانسوا مورو عند عتبة تاريخية. وإذا كانت آثار الستالينية ونتائجها بعيدة عن الاستنفاد ، فلقد انتهت حقبة بكاملها. وقد كان للأممية الرابعة دائماً، بمثابة هدف، الابقاء على الاستمرارية الثورية لا أن تكون مجرد المعارضة اليسارية للستالينية. لكن الظروف جعلت دور المعارضة هذا يبقى حاسماً. وفي هذه العلاقة، يحدد المعارض دائماً الطرف الذي يقابله، حتى ولو على مضض. وانهيار هذا الأخير ستكون له حتما نتائج كبرى بالنسبة لمعارضته التاريخية. فلدخول الحقبة الجديدة التي تبحث عن نفسها، نحن بحاجة أكثر مما في أي وقت آخر، إلى ذاكرة ونقاط استدلال برنامجية . لكن جعل نقاط الاستدلال هذه حالية سيتم حول تجارب مؤسسة جديدة. وفي الوقت الحاضر، يحرز الغلبة عملُ السالب، نزعٌ واسع للخرائب والأنقاض، من دون أن تجىء الأحداث التي من شأنها أن ترسم مجدداً، على نطاق واسع، تيارات الحركة الثورية العالمية، كما فعلت فى الكومونة، أو الحرب العالمية، أو الثورة الروسية، أو الثورة المضادة الستالينية، فى حينها. لكن هذه الأحداث ستأتي.
هوامش وإحالات
- معنى الأحدور الحرفي أرض مكشوفة، ذات انحدار خفيف تسبق موقعاً محصناً. والمقصود هنا بالأحدور بلدان أوروبا الشرقية المتحلقة آنذاك حول الاتحاد السوفييتي السابق (المعرب).
** المقصود بذلك الثورة المضادة اليمينية الستالينية، التي كانت تشبه من هذه الناحية ما حصل خلال الثورة الفرنسية في شهر تير ميدور 1794 من ردة يمينية أطاحت حكم الجناح الثوري اليعقوبي (المعرب).
*** صدر بالعربية عن دار الحقيقة، في السبعينيات، بعنوان النظرية الاقتصادية الماركسية (المعرب).
**** الحزب الاشتراكي – الديموقراطي الألماني (م).
- حول الحرب الأهلية اليونانية، أنظر دومينيك أود، Les Kapetanios ، باريس، فايار، 1970؛ وعن فرنسا، أنظر غريغوار مادجاريان ,Conflits 1980، E،باریس pouvoirs et société à la Libération
- أنظر ارنست ماندل La Longue marche de la révolution، باريس،
- منذ عام 1946 ، أخد فيليكس مورو Morrow على قادتها تشديدهم، الواقع في غير محله، على «الشروط الثورية الموضوعية المفصولة عن العامل الذاتي: «ان غياب الحزب يبدل شروطاً لولا ذلك لكانت ثورية.» يطالب إذاً بأن يعاد النظر في التشخيصات حول حكم البيروقراطية غير الثابت وحول مستقبل الثورة في أوروبا. ويخلص من ذلك إلى القول أنه في غياب استحقاقات ثورية قريبة، يفرض اصطفاف مؤقت إلى جانب الاتحاد السوفييتي نفسه. أما بشأن منظورات البناء، فيلاحظ مورو، ضمن هذه الشروط ، صعوبة بناء منظمات مستقلة قوية ويقترح دخولية منهجية في الاحزاب الاشتراكية – الديموقراطية في حين تستمر الأغلبية في إعطاء الأولوية لبناء منظمات مستقلة، مع كتل عند الاقتضاء، داخل الأحزاب الجماهيرية ( ما عدا في بريطانيا حيث ينضم الماركسيون الثوريون إلى حزب العمال).
- لقد سبق أن طرح المشكلة بوضوح التكتيك الدخولي الذي دعا إليه تروتسكي فى الثلاثينيات. كانت اقتراحاته تتناسب بصورة عبقرية مع تعرجات الوضع وانعطافاته، لكن كان لكل مبادرة جديدة تأثير مفكك على النواة الأساسية. انظر في هذا الصدد دراستى عن
Les Années de formation de la IV Internationale
أمستردام، دفاتر الـ IIRF.1988
- يبدو لي اليوم أن فرانسوا مورو يضخم يساروية تظاهرة 21 يونيو 1973. كانت إحدى المظاهرات الأولى ضد عودة عنصرية أقصى اليمين إلى الظهور، وإذا كانت الحكومة انتزعت منا الشرعية، فهي لم تتوصل لسحقنا كما كانت قد فعلت في السنوات السابقة مع المنظمات الماوية : ذلك أن مبادرتنا كانت شعبية كفاحية وروابطنا مع الحركة العمالية قوية كفاية لحفز حركة واسعة من الاحتجاج والتضامن (شارك فيها الحزب الشيوعي الفرنسي، وإن على مضض) ضد القمع الذي كنا ضحاياه. لكن يبقى صحيحاً أن هذه المظاهرة تندرج في صعود يساروي ستكون له نتائج أجسم بكثير في إيطاليا بعد 1976، وفي اليابان بعد النضالات بخصوص مطار ناريتا. قد يكون مثيراً للاهتمام أن نعرف بالضبط لماذا اتبعنا في فرنسا مساراً آخر.
- إحدى نقاط ضعف الكتلة الحمراء المطرودة من حزب الشغيلة الثوري- جيش الشعب الثوري عام 1972 هي بالضبط غياب البديل الاستراتيجي لديها. إن هذه المنظمة الدينامية جداً، كانت تعلن ولاءها للأممية الرابعة بخصوص القضايا العمالية الكبرى (تشيكوسلوفاكيا، نقد بلدان الشرق) لكنها كانت تبذل جهدها لتفعل مثل ح ش ث – ج ش ث في ميدان الكفاح المسلح من دون أن تفهم تماسك ترسيمة استراتيجية محكوم عليها بإفلاس مأساوي.
- كان الفرع البرتغالي قد نشأ في يناير/ كانون الثاني 1974 في العمل السري، قبل ثورة أبريل/ نيسان بعدة أسابيع. كانت غالبيته ضد مواقف أكثرية الأممية وكانت تعارض بوجه خاص شعار الجمعية التأسيسية الديموقراطي خلال الأشهر الأولى من السيرورة الثورية.
- نجد في نص فرانسوا مورو مثالاً على المساجلة المجردة التي تنقل من دون أي تغيير تعابير نقاش عام 1972 بصدد الجبهة الواسعة في الأورغواي. لقد رأى في ذلك أوروبيون أو أمريكيون شماليون، في عز المساجلة، مجرد تكرار للجبهات الشعبية في الثلاثينيات بدل التساؤل حول خصوصية بلد تابع، وطريقة كسر هيمنة منظومة ثنائية الحزب، وحول الطرق إلى الاستقلال الطبقي ونحو إرساء جبهة معادية للإمبريالية تحت هيمنة ثورية.
اقرأ أيضا

