حراك الريف: مقالات العدد 70 من جريدة المناضل-ة

سياسة26 يونيو، 2018

المواد التالية نشرت بالعدد 70 من جريدة المناضل-ة، مايو 2018

========================== 

محاكمات مناضلي حراك الريف: خطوة أخرى نحو نهاية نظام الاستبداد والاستغلال

بقلم، جنين داود

 انتفض كادحو الريف وكادحاته من أجل مطالب اجتماعية وثقافية أولية، باحتجاجات سلمية، فتصدت لهم الدولة بقوتها القمعية بقصد الترهيب لإطفاء الشرارة قبل امتدادها إلى باقي البلد. من التنكيل بالمظاهرين لدرجة القتل (الشهيد العتابي…) إلى اعتقالات عشوائية من الشارع ومن البيوت، إلى إساءة معاملة المعتقلين، بالتعذيب وسعي إلى الإذلال، وحتى التهديد باغتصاب الأقارب (مثل ما حصل للمناضل المجاوي…) ثم المحاكمات بتهم ملفقة تلفيقا (نزعة الانفصال، تلقي أموال من جهات خارجية…)، والتضييق على المحامين (مثل عبد الصادق البوشتاوي المضطر إلى اللجوء إلى خارج البلد…). ستدخل هذه المحاكمات التاريخ نموذجا للإخفاق التام أمام مد شعبي يعرف ما يريد.

امتزج في مطالب كادحي الريف ما هو مطلبي متعدد الأبعاد، وما هو تأكيد لهوية كفاحية تحررية عمل حكام المغرب على طمسها بكل ما أوتوا: نضال عبد الكريم الخطابي وجمهوريته. وهذا التمسك برموز الكفاح الوطني بالريف، صور عبد الكريم وعلم الجمهورية، له حمولة سياسية قوية أمام سلطة مستبدة على جميع الأصعدة، حتى الرمزية.

كما لم يستسغ المستبدون بروز شخصيات من أعماق الطبقات الشعبية تتحدى الحاكمين بشعار: هل أنتم حكومة أو عصابة؟ وتلقى صدى عظيما لدى مئات آلاف الكادحين، بالريف وبباقي البلد. وفي الآن ذاته رفضت الجماهير أذناب النظام ومتملقيه ممن تسميهم “العياشة” فسعى نظام الاستبداد إلى تحقير رموز الحراك، كان من أبرز أفعاله الدنيئة بهذا الصدد تصوير ناصر الزفزافي شبه عار وتعميم الصور…

كان ضمن خطة الحرب الاجمالية ضد الحراك الشعبي حملة تضليل إعلامي تروم تجريمه. فبعد كل تحرك شعبي تخلق فيه قوات القمع باستفزازاتها مشاهد  مواجهات عنيفة، تسارع  الجرائد “المخزنية” إلى وضع صور سيارة محترقة او ناشط مدافع عن نفسه بالحجارة في صفحاتها الأولى بقصد استبعاد أي تضامن وتنفير الرأي العام من الحراك، ودفعه الى مناهضته أو بالأقل عدم الاهتمام به. وقد تحركت فيالق الدولة الالكترونية للهجوم في وسائل التواصل الاجتماعي، والمواقع الالكترونية، على الحراك الشعبي ونشطائه، لإفقادهم الاعتبار وتشويه صورتهم.

 تحركت آلة القمع والتنكيل بالمناضلين مستعملة ما كسبت من خبرة أيام الحسن الثاني والبصري، بوجه مناضلين يدافعون عن مصلحة مشتركة لدى ملايين الجماهير، مستعدين لتحمل كل صنوف التضحية من أجلها. فيما يتصرف مهندسو القمع ومنفذوه بحفز من الامتيازات والمصلحة المادية. وهذا الحافز جدي لكنه غير كاف، وليس لدى النظام من يدافع عنه بنفس نكران الذات الذي لدى المناضلين/ات من أجل مطالب الشعب وكرامته. وهذا من عناصر هزيمة النظام المحتومة في نهاية المطاف.

المحاكمات، وكل ألوان القمع، محاولة لوقف ما يعتمل في أعماق المجتمع: اي تلك التراكمات من أنواع الرفض والتمرد الناتجة عن أسباب اقتصادية ونفسية تتجاوز القامعين. القمع عاجز لأنه يتدخل ضد النتائج وليس الأسباب. إنه قائم على وهم إزالة النتائج دون مس بالأسباب.

القمع الجاري  منذر بالمزيد

سيشهد تصدي الدولة البرجوازية للحراكات الشعبية بتجريم الاحتجاج والمقاومة تصعيدا مستقبلا، لأن السياسات الرأسمالية المدمرة اجتماعيا متواصلة بوتيرة متسارعة، وما يربط الحاكمين بقوى الاستعمار الجديد من اتحاد أوربي ومؤسسات مالية وتجارية دولية يحكم باستمرار تلك السياسة، ما لم يوقفها مد شعبي عارم واستثنائي.

وستبذل الأقلية المالكة الحاكمة محليا، ذات المصلحة في استمرار النظام الاقتصادي والسياسي القائم كل ما في مقدرتها للحفاظ على امتيازاتها المراكمة عبر عقود من الاستغلال والنهب. وإذ ترى في الحراكات الشعبية خطرا على مصالحها، لن تتردد في استعمال كل صنوف الترهيب والاضطهاد، يشجعها على ذلك أن حلفائها بالدول الامبريالية (الديمقراطيات الغربية) يستعملون هم أنفسهم الأساليب ذاتها لقمع عمال وكادحي بلدانهم.

غير أن القمع لا يعطي النظام غير مهلة محدودة. فالقمع تاريخيا لا فعالية له بيد أقلية تعوق امتيازاتها تطور المجتمع: إنه آخر المطاف عاجز إن كان يسير في الاتجاه المضاد للتطور التاريخي.

كل لجوء إلى  للقمع خطوة نحو السقوط. بعد كل قمع يرتفع سيل الحقد الشعبي بقدر أكبر إلى أعلى ليطوق المستبدين.

المستقبل للكفاح العمالي والشعبي

 لم يكن حراك الريف غير طور أرقى ضمن موجة الاحتجاج الشعبي التي اخترقت المغرب منذ زهاء عقدين، متقدمة تدريجيا على صعيد المطالب وأشكال النضال والتنظيم. لقد بات نظام الاستبداد والاستغلال بالمغرب يواجه خطرا غير مسبوق: خطر جماهير شعبية في الشارع تتدرب على النضال. فقد اعتاد النظام التحكم بتعبيرات الرفض من قبل أقليات معزولة، كالمعارضة المدجنة في مؤسسات الديمقراطية الزائفة، أو الحركات الطلابية بين أسوار الجامعة، أو إضرابات عمالية معزولة في أماكن العمل تعمل البيروقراطية النقابية على التحكم بفعلها النضالي وحتى إجهاضه.

ما يشهده المغرب من حراكات شعبية استفاد من الخبرة الكفاحية لجمعية المعطلين، خبرة أغناها حراك 20 فبراير المجيد، ومن لم يأخذ هذه الطفرة بعين الاعتبار لن يفهم شيئا في الوضع وسيكون تفاجأه بتطوراته كبيرا.

 كان النظام، في سنوات 1960 حتى متم سنوات 1980،  يواجه منظمات ثورية ناشئة لم تمد بعد جذورها في الأعماق العمالية والشعبية، ما يسر اجتثاتها. أما الآن فيواجه الشعب الكادح في الشارع في حركة ستغدو عارمة. ثمة قوى اجتماعية عميقة مدفوعة في اتجاه الثورة هي الطبقة العاملة، المعرضة للاستغلال المفرط، ومئات آلاف الشباب المعطل، وفقراء العالم القروي وملايين النساء المقهورات. والسياق الاجتماعي والسياسي الراهن ملائم لتطور قوى النضال على نحو لم يشهده المغرب من قبل.

  ولا شك أن التراكمات الجزئية للحراكات الشعبية ستفضي، بتلاقح مع الحركة العمالية، إلى تحول نوعي نحو الاكتمال برنامجيا وتنظيميا: حركة سياسية واعية حاملة مشروعا مجتمعيا بديلا على كافة الأصعدة: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

رغم فزاعة الردة الرجعية بالمنطقة العربية-المغاربية، وبشاعة مذابح النظام السوري المستعملة محليا للابتزاز، انتفض الريف. ورغم الفتك بحراكه انتفضت جرادة. وغدا أو بعده تنهض مناطق  مهملة أخرى وحتى مدن كبرى كطنجة…

 اعتقال أناس صادقين شجعان جريمتهم الوحيدة التضحية من اجل المصلحة المشتركة، فيما لصوص ثروة البلد يصولون ويجولون، سيولد لدى الجماهير الشعبية تعاطفا مع المناضلين. وأفواج الشباب التي سارت في مظاهرات منطقة الريف وجرادة طيلة شهور إنما تعلمت في مدرسة من مدارس النضال من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وهي طبعا قوى ستعود إلى النضال معززة بدروس خبرتها الميدانية. وهذا من أكبر ما يبعث على الأمل.

ما يقوم به النظام بحق مناضلي الريف وجرادة من محاكمات تلفيق سخيف. المحاكمة الحقيقة قامت بها الجماهير في الميادين والمتضامين معها في بلدان المهجر عبر العالم: محاكمة نظام الاستبداد والاستغلال والاضطهاد. حاكمته وأدانته بلا رجعة.

============================= 

حراك الريف

اليسار على ضوء الانتفاضة الريفية

تخاف الأحزاب البرجوازية من الانتفاضات الشعبية، وتسعى ما أمكن تفاديها، وتحبذ كل صنوف القهر السياسي والقمع على مواجهة ثورة شعبية. قد تتمنى حدوث نضالات شعبية لاستعمالها في مناوشة الاستبداد، ولكنها تعمل على ضبطها كي لا تتعدى حدود تحسين المجتمع البرجوازي.

على الأمر أن يكون مختلفا كليا بالنسبة لأحزاب اليسار. ولا نقصد هنا اليسار الليبرالي المعبر سياسيا عن مطامح ومصالح أقسام من البرجوازية واستيائها من احتكار الملكية وبطانتها للسلطة السياسية وفرص الاغتناء الاقتصادي، وتحتج على خرق قانون المنافسة الشريفة للرأسمالية.

ظهر سلوك هذا اليسار الليبرالي في تقديم النصائح للاستبداد كي يحسن التعامل مع الاحتجاجات، بغرض نزع فتيل الاحتقان الشعبي، وجاهد على تمزيق الجسم المتضامن بإصرار الحزب الاشتراكي الموحد مقاطعة كل تضامن تشارك فيها القوى الأصولية.

لا ينسى هذا اليسار الليبرالي وهو يقدم نصائح للنظام، التلويح بمطالبه الدستورية في وجه الملكية، سعيا لإقناعها أن الملكية البرلمانية هي الضامن الوحيد لبقاء النظام الملكي واستقرار المجتمع.

نقصد باليسار هنا: اليسار الطبقي، أي الذي يعبر عن مصالح الطبقة العاملة، أو يدعي ذلك على الأقل.

تتحدد المعضلة الرئيسية في المغرب، في الضعف الكبير لهذا اليسار، ضعف كمي ونوعي، ما يفوت عليه فرصة قيادة النضالات الجماهيرية إلى الانتصار.

أضحى اليسار في الوقت الذي تفجرت فيه انتفاضة الريف أكثر ضعفا مما كان عليه سابقا نهاية سنوات 90 وبداية 2000، ويرتبط هذا الضعف بتردي العمل النقابي والهزائم القاسية التي لحقت الطبقة العاملة طيلة 20 سنة الأخيرة.

يوجد بالمغرب ماركسيون ويساريون ينتمون لمختلف التيارات، لكنهم عاجزون عن الفعل إلا كمجموعات سياسية وكجزر صغيرة داخل الطبقة العاملة، إن لم يكن بعضها على هامشها. وهذا ما حد من دور اليسار النضالي والتضامني مع انتفاضة كادحي الريف.

تكرر الانتفاضة الريفية ما وسم نضالات سابقة محلية في إيفني ابتداء من 2005 حتى 2008، وطاطا سنة 2005، وبشكل أكثر وضوحا حراك 20 فبراير. نضالات جبارة تنتهي بالهزيمة أو الخفوت بسبب ضعف اليسار.

حافظ اليسار الجذري على شرفه النضالي بوقوفه إلى جانب انتفاضة الريف، ودعمها وشارك في مسيراتها ونظم أشكالا تضامنية في كل مناطق المغرب، لكن الأمر لا يتعلق هنا بالحفاظ على الشرف النضالي وتسجيل المواقف، بل بحرب طبقية يجب ربحها وهزم الدولة، بتنظيم نضال الكادحين وتطويره.

في هذه النقطة بالذات أظهرنا كيسار فشلا ذريعا. استفاد النظام من عزلة الاحتجاج في منطقة الريف، ولم نستطع فك هذه العزلة، بتنظيم تضامن ونضال وطني يجبر الدولة على التراجع عن حصار الريف وتشتيت قواته.

يعود جزء مهم من أسباب هذا الضعف إلى حملات القمع والاستئصال التي واجه بها الاستبداد اليسار الجذري، ولم يترك له فرصة الانغراس ولا تصحيح المنظورات أو إغناءها.

لكن الأسباب التي تعنينا هنا هي ممارسة اليسار السياسية في قطاعات التدخل الجماهيري.

أفنى جزء من اليسار الطلابي عقودا في الاقتتال المسلح داخل أسوار الجامعة، مبددا هكذا طاقات نضال شبابية في حروب إجرامية، وتربية على معاداة كل المخالفين السياسيين، ما أدى بهم إلى الوقوف موقف المتفرج، إن لم يكن “المعاداة” لأي نضال جماهيري يشارك فيه أو يقوده من يتهمونهم بالانتهازية والإصلاحية والتحريفية.

وأسهمت ممارسة قطب مهم من اليسار الجذري الجماهيرية (النقابية والجمعوية)، في ضعف التضامن مع انتفاضة الريفيين. لم ينظم قط في المغرب إضراب عمالي تضامني (عام أو قطاعي) مع النضالات الاجتماعية، ويعود هذا إلى وقوف البيروقراطيات النقابية إلى جانب سياسة الدولة، ولكن أيضا إلى انعدام يسار طبقي ذو خط نقابي كفاحي وديمقراطي متميز عن سياسة البيروقراطية.

وتخترق الطبقة العاملة ما تنفثه وسائل إعلام النظام، من هجمات وتشويهات، ضد حراك الريف. ويفسر هذا بهيمنة قوى سياسية غير عمالية (برجوازية) على نقابات العمال، ما يتيح لها تسييد أيديولوجيتها حول الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي.

سعى اليسار الجذري طيلة سنوات تواجده داخل النقابة (الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية الديمقراطية للشغل) إلى تفادي التصادم مع البيروقراطية قصد الحصول على مواقع تنظيمية داخل النقابة. أدى هذا إلى مسايرة البيروقراطية: التضحية بالديمقراطية الداخلية، مجاراة سياسة الدولة النيوليبرالية.

انفجر هذا “التوافق” بين اليسار والبيروقراطية داخل الاتحاد المغربي للشغل، بمبادرة من البيروقراطية التي طردت أعضاء اليسار من الكتابة العامة. وانطلق “التوجه النقابي الديمقراطي”، ولف حوله جسما مهما من النقابيين الرافضين للبيروقراطية، وتعلقت به آمال كبيرة. لكن مصير هذا الأخير أظهر بقاء اليسار الجذري على نفس الخط: التضحية بالتوجه النقابي الديمقراطي مقابل تفاهمات فوقية مع بيروقراطية النقابة.

أضاع اليسار الجذري، حين ضحى بالتوجه النقابي الديمقراطي، فرصة تاريخية للبرهنة العملية على إمكان نضال نقابي ديمقراطي وكفاحي وثيق الصلة بالنضال الشعبي، وكان نقص التضامن العمالي مع الانتفاضة الريفية ناتجا في جزء منه عن مآل هذه التجربة.

أدى حرص اليسار الجذري على عزل متعمد بين ما هو “حقوقي” وما هو سياسي”، إلى قصور الجمعيات الحقوقية التي يشتغل داخلها اليسار عن التدخل بفعالية في التضامن مع الانتفاضة الريفية، ولم يتعدى عمل هذه الجمعيات المألوف من تقارير رصد الخروقات وبيانات التضامن ووقفات وإضرابات عن الطعام رمزية.

يؤدي الحرص على التحالفات، إلى التأرجح بين قوى برجوازية (فيدرالية اليسار والعدل والإحسان) وبالتالي تفويت إمكان بلورة سياسة يسارية طبقية مستقلة، ورهن التضامن بمدى استعداد هذه القوى وليس بما تستوجبه اللحظة الراهنة.

يقتضي شعار “الحراك في كل مكان”، استثمار التواجد التنظيمي اليساري داخل النقابات وكل تنظيمات النضال، نضاليا من خلال خرطها الفعلي في التعبئة وحفز الكادحين للنضال. سيؤدي هذا إلى ضربات تلحق هذا اليسار سواء من البيروقراطيات النقابية أو من الدولة، لكن ليس هناك طريق آخر، لنصرة النضال، غير هذا.

تدخلت مجموعات يسارية خريجة اليسار الطلابي، لتنظيم الاحتجاج بمنطقة الريف، خاصة في البلدات المجاورة للحسيمة. وتحملت القمع وضريبة الاعتقال، وسعت إلى تلقيح الاحتجاج الشعبي وتخصيبه بنقل تجربته التنظيمية (تأسيس لجان الحراك الشعبي). ساهم هؤلاء المناضلون في تكسير طوق الحصار المطبق على الحسيمة، بنقل الاحتجاج إلى كافة مناطق الريف.

أما الأنوية الماركسية الثورية، فهي ضعيفة جدا ومحدودة الانتشار الجغرافي لحدود عجزها التام على التأثير في مجريات النضال الاجتماعي، وإن كان بعضها يتدخل بفعالية في الجانب الإعلامي والتقدم بمقترحات لتطوير النضال والمشاركة وفق القدرات في قوافل التضامن ولجان الدعم المحلية.

لا تواجد نقابي فعلي لهذه الأنوية في النقابات وباقي تنظيمات النضال الشعبي، تواجد يمنحها القدرة الفعلية على تنظيم رد عمالي على قمع النظام وبالتالي تحفيز النضال في باقي مناطق المغرب ونقل الانتفاضة الريفية لتعم المغرب.

كررت الانتفاضة الريفية ما أثبتته كل تجارب النضال الاجتماعي السابقة؛ ما دام اليسار ضعيفا ومشتتا وقليل الانغراس وفاقدا لبوصلة طبقية في النضال، ستنفجر النضالات بوثيرة دورية وسيتمكن النظام من هزيمتها واستغلال انتصاره لشن المزيد من الهجمات.

ولن يتأتى تجاوز هذا الوضع اليساري إلا بتعاون وثيق وصادق بين اليساريين في معمعان النضال اليومي والميداني.

وأولى جبهات هذا التعاون الوثيق هو المسألة النقابية، تقع على عاتق اليسار الجذري بالمغرب مهمة عظيمة: مهمة بناء أدوات النضال الطبقية المستقلة من نقابات كفاحية تقطع مع سياسة مسايرة بيروقراطية النقابات. فقط عمل نقابي ديمقراطي وكفاحي يستطيع أن يمد الجسور بين النضال النقابي والنضال الشعبي وسيعزز ثقة الجماهير في قوتها النضالية.

استطاع النظام، بالوجود القمعي المكثف والاعتقالات الكثيرة، أن يخنق الانتفاضة الريفية، لكن دون القضاء النهائي عليها. لا زال ميزان الحرارة بالريف ساخنا، وقد امتد الاحتجاج ليشمل مناطق أخرى (أهمها جرادة). واجبنا كيساريين هو استلهام دروس الانتفاضة الريفية، وعد تكرارها، كي نكون جديرين بالاسم الذي نطلقه على أنفسنا: الطليعة.

بقلم، مجيد الأحمر

================================== 

الحراك الشعبي: هل يخشى اليسار تأجيج الأوضاع؟

لم يشهد المغرب في تاريخه ثورة، انتهت معركة التحرر الوطني بصفقة سياسية منحت مقاليد الحكم المطلق للملكية، وبعد ذلك اشتد الصراع بينها وبين يسار الحركة الوطنية حول تقاسم السلطات، مع الحفاظ على بنية المجتمع الطبقي الرأسمالي والعمل على تحديثها وعصرنتها.

اقتصرت ردود الفعل الشعبي طيلة الخمسين سنة بعد الاستقلال على ردود فعل بعضها عنيف، أغرقها النظام في بحر من الدماء. ومنذ نهاية التسعينيات تنامت الاحتجاجات الشعبية من أجل التشغيل والخدمات العمومية، وصلت ذروتها في إفني وطاطا، وبعد ذلك انتقلت السيرورة الثورية إلى المغرب على شكل حراك سياسي واجتماعي (حركة 20 فبراير)، استطاع النظام تجاوزها. لكن بعد سنوات اعتقاده انطفاء جذوة النضال الشعبي اندلعت انتفاضة الريف وبعدها جرادة.

يبقى السقف السياسي لهذه النضالات الشعبية مقتصرا على المطالبة بتحسينات جزئية (أرضية 20 فبراير، الملف الحقوقي والاقتصادي والاجتماعي بالحسيمة، المطالبة ببديل اقتصادي بجرادة)، ولم يرق الوعي الشعبي بعد إلى مستوى طرح مطالب مناهضة للرأسمالية والاستبداد.

يعود جزء من أسباب هذا إلى التقاليد السياسية الموروثة عن مرحلة استئثار قوى برجوازية (شعوبية وبعدها ليبرالية) بالمعارضة السياسية، وتحكمها في تنظيمات النضال الشعبي (النقابات العمالية). يتلخص تكتيك هذه القوى السياسية في محاولة تنبيه الملكية إلى ما ستنتجه سياساتها من ويلات قد تعصف بالاستقرار السياسي وتهدد الالتحام المجتمعي، وتسعى في نفس الوقت إلى استعمال متحكم فيه للنضالات الشعبية من أجل مناوشة الاستبداد.

تحرص القوى السياسية البرجوازية المعارضة على الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي ولو تطلب الأمر مد اليد للاستبداد لحظات تأزمه، عبر عن هذا أحسن تعبير عميد الليبراليين المغاربة، عبد الرحمان اليوسفي في مذكراته المنشورة حديثا، بقول: “إذا كانت بلادنا ما قبل الثلاثين سنة المنصرمة رغم ما عرفته من مشاكل مزمنة وازمات حادة، لم تعصف بها كوارث قاتلة، فالفضل يرجع إلى حد كبير إلى رصانة عبد الرحيم بوعبيد وتبصره واتزانه…”.

لم ينتف هذا التكتيك السياسي باستسلام المعارضة الليبرالية (حكومة التناوب) بل يجري بعثه بشكل مستمر كلما تحررت الجماهير من عقالها واندفعت للنضال.

ورثت فيدرالية اليسار بأحزابها الثلاثة هذا التكتيك ضمن التركة السياسية الاتحادية، وتحاول تقفي آثارها للوصول إلى “الملكية البرلمانية”. وأثناء انتفاضة الريف وحراك جرادة، رددت أحزاب الفيدرالية تنبيهاتها للدولة بأن المقاربة القمعية ورفض الإنصات لنبض الشعب لن يؤدي إلا لـ”تأجيج الأوضاع” ما يهدد بقاء النظام ذاته.

بلغ الأمر بأمينة الاشتراكي الموحد نبيلة منيب، إلى التأكيد بأن “رفض الاستجابة لمطالب جرادة سيعمم الانتفاضات في ربوع الوطن، وهذا ما لا نريده”، مصرة على تقديم نصائح للنظام حول الطريقة السليمة لإنهاء الاحتقان.

لا ينحصر الأمر فقط على أحزاب معارضة من موقع مصالح أقسام البرجوازية المتضررة من احتكار الملكية للسلطة والاقتصاد، بل ورد أيضا على لسان الكاتب الوطني لحزب النهج الديمقراطي: “ما لا تهتم به الدولة والحكومة هو الآثار العميقة التي ستنتجها مثل هذه المقاربة الأمنية في نفوس الساكنة، وعلى الخصوص شبابها وأطفالها، لن تولد إلا الحقد، ولن تنتج الاندماج الاجتماعي، ولن تفرخ إلا الرفض للدولة وللحكومة ولما يأتي منها”.

وانبرى بدوره في تقديم نصائح للحكومة حول طرق تنقية الأجواء بالمدينة: “كان عليها مثلا أن تستبق مقترح الدعم للفقراء، وتقدمه حصريا لمدينة جرادة على أن تعممه بعد دراسة نتائجه على باقي التراب الوطني كما فعلت مع نظام “الراميد” للتغطية الصحية، حينما حصرته أولا في جماعة سيدي علي يوسف، بالقرب من أزيلال، قبل أن تعممه على باقي المناطق بعد دراسة نتائجه”. [حوار مع مصطفى البراهمة، موقع أشكاين 17 مارس 2018].

يلتقي موقف اليسار الليبرالي والجذري مع ما عبر عنه أحد خدام الاستبداد الأوفياء، إسماعيل العلوي من حزب التقدم والاشتراكية: “أظن أن المستقبل غير مشرق والحالة غير مرضية بالمغرب، إن لم نتحرك قد يتحول الأمر إلى ما لا يحمد عقباه”.

ينبع هذا التكتيك من أمرين:

– الحرص على استقرار المجتمع البرجوازي، الذي يهدده تأجيج النضال الشعبي بإنهاء السيطرة السياسية والاقتصادية لكل أقسام البرجوازية الحاكم منها أو المعارض.

– الخوف من حدة القمع التي قد تعصف بما هو متحقق من هامش تحرك سياسي، وفي نفس الوقت عدم الثقة في مستقبل النضال العمالي والشعبي وقدرته على إحراز النصر على الاستبداد، ومؤداه: على الثوريين ألا يستفزوا الرجعية.

يستدعي الحرص على عدم تأجيج الأوضاع، إبقاء النضال الشعبي في مستويات لا تهدد السلطة السياسية والاقتصادية للبرجوازية، أي حصر هذا النضال في سقف المجتمع البرجوازي القائم، مع العمل على الحصول على تحسينات سيؤدي تراكمها إلى الوصول إلى “الديمقراطية ومجتمع العدالة الاجتماعية”، وهو منظور الإصلاحية منذ ظهرت في تاريخ الحركة العمالية.

لا يخشى الثوريون أن يولد الحقد على الدولة لدى الشباب والأطفال، بل يسعون عبر التحريض والتشهير السياسيين إلى بعث هذا الحقد وتنظيمه وشرح أسبابه الاقتصادية وجذوره الاجتماعية. يحارب الثوريون باستماته ما يطلق عليه الليبراليون “الاندماج الاجتماعي”، لأنه لا يعني إلا قبول العمال باستثمارهم من طرف الرأسماليين، ويسعون لتمتين الاندماج الطبقي في صفوف العمال وتنمية وعيهم بأنهم يشكلون طبقة متميزة عن باقي المالكين. إن علة وجود الثوريين واليسار هو إنماء رفض الدولة والحكومة، وتنظيم العمال والكادحين لمواجهة سلطة الدولة التي تمثل المصالح الطبقية لمستغليهم.

إذا كنا نخاف من تأجيج الأوضاع فإننا نعيد تكرار “رصانة عبد الرحيم بوعبيد وتبصره واتزانه” التي انتهت باستسلام مشين للملكية وتحمل مسؤولية تنفيذ سياسات الهجوم النيوليبرالي.

على الثوريين أن يكونوا مزعجين للمجتمع الرأسمالي القائم على الاستغلال الطبقي والقمع السياسي، لا شيء يبرر الحرص على استقرار هذا المجتمع، لأن ذلك يتم على حساب الكادحين. لكن هذا يعني من جهة أخرى ضرورة التسلح بتنظيم العمال والكادحين وفي مقدمته حزب العمال الاشتراكي الثوري، لأن قوة التنظيم العمالي النقابي والسياسي هو الضمانة الوحيدة للتقليل من الكلفة الدموية للتخلص من الاستبداد السياسي والاضطهاد الطبقي.

بقلم، وائل المراكشي

شارك المقالة

اقرأ أيضا