حول قمع حزب النهج الديمقراطي العمالي: تشريح لحصار سياسي وفرضية المقاطعة الشاملة

سياسة22 سبتمبر، 2026

بقلم؛ عادل البوعمري
21 شتنبر 2026

إن ما يتعرض له حزب النهج الديمقراطي العمالي اليوم لا يمكن تصنيفه ضمن التضييقات الانتخابية العادية، بل هو حالة مختبرية تكشف جوهر النظام الانتخابي في المغرب. حزب يمتلك الحد الأدنى من الإمكانيات، يوزع بيانا ورقيا صغيرا وينظم تجمعات محتشمة إبان الحملة الانتخابية، في الأسواق والساحات العمومية بالدار البيضاء وطنجة والحسيمة والرباط (بالقرب من البرلمان) والقنيطرة وخنيفرة ومناطق أخرى، لدعوة المواطنات والمواطنين إلى مقاطعة الانتخابات التشريعية المرتقبة ويوضح أسباب هذه المقاطعة، فيتم الرد عليه بمحاصرة بوليسية فورية ومنع واستنطاق في المخافر وتحرير المحاضر والمتابعة.

هذا المشهد يطرح سؤالا ملحا: لماذا كل هذا العنف الرمزي ضد فعل سياسي ضعيف؟

الجواب يكمن في السياق العام الذي تجري فيه هذه الدعوة. إن الدولة هنا لا تحاصر دعوة للمقاطعة، بل تحاصر حق إثبات أن الانتخابات تجري فوق أرضية قمعية. الرسالة التي تريد السلطة إيصالها مزدوجة: أولا، لا يحق لك أن تشارك بكرامة وتسائل السياسات اللاشعبية والمسؤول الأول والمباشر. وثانيا، لا يحق لك حتى أن تقول للناس لا تشاركوا. المجال المسموح به واحد: الصمت أو المشاركة ككومبارس في هذه المسرحية الهزلية.

ولهذا فالدولة تريد نوعين فقط من المواطنين:
الأول: مشارك سلبي ضمن الأقلية طبعا، يساق بـ 200 درهم والزردة أو بمصلحة ذاتية ليضع ورقة في الصندوق، حتى ترفع وزارة الداخلية نسبة 40% المقدسة وتقدمها للاتحاد الأوروبي وصندوق النقد كدليل على “الاستقرار”، ولتبرر بها تحويل مكاتب الاتصال الصهيونية إلى سفارات رسمية.
الثاني: مقاطع سلبي، يائس، يقول “ماكاينش معامن” “ما كاين والو، كلهم شفارة”.. هذا النوع يريح الدولة، لأنه لا ينظم يأسه.

أما ما تكرهه الدولة حتى الموت، فهو المقاطع السياسي الإيجابي، الذي يمثله النهج. الذي يحول اللامبالاة إلى موقف، والذي يقول لا لانتخابات فاقدة للشرعية. إن النهج اليوم كحزب قانوني وسياسي مقاطع يدفع ثمن إمكانية خطوة تاريخية إلى الأمام وحيدا، ويثبت بالملموس أطروحة مركزية: إذا كانت المقاطعة المحتشمة ممنوعة، فالمشاركة الكريمة مستحيلة من باب أولى.

ولكن، ماذا كان سيحدث ملموسا لو انضم الجميع؟
ونقصد بالجميع: فيدرالية اليسار الديمقراطي، الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وباقي القوى الحية.

ماذا لو أعلنت هذه القوى انضمامها لحملة مقاطعة الانتخابات لأن شروطها الموضوعية غير متوفرة؟
ماذا لو قامت كل هذه القوى بحملة مضادة لمقاطعة الانتخابات على أرض الواقع؟

خاصة، وأن كاتب فرع الفيدرالية بالسمارة لا يزال معتقلا بسجن لوداية، والكاتب الوطني لشبيبة الفيدرالية متابع ومحكوم بثلاثة أشهر موقوفة التنفيذ، ونائب الكاتب الإقليمي لشبيبة الفيدرالية بمراكش الذي جرت أولى جلسات محاكمته يوم 15 شتنبر إبان الحملة الانتخابية، عضو الشبيبة والحزب بتيفلت كذلك، ومناضل الحزب والشبيبة بالعيون الذي تم استدعاؤه هو الآخر إبان الحملة، فضلا عن استمرار اعتقال قادة حراك الريف وشباب جيل Z والمدونين والصحفيين وكل المناهضات والمناهضين للقمع والاستغلال..

ماذا كان من الممكن أن يقع في الحقيقة؟

فلنترك الأوهام جانبا، ولنكن علميين، ولنحلل الأثر على مستوياته الملموسة: القمع في كل الأنظمة المستبدة يشتغل بمنطق العزل والتجزئة، والجماهير حين تتوحد تصبح قوة مادية لا يمكن كسرها. من السهل محاصرة عشرة مناضلين من النهج في ساحة، لكن ماذا لو كان في نفس الساحة عشرة مناضلين من الفيدرالية وعشرة من الكونفدرالية وعشرون من الجمعية؟ النتيجة الملموسة: الكلفة السياسية للاعتقال ستصبح باهظة، والقدرة اللوجستية على المنع ستنهار. الوحدة في الفعل تجعل القمع مستحيلا تقنيا، وهذا هو الدرس الأول في علم اجتماع الحركات: التضامن ليس شعارا، بل هو آلية حماية مادية. إن النهج وحده لا يملك القدرة العددية على التأثير في نسبة المشاركة التي تحتاجها الدولة، عتبة 40% لتسويقها كدليل على الاستقرار ورفع التمثيليات الأجنبية إلى مستوى سفارة. لكن لو انضافت له الفيدرالية بقواعدها الحزبية والكونفدرالية بقطاعاتها الوازنة، فإن النتيجة الملموسة ستكون صناديق اقتراع فارغة. حينها ستجد الداخلية نفسها أمام خيارين: إما إعلان نسبة حقيقية لا تتجاوز 15%، وهو ما يعني سقوط ورقة الاستقرار، أو تزوير النسبة بشكل فج ومكشوف يوثق في التقارير الدولية. في الحالتين، المقاطعة الشاملة تفكك آلة تسويق الانتخابات الكاذبة.

أيضا، بديالكتيك الرياح القوية وهنا، بكل واقعية وبدون رومانسية، نستحضر ما قاله رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران، وهو ليس كلاما عابرا: “ولكن سيدنا أش بغيتيه يدير؟ تايشوف الرياح فين غادا تمشي، وماغاديش يوقف هو فوجه الرياح، لوكان يوقف فوجه الرياح هو بيدو غادي يكون مهدد..” هذه ليست مقولة انطباعية، بل هي قانون موضوعي لاشتغال آلة المخزن. والرجل أدرى. السلطة لا تتفاوض مع الضعيف. مقعدان أو خمسة مقاعد لتحالف اليسار في برلمان صوري لا تشكل أي ضغط ولا أية قوة تفاوضية. أما مقاطعة شاملة موثقة تترك 70% من الشعب خارج اللعبة، فهي تشكل رياحا قوية تجبر النظام على إعادة الحساب. وهذه ترجمة عامية لقانون الصراع السياسي بالمغرب: السلطة لا تفهم إلا لغة موازين القوى، والدولة لا تحترم إلا القوة المنظمة.

ملموسا، ما حدث لحزب النهج الديمقراطي العمالي اليوم هو بروفة لما سيحدث لكل القوى الحية غدا. اليوم يحاصرون المُقاطع لأنه وحيد وضعيف، وغدا سيحاصرون المشارك نفسه حين يطالب بحقه داخل المؤسسات. ولماذا ننتظر غدا؟ فهذا بالفعل ما حصل للشاب فاروق مهداوي، ولكن بطريقة أخرى، والبقية الكل يعرفها.

فلو انضم الجميع حقيقة إلى المقاطعة الشاملة، لما حوصر أحد. لأن المنطق المادي للتاريخ يقول: ” يستطيعون أن يسحقوا حزبا، ويستطيعون أن يسحقوا نقابة، لكنهم لا يستطيعون أبدا أن يسحقوا شعبا قرر أن ينظم مقاطعته ويحولها إلى إضراب سياسي عام. “

شارك المقالة

اقرأ أيضا