سبتة ومليلية: تصفية الإرث الاستعماري أم توريث العداء بين الشعوب؟
بقلم؛ محمود فبرايري
زار الملك الإسباني فيليبي السادس سبتة يوم 13 أكتوبر 2026، ثم مليلية في اليوم التالي، في أول زيارة له إلى المدينتين منذ توليه العرش، وأول زيارة ملكية منذ 2007. وقال أمام سكان سبتة، إن سبتة «جزء لا يتجزأ» من إسبانيا. وجاءت الزيارة بعد أقل من ثلاثة أشهر على أزمة 30 و31 يوليوز، التي بلغ عدد من عبروا أثناءها إلى سبتة نحو 72 ألفا بحسب السلطات الإسبانية، وقدّرته السلطات المغربية بنحو 40 ألفا، وسقط فيها 77 قتيلا على الأقل بحسب مسؤولين إسبان. وقبيل الرحلة، تفيد يورونيوز أن الرباط استدعت سفيرها بمدريد للتشاور، وأن الملك محمد السادس انتقد ما وصفه بتسييس الأزمة.
وكالعادة، انقسم التعليق إلى قراءتين: قراءة ترى في الزيارة استفزازا للمغرب وجرحا لسيادته، وقراءة ترى في المطالبة المغربية تهديدا لوحدة الأراضي الإسبانية. لكن القراءتين تتقاسمان نقطة عمياء واحدة: كلتاهما تعامل الدولتين كذاتين متجانستين لهما مصلحة واحدة، وتغيّب الشعبين اللذين يجري الحديث باسمهما. فما يجري عند سياجي سبتة ومليلية لا يُختصر في سجال حول التاريخ والسيادة؛ إنه تقاطع بين نظام حدود أوروبي يحوّل الفقراء إلى تهديد، ويمين متطرف يقتات على الخوف، ونظام قائم في الرباط يستعمل «القضية الوطنية» لحشد الإجماع.
يسعى هذا المقال إلى قراءة الواقعة من هذه الزاوية، دون إنكار المطلب المغربي التاريخي ودون التسليم بالرواية الإسبانية الرسمية. فالتمييز بين حقوق الشعوب ومصالح الدول هو مفتاح هذه القضية، وهو ما يغيب عن الخطابين القوميين معا.
تاريخ متنازع عليه: لا قطيعة مع الذاكرة ولا تماثل مع كل استعمار
استولت البرتغال على سبتة سنة 1415، ثم استقرت تحت التاج الإسباني بعد انفصال البرتغال عن إسبانيا، وهو وضع كرّسته معاهدة لشبونة سنة 1668. أما مليلية فسيطرت عليها قوات تابعة للتاج القشتالي سنة 1497. ولم تكن المدينتان جزءا من منطقة الحماية الإسبانية التي أُقيمت في شمال المغرب سنة 1912.
لا يلغي هذا التسلسل اختلاف التأويلات بين الرباط ومدريد، لكنه يمنع التشبيه الآلي بالاستعمار الذي شهده المغرب في القرن العشرين. فإسبانيا تعتبر المدينتين مدينتين تتمتعان بالحكم الذاتي داخل الدولة الإسبانية، ويطالب المغرب بالسيادة عليهما منذ استقلاله سنة 1956، والأمم المتحدة لا تدرجهما ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. غير أن هذا التمييز لا يصلح ذريعة لإغلاق النقاش: فمن حق المغاربة مساءلة إرث التوسع الاستعماري الأوروبي في شمال إفريقيا، ومن حق سكان المدينتين ألا يُختزلوا في «موضوع» لنزاع بين دولتين.
هكذا لا يحسم التاريخ وحده نزاعًا معاصرًا، ولا يحصّن الوضع القائم من المساءلة. وبين هذين الحدين يتسع المجال لسؤال لا تطرحه الدولتان: من يحدد «المصلحة الوطنية» في هذا الملف، ولفائدة مَن؟ لم يكن هذا السؤال نظريًا فحسب؛ فقد ظلّ حاضرًا في مواقف اليسار المغربي، الذي ربط بين المطالبة باستكمال الوحدة الترابية وبين نقد السياسات التي تُضعف السيادة الوطنية وتُخضع القرار للتوازنات الدبلوماسية. ويُعدّ موقف حزب النهج الديمقراطي العمالي من أبرز التعبيرات عن هذا التوجه، إذ أدان زيارة العاهل الإسباني إلى المدينتين سنة 2026، واعتبرها رسالة سياسية ذات دلالة استعمارية تسعى إلى تكريس الأمر الواقع وإضفاء الشرعية على استمرار الاحتلال الإسباني، فيما انتقد الصمت الرسمي المغربي واعتبره تغليبًا لمنطق تدبير المصالح على واجب الدفاع عن السيادة والذاكرة الوطنية.
ويتقاطع هذا الموقف مع موقف تحالف اليسار، المكوّن من فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، الذي أدان الزيارة ذاتها واعتبرها خطوة استفزازية تستهدف تكريس ما وصفه بـ«الشرعية الزائفة» للاحتلال. كما يؤكد الحزب الاشتراكي الموحد في برنامجه التشبث بحق المغرب في استرجاع سبتة ومليلية والجزر الشمالية المحتلة ووضع حدّ للسيطرة الاستعمارية فيها. غير أنّ هذا الخطاب لا يُختزل في شعار السيادة، بل يتقاطع مع نقد يساري أوسع للسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تُنتج الهشاشة والهجرة، وتربط بين قضايا الأرض والسيادة وبين قضايا العدالة الاجتماعية والكرامة.
وعلى مستوى الحركة النقابية، تميزت مواقف أكبر المنظمات العمالية بجمع الرفض السياسي للاحتلال مع النقد الاجتماعي للسياسات العمومية. فالاتحاد المغربي للشغل، عبر شبيبته العاملة، جدّد التأكيد على الحقوق التاريخية للمغرب في استرجاع سبتة ومليلية وباقي الثغور المحتلة، إذ عبّرت عن موقف واضح يربط بين استمرار الاحتلال وأزمة التشغيل والهشاشة التي تدفع الشباب إلى الهجرة، معتبرة أنّ استمرار الوضع القائم لا يمكن فصله عن الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الشباب المغربي. وفي السياق ذاته، نظّم مكوّن الاتحاد في أكادير، تحديدًا الجامعة الوطنية للصيد البحري، وقفة احتجاجية أمام القنصلية الإسبانية احتجاجًا على زيارة العاهل الإسباني إلى سبتة ومليلية، في خطوة نضالية ميدانية تجاوزت الإعلان.
أما الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، فقد أصدرت موقفًا صريحًا أدانت فيه الزيارة، واعتبرتها خطوة استفزازية ومحاولة لتكريس واقع الاحتلال، مجددةً المطالبة باسترجاع المدينتين والجزر التابعة لهما. ولم تكتفِ الكونفدرالية بالبعد السيادي، إذ ربطت أحداث العبور الجماعي نحو المدينتين بتفاقم البطالة والهشاشة والفوارق الاجتماعية والمجالية، ودعت إلى إصلاح ديمقراطي حقيقي يعيد الثقة في المؤسسات ويجعل كرامة المواطنين وحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية في صلب السياسات العمومية.
غير أنّ الاعتراف بهذه المواقف لا يعني إغفال ضعفها الجوهري. فاليسار المغربي والنقابات العمالية الكبرى، رغم تكرارهما لخطاب السيادة والوحدة الترابية ورفضهما للاحتلال، لم يقدّما في الميدان أكثر من بيانات وبلاغات صحفية ووقفات رمزية؛ ولم ينظّما حملة نضال مستمرة قادرة على حشد الجماهير، والضغط على الدولة، وتغيير موازين القوى لصالح المطالبة باسترجاع المدينتين.
وبذلك بقي الدفاع عن سبتة ومليلية شعارًا يُردّد في المناسبات، لا قضية نضال ميداني داخل مؤسسات الدولة وخارجها. فالإدانة المتكررة للزيارات الرسمية، وتجديد المطالبة بالاسترجاع في البيانات، لا تكفي لتحويل الملف إلى قضية جماهيرية منظمة تفرض تعاملا آخر مع قضية تصفية الإرث الاستعماري هذه.
ويكشف هذا التفاوت بين الخطاب والممارسة عن اختيار سياسي واضح: الاكتفاء بالمواقف المعلنة بدل بناء جبهة نضال اجتماعية وسياسية حقيقية، تربط بين القضية الوطنية ونضالات العمال والشباب والمناطق الهشة، وتحوّل المطالبة بالسيادة إلى برنامج نضالي ملموس قادر على التأثير في القرارات…
ومن ثمّ، لا يُطرح ملف المدينتين كمجرد خلاف حدودي تقني أو كإرث مؤسساتي يمكن إدارته باستمرار، بل كدين تاريخي وسياسي ينبغي تصفيته عبر مسار تفاوضي مسؤول، يحفظ كرامة الشعبين المغربي والإسباني، ويمنع تحويل هذا الإرث الاستعماري إلى مصدر دائم للتوتر أو إلى أداة لإعادة إنتاج العداوة بين الشعبين. فالمطلوب ليس محو التاريخ ولا استغلاله شعبوياً، بل تحرير الحاضر من منطق الاستعمار الذي أنتج هذا الوضع، وبناء علاقة مغربية-إسبانية قائمة على الاعتراف المتبادل، والعدالة التاريخية، واحترام إرادة الشعوب.

الزيارة الملكية: تثبيت الوضع القائم وتحويل الأزمة الاجتماعية إلى مسألة حدود
تؤكد الدولة الإسبانية سيادتها على المدينتين، وأن الملك أدى وظيفته في تمثيل وحدة الدولة. لكن الأهم هو توظيف المسألة في المجال العام: فالزيارة جاءت بعد أزمة يوليوز، وفي مناخ تتداخل فيه الهجرة والأمن والتنافس الحزبي، ولم يرافق رئيس الحكومة الملك أتناءها. وحين تُقدَّم الحدود بوصفها خط الدفاع الأول عن المجتمع، يُختزل الموت والهجرة في مشكلة أمنية، ويتحول المهاجرون إلى تهديد جماعي.
كان الرد الأوروبي على أزمة يوليوز من هذا النوع: ركّبت إسبانيا حاجزا عائما بطول 500 متر قبالة سبتة، ودعت 22 دولة عضوا في الاتحاد الأوروبي إلى إجراءات حدودية منسقة، وعلّقت إيطاليا السفر بلا جوازات مع إسبانيا. وتلك هي الحلقة التي يتغذى منها اليمين المتطرف: يربط الأزمات الاجتماعية بوجود الأجانب بدل مساءلة السياسات التي تنتج البطالة والهشاشة وتراجع الخدمات العمومية. وعندئذ لا يعود النزاع حول الحدود خلافا بين دولتين، بل مادة في صراع حول المجتمع الذي يراد بناؤه، وحول من يتحمل كلفة الأزمات ومن يربح من تحويلها إلى انقسامات بين السكان والشعوب.
رد الرباط: القضية الوطنية في خدمة النظام القائم
لم يكن رد الدولة المغربية أقل توظيفا. فبحسب يورونيوز، استدعت سفيرها بمدريد للتشاور قبيل الرحلة، وانتقد الملك في خطابه يوم 10 أكتوبر ما وصفه بتسييس الأزمة، محذرا من أن التعاون بين البلدين لا يجوز أن يخضع لضغوط خارجية. وهذا السيناريو مألوف: ففي 2007 استُدعي السفير المغربي بمدريد أيضا وخرج مغاربة للاحتجاج.
لكن من يقرر في هذا الملف؟ ليس المنتخَبون. فالقرار في السياسة الخارجية، من استدعاء السفراء إلى الخطب، يصدر عن الجهة نفسها التي قررت الارتقاء بعلاقاتها مع الكيان الصهيوني في نيويورك، وانخرطت في «مجلس السلام» الذي يرأسه ترامب. وهنا مفارقة لا تخفى: نظام يستمد من مطلب استرجاع المدينتين رصيدا في الشرعية الوطنية، بينما يربط البلاد بترتيبات إمبريالية ويطبّع مع كيان احتلال. هكذا تُستحضر «القضية الوطنية» لحشد الإجماع وتأجيل المطالب الديمقراطية والاجتماعية.
ويقتضي المبدأ نفسه، حقوق الشعوب لا مصالح الدول، ألا يُحلَّل هذا الملف بمعزل عن ملف الصحراء، حيث يتقاطع الموقف الإسباني منذ 2022 مع المقترح المغربي للحكم الذاتي. لا دليل كافيا على مقايضة بين الملفين، لكن لا يصح تناول أحدهما دون الآخر.
ضحايا يوليوز: من يُسأل عن الموت على الحدود؟
بلغت الحصيلة المعلنة من مسؤولين إسبان 77 قتيلا على الأقل، غرق بعضهم وسُحق آخرون وهم يتسلقون كاسر الأمواج وسياج الحدود. وأعلنت وزارة الداخلية المغربية في بيانها الأول 11 وفاة، وحمّلت المسؤولية للتضليل على مواقع التواصل وشبكات الاتجار بالبشر وسوء فهم لقرار إسباني بمنع الإعادة الفورية للمهاجرين المعترَضين في البحر. وعاد نحو 70 ألفا من الواصلين إلى المغرب .
غير أن تفسيرا يُحيل إلى «شبكات» و«تضليل» و«سوء فهم» يُبقي الجذر خارج السؤال: نظام حدود قائم على تعاون الدولتين في الضبط الأمني، يجعل العبور مغامرة مميتة، وشباب من الطبقات الشعبية يدفعهم انسداد الآفاق ويدفعون وحدهم الثمن. ومن يسأل عن 77 جثة ثم عن 70 ألف عودة، يضع الحدود نفسها في قفص الاتهام، لا المهاجرين.
موقف: تسوية تفاوضية بضمانات للسكان، لا صفقة بين نظامين
أين نقف إذن من الخلاف على السيادة؟ نرى أن للمطلب المغربي أساسا تاريخيا مشروعا في النقاش السياسي، وأن أي معالجة له ينبغي أن تقوم على تفاوض سلمي بين الدولتين لا يقصي سكان المدينتين ولا يتجاوز إرادتهم وحقوقهم، ويرفض الإكراه والتعبئة العدائية. وليست هذه صيغة لتأجيل الحل، بل شرط لئلا تتحول العدالة التاريخية إلى مشروع يكرر منطق الهيمنة الذي ينتقده.
ونرفض في المقابل أمرين: أن يُحسم الملف في صفقة مغلقة بين نظامين دون رقابة شعبية ولا شفافية، وأن يُترك سكان المدينتين كتلة بلا صوت أو يُعدّوا خصوما. ويقتضي ذلك التمييز بين الدولة الإسبانية وتاريخ توسعها وبين الشعب الإسباني، وبين النظام القائم في الرباط وشعب المغرب.
الأفق: تضامن عابر للحدود ضد من ينتفعون من الانقسام
مصالح العامل والعاملة في المصنع والميناء والحقل، ومصالح العاطلين والشباب والنساء وصغار المنتجين، في المغرب كما في إسبانيا، لا تتطابق في كل شيء، لكنها تتقاطع في الأساسيات: الأجور وظروف العمل، والسكن والصحة والتعليم، والحماية الاجتماعية، والحق في التنظيم والإضراب، ومواجهة العنصرية والتمييز. ومن هذا التقاطع تنبع الأممية: لا إنكارا للذاكرة ولا تنازلا عن الحق، بل توسيعا لأفق التحرر.
فاليمين المتطرف في إسبانيا يحوّل المهاجرين إلى كبش فداء ليحجب سياسات إضعاف الحماية الاجتماعية، والنظام القائم في المغرب يحوّل «القضية الوطنية» إلى بديل عن الديمقراطية، وكلاهما يربح من أن ينظر العامل إلى جاره عبر الحدود بوصفه عدوا. وهنا الاختبار الذي ينبغي أن تقف أمامه الحركات العمالية والاجتماعية والنقابية في البلدين: أن تنسق مطالبها حول الأجور والسكن والحق في التنظيم، وأن تجعل من إنهاء نظام الحدود القاتل، ومن إنهاء الاستبداد في المغرب، ومن مواجهة اليمين المتطرف في إسبانيا وأوروبا، معركة واحدة.
والسؤال الحاسم ليس فقط: لمن تعود السيادة على هذه الأرض؟ بل: كيف نضمن العدالة والحرية والكرامة لمن يعيشون عليها ولمن يموتون على حدودها؟ فإذا طُرحت الأسئلة معا، صار الإرث الاستعماري مدخلا إلى علاقة جديدة بين الشعبين، لا تقوم على النسيان ولا على الخضوع، بل على الاعتراف والإنصاف والتضامن؛ أما إذا حُصرت في الصراع الرسمي، فستتحول إلى إلهاء عن المصالح الفعلية للشعبين في تحرر عميق وشامل من الاستغلال والاضطهاد بكل أشكالهما.
اقرأ أيضا

