كيف يجري اليوم استحضار أحداث صبرا وشاتيلا في لبنان؟

الشباب و الطلبة20 أكتوبر، 2026

30 أيلول/سبتمبر 2026 بقلم نيكولا دوت-بويار   Nicolas Dot-Pouillard

 مقابلة أجرتها وكالة ميديا فلسطين مع نيكولا دوت-بويار، باحث مشارك في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى في بيروت ومستشار هيئات عالمية عديدة، بمناسبة إحياء ذكرى المجزرة التي حصلت بين 16 و18 أيلول/سبتمبر عام 1982، وكان ضحيتها ما يناهز 3500 مدني/ة فلسطيني/ة من مخيمي صبرا وشاتيلا.

 *********************

كيف يتم اليوم إحياء ذكرى مجازر صبرا وشاتيلا، داخل المجتمع الفلسطيني في لبنان وفي مجتمع لبنان عامة؟

يتم إحياء ذكرى مجازر صبرا وشاتيلا كل عام، لكن لا تحظى بإحياء وطني. تقع مسؤولية تنظيم هذه الإحتفاءات التذكارية بشكل أساسي على عاتق مؤسسة «بيت أطفال الصمود». عادة ما تبدأ بإلقاء جملة خطب بحضور عائلات الضحايا في بلدية الغبيري، وهي إحدى البلديات ذات الأغلبية الشيعية والتابعة لحزب الله. ثم تيتم تنظيم مسيرة باتجاه المخيم، ولا سيما نحو أحد أهم المواقع التذكارية، الذي يمثل مقبرة جماعية دُفن فيها شهداء كثر أثناء المجزرة. عادةً ما تشارك في هذه المسيرة وفود أجنبية، ولا سيما فرنسية، تضع أكاليل زهور. إنها مراسم سريعة إلى حد ما، لكن غالبا ما تشهد حضورا جماهيريا كبيرا.

تنشر الصحافة اللبنانية المقربة إلى ما يُسمى «معسكر المقاومة»، ولا سيما صحيفة الأخبار، مقالات سنوية بمناسبة إحياء ذكرى هذه المجازر، وبالتالي فهي ليست بعداً منسيًّا. لكنها مسألة تثير تصدعاً في مجتمع لبنان، لارتكاب هذه المجازر من قبل ميليشيات مسيحية، واندراجها في إطار تاريخ الحرب الأهلية التي دامت من عام 1975 إلى عام 1990… وهي لا تشكل موضوعًا يحظى بإجماع، وبالتالي لا يتم إحياء ذكراها على الصعيد الوطني.

أود الإشارة إلى عدم تنظيم أية احتفالات لإحياء ذكرى هذه المجازر في مجتمع لبنان،  سوى في  بعض الدوائر المحدودة، السياسية أو الخاصة، لكن الاحتفالات الفلسطينية تشهد حضور وفود لبنانية، ولا سيما من جميع أحزاب الجبهة السابقة للمقاومة اللبنانية، والحزب الشيوعي اللبناني، وحزب التنظيم الشعبي الناصري في لبنان، والقوميين العرب، واليسار، وحزب الله… لكن ما يتم الاحتفال به في مجتمع لبنان في شهر أيلول/سبتمبر هو إطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، التي تأسست في شهر أيلول/سبتمبر عام 1982 وشرعت في تنفيذ أولى العمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي.

ما هو الوضع اليوم في هذه الأحياء البيروتية، وفي المخيمات الفلسطينية في لبنان بشكل عام؟

 يكتسي كل مخيم خصوصيته، بطبيعة الحال، وعلى الرغم من أن جميع المخيمات تعاني من فقر مدقع، فإن مخيم شاتيلا اليوم هو حي فقير بالفعل، وجزيرة فقر. ينبغي معرفة أن المخيم لم يعد يضم أغلبية فلسطينية منذ سنوات عديدة، حيث أن مركز المخيم وحده ظل فلسطينياً. وفي بقية أرجاء المخيم، يعيش أفقر الناس جنبًا إلى جنب، من أسر شيعية لبنانية وسورية وسريلانكية وإثيوبية، وكُثر متحدرين ممن هاجروا بحثًا عن العمل، في ظروف هشة للغاية. إن الوضع الاجتماعي هناك كارثي.

تتميز مخيمات أخرى بخصائص مختلفة. يعاني مخيم عين الحلوة بشدة من الاشتباكات الدائرة بين الفصائل، ولا سيما بين فتح والحركات السلفية؛ ويشهد هذا الموقع مواجهات كثيرةً… بما أنني أزور شاتيلا بانتظام، وأعمل أيضًا في مخيمات أخرى، خاصة في الشمال، في مخيم البداوي ومخيم نهر البارد، أو في مخيم عين الحلوة في الجنوب، فإنني أعاين هذه الخصائص، وأرى أن حالة الفقر والإهمال بلغت أقصى درجاتها بشكل خاص في شاتيلا. تعد مسألة المخدرات حاضرة بقوة، حيث تتطور شبكات مخدرات على الجانبين الفلسطيني واللبناني، مما يخلق مركزاً حقيقياً لجميع عمليات تهريب المخدرات في بيروت. للأسف، يعاني الفلسطينيون/ات كثيرًا مما يفرضه ذلك من وصمة على المخيم، الذي يتم التقليل من شأنه في التصور الجماعي اللبناني: عندما يتم ذكر «شاتيلا»، يتبادر إلى الذهن المخدرات قبل استحضار أحداث المجزرة.

عانت المخيمات من الحربين الأخيرتين، في عامي 2024 و2026، بدرجات متفاوتة. بالطبع، كانت المخيمات الواقعة في الجنوب الأكثر تضرراً، ولا سيما مخيمي الرشيدية والبص في صور. وبطبيعة الحال، كان هناك نازحون/ات فلسطينيون/ات كُثر/ات، انتقلوا/ن من الجنوب إلى الشمال بحثًا عن ملجأ، خاصة في مخيمي نهر البارد والبداوي. لكن ما ينبغي معرفته أيضًا هو أن جميع الفصائل الفلسطينية واللجان الشعبية التي تدير المخيمات قد فتحت أبواب المخيمات أيضًا أمام النازحين/ات الشيعة/ات، وهم مواطنون/ات لبنانيون/ات شيعة/ات تعرضوا/ن للقصف في مدن وقرى الجنوب، ولم يكن لديهم/ن مكان آخر يتوجهون/ن إليه. على الرغم من الظروف الصعبة في مخيماتهم، ومن خطر تعرضهم للاستهداف من قبل جيش إسرائيل، فتح/ت الفلسطينيون/ات أبوابهم/ن للاجئين/ات الشيعة/ات اللبنانيين/ات، ممن تمكنوا/ن من اللجوء إلى المخيمات وتلقي مساعدة فلسطينية هناك.

إنها لفتة نبيلة للغاية من جانب الفلسطينيين/ات، علماً بوضعهم الهش مع ما تشهده وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) من أزمة أدت إلى إغلاق المدارس، وفي ظل صعوبات القطاع الصحي، وإغلاق العيادات، إلخ. وبالتالي، تمثل هذه الخطوة السياسية للتضامن مع اللاجئين/ات الشيعة رمزاً قوياً للغاية، ترك بصمته على حربي عامي 2024 و2026.

تزايدت تعديات إسرائيل على لبنان بالتوازي مع الإبادة الجماعية الجارية في غزة، ويصف مراقبون عديدون احتلال إسرائيل التدريجي لجنوب لبنان بـ«أسلوب غزة». ماذا عن «وقف إطلاق النار» الساري رسمياً اليوم، وما هو تأثير هذه السنوات الثلاث من الحرب على المجتمعات الفلسطينية اللاجئة في لبنان؟

نعم، هناك «أسلوب غزة» يتم تطبيقه في لبنان. ومما له دلالة بالغة أن الإسرائيليين/ات كانوا/ن قد استخدموا/ن ًنفس التعبير، أي الخط الأصفر، في جنوب لبنان وفي غزة، حيث يشير «الخط الأصفر» إلى المنطقة التي تم إخلاؤها عمليًّا من سكانها الفلسطينيين والتي تحتلها إسرائيل. في عام 2026، عندما قرر جيش إسرائيل مواصلة احتلاله، على الأرجح لسنوات، في جنوب لبنان، أطلق أيضًا على المنطقة المحتلة اسم «الخط الأصفر».

ينبغي فهم أن إسرائيل لديها رؤية بعيدة الأمد غير مقتصرة على غزة وجنوب لبنان، بل إنها جلية للغاية، خاصة بشأن شمال الحدود مع إسرائيل. ثمّة استمرارية حقيقية على مستوى استراتيجية إسرائيل في احتلال جزء من جنوب سورية، قد تؤدي بالفعل إلى خلق ترابط بين ذلك وجزء من الأراضي المحتلة في جنوب لبنان، وإلى تعدي حتى الحدود البحرية.

في الشهر الماضي، كشف تحقيق أجرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن قيام إسرائيل بتطوير شبكة ميليشيات مسلحة في غزة، مشيرًا إلى «دينامية قد تؤدي إلى ارتكاب فظائع تستحضر أحداث مجزرة صبرا وشاتيلا». كيف تم إثبات مسؤولية إسرائيل عن أعمال الإبادة الجماعية التي ارتكبتها ميليشيات حزب الكتائب اللبنانية في عام 1982، وما التشابه الذي يمكن القيام به اليوم مع محاولة الصعود القوي لهذه الميليشيات المسلحة التي تنشط في قطاع غزة؟

أثبت الإسرائيليون/ات أنفسهم/ن مسؤولية إسرائيل عن مجازر صبرا وشاتيلا، في إطار لجنة تحقيق شكلت في إسرائيل. ينبغي معرفة أن مجازر عديدة وقعت في صبرا وشاتيلا: بداية، حصلت مجزرة مستهدفة شارك فيها الإسرائيليون/ات على نحو مباشر بقتل عدد من المسؤولين/ات الفلسطينيين/ات، كانوا/ن على علم بأسمائهم/ن وعناوينهم/ن، وقد حدث ذلك قبل المجزرة الكبرى التي طالت مدنيين/ات. في تلك اللحظة، كانت إسرائيل تحتل غرب بيروت، وكانت قواتها متمركزة خاصة في المدينة الرياضية التي تطل على المخيم. كان جيش إسرائيل يحاصر المخيم، وهو الذي أقحم الميليشيات المسيحية إليه. استمرت المجزرة ساعات وأيام عديدة على مرأى من الإسرائيليين/ات، حيث أفاد شهود عيان عديدون بإطلاق صواريخ إنارة ليلاً. إذا كان/ت اللبنانيون/ات هم/ن من أراقوا/ن الدماء، فإن الإسرائيليين/ات يتحملون/ن مسؤولية مباشرة لا يمكن إنكارها.

والآن، أود تعديل هذه المقارنة التاريخية بشأن مسألة المتعاونين في غزة، لأن الظروف والرهانات مغايرة. نعم، أجل، تعاونت مجموعات اليمين المتطرف الماروني، بالطبع، مع إسرائيل. لكن ذلك مندرج في إطار تاريخي محدد، أي إطار الحرب الأهلية اللبنانية.

فيما يتعلق بظاهرة تعاون الفلسطينيين/ات مع إسرائيل، أود القول أن ذلك مرتبط بسياق تاريخي مختلف تمامًا. كانت استراتيجية إسرائيل في تجنيد المتعاونين/ات ورغبتها في تشكيل شبكة منهم/ن قائمة دوماً، على سبيل المثال في الضفة الغربية أثناء الانتفاضة الأولى، وخاصة تجنيد المتعاونين/ات داخل السجون، عبر الضغط على المعتقلين/ات أو عائلاتهم/ن. غالبا ما فشلت هذه السياسة، بما في ذلك في غزة، لكن ظلت دوماً ماثلة في استراتيجية إسرائيل.

أما فيما يتعلق بغزة اليوم، ودون الخوض في التفاصيل، فمن المعروف أن العديد من هذه المجموعات قد قضت عليها حركة «حماس»، التي لم تعد تشن أي عمليات ضد إسرائيل في إطار وقف إطلاق النار، لكن تواصل عمليات الاغتيال الموجهة ضد القادة الفلسطينيين المتعاونين مع الاحتلال. كما أن مجموعاتهم في حالة ضعف معينة، خاصة وأن الكثير من اللجان القبلية ولجان العائلات في قطاع غزة أكدت مرارًا، في عدة بيانات صادرة في الأشهر الماضية، رفضها التورط أو الاشتغال مع المتعاونين/ات مع إسرائيل. وبالتالي، يبدو مستقبل هذه المجموعات هشا إلى حد كبير.

نُشر يوم 29 أيلول/سبتمبر 2026 في موقع وكالة ميديا فلسطين

https://agencemediapalestine.fr/blog/2026/09/29/comment-se-souvient-on-aujourdhui-au-liban-de-sabra-et-chatila-entretien-avec-nicolas-dot-pouillard/

شارك المقالة

اقرأ أيضا