18 مارس 1871، كومونة باريس: العمال لأول مرة في التاريخ على رأس السلطة

Print Friendly, PDF & Email

 لم يثن، قمع ثورة  1848 ثم بعدها استيلاء لويس بونابرت الثالث على السلطة، العمال عن فرض حق الإضراب أو الانتظام في النقابات . فقاموا بقناعة وحدة المصالح العمالية العالمية بتأسيس جمعية العمال العالمية، إلى جانب رفاقهم من بلدان أخرى ، بمساعدة من ماركس و انجلز.

 شن  بونابرت حربا ضد بروسيا، نتيجة الأزمة الاقتصادية وتفشي الرشوة وانتشار الجوع و البؤس و  بفعل التذمر المتزايد للسكان الفرنسيين، ومخافة تحول الأنظار نحو الطغمة الحاكمة، معتمدا سموفونية “الوطن” وشعارات الدفاع عن القومية، مقتنعا بأن الأيام ستُحوِل أنظار البؤساء عن توجيه اللوم لألة الحكم، معتمدا على الوقت لكسب خفوت نقمتهم التي اجتاحت  كل فرنسا. لكن المحصلة كانت في غير صالحه، انهزم الجيش الفرنسي واعتقل الحاكم بونابرت في العام 1870. أعلنت الجمهورية من جديد .

البورجوازية  ترفع شعار “الوطن” خوفا من العمال

بسرعة البرق ، شكلت  البورجوازية حكومة انتقالية محافظة من جمهوريين، لوعيها تمام الوعي مستوى الحركة العمالية  وخطورة الجماهير التي ما أن سمعت خبر اندحار الجيش و سقوط بونابرت في يد البروسيين ، حتى خرجت محتفلة في الشوارع. لقد كانت  البورجوازية على يقين بأن الجماهير ستوجه سلاحها نحو مستغليها البرجوازيون .

أطلقت  الحكومة أوامرها بمواصلة الحرب بشعارات “الدفاع عن الوطن والقومية الفرنسية” بوجه الاجتياح البروسي . لم يكن الهدف غير نزع السلاح من يد الجماهير بأي طريقة: فكل من قدرة الجماهير وثورة 1848 ذكرى غير عزيزة على قلوب البورجوازية الفرنسية.

  لم تستطع تعبئة البورجوازية القومية الشوفينية أن تصيب هدفها. خبرات الثورات الماضية  مدت قادة الجماهير بالقدرة على التحرك و الدفع بالانتظام الجماعي، فشكلت الجماهير لجن اليقظة في شتنبر 1870  نفسه. فانخرط كل من له القدرة المالية على اقتناء السلاح في الحرس الوطني. كان الجيش الشعبي يتكون في غالبيته من العمال و الفلاحون الفقراء.  رغم المجاعة و الحصار البروسي تمكنت هذه القوة الشعبية المسلحة من الدفاع عن المدن الفرنسية و خصوصا باريس فكسبت بذلك تعاطف الجيش البروسي ثم أصبحت بعدها روح الثورة.

  البورجوازية المراقبة لتطور الأحداث و المُخيرة بين الانتصار  لبدعة “للوطن” أو الدفاع عن مصالحها بوجه الزحف العمالي، فاختارت الدفاع عن ممتلكاتها “الملكية الخاصة”. فاستسلمت لقوات بسمارك بهدف الحفاظ على مصالحها، متخلية عن جزء من ” الوطن”( الألزاس و اللورين).

العمال المسلحون يستولون على السلطة في باريس

   بعد توقيع معاهدة الهزيمة، فرضت  الحكومة البورجوازية القيود على المعارضة و حرية التعبير ثم اتجهت صوب العمال في محاولة لنزع السلاح من أيديهم. كان رد العمال المسلحون هو الاستيلاء على كامل باريس. فأُعلنت الكومونة من طرف لجنة الحرس الوطني  المركزية.

  أصبح الحرس الوطني المشكل من السكان المسلحين، الذي عمليا قام بحل الجيش المسلح الدائم التابع للبورجوازية، أساس الدولة الجديدة. دولة تستند على السكان المسلحين لا على جيش خاص. فتلك القوة المسلحة جيشا أو شرطة التي كانت تقوم بمهام لحماية مصالح الأقلية البورجوازية (كما قال كارلوس زافون على لسان نقيب شرطة في رواية ظل الريح ” الشرطة ليست مهنة، إنما مهمة”)، أصبحت في 1871 قوة أغلبية السكان المشكلة من العمال و الفلاحين الفقراء ضد أقلية البورجوازية.

أمسى كل موظفي الكومونة، المنتدبون من طرف السكان بواسطة الانتخاب العام ، مسؤولين أمام السكان،  حيث تتم إقالتهم في أي وقت و أجورهم تساوي أجور العمال. لم تكن كومونة باريس مجرد هيئة برلمانية للكلام فقط بل كانت هيئة فعالة تجمع بين يديها السلطة التشريعية و التنفيذية في نفس الوقت. كان السكان البسطاء يمارسون سلطتهم هي على الكومونة. لقد كانت الجماهير تُشرع القوانين وتنفذها بنفسها من خلال سلطة المحاسبة والإقالة الفعلية المفروضة على المنتدبين. كما غذت كل الإدارات تابعة للكومونة: أُلغيت الامتيازات والتعويضات وتم إقرار أجرة تساوي أجرة عامل.

  كان القرار في الحياة السياسية بباريس في أيدي العمال و الفقراء . لقد أعلنت الكومونة فصل الكنيسة عن الدولة . وقامت بسن إجراءات في عدة مجالات : أمكن المستأجرون من الدفاع عن أنفسهم ضد المالكين، وقُدمت المساكن الفارغة للذين دون مأوى… .

  سار على نهج عمال باريس وفقرائها باقي عمال البلد. فأنشئوا كومونات عديدة بفرنسا.

   أثبتت الكومونة قدرة العمال على لف كل المسحوقين حولها في محاولة ناجحة للاستيلاء على السلطة، ثانيا أنها دحضت كل محاولات التعاليم والأفكار البورجوازية إيهام الناس متواضعي الحال استحالة ممارسة وظائف “سلطة الدولة” من طرفهم. لقد تمكن السكان الباريسيون من حكم وممارسة سلطتهم طيلة عشر أسابيع كاملة.

يتبع ……

بقلم، العاصي