1917-1924: ذروة الثورة وأفولها

الافتتاحية8 نوفمبر، 2026

بقلم؛ جان-فيليب ديفيس Jean-Philippe Divès

إن الانتقال، بعد انتفاضة أكتوبر، وفي مدة وجيزة في نهاية المطاف، من حركة تحررية هائلة إلى نظام استغلال واضطهاد كان من أسوأ أنظمة تاريخ القرن العشرين، قد وجه ضربة بالغة القسوة لمُثُل الثورة والاشتراكية والشيوعية، ولا تزال آثارها مستمرة حتى يومنا هذا. ولا يزال هذا الأمر لغزًا لم يُحل تمامًا، ولا يمكن مواجهته إذا أغفلنا أحد أجزاء الكل أو قللنا من أهميته.
«أيها الرفاق العمال! تذكروا أنكم الآن أنتم أنفسكم من يدير الدولة: لن يساعدكم أحد إن لم تتحدوا أنتم أنفسكم، وإن لم تمسكوا بزمام شؤون الدولة كلها. أصبحت «السوفييتات» الخاصة بكم الآن هي أجهزة سلطة الدولة، المزودة بالسلطات الكاملة، وهي أجهزة تمسك بسلطة اتخاذ القرار. تجمعوا حول سوفييتاتكم. عززوها. انطلقوا بأنفسكم للعمل في القاعدة، دون انتظار أحد (…) استولوا على السلطة كلها وأوكلوها إلى سوفييتاتكم. صونوا الأرض، والقمح، والمصانع، والمعدات، والمواد الغذائية، ووسائل النقل كبؤبؤة أعينكم – فكل هذا سيكون من الآن فصاعدًا ملككم بالكامل، وملكية الشعب بأسره.»
هكذا تحدث لينين، رئيس مجلس مفوضي الشعب الجديد، في نداءه إلى الشعب نشرته صحيفة برافدا في 6 (19) نوفمبر 20171. ويبدو جليًّا الترابط مع الأفكار التي كان قد سجلها للتو في كتابه الدولة والثورة. كان هذا بالفعل «البرنامج الحكومي» البلشفي.
وبالفعل، شهدت الأشهر القليلة التالية، في غمرة فرح وفوضى، تطور حركة تحرير عملاقة عمالية وفلاحية وشعبية. نشأت في ربوع البلد كلها سوفييتات جديدة وحلت تدريجيًا محل السلطات المحلية القديمة. وفي الريف، نظمت لجان الفلاحين مصادرة الممتلكات الكبيرة وتقاسم الأراضي. وفي المدن، قامت لجان المصانع بتعميم «الرقابة العمالية» قبل أن تنتقل، في مواجهة التخريب وعداء الملاك، إلى اتخاذ إجراءات المصادرة التي قامت السلطة الجديدة بعد ذلك بإضفاء الشرعية عليها.
حققت الثورة، في السنوات التالية، مكاسب هائلة للجماهير. ليس على صعيد مستوى معيشتها، نظراً للظروف المعاكسة المروعة التي كان عليها مواجهتها آنذاك. لكن السلطة السوفيتية اتخذت خطوات حاسمة — كما تذكر مقالات أخرى في هذا الملف — على طريق تحرير المرأة، ومحو الأمية وإتاحة الثقافة لأوسع الجماهير، فضلاً عن تحرير الشعوب التي كانت تعاني من نير القومية الروسية الكبرى (وهو جانب قضى عليه النظام الستاليني عملياً، ما ساهم بشكل كبير في تفكك الاتحاد السوفيتي بين عامي 1989 و1991).
ومن الدال أنه في أجواء الحبور التي سادت الأسابيع الأولى، حتى حل الجمعية التأسيسية في 6 (19) يناير تم بسهولة مذهلة. في الساعة الخامسة صباحًا، توجه البحار اللاسلطوي (الأناركي) جيليزنياك، المسؤول عن الحراسة المسلحة للمباني، إلى القاعة حيث كان نواب حزب الكاديت والاشتراكيين الثوريين اليمينيين والمناشفة يواصلون التشاور؛ وأعلن أنه تلقى أمراً بإنهاء الاجتماع « لأن الحرس متعب «، وبذلك انتهى الأمر. لكن ما تلا ذلك كان أقل سهولة بكثير.
«سلام بريست-ليتوفسك المخزي»
هي عبارة قالها لينين. ومع ذلك، قرر هو وأغلبية القيادة البلشفية (بما فيه تروتسكي، مفوض الشعب — الوزير — الذي شغل منصب وزير الخارجية أولاً ثم وزير الحرب) التوقيع، في 3 مارس 1918، على هذه المعاهدة التي جردت روسيا آنذاك من ربع أراضيها وسكانها، ومن حصة أكبر من إنتاجها الزراعي والمعدني والصناعي. فإما ذلك، في رأيهم، وإما المخاطرة بالهزيمة على المدى القصير أمام الجيوش الألمانية والنمساوية-المجرية. فقد كان الفلاحون-الجنود الروس قد اتاحوا للتو تحقيق انتصار الثورة البروليتارية، التي كانت وحدها تعدهم بالسلام؛ ومنذ شهر ديسمبر، تؤكد جميع التقارير الواردة من الجبهة أنهم ليسوا مستعدين للقتال لحظة واحدة أخرى، ما يجعل انقطاع مفاوضات السلام سيؤدي إلى هروب جماعي من الخدمة العسكرية، وستصبح بتروغراد مهددة على الفور.
بيد أن قرار أغلبية الحزب البلشفي واجه معارضة شديدة في المعسكر الثوري ذاته، من جانب الحزب الاشتراكي الثوري اليساري، الذي كان يشغل منذ 9 (22) ديسمبر ربع مناصب مفوضي الشعب؛ و أيضًا من جانب قطاع بلشفي مهم، يضم قادة مثل بوخارين، أوريتسكي، وبياتاكوف، وراديك، بالإضافة إلى شليابنيكوف وكولونتاي (قادة تيار المعارضة العمالية في 1920-1921)، وسابرونوف، وفلاديمير سميرنوف، وأوسينسكي (الذين سيشكلون في عام 1919 تيار «المركزية الديمقراطية»، «الديسيون»). ومعارضةً للسلام الإمبريالي والضمي، دعا هؤلاء «الشيوعيون اليساريون» إلى شن »حرب ثورية«، إذا لزم الأمر عن طريق عمليات حرب غوار. ونظموا أنفسهم في تيار وأطلقوا إصدار جريدتهم، Kommunist، التي كانت في البداية صحيفة ثم أصبحت مجلة نظرية.2
هُزموا في مؤتمر الحزب السابع (من 6 إلى 8 مارس)، بأغلبية 28 صوتًا مقابل 12. وصادق المؤتمر السوفييتات الرابع، في 15 مارس، على معاهدة بريست-ليتوفسك. امتنع الشيوعيون اليساريون عن التصويت، لكن قادتهم استقالوا من مناصبهم على رأس الدولة والحزب؛ وهكذا انسحب ديبينكو وكولونتاي وأوسينسكي وفلاديمير سميرنوف من الحكومة، على غرار مفوضي الشعب من يسار الاشتراكيين الثوريين. يرى الشيوعيون اليساريون، «أن إبرام جمهورية السوفييتات لسلام ضمّ مع ألمانيا قد أضعف بلا شك مؤقتًا قوى الثورة العالمية وعزز الإمبريالية العالمية»3. إلا أن نطاق الخلافات كان أوسع من ذلك. ففي النص نفسه، نددوا بـ»المركزية البيروقراطية، وهيمنة مختلف المفوضين، وفقدان استقلالية السوفييتات المحلية، ورفض نموذج الدولة-الكومونة التي تُدار من القاعدة».
وبدا الحزب آنذاك على شفا القطيعة. لكن الشيوعيين اليساريين رفضوا الاقدام على هذه الخطوة. كما سجلوا معاهدة بريست-ليتوفسك، معترفين بأنها أدت إلى واقع موضوعي جديد يجب التكيف معه. وسرعان ما دفع تدهورُ الوضع المتسارع والهجمات القادمة من جميع الجهات (بما في ذلك هجمات اليساريين من الاشتراكيين الثوريين) البلاشفةَ إلى توحيد صفوفهم.
في المقابل، أعلن يسار الاشتراكيين الثوريين استمرار محاربته لهذه المعاهدة. وهو ما سيفعله، تماشيًا مع تقاليد الإرهاب النارودنيكي (الشعبوي) الذي ورثه حزبه. فاغتال، في 6 يوليو في موسكو، سفير ألمانيا على أمل أن تساعد هذه الخطوة في استئناف الأعمال العدائية. ونظم، في أعقاب ذلك، محاولة انتفاضة في العاصمة؛ ولكنها كانت مرتجلة ومفتقرة إلى الدعم الشعبي، فتم احتواؤها بسرعة. لكن العواقب السياسية كانت كارثية.
فقد كان يسار الاشتراكيين الثوريين في الواقع حليف الوحيد البلاشفة. وبعد مارس، كان لا يزال يتعاون معهم داخل مختلف الهيئات السوفيتية. ومنذ ذلك الحين، وجد البلاشفة أنفسهم وحدهم في السلطة. ومن هذا الموقف بدؤوا، بعد أن «جعلوا من الضرورة فضيلة» على حد تعبير روزا لوكسمبورغ (في نصها لعام 1918 عن الثورة الروسية)، ينظرون «لديكتاتورية حزب وحيد» أقر تروتسكي، في عام 1920، في كتاب الإرهاب والشيوعية، بحدوث «إبدال سلطة الطبقة العاملة بسلطة الحزب «، لكنه أضاف على الفور أنه «لا يوجد (…) في الحقيقة، أي ’’إبدال’’» لأن «الشيوعيين يعبرون عن المصالح الأساسية للطبقة العاملة» و»يصبحون الممثلين المعترف بهم للطبقة العاملة بأكملها».
الفوضى والخيارات الاقتصادية
في روسيا عانت بشدة من جراء الحرب العالمية، جلبت الثورة عاملَ فوضى إضافياً. فور انتهاء ثورة أكتوبر، اندلع نقاش بين مؤيدي مركزة الدولة للخيارات الاقتصادية والقطاعات الصناعية، وبين مؤيدي التسيير العمالي الذي يحدد السياسة الاقتصادية من القاعدة إلى القمة. رأت غالبية البلاشفة أن الخيار الثاني غير قابل للتطبيق، وأنه سيؤدي إلى تفاقم الفوضى، ففرض الخيار الأول نفسه اعتبارًا من ديسمبر 1917. وفي الأشهر التالية، فقدت لجان المصانع زخمها، قبل أن تندمج في النهاية في النقابات. وحرصًا على الكفاءة، وتجنب إضاعة الوقت في الجدل في ظل مواجهة حالة طارئة، تم بعد ذلك اعتماد مبدأ «قيادة الرجل الواحد» (على عكس القيادة الجماعية) في المنشآت، على الرغم من احتجاجات أنصار الديمقراطية المباشرة وقطاعات أخرى.
كانت تلك أيضًا الفترة التي دعا فيها لينين إلى «رأسمالية الدولة»، وأكد أن تحقيقها في روسيا سيمثل تقدمًا. بل وأكثر من ذلك، سيتيح بلوغ هكذا مرحلة من التطور، مقترنًا بسلطة السوفييتات، بدء حقيقي لعملية بناء اشتراكي. أما المواقف التي طُرحت في كتاب الدولة والثورة، فتظل هدفًا، كما يقول، لكنها غير قابلة للتطبيق على الإطلاق في الوقت الراهن.
كان لينين، في الآن ذاته، بعيدًا كل البعد عن إضفاء الصبغة المثالية على الدولة التي يترأسها. فقد أكد، في مؤتمر السوفييتات الثامن، في ديسمبر 1920، قائلاً: « يتحدث الرفيق تروتسكي عن «دولة عمالية»، لكن هذا مفهوم مجرد! (…) في الواقع، دولتنا ليست دولة عمالية بل دولة عمالية-فلاحية، وهذا أول شيء (…) لكن هذا ليس كل شيء (…) دولتنا دولة عمالية مطبوعة بتشوه بيروقراطي».
عواقب الحرب الأهلية
بدأت الحرب الأهلية مع تمرد «الفيلق التشيكوسلوفاكي» في مايو 1918. وقد أذكتها القوى الإمبريالية بإرسال عشرات الآف الجنود لدعم الجيوش «البيضاء»، ولم تنتهِ هذه الحرب – بانتصار «الحمر»، مقابل تضحيات لا تُقدَّر – إلا في نوفمبر 1920. كانت الحرب العالمية الأولى قد أودت بحياة 3.3 مليون جندي ومواطن من الإمبراطورية الروسية، أما الثلاثون شهراً من الحرب الأهلية فقد رفعت هذا العدد إلى ما يقارب 10 ملايين.
تركت الحرب الأهلية البلاد مستنزفة، وطبقتها العاملة مفككة الأوصال. يصف إدوارد هاليت كار4 بعض آثارها على النحو التالي:»توقف إمداد النفط القادم من منطقة باكو والقوقاز من صيف عام 1918 حتى نهاية عام 1919 (…) وفي مايو 1919، لم تكن الصناعة تتلقى سوى 10% من كمية الوقود المعتاد. وكان البرد في شتاءي 1918-1919 و1919-1920، أكثر من الجوع، سببًا للمعاناة والعجز (…) من بين 70 000 فيرستة من خطوط سكك الحديد في روسيا الأوروبية، لم ينج من الضرر سوى 15 000 فيرستة (…) في نهاية عام 1919، عندما بلغت الأزمة ذروتها، كان أكثر من 60 % من القاطرات الـ16 000 خارج الخدمة (…) «.
لكن «ربما كانت أكثر علامات تدهور الصناعة لفتاً للنظر هي تشتت البروليتاريا الصناعية. في روسيا، حيث كان غالبية عمال المصانع من الفلاحين السابقين الذين نادراً ما قطعوا جميع روابطهم بالريف (…) لم تشكل الأزمات في المدن أو المصانع، أو الجوع، أو البطالة، أو الإضرابات عن العمل، مشكلة بطالة بالمعنى الغربي للكلمة، بل هجرة جماعية للعمال من المدن وعودة إلى وضعهم كفلاحين «. وتضاف هذه الظاهرة إلى عمليات التجنيد الجماعي في الجيش الأحمر، التي كان العمال الأكثر وعيًا أول المنخرطين فيها. علاوة على ذلك، يتوجه الذين يبقون في المصانع بانتظام إلى الريف للحصول على الطعام، مقابل منتجات صناعية تُقدَّم أحيانًا من قبل إدارات الشركات أو نقاباتها، لكنها غالبًا ما تكون مسروقة. كما أن العديد من العمال مرضى أو ضعفاء جدًّا بحيث لا يستطيعون الذهاب إلى أماكن عملهم. وفي عدد من الشركات، يقترب معدل التغيب عن العمل من 50 %.
ووفقًا أيضًا للبيانات التي جمعها كار، انخفض عدد العمال في الصناعة من ثلاثة ملايين في العام 1917 إلى 2.5 مليون في العام 1918، و1.48 مليون في 1920-1921، و1.24 مليون في 1921-1922. تضاءلت أعداد سكان المدن و»كلما كبرت المدينة، كان الانخفاض أوضح. فقدت بتروغراد 57.5% من سكانها في غضون ثلاث سنوات، وموسكو 44.5% «. وشهد الإنتاج انهياراً عاماً: في عام 1920، بلغ إنتاج خام الحديد 1,6% وإنتاج الحديد الزهر 2,4% من مستوى عام 1913؛ وبلغت هذه النسبة 41% بالنسبة للنفط و27% بالنسبة للفحم. «أظهر حساب للقيمة بالروبل قبل الحرب أن إنتاج السلع المصنعة لم يصل في عام 1920 سوى إلى 12,9% من قيمة عام 1913، وإنتاج المنتجات شبه المصنعة إلى 13,6% «.
يتعلق هذا كله في المقام الأول بالطبقة الاجتماعية التي أشعلت الثورة وقادتها، مضفيةً عليها ديناميتها الاشتراكية. يلاحظ إدوارد هاليت كار: « نشأت المفارقة من أن إقامة «ديكتاتورية البروليتاريا» تبعها انخفاض ملحوظ في الاقتصاد، سواء من حيث العدد أو من حيث الثقل، للطبقة التي مورست هذه الديكتاتورية باسمها «.
قمع وتبقرط
في 20 يونيو 1918، اغتيل فولودارسكي، أحد القادة البلاشفة الأكثر شعبية في بتروغراد، على يد يمينيين من الحزب الاشتراكي الثوري. وفي 30 أغسطس، سقط أوريستكي ضحية رصاصهم، وفي اليوم نفسه، أصيب لينين بجروح خطيرة. وعلى غرار الثورة الفرنسية قبل 125 عامًا، قررت اللجنة التنفيذية للسوفييتات حينها الرد على «الإرهاب الأبيض» بـ»الإرهاب الأحمر».
وقد ارتفع عدد أفراد «تشيكا»، وهي هيئة مخصصة «لقمع الثورة المضادة والتخريب» تأسست في ديسمبر العام 1917، إلى 40 ألف عضو في نهاية العام 1918 (وإلى أكثر من ذلك بكثير في نهاية الحرب الأهلية). وكانت هذه الهيئة تعتقل وتعدم دون محاكمة، ودون أن تخضع لأي مساءلة من قبل السلطات المحلية. واستهدفت، إلى جانب المعادين للثورة النشطين، أعضاء البرجوازية بما هم طبقة، وكذلك اللاسلطويين (الأناركيين) ومناضلي التيارات الاشتراكية الأخرى. كانت إحدى مهام جهاز استخباراتها منذ البداية منع الإضرابات وقمعها (حيث كان قادتها يُفصلون من العمل أو يُسجنون أو يُرحلون)، وسرعان ما أصبح من مهامها مكافحة الانشقاقات في صفوف البلاشفة أنفسهم (حيث كان يتم في أغلب الأحيان انتزاع الفاعلين من أوساطهم وإرسالهم إلى أماكن أخرى بموجب نظام التعيينات – وبعد عام 1924، ستصبح الأمور أكثر خطورة).
كانت فترة «شيوعية الحرب» فترة خصاص وتقنين، ومصادرة قسرية في الريف، وحلول المدفوعات العينية والمقايضة محل التبادلات النقدية. وعلى خلفية الصراع الأساسي من أجل البقاء وتوحش المجتمع بشكل عام، أدت هذه الفترة إلى مركزية مفرطة للسلطة واتخاذ القرار السياسي، في حين كانت السوفييتات تتلاشى وكان جهاز الحزب الناشئ يميل بشكل متزايد إلى الاندماج مع جهاز الدولة.
وظهرت أولى التمايزات الاجتماعية بين قمة الحزب وقاعدته، سواء كانت شيوعية أو غير حزبية (كان النقاش حول «القمة والقاعدة» متواترا في 1920-1921) . ويحظى من يتولون المناصب بامتيازات، وإن كانت لا تزال محدودة جدًّا، فإنها تُستشعر بشكل أكبر في ظل انتشار الفقر وتفشي الفساد. ويستشهد سيمون بيراني5 بحالة أحد أعضاء اللجنة المركزية، أفيلي إينوكيدزه، الذي تلقى صندوقًا مكتوبًا عليه «معدات عسكرية» لكنه كان يحتوي في الواقع على الأرز والسكر، والتبغ، والنبيذ، والكونياك، وغيرها من المنتجات المعتبرة كماليات. وقد دفع ذلك «أحد أعضاء الجهاز النزهاء» إلى تقديم شكوى، لكن مكتب التنظيم التابع للجنة المركزية « أنقذ موقف إينوكيدزه بقبول عذره غير المعقول الذي مفاده أن النبيذ كان مخصصاً لمفوضية الصحة».
كما كان لـ«شيوعية الحرب» آثار غير متوقعة على الصعيد الأيديولوجي. فقد رأينا أن ديكتاتورية الحزب أصبحت تُعتبر أمراً طبيعياً ومطابقة لديكتاتورية البروليتاريا. ويشير بيراني إلى أنه انتشرت أيضًا بين «الشيوعيين الحربيين»، في تلك الفترة، انتشرت فكرة أن المجتمع الجديد سيولد من يد الدولة الحازمة، التي تفرض المساواة الشيوعية وروح التضحية التي سادت خلال الحرب الأهلية؛ وكان أحد أكثر الأعمال شعبية بين المناضلين آنذاك هو رواية للكاتب الاشتراكي الأمريكي المؤيد للدولة إدوارد بيلامي، التي تصف «دولة مساواة منضبطة، يعتمد اقتصادها على خدمة العمل الشاملة والقرارات السياسية التي تتخذها هرمية من المسنين. كانت خيبة أمل كثير من هؤلاء الشيوعيين مروعة عندما استمرت الفوارق الاجتماعية في التزايد في ظل السياسة الاقتصادية الجديدة (NEP)، ما أدى إلى موجة استقالات وحالات انتحار.
منعطف العام 1921
كان الانهاك، في أعقاب الحرب الأهلية، هائلاً والاقتصاد برمته بحاجة إلى إعادة بناء. وتجلى الاستياء العام، في أوائل العام 1921، في الإضرابات العمالية في بتروغراد وموسكو، التي أعقبتها انتفاضة كرونشتاد وقمعها على يد الجيش الأحمر6. فاختارت قيادة الحزب والدولة آنذاك التخلي عن «شيوعية الحرب» للانتقال إلى «السياسة الاقتصادية الجديدة»، التي استعاضت في الريف عن المصادرات القسرية بضريبة تصاعدية عينية، متسامحةً مع ظهور طبقة فلاحين ميسورين، وأتاحت في المدن سمحت حدود معينة الأنشطة الإنتاجية أو التجارية الخاصة. وسرعان ما استؤنف التبادل التجاري، وانتعش الإنتاج الزراعي والصناعي – وإن كان ذلك انطلاقاً من مستوى منخفض جداً.
ولكن ماذا عن النظام السياسي؟ هل يجب، أو هل يمكن، محاولة العودة إلى الديمقراطية العمالية في الفترة 1917-1918، بإحياء السوفييتات وإضفاء الشرعية على المجموعات أو الأحزاب العمالية التي لا تعارض السلطة البلشفية بالقوة؟ أم أنه يجب، أكثر من أي وقت مضى، الحفاظ على ديكتاتورية الحزب على المجتمع، بل وتعزيزها؟ في مارس 1921، اختار المؤتمر العاشر للحزب الطريق الثاني بحزم، بدفع من لينين (الذي ندد بـ«المعارضة العمالية» معتبرا إياها انحرافا «بورجوازيا صغيرا «، «نقابيا ولاسلطويا»، بمواقف «غير مطابقة» للانتماء للحزب).
وفضلا عن ذلك، صوّت هذا المؤتمر بالإجماع تقريبًا على اقتراح، قدمه لينين أيضًا، ينص على حظر التيارات والتكتلات تحت طائلة الطرد. وأُعطيت تأكيدات شفوية بأن هذا الإجراء «مؤقت» وأن الديمقراطية الداخلية ستُحسَّن. لكن الوعود بقيت حبراً على ورق، وأصبح «المؤقت» نهائيًا، وهكذا اختفى آخر فضاء للديمقراطية البروليتارية داخل الحركة البلشفية.
وتعززت البيروقراطية «الشيوعية» وبدأت تتشكل في فئة اجتماعية محددة، لها مصالحها وأيديولوجيتها الخاصة. وأثنتخب ستالين، في المؤتمر الحادي عشر المنعقد في مارس 1922، أمينًا عامًا. وبدأت عمليات الاعتقال وإصدار أحكام السجن تطال المنشقين البلاشفيين: حزب للعمال والفلاحين الاشتراكي الذي أسسه بانيوشكين في موسكو، ومجموعة ميسنيكوف العمالية، ومجموعة «الحقيقة العمالية» المستوحاة من بوغدانوف.
بعد العام 1924، سيرورة لا مفر منها
أصيب لينين، في 26 مايو 1922، بنوبة أولى. واكتشف بفزع، في أثناء فترة نقاهته، وهو معزول ومخدوع من قبل ستالين، مدى اتساع سيرورة التبقرط، واقترح على تروتسكي تشكيل كتلة ضد الجهاز. وخاض، رغم إصابته بنوبة ثانية في 14 ديسمبر، معركة ضد ستالين من خلال إملاء ما سيُعرف بـ«وصيته». لكن في 9 مارس 1923، أصيب بنوبة ثالثة، أبعدته نهائيًا عن أي حياة سياسية.
في أكتوبر، مع اندلاع الأزمة الأولى لسياسة الاقتصاد الجديد (NEP)، دعا تروتسكي، من خلال نصوص ومقالات تدعو إلى «مسار جديد»، و46 من القادة والكوادر في بيان موجه إلى المكتب السياسي، إلى التنديد بالبيروقراطية التي أصابت الحزب وأساليب قيادته (إنها بحسب لـ»الـ46»، «نظام ديكتاتورية تكتلية تشكل موضوعياً بعد المؤتمر العاشر [و] استمر»)، مقترحين في الآن ذاته سياسة تصنيع وتخطيط، بما هي السبيل الوحيد لتقوية الطبقة العاملة. لكن هذه المعارضة هُزمت هزيمة نكراء في المؤتمر الثالث عشر في يناير ثم في المؤتمر الثالث عشر في مايو 1924. أما لينين، فقد توفي في 21 يناير.
أطلق ستالين، في متم ديسمبر، شعار «الاشتراكية في بلد واحد»، الذي تبنّاه المؤتمر الرابع عشر بعد عام واحد ورفع شأنه إلى مرتبة نظرية. ومنذئذ سارت عملية تصفية على ما تبقى من تقاليد البلشفية، وما رافقها من توطيد الحزب الستاليني، قدماً بلا هوادة.
أسباب الفشل
ثمة بالطبع أسباب متعددة، لكن يجب التأكيد على عاملين أساسيين.
على عكس تروتسكي، كان لينين يعتبر ، منذ أمد بعيد، أنه من المستحيل أن تجري ثورة في روسيا على أسس اشتراكية منذ البداية: فتخلف البلد، وطابعه أغلبيته الفلاحي، وضعف عدد البروليتاريا الصناعية، لم يكن يتيح ذلك. وكانت الحرب العالمية هي التي جعلته يغير رأيه: فالمذبحة الإمبريالية فتحت في جميع أنحاء القارة حقبة من «اقتراب الثورة»، ومنذ ذلك الحين، وبسبب ظروف روسيا الخاصة، كان من الممكن أن تندلع الثورة الاشتراكية فيها قبل أن تصل إلى البلدان الأوروبية الأخرى، ولا سيما الأكثر تقدماً، حيث سيتيح انتصار البروليتاريا بدوره ترسيخ المكاسب الأولى التي تحققت في الإمبراطورية القيصرية السابقة وتطويرها
تطرح تصريحات وتحليلات لا حصر لها لينين، في مراحل مختلفة من المسار الثوري، هذه المسألة. فلنتذكر على سبيل التمثيل خاتمة خطابه في 3 أبريل 1917، عند عودته إلى بتروغراد: «في أي لحظة، كل يوم، يمكننا أن نشهد انهيار الإمبريالية الأوروبية برمتها. لقد شكلت الثورة الروسية التي حققتموها بداية ذلك ووضعت أسس عصر جديد. تحيا الثورة الاشتراكية العالمية!» أو في عام 1918، بشأن استيلاء البلاشفة على السلطة: «لم نكن نحن من أردنا ذلك، بل الظروف هي التي فرضته. لكن علينا أن نبقى في مواقعنا حتى يصل حليفنا، البروليتاريا العالمية».
إذن، يتمثل أول أسباب الفشل في روسيا في فشل الثورة الأوروبية. ومع ذلك، لم يكن شيء مكتوبًا سلفًا. في ألمانيا على وجه الخصوص، كان العامل الذاتي قاصرا ثلاث مرات: في يناير 1919 بسبب النزعة العفوية، ونقص الاستعداد والتنظيم؛ في مارس 1921 بسبب المغامرة اليساروية التي روجت لها قيادة الأممية بقيادة زينوفييف وبيلا كون؛ وفي أكتوبر 1923، مرة أخرى بسبب الأممية الشيوعية، ولكن لأسباب معاكسة لما كان في عام 1921 — هذه المرة كان السبب رفض خوض المعركة، مدفوعًا بنزعة المحافظة البيروقراطية المتزايدة.
ومع ذلك، جلي أن صعود البيروقراطية قد يسرته جملة أخطاء وهفوات ارتكبتها القيادة الثورية. فقد اعتبرت هذه القيادة أن «النزعة البيروقراطية» لم تكن نتاجًا لمصالح مادية بل لقصور ثقافي، و/أو أنها تعكس ضغط الطبقات المهيمنة السابقة وبقايا جهازه دولتها. لكن الثورة المضادة نشأت من داخل النخبة الحاكمة الجديدة نفسها. كانت هذه الظاهرة غير متوقعة إلى حد كبير آنذاك، لكن على الثوريين اليوم أن يستخلصوا دروسها.

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

1. 6 نوفمبر وفقًا للتقويم «اليولي» القديم الذي كان ساريًا آنذاك، والذي يتأخر بثلاثة عشر يومًا عن التقويم «الغريغوري» المستخدم في معظم البلدان، والذي اعتمدته روسيا في 1/14 فبراير من العام التالي.
2. أُعيد نشر نصوص أعداده الأربعة في عام 2011 في كتاب أصدره التجمع سمولني Smolny. 3 «أطروحات حول الوضع الراهن»، «كومونست» العدد 1 (أبريل 1918).
3.  «أطروحات حول الوضع الراهن»، «كومونست» العدد 1 (أبريل 1918).
4. في La révolution bolchevique », tome 2 « L’ordre économique », Les Editions de Minuit, 1974 (الفصل «شيوعية الحرب»).
5. في دراسته الممتازة:
« The Russian Revolution in Retreat, 1920-24 – Soviet workers and the new communist elite » (La retraite de la révolution russe, 1920-24 – Les ouvriers soviétiques et la nouvelle élite communiste), Routledge, Londres/New York, 2008.
6. تستحيل معالجة هذه المسألة المعقدة بشكل خاص في الإطار المحدود لهذه المقالة.
المصدر: https://lanticapitaliste.org/opinions/histoire/1917-1924-apogee-et-declin-de-la-revolution

مراجعة الترجمة الآلية: جريدة المناضل-ة

شارك المقالة

اقرأ أيضا