إسقاط التعاقد: نضال طويل النفس

Print Friendly, PDF & Email

تستعد التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد لبرنامج نضالي جديد، بعقد مجلسها الوطني يوم 2 دجنبر 2018. مساهمة في النقاش الجاري حول تطوير أشكال النضال ضد التعاقد ومن أجل مطلب الترسيم في أسلاك الوظيفة العمومية، ينشر موقع المناضل-ة مساهمات مكتوبة لمناضلين ومناضلات داخل التنسيقية الوطنية. 

إسقاط التعاقد: نضال طويل النفس

“تشبه فئات شغيلة التعليم المناضلة أصابع اليد. كل أصبع يناوش بمعزل عن بقية الأصابع، ويؤدي هذا، في أحسن الأحوال، إلى دغدغة الدولة. فلنجرب جمع هذه الأصابع في لكمة عظيمة، وسنرى كيف سترضخ الدولة وتستجيب لما تعتبره حاليا سابع المستحيلات”.

انطلق نضال الأساتذة الذي فرض عليهم التعاقد لتوه. يناضل هؤلاء الأساتذة والأستاذات ضد هجوم جرى التخطيط له منذ عقود.

استعملت الدولة آلتها الإعلامية الجبارة لجعل الشعب يقبل صيغة التوظيف هذه، مستفيدة من وضع البطالة الجماهيرية الدائمة. كما جرى فرض هجومات أخرى. وتقحم الدولة أجهزتها القمعية لتفرض على الذين فرض عليهم التعاقد الانصياع لهذه الصيغة من التوظيف.

تستفيد الدولة من الوضع الذي توجد عليه أدوات نضال الكادحين. وضع ساهمت الدولة في تفاقمه بقمع طلائع النضال ودعم بيروقراطيات نقابية بالاستيلاء على أجهزة النقابة وتحويلها من أداة نضال إلى ملحق يساير هجومات الدولة.

واهم من يعتقد أن هزيمة مخطط التعاقد وفرض مطلب الإدماج في الوظيفة العمومية، سيتحقق بنضال الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد لوحدهم.

مخاطر أشكال التصعيد غير المسبوق

تؤدي العزلة النضالية إلى ترسيخ فكرة اعتماد الفئة المناضلة على نفسها فقط ونضالها حصرا، دون التعويل على النضال المشترك إلى جانب باقي فئات الكادحين.

تبدأ الأشكال النضالية بوقفات ومسيرات واعتصامات، ثم تنتقل إلى إضرابات. ترفض الدولة كعادتها الاستجابة لمطالب المحتجين. ينتقل هؤلاء إلى اقتناع جديد مفاده: نحن بحاجة إلى أشكال ضغط غير مسبوقة، ما دامت أشكال الضغط السابقة غير كافية.

يعتقد الملتحقون الجدد بالنضال بسهولة تحقيق المطلب. وما أن يصطدموا بجدار الرفض الصريح من الدولة، حتى يتكسر وهم سهولة تحقيق المطلب بالمألوف من أشكال النضال. غالبا ما يكون حديثو العهد بالنضال أكثر إقداما وتطرفا في أشكال النضال التي يعتقدون أنها ستؤدي إلى نيل المطلب.

تسبب العزلة ظهور أشكال قصوية ومتطرفة من النضال، غالبا ما يطلق عليها: تصعيدا غير مسبوق (إضراب عن الطعام، وإحراق الذات، واللجوء الاجتماعي…). ويظن دعاة التصعيد غير المسبوق أن الدولة سترتعب وترضخ.

لا تخاف الدولة من أشكال النضال المتطرفة والقصوية، بل تستثيرها وتبث في صفوف حركات النضال من يدفع القاعدة لفرض هذا النوع من الأشكال. تستغل الدولة نفاذ صبر الفئة المناضلة وانتقالها إلى أشكال النضال “غير المسبوقة” لتشن حملة إعلامية مشوهة ومبررة  لقمعها.

لا تخاف الدولة من التصعيد الكلامي والفعلي لفئة معزولة. ما تخافه هو تنظيم الكادحين والتحاق المزيد منهم إلى النضال، وهو ما يستحسن أن تضعه تنسيقيتنا الوطنية أمام أعينها وهي تسطر برامجها النضالية المقبلة.

الرد الجماعي للمتضررين، بدل “التصعيد غير المسبوق” المتسرع

انتشرت تدوينات كثيرة على صفحات الأساتذة المفروض عليهم التعاقد بالفايسبوك، تمتعض من خلو شهر نونبر من أي شكل نضالي. يعبر هذا عن نفاذ صبر أفراد ومجموعات من المفروض عليهم التعاقد.

يعتبر نفاذ الصبر التربة الخصبة لظهور دعوات إلى “أشكال التصعيد غير المسبوقة”. وهذا ما يجري فعلا، إذ تجري الدعوة لإضراب مفتوح، ومسيرات على الأقدام من كل جهات البلد نحو العاصمة!

يجري تبرير هذه الدعوات بأن الدولة ستجد نفسها في مأزق حين يدخل المفروض عليهم التعاقد في إضراب مفتوح، وتخلو الأقسام من المدرسين/ات. ليس الإضراب المفتوح خطوة بسيطة يجري تقريرها في مجلس وطني، بل خطوة جبارة يجب إعدادها بشكل جيد. وهو تتويج لسلسلة متواصلة من أشكال النضال.

حين يلتحق المزيد من الكادحين إلى النضال مع الانتقال من شكل للنضال إلى آخر، ويتطور وعيهم انطلاقا من تجربتهم الخاصة، تنفتح إمكانية نجاح ما يطلق عليه “تصعيدا غير مسبوق”، وليس انطلاقا من قرار يتخذ في مجلس وطني.

قبل الإقدام على خطوة مماثلة، يجب العمل على ضمان دعم كل المتضررين من سياسة الدولة التعليمية، وتضامنهم الفعلي، كي لا تستعمل الدولة بقية الشعب لضرب نضالنا. فهي تصور المضربين بأنهم يضحون بالمصلحة العامة (مصلحة التلاميذ) من أجل مصلحتهم الخاصة. إنه تكتيك برعت فيه الدولة لمواجهة إضرابات الفئات المعزولة والمحرومة من التضامن الشعبي.

ستتيح هذه الشروط إمكانية نجاح الإضراب المفتوح مثلا، وقد تدفع الدولة للاستجابة للمطلب دون الحاجة إلى تنفيذ ذلك الإضراب. تتخوف الدولة في هذه الحالة من قمع قد يؤدي إلى التحاق المزيد من شرائح الشعب بالشرائح التي سبقتها إلى النضال.

لقد بدأ النضال توا

لم تمر بعد فترة طويلة على انطلاق نضال الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد وتأسيس تنسيقياتهم الإقليمية والجهوية والوطنية. سيكون بمثابة المغامرة الدفع بأشكال نضال قصوى لا يستطيع جسم تنسيقيتنا الفتي إنجاحها وتحمل تبعاتها السياسية والقمعية.

التريث صفة مهمة جدا في النضال. علينا أن نفكر بهدوء تام وتريث كبير ونضرب بقوة. علينا أن نعمل على تقوية هياكل تنسيقياتنا (إقليميا وجهويا ومركزيا) بحفز من لم يلتحق بعد بنضالنا. هناك آلاف مفروض عليها التعاقد لم تلتحق بعد بتنسيقياتنا ولا تشارك في نضالنا. هناك مديريات لم تتهيكل بعد، مهمتنا المركزية هي ضمان التحاقها.

تتمثل إحدى نقاط قوة الدولة في آلتها الإعلامية الجبارة التي تقصف عقول الكادحين يوميا بأكاذيبها حول جدوى التعاقد لحل مشاكل التعليم وضمان جودته. لا يمكن أن نضمن تضامن الشعب دون تفنيد هذه الأضاليل الأيديولوجية، لذا علينا أن نقوي أدوات إعلامنا كي نستطيع ذلك.

لا بديل عن النضال المشترك

نعتبر- نحن الأساتذة الذين فرض علينا التعاقد- جزء من جسم شغيلة التعليم والوظيفة العمومية المستهدفة بهجوم شامل ضد حقوقنا الاجتماعية وعلاقات الشغل.

يغلي جسم الشغيلة التعليمية بنضالات فئوية عديدة. شهدت نهاية شهر أكتوبر وشهر نونبر إضرابات ومسيرات مركزية لفئات عديدة من شغيلة التعليم: الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، المكلفين بالتدريس خارج إطارهم الأصلي، موظفو التربية حاملي الشهادات، أطر التوجيه والتخطيط التربوي، الزنزانة 9، الأطر الإدارية… الخ.

تناضل كل فئة بمعزل عن الأخرى. ساد وهم بأن عزل الملف عن بقية الملفات هو أسهل طريق لتحقيق المطلب. إنه وهم لأن العزلة وتشتت النضالات هو أقصر طريق لهزيمتها بكل سهولة.

تشبه فئات شغيلة التعليم المناضلة أصابع اليد. كل أصبع يناوش بمعزل عن بقية الأصابع، ويؤدي هذا، في أحسن الأحوال، إلى دغدغة الدولة. فلنجرب جمع هذه الأصابع في لكمة عظيمة، وسنرى كيف سترضخ الدولة وتستجيب لما تعتبره حاليا سابع المستحيلات.

الدليل هو ما تنازل الدولة مرغمة إبان حراك 20 فبراير حين هب الشعب للنضال: تنازلات اقتصادية (زيادة في أجور الموظفين، ضخ الملايير من الدراهم في صندوق المقاصة، تأجيل تنفيذ أوامر البنك الدولي)، وتنازلات سياسية (إصلاح الدستور وتضمينه ما سبق أن رفضته الملكية حين طلبته أحزاب الكتلة الليبرالية في التسعينيات).

إن أولى خطوات التصعيد التي تستطيع تطوير نضالنا وإجبار الدولة على الاستجابة، هو توحيد نضالات تنسيقيات فئات شغيلة التعليم المتعددة التي تناضل كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى. لا يعني هذا ذوبان التنيسقيات في إطار واحد، بل برنامجا نضاليا مشتركا.

تحافظ كل تنسيقية على هياكلها وملفها المطلبي وحقها في التفاوض بشكل منفرد، ولكن نوحد خطوات النضال: نسير معا، ونضرب بشكل مشترك.

إن سكة النضال طويلة وقد انطلق قطارنا لتوه. ينتظرنا الكثير، لذلك لا يجب التسرع. لنتفادى نفاذ الصبر وما يؤدي إليه من أشكال نضال غير محسوبة. لنقنع غير الملتحقين بعد بالنضال بالانضمام. لنقو تنسيقياتنا، ونضع أيدينا في أيدي من يناضل ضد نفس العدو الذي ظلمنا وفرض علينا صيغة توظيف تجعلنا عبيدا.

بقلم، بشرى الگفول، عضو التنسيقية الإقليمية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد- مديرية الرحامنة