السيرورتان الثوريتان العربية والإيرانية
إذ كنتُ أنوي الكتابة عن الانتفاضة الجارية في إيران وقد غدت دموية، انتبهتُ إلى أن هذا المقال سوف يصدر في عدد «القدس العربي» ليوم 14 يناير/ كانون الثاني، وهو يوم الذكرى الخامسة عشرة لظفر الثورة التونسية بهروب الدكتاتور زين العابدين بن علي إلى المملكة السعودية. ذلك اليوم المعروف في تونس بتسمية «14 جانفي»، كان تتويجاً للانتفاضة الشعبية التي فجّرها استشهاد محمد البوعزيزي يوم 17 ديسمبر/ كانون الأول 2010، وقد أوحى فوزُها في بداية عام 2011 إلى الشعب المصري بالانطلاق في انتفاضته بعد أسبوعين، في 25 يناير/ كانون الثاني. أما فوز الانتفاضة المصرية بتنحية الرئيس حسني مبارك يوم 11 فبراير/ شباط، فقد فجّر الوضع العربي برمّته حيث انتقلت العدوى الثورية إلى ليبيا واليمن والبحرين وسوريا في الموجة الثورية العارمة التي تُعرف باسم «الربيع العربي».
بيد أن الحديث عن تلك الموجة الثورية لا يحول دون الحديث عن الانتفاضة الإيرانية، بل يسمح بوضع تلك الانتفاضة في سياق يتيح فهمها وفهم خصائصها في آن واحد. ذلك أن الأزمة البنيوية العميقة التي تعاني منها إيران هي من طراز تشترك فيه مع المنطقة العربية، طراز قائم على انخفاض وتائر النمو الاقتصادي، في علاقة وثيقة بطبيعة النظام السياسي، بما يؤدّي إلى تفاقم البطالة الشبابية وازدياد الضغط المعيشي على كواهل الجماهير. وعندما تتفاعل هذه الحالة مع قمع لا يتيح للجماهير التعبير عن مشاعرها ومطالبها سوى بتحدّي النظام بالذات، فإن الاستياء يستحيل انتفاضة (مقارنة مفيدة هنا هي حالة المغرب حيث فسح النظام الملَكي مجالاً للتنظيم السياسي والاحتجاج الجماهيري بما سمح له استيعاب الموجة الثورية الإقليمية بلا أن تتحول لديه إلى انتفاضة).
فالسمات العربية العامة، الاقتصادية والسياسية، التي فسّرت الانتفاضة العربية الكبرى، وموجتها التالية في عام 2019 التي انطلقت من السودان وشملت الجزائر والعراق ولبنان، هي ذاتها الكامنة وراء الانتفاضات الإيرانية المتعاقبة منذ سبعة أعوام والتي بلغت اليوم أوجّها حتى الآن. كما يشير تعاقب الانتفاضات الإيرانية إلى حقيقة تصحّ في الحالة العربية، هي أنه ما دامت الأزمة البنيوية قائمة، بل وهي تسوء بوجه عام، فإن الغضب الشعبي لا بدّ له أن ينفجر عاجلاً أو آجلاً، سواء أكان ملهَماً بالتفاؤل الذي عبّرت عنه قصيدة أبو القاسم الشابي الشهيرة («إِذا الشعبُ يوماً أراد الحياة / فلا بدّ أن يسْتجيب القدر») أو يائساً إلى حدّ الاستعداد للاستشهاد.
هذا ما تشير إليه مقولة «السيرورة الثورية طويلة الأمد» التي تصحّ لوصف ما انطلق في المنطقة العربية قبل خمسة عشر عاماً وشهد موجتين إلى الآن، مثلما تصحّ لوصف ما بدأ في إيران قبل ثمانية أعوام، في ديسمبر/ كانون الأول 2017، وشهد حتى الآن تجدداً كاد يحصل في كل عام بحيث أطلق باحثون إيرانيون مقولة «السيرورة الثورية طويلة الأمد» على ما يجري في بلدهم، استيحاءً من الحالة العربية. وثمة عاملٌ آخر مشترك بين الحالتين العربية والإيرانية، هو وجود جهاز دولة مرتبط برأس السلطة وصاحب امتيازات جمّة، يعلم أن سقوط النظام يعني انتهاء دوره وامتيازاته، وهو بالتالي على استعداد للذود عن النظام مهما كلّف الأمر، ولو أدّى إلى حرب أهلية مثلما جرى في ليبيا وسوريا إزاء الانتفاضتين اللتين شهدهما البلدان. أخيراً، وليس آخراً، تشترك الحالتان العربية والإيرانية في ضعف البدائل التقدّمية، إن لم يكن غيابها، وذلك لأسباب ليس أقلّها شدّة البطش الذي تمارسه الأنظمة الإقليمية والذي يحول دون قيام منظمات سياسية معارِضة في معظم البلدان. وبالطبع، ينضاف إلى هذا السبب الموضوعي إخفاقٌ ذاتي للحركات التي ادّعت التقدّمية في المنطقة، ليس المجال هنا للخوض فيه.
أما خصائص الحالة الإيرانية، فبينها خاصيتان رئيسيتان تفرضان نفسيهما على المراقب. أولاهما أن النظام الإيراني يكاد يكون فريداً بنوعه، ليس إقليمياً وحسب، بل عالمياً، من حيث إنه نظامٌ ثيوقراطي يسود فيه رجال الدين، لا مثيل له سوى في أفغانستان وإلى حدٍ ما في شمال اليمن، إذا استثنينا حاضرة الفاتيكان التي هي أقل من دولة. وتنطوي هذه الخاصية على كون الأيديولوجيا الدينية التي يتسلّح بها نظام الملالي أقوى بالضرورة من الشرعيات الدنيوية البالية التي تزعمها الأنظمة العربية، فتنضاف إلى استخدام المداخيل النفطية لتيسير تشكيل قاعدة شعبية مؤيدة للنظام، في الأرياف على الأخص، يرتكز عليها في مواجهته للاستياء الجماهيري الذي يعمّ المدن والأقليات القومية.
أما الخاصية الثانية، فهي أن النظام الإيراني يخوض منذ ولادته في مواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية التي ترى فيه تهديداً لمصالحها الخليجية، ناهيك من أن واشنطن لا تزال تعاني من خسارتها لنظام الشاه الذي كان ركناً من أركان الحلف الإقليمي الذي تُشرف عليه والذي تشكّل الدولة الصهيونية ركناً آخر له، فضلاً عن مصر والأردن والنظام الخليجي. ومن عواقب هذه الخاصية أن الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها إيران ليست وليدة عوامل بنيوية على غرار ما تعاني منه الدول العربية وحسب، بل لا جدال في أنها تعاني أيضاً من الخناق الذي تفرضه واشنطن عليها. وهذا ما يتستّر وراءه الحكم الإيراني في مواجهته للاستياء الشعبي، وإذ لا يقتنع قسمٌ واسع من الشعب يرى أن طموحات النظام الإقليمية هي التي جلبت الخناق على إيران (وهو ما تعكسه بعض الشعارات التي أطلِقت في التظاهرات الأخيرة كما في سابقاتها) يبقى أن قسماً آخر، هو ذاته الذي ينتمي إلى أيديولوجيا النظام، مقتنعٌ بالحجة ويؤيد الحكم في المواجهة.
أما نتيجة هاتين الميزتين، فهي أن المجتمع الإيراني أكثر انقساماً مما كان أي من المجتمعات العربية في البلدان التي شهدت انتفاضات، بحيث إن تغيير النظام، لو بلغت الانتفاضة حداً فاق ما شهدناه حتى الآن، يمرّ بالضرورة بحرب أهلية لا بدّ أن تكون عواقبها عظيمة على المنطقة برمّتها. وهذا ما يفسّر التردّد الأمريكي وتباينه مع التحريض الإسرائيلي، إذ إن واشنطن وحلفاءها العرب يخشون سيناريو تدبّ فيه في إيران فوضى وحرب أهلية على الطراز السوري. لذا لا ينفك دونالد ترامب يدعو طهران إلى عقد صفقة معه: فهو يوظّف الضغط الشعبي داخل إيران ويضيف إليه ضغطه الاقتصادي ووعيده العسكري، كي يحثّ نظام الملالي على الاستجابة لدعوته إلى تغيير النهج والانفتاح عليه وتلبية مصالحه. أما التغيير الديمقراطي، فهو آخر ما يصبو إليه دونالد ترامب…
كاتب وأكاديمي من لبنان
المصدر: القدس العربي
اقرأ أيضا


