هل يسقط حق الشعوب في الثورة ضد أنظمة “مناهِضة” للإمبرالية؟

الثورة, سياسة17 يناير، 2026

بقلم: شيماء النجار

لم تكن الثورة يوما، ولن تكون، نقطةً على جدول أعمال تنظيمٍ (حزب أو جماعة)، تحتمِل التأجيل أو التعجيل. كما لا يمكن افتعال الثورات بمؤامرة داخلية كانت أو خارجية. الثورة نتاج تفاعل سيرورات اجتماعية موضوعية، وعوامل لا يحتل فيها التنظيم سوى الرتبة الأخيرة:

1) أن يستحيل على الطبقات السائدة الاحتفاظ بسيادتها دون أي تغيير؛ أي أن تنشب أزمة في “القمة” بشكل أو بآخر، أزمة في سياسة الطبقة السائدة تُسفر عن صدع يتدفق منه استياء الطبقات المضطهَدة وغضبها. فلكي تتفجر الثورة، لا يكفي عادة “ألاَّ تريد القاعدة بعد الآن” أن تعيش كما في السابق، بل ينبغي أيضا “ألا تستطيع القمة ذلك”؛

2) أن يتفاقم بؤس الطبقات المضطهَدة ويشتد شقاؤها أكثر من المألوف؛

3- أن يتعاظم كثيرا، للأسباب المشار إليها آنفا، نشاط الجماهير التي تستسلم للنهب بهدوء في زمن “السلم”، أما في زمن العاصفة فتدفعها ظروف الأزمة كلها و”القمة” نفسها، على حد سواء، إلى القيام بنشاط تاريخي مستقل.

ودون هذه التغيرات الموضوعة المستقلة، لا عن إرادة هذه الكتل والأحزاب أو تلك وحسب، بل أيضا عن إرادة الطبقات نفسها تستحيل الثورة، بوجه عام. [1]

الثورة هي الحق الحصري للشعوب الذي لا يسقط أمام أي اعتبار آخر كيفما كان. فقط الرجعيون هم من يحاربون هذا الحق، وإلى جانبهم الليبراليون لأنهم يدركون أن الثورة لن تعصف فقط بما يعارضونه من أوجه الاستبداد (والاحتكار)، وعندما تندلع الثورات يتسابقون لإعلان تأييدهم لها، مع العمل جاهدين من أجل كسب أكبر قدر من السلطة السياسية ومنع وقوعها في يد الطبقات العاملة.

-لكن يبدو أن هناك قسمٌ من المناهضين للإمبريالية يطعنون في حق الشعوب في الثورة ضد أنظمتها المستبِدة بمبررات شتى، وعلى رأسها أن هذه الأنظمة مناهِضة للإمبريالية، أو تتعرض لهجمات الإمبريالية. لذلك نراهم ينصحون الشعوب بالتخلي عن كل نضال وثورة مخافة أن يكون المستفيد من ذلك هو الدول الإمبريالية التي تتربص بالوطن. يتلخص هذا الموقف في ما يلي: على الشعوب أن تُلجِم حقها في الثورة ضد الاستغلال الاقتصادي والاضطهاد السياسي حتى يتخلص “الوطن” مما يستهدفه من مؤمرات إمبريالية. وهو موقف، إلى جانب أنه موقف رجعي، هو موقف لا يمكن فرضه على الشعوب إلا بالقمع، وهو ما تقوم به تلك الأنظمة التي تدَّعي أنها مستهدَفة بالمؤامرة الأجنبية، وإلى جانب هذا القمع يصطف من يرفض ثورة الشعوب ضد تلك الأنظمة بمبرر مناهضتها للإمبريالية.

هل هي محضً مصادفة؟

سيحتار المرء عندما يلاحظ أن نعت الثورات بـ”المؤامرات الأجنبية”، والثوار بـ”المرتزقة والمخربين”، لا يقتصر على تلك الأنظمة التي تدعي “مناهَضتها للإمبريالية”، بل أيضا حتى تلك التي تُعتَبر صراحة عميلة لتلك الإمبريالية:

خامنئي: “العملاء والمرتزقة الذين يعملون لمصلحة الخارج الذين يسعون لإرضاء الرئيس الأميركي عبر تخريب الممتلكات العامة” [2].

حسني مبارك: “الثورة ابتدت والأمريكان كانوا شغالين فيها من 2005، وأنا كنت حاسس بده، كانوا في اجتماع في ديسمبر 2010 وقلنا يا جماعة: الأمريكان حطوا صوابعهم في الشق مني، لا قادر أتنازل لهم على قاعدة ولا ميناء ولا اتصالات ولا حاجة، وعاوزين يزيحوني بأي تمن” [3].

علي عبد الله صالح: “المؤامرة التي تستهدف زعزعة واستقرار المنطقة ووحدتها الوطنية في إطار تنفيذ أجندة ما يسمى بالفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الجديد” [4].

بلاغ أحزاب الأغلبية الحكومية يوم 14 ماي 2017 ضد حراك الريف: “القانون لا يسمح بتحول التجمعات إلى أعمال تمس بأمن المواطنين أو تؤدي إلى تخريب أو إحراق الممتلكات العامة و الخاصة… أحزاب الأغلبية ترفض أي محاولة تستهدف الأمن و الاستقرار و مصالح الوطن” [5].

والمثيرة للسخرية حقا هو أن وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي صرَّح لقناة “فوكس نيوز” الأمريكية بأن “الاضطرابات التي تشهدها البلاد مؤخرا لم تكن احتجاجات شعبية، بل ‘مؤامرة إسرائيلية’ نفذتها خلايا مسلحة بهدف جرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة عسكرية مع إيران”! [6]

يبدو إذن أن خطاب المؤامرة والاستهداف الخارجي من طرف الإمبريالية لا مصداقية له، ما دام يُستخدَم من طرف عملاء الإمبريالية ومن طرف من يدعي مناهضته لها على السواء. لكنه يخدم غاية سياسية صرحية: تجريم كل نضال وكل ثورة، وذلك عبر ربطها بالاستهداف الخارجي والمؤامرة، وذلك لقطع الطريق عن التعاطف معها وبالتالي تبرير قمعها.

المعضلة في جوهرها

طرح جلبير الأشقر جوهر المعضلة التي تواجه من يعارض حق الشعوب في الثورة ضد أنظمة تدعي مناهَضة الإمبريالية في كتابه “الشعب يريد”، بالصيغة الصحيحة التالية:

“المشكلة الأولى هي من طبيعة أخلاقية- أيُّ قيمةٍ تُحدِّد الأخرى: مناهضة الإمبريالية أم حقُّ الشعوب؟ لو كنا نعارض الإمبريالية لأنها، بحكم التعريف وبوجه عام، تنتهك حق الشعوب في تقرر المصير، فإننا سوف نساند هذا الحق على سبيل الأولوية، حتى في الحالات الاستثنائية التي تساند فيها الإمبريالية هي الأخرى، ولأسباب انتهازية صرفة، بعض الشعوب في ممارستها لهذا الحق”، ويضيف موضِّحا: “أما لو اعتبَر المرء أن مناهضة الإمبريالية في حد ذاتها هي القيمة العليا، فلن يتردد في تأييد سحق الشعوب المطالِبة بحقها في تقرير مصيرها لمجرد قيام الإمبريالية بتقديم الدعم لها بصورة انتهازية، أو لمجرد اعتباره أن النظام الاستبدادي الذي يَقهر تلك الشعوب ‘مناهضا للإمبريالية’. إنه المنطق البائس القائل إن ‘عدو عودي صديقي’، والمنطق المصاحب له القائل بأن ‘كل من يحظى بصداقة عدوي هو عدوي'”.

“والمشكلة الثانية متصلة بالأولى: يتعلق الأمر هنا بدوافع موقف القوى الإمبريالية. وينبغي أن يكون المرء على درجة قصوى من الفكر التبسيطي في السياسة كي لا يفهم أن “عدو عدوي صديقي” هو أيضا الشعار الذي تسترشد به السياسات الإمبريالية. و’القيم’ الوحيدة التي تدفع تلك السياسات هي القيم التي يجري تبادلها في البورصة. ويشهد كامل تاريخها على ذلك منذ قرن ونصف. وقد أبرزنا بما فيه الكفاية… نفاق القوى الغربية التي تُقْسم ليلَ نهار بالديمقراطية وحقوق الإنسان عموما وحقوق المرأة بوجه خاص، بينما تقيم روابط وثيقة مع النقيض ذاته لذلك كله: المملكة السعودية. ولم يكن موقفها من الأحداث في ليبيا وسورية استثناء لهذه القاعدة”.

يبدو إذن أن معارضي الثورة ضد أنظمة “مناهِضة” للإمبريالية، إنما يقفون إلى جانب معيار شكلي، أي “مناهضة” الإمبريالية، ضد معيار جوهري لا يسقط بالتقادم وهو الحق الحصري للشعوب في أن تقرر مصيرها بنفسها ضد الإمبرياليات وضد أنظمة الاستبداد في بلدانها على السواء.

صوريةُ التناقض الرئيسي والتناقض الأساسي

عادةً ما يرمى في وجه الشعوب التي تسعى للتحرر من أنظمتها المستبدة التي تدعي “مناهضة” الإمبريالية، بحجة أن التناقض الرئيسي حاليا هو مع الإمبريالية، التي تُعتبَر العدوَّ الأكثر شراسة، وهذا يستدعي تأجيل حسم التناقض الأساسي إلى حين التخلص من التناقض الرئيسي.

لن نكتب الكثير عن هذه الحجة. فقد تولَّت الوقائع التاريخية الإجابة عنها. هذه الحجة كانت من إبداعات قادة الثورة الصينية، الذين كانوا يسعون إلى عقد تحالف مع حزب البرجوازية الوطنية: الكيومنتناغ (التي كانت تمثل التناقض الأساسي) لمواجهة الاحتلال الياباني (الذي كان يمثل التناقض الرئيسي). لكن زعيم حزب البرجوازية الوطنية أجاب الشيوعيين الصينيين بجملة مقتضَبة، وهي: “الاحتلال الياباني مرضٌ في الجلد، بينما الشيوعية مرض في القلب” [7]. لذلك فضَّل توجيه أسلحته إلى القوات الشيوعية بدل محاربة اليابانيين.

نفس الشيء يصدق حاليا على الأنظمة التي تدعي “مناهضة” الإمبريالية، وضمنها نظام ملالي إيران: فالولايات المتحدة مجرد مرض في الجلد يمكن المساومة معه والوصول إلى اتفاقات معها، أما الثورة الشعبية فهي مرض في القلب يجب استئصالها.

ليس هناك من دعاية أفضل للإمبريالية من ربط الثورات بها

الإمبريالية هي قوة الثورة المضادة المنظَّمة على المستوى العالمي. ولطالما تدخلت الإمبرياليات (كلها، وليس الأمريكية حصرا) ضد ثورات الشعوب والطبقات العاملة: تدخلات عسكرية وحصارات اقتصادية، واغتيالات). لذلك إن القول بأن الثورة الإيرانية حاليا “محمولة على الدبابات الأمريكية والصهيونية”، إنما يقدِّم أفضل دعاية للإمبريالية بإظهارها بأنها حريصة فعلا على حق الشعوب في الثورة ضد أنظمتها الظالمة. ليس هناك من شيء تكرهه الإمبريالية من رؤية شعب يُسقط نظامه ثوريا، لذلك تتدخل كي تقطع الطريق على ذلك الإسقاط عبر الخداع (الليبرالي المتدثر بحقوق الإنسان) أو عبر القمع المباشر (انقلابات عسكرية واغتيالات… إلخ).

في حين يظهر من يصوِّر ثورات الشعوب على تلك الشاكلة في أعين هذه الشعوب على أنه داعِم للأنظمة التي تضطهدها وتقمعها، على حد تعبير جلبير الأشقر الموفق: “والحال أن أفضل خدمة يستطيع مناهضو الإمبريالية تقديمها لهذه الأخيرة هي إظهار أنهم ليسوا أكثر منها تعلقا بحق الشعوب”. بهذا إنما يُفوَّت أنصار الأنظمة “المناهضة” للإمبريالية التأثير على القوة القادرة فعلا على إسقاط اللإمبريالية في عقر دارها: الشعوب في هذه البلدان ذاتها. فبتصوير الولايات المتَّحدة بأنه داعمة فعلالـ”ثورات الشعوب” إنما يبرِّر ما تصرِّح به حكومة أمريكا لشعبها بأنها فعلا تقوم بتدخلات إنسانية، خصوصا أن الرأي العام لدى الشعب الأمريكي حساس جدا تجاه الديكتاتوريات، وقد برَهن على ذلك أكثر من مرة، وآخرها رفضه للإبادة الجماعية التي قادتها إسرائيل في غزة المدعومة من طرف الإدارة الأمركية.

إن الإمبريالية واقع عالمي موضوعي وسيظل ملازما لنا حتى تتمكن شعوب البلدان الإمبريالية، بتضافر مع ثورات شعوب الجنوب العالمي، من إسقاط أنظمتها الرأسمالية. ودعوة شعوبنا إلى عدم الثورة ضد شعوبها ما دام التدخلات الإمبريالية قائمة، يعني تأجيل الثورة هذه إلى يوم القيامة.

مدى مناهضة الأنظمة للإمبريالية

في مشهد بفيلم “عمر المختار”، قال الممثل الذي أدى شخصية أحد أبناء الأسرة السنوسية قائلا: “… ولكن أسرتي حاربت”، فردَّ عليه أحد المحاربين: “حفاظا على امتيازاتكم!”. إن هذا الحوار القصير أكثر صدقا من كل المدائح التي تلقى في حق الأنظمة التي تدعي حاليا مناهَضتها للإمبريالية.

تناهض الأنظمة المستبدة الإمبريالية ما دامت هذه الأخيرة تغلق في وجهها مساحات التوافق والمساومات الدبلوماسية. كان نظام حافظ الأسد مشاركا في حرب الخليج التي قادتها الولايات المتحدة ضد العراق سنة 1991، بينما رفض ابنه بشار مساندة الحرب الثانية سنة 2003، لأنه أحس بأن احتلال العراق مباشرة سيمكِّن الولايات المتحدة من أوراق مساوَمة أكثر للضغط عليه، وليس حرصا منه على حق الشعب العراقي في النضال ضد الاحتلال ومن أجل حقه في تقرير المصير.

يناهض نظام الملالي بإيران الإمبرياليةَ لأنها تريد أن تفرض عليه شروطا تحجِّم وزنه الإقليمي، ولكنه ساهم إلى جانب الولايات المتحدة في ضبط الساحة العراقية بعد احتلال البلد سنة 2003.

لا يتعق الأمر إذن بمناهضة للإمبريالية كونها نظامَ اضطهاد عالمي لصالح الرأسماليين، بل بمنافحَةِ أنظمة استبدادية رأسمالية من أجل نفوذها الإقليمي في تنافس مع قوى إقليمية أخرى لا تقل استبدادا ورأسماليةً.

ما لا ينتبه إليه رافضو الثورة ضد أنظمة تدَّعي مناهضة الإمبريالية، هو أن تدخُّلات الأخيرة، خصوصا في حالة إيران، إنما تقوِّي عضُد أنظمة الاستبداد في تلك الدولة، ويتغافلون أيضا- أحيانا عن عمد وأخرى عن جهل- عن رأي المعارضين الإيرانيين من التدخلات الأجنبية، وهو ما فصَّله نعوم تشومسكي: ” حذَّر الإصلاحيون الإيرانيون مرارا من أن موقف واشنطن المتعنت يقوي من ساعد أعداء الديمقراطية المتشددين، ويساعد على خلق جوٍّ “قاتل للديمقراطية”. لكن نشر الديمقراطية بالنسبة لواشنطن يأتي في مرتبة دنيا بالمقارنة مع الحاجة إلى معاقبة إيران…” [8].

لا يعني هذا أن الثوريين سيقفون ضد حق النظام الإيراني في مقاومة أي هجوم إمبريالي ضد البلد، أو سيبرر الثوريون أي تدخل إمبريالي تحت أي غطاء كان. فالحرص المبدئي على حق الشعوب في تقرير مصيرها يجعل من رفض ومواجهة التدخلات الإمبريالية مبدأَ الثوريين في أي مكان في العالم. لكن هذا لا يعني بالضرورة أنهم سيُضْفُونَ فضائل أيديولوجية على ذلك النظام المُغرق في الرجعية والقمعية والشوفينية والكاره للنساء، أو رفض حق الشعب الإيراني في الثورة ضد ذلك النظام. فنحن مدركون بأن أفضل طريقة لمناهضة الإمبريالية هو في إسقاط ذلك النظام وإحلال دولة ديمقراطية فعلية محله، دولة تقوم بتسليح الشعب كي يتمكن هو من محاربة الإمبريالية، بمنظور إقليمي وأممي يدمج تحرر مجمل المنطقة، وليس ضمان هيمنة هذه القوة الإقليمية أو تلك.

ميزان القوى كمبرر رفض ثورات الشعوب ضد أنظمتها المناهضة للإمبريالية

في تعليق على صفحة جريدة المناضل- ة على الفايسوك ورد ما يلي: “فعلا هناك خيار ثالث، يرفض الدولة الدينية ويناهض الامبريالية العدو رقم واحد للبشرية. لكن هذا الخيار الثالث يتطلب تنظيما عالميا قويا للقوى الشيوعية بدل أن نكتفي بردود الفعل ومسايرة الفخاخ التي تنصبها لنا الإمبريالية، كما حصل لنا مع سوريا وليبيا والعراق ويوغوسلافيا وغيرها. التجربة بينت بأن مباركة إسقاط أنظمة مناهضة لأمريكا لا يساهم إلا في تقوية الوحش الامريكي وتراجع قوى المقاومة على علاتها وضعف مرجعيتها… يوم نملك تنظيما قويا وقوة كافية، يومها يمكن أن نجارب على جميع الواجهات دون هوادة، وأما ونحن بهذا الضعف فعلينا أن نتواضع في اختيار أهدافنا واولوياتنا”.

مؤدى التعليق: ما دام اليسار ضعيفا ولا يملك قوة منظمة فيجب ألا ينخرط في أي نضال أو ثورة ضد نظام مستبِدٍّ قمعي، بمبرِّر أن هذا النظام “مناهض للإمبريالية”. لكن ما يُغفله هذا الموقف، أن النتيجة انقلبت هنا سببا. فاليسار ضعيف ولا يملك قوة منظمة كفاية لأنه تخلى عن دعم نضال الشعوب ضد الإمبريالية أو فشل فشلا ذريعا في ذلك. هذا الفشل وذاك التخلي يفتح الباب واسعا أمام قوى سياسية أخرى (رجعية في حالتنا الإقليمية) كي تستأثر لحسابها بمناهضة الإمبريالية، والأنكى من ذلك، أنها تُحول ادعاء مناهضة الإمبريالية ذاك إلى مبرِّر دائم لتشديد القبضة القمعية، وبالتالي إعدام أي إمكانية “لبناء تنظيم قوي قوة كافية”… وهذا هو الحاصل في إيران منذ 1979.

ثم إن هذا الموقف أبوي/ احتقاريٌّ حتى النهاية. فهي يضع سقفا سياسيا ويفرضه على الشعوب. فهذه تعيش حياتها اليومية تحت اضطهاد تلك الأنظمة وقمعها. ومطالبتُها بالكف عن النضال والثورة يعني “نُصحها” بأن تُبقي نفسها في حظيرة القمع والاضطهاد. لكن من حسن الحظ أن الشعوب لا تملك نفس تفكير من يرفض الثورة بمبرر أن من سيستفيد منها هو الإمبريالية.

التناقض بين الصفة التقدمية لمناهضة الإمبريالية والصفة الرجعية للأنظمة السياسية

مناهضة الإمبريالية هي واجب كل تقدمي ويساري، وهو حق حصري للشعوب والطبقات العاملة. لكن ما يُغفله (وبالتالي يرفضه) من يطعن في حق الشعوب في الثورة ضد أنظمة تدعي مناهَضة الإمبريالية، هو أن موقفه هذا يرفض منطق التاريخ والمجتمع: الصراع الطبقي. فالأنظمة التي تدعي- حاليا- مناهضة الإمبريالية (وضمنها نظام الملالي الإيراني) أنظمة استبداد رأسمالي. ولأنها كذلك فإن المسألة المبدئية الجوهرية بالنسبة لها هي نفسها القائمة لدى الدول الإمبريالية: ما السبيل لضمان طاعة الشعوب وقبولها للاستغلال؟ ويُحدد هذا طبيعتَها الرجعية، وبالتالي مدى ما تصل إليه نزعتها المناهضة للإمبريالية.

سجَّل تاريخ المنطقة أنظمة “مناهِضة” للإمبريالية تدخَّلت لوأد نضال مناهِض للإمبريالية نابع من أسفل، بكل بساطة لأن هذا الأخير لن يتوقف عند حدِّ مناهضة الإمبريالية، بل سيتعداه لإسقاط المجتمع الرأسمالي الذي تخدمه وتحرسه تلك الأنظمة “المناهضة” للإمبريالية.

يقدِّم كتاب “الصراع الطبقي في مصر”، مثالا نموذجيا عن ذلك: النظام الناصري في موجهة العدوان الصهيوني. حيث وقف نظام جمال عبد النصر ضد التعبئات الجماهيرية وأراد حصر مواجهة الصهيونية في مواجهة عسكرية، وحتى هذه الأخيرة بطريقة لا تؤدي معها إلى إطلاق النضالات الجماهيرية، وكانت خلاصة تقييم الكتاب كالتالي: “القيادة التي كانت تصرفاتها الليومية تخون بشكل دائم الأهداف المعلنة، كانت تضع جديةَ الصراع الناشب وثقة الجنود بهذه القيادة موضع الاتهام وتدمر قتاليتهم وروح التضحية لديهم… وهكذا فإن القوات المصرية، التي كان لها مصالح أساسية تدافع عنها ضد الجيش الصهيوني، ولكنها لم تكن تتسطيع بأية صورة أن تعرب عنها بمبادرات ذاتية، كانت مقودة إلى معركة لا تريد قيادة الجيش والدولة لها فيها أكثر من أن تستخدمها كما تتسخدم قوة عملها في المصنع أو في الحقل- أي كجمهور أعمى ومنقاد من السواعد العاملة” [8].

خاتمة

لا تستقيم مناهَضة الإمبريالية مع رفض حق الشعوب في الثورة، بل يُعتبران وجهان لعملة واحدة. وكل من يرفض حق الشعوب في الثورة ضد أنظمتها الظالمة والقامعة إنما يحد من الإمكانيات الحقيقية لانطلاق نضال ثوري فعلي ضد الإمبريالية، وفي نفس الوقت يُجمِّل وجه هذه الأخيرة بإظهارها بأن الوحيدة الحريصة على حق الشعوب في تقرير مصيرها.

إن كل نضال تحرُّر وطني يجب أن ينتهي ليس فقط إلى الاستقلال عن الإمبريالية، بل إلى التحرر الاجتماعي والاقتصادي للشعب من العامل من ربقة أنظمة الاستبداد والاستغلال الرأسمالي، تماما كما حدث سابقا في روسيا والصين وكوبا وفيتنام. وديمومة سيرورة النضال والثورة هذه إنما تقطَعها أطروحة: تفادي الثورة ضد نظام “يناهض” الإمبريالية.

==========

هوامش

[1]- جلبير الأشقر (2013)، “الشعب يريد، بحث جذري في أسباب الانتفاضة العربية”، ترجمة عمر الشافعي بالتعاون مع الكاتب، دار الساقي، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى

[2] 09-01-2026، https://www.middle-east-online.com/خامنئي-يصف-محتجين-بالعملاء-ويتهمهم-بالسعي-لارضاء-ترامب.

[3]- 02-03-2018، https://www.masrawy.com/news/news_egypt/details/2018/3/2/1274579/مبارك-في-تسريب-صوتي-الثورة-ابتدت-من-2005-وكنت-حاسس-بده-.

[4]- 29-04-2011، https://almasdaronline.com/article/19139.

[5]- 28-05-2018، https://www.pjd.ma/106169-55611.html.

[6]- 15-01-2026، https://www.alalam.ir/news/7384988/عراقجي-مؤامرة-إسرائيلية-حاولت-جرّ-أمريكا-إلى-حرب.

[7]، إغنس سيمدلي (1982)، “الطريق العظيم، حياة تشوده وعصره”، مؤسسة الأبحاث العربية، لبنان، الطبعة الأولى.

[8]- نعوم تشومسكي (2007)، “الدولة الفاشلة، إساءة استعمال القوة والتعدي على الديمقراطية”، ترجمة سامي الكعكي، دار الكتاب العربي، بيروت- لبنان، ص 214.

[9]- “الصراع الطبقي في مصر (أبريل 1971)، من 1945 إلى 1970″، محمود حسين، دار الطليعة- بيروت، الطبعة الأولى ، ص 261- 262

شارك المقالة

اقرأ أيضا