فلسطين، أي استراتيجية من أجل التحرير؟

 إنزو تريسو     Enzo Tresso

المقال منشور في العدد رقم 87 من جريدة المناضل-ة

بعد إبادة جماعية دامت عامين، وخطر خطة ترامب، باتت مسألة الاستراتيجية ملحة بنحو غير مسبوق بالنسبة للحركة الفلسطينية. بينما يمثل الوضع في غزة انعطافا في الموجات الطويلة للنضال الوطني التحرري للشعب الفلسطيني، تقتضي الكارثة الحالية العودة إلى الكنز المفقود من الأفكار الاستراتيجية في اليسار الماركسي العربي في سنوات 1960 و1970 من أجل التقدم بنهج آخر يرسم أفق تحرر وطني واجتماعي حقيقي لفلسطين والمنطقة.

**************

سنخرجُ ،

قلنا : سنخرج من أوِّل البحرِ

بعد قتيلٍ، وخمسةِ جرحى , وخمسِ دقائقْ

وبعد سقوط الطوائف حول اشتباك الحديد المدوِّي مع العائلهْ

سنخرجُ من كل بيت رآنا نُدَمِّر دبابةً قُربَهُ أو علينا

سنخرجُ من كلِّ مترٍ ’ ومن كلِّ يومٍ ، كما يخرج البدوُ منَّا.

سنخرج

محمود درويش، ”سنخرج“، 1986.

” إذا أرادت هذه اللحظة أن يكون لها معنى يتجاوز مجرد البقاء على قيد الحياة، فيجب أن تبدأ بمحاسبة الذات. لا يمكننا أن نحتفظ بغضبنا تجاه القوى الأجنبية بينما نلتزم الصمت تجاه إخفاقاتنا، وافتقارنا إلى الرؤية والقيادة. […] يجب إعادة تعريف المقاومة أيضاً. عندما لا يجلب الكفاح المسلح سوى الدمار للأشخاص أنفسهم الذين يدعي الدفاع عنهم، ينتهي به الأمر إلى خدمة المحتل بدلاً من محاربته. لا يتعلق الأمر بالدعوة إلى التخلي عن الكفاح المسلح، بل بإعطائه هدفاً. يجب أن تخدم المقاومة رؤية سياسية، و ليس أن تستمر كمجرد رد فعل. إن العنف بدون استراتيجية يعزز ادعاء المحتل بـ”الدفاع الشرعي“ ويضعف ادعاءنا؛ فسلطته تستمر بتحويل ’أمنه‘ إلى خضوعنا [1].”

هكذا يبرز الصحفي الغزاوي محمود مشتهى التحديات التي تواجه الحركة الوطنية الفلسطينية بعد عامين من الإبادة الجماعية. الارتياح القلق بعد فترة هدوء – الهدنة التي خرقتها إسرائيل مراراً وتكراراً منذ دخولها حيز التنفيذ – في حرب الإبادة الجماعية، ولكن أيضاً شبح تهديدات جديدة: تهديد استئناف الحرب، بدفع من التحالف اليميني المتطرف الحاكم في إسرائيل؛ وتهديد خطة ترامب الاستعمارية المتطرفة التي تهدف إلى قطع رأس الساحة السياسية الفلسطينية وتحويل قطاع غزة إلى محمية استعمارية تقودها الولايات المتحدة – هذه هي نواياه على أي حال، ويبقى أن نرى ما إذا كان سيفلح في تنفيذها كما هي؛ وأخيراً، خطر بـ«حل» هجين لـ«القضية الفلسطينية» يجمع خطط الإمبريالية ومشروع الضم الاستعماري الإسرائيلي. سيناريو ستشهد فيه غزة، بشكل متسارع، العملية التي تفتك بالضفة الغربية.

ثمة، في مواجهة هذا الخطر، حاجة إلى التساؤل عن حدود استراتيجية القيادات الفلسطينية، بينما تثمل الإبادة الجماعية في غزة بلا شك نهاية أو بداية النهاية – الكابوسية – لدورة سياسية بدأت في عام 1964، ويمثل منعطفاً في الموجات الطويلة للنضال الوطني للشعب الفلسطيني. برغم فشل إسرائيل في بلوغ أهدافها الحربية المعلنة في أعقاب 7 أكتوبر 2023، وعدم ظهور أي بوادر لحل أزمة الدولة الاستعمارية، تشهد الإبادة الجماعية التي تشهدها غزة في الآن ذاته على مأزق البرنامج الاستراتيجي للقيادات، أو على الأقل الرؤية السياسية التي تهيمن على الساحة السياسية الفلسطينية منذ تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1964.

غالباً ما اتخذت القيادات الفلسطينية، في مواجهة دولة استعمارية تحظى بتفوق ساحق في ميزان القوى، خيارات انتهازية ثبت أنها كارثية: فقد فضلت حركة فتح أهون الشرور المتمثل في التفاوض مع الدولة الاستعمارية – وهو ما لم يمنعها قط من السعي إلى خلق ميزان قوى، بما في ذلك على الصعيد العسكري – من أجل الحصول على دولة شبحية، بل وحتى دمية؛ ومن جانبها، راهنت القيادات التاريخية لليسار في منظمة التحرير الفلسطينية على التحالف بين الشارع العربي والفلسطيني ومختلف التعبيرات البرجوازية القومية العربية؛ وأخيراً، فضلت جميع منظمات الحركة الوطنية الفلسطينية التحالف مع أسوأ الأنظمة الرجعية في الشرق الأوسط والشرق الأدنى، بزعم مواجهة الإمبريالية، على حشد جماهير المنطقة.

” يغدو كل شر كبير صغيراً إذا قورن بشر أكبر منه، وهكذا إلى ما لا نهاية”، هذا ما كتب غرامشي في دفاتر السجن، قبل أن يضيف:” لا يتعلق الأمر سوى بالشكل الذي تتخذه عملية التكيف مع حركة تراجع، حيث تسمح قوة فعالة بتطورها في حين أن القوة المضادة لها مصممة على الاستسلام تدريجياً عبر مراحل صغيرة، وليس دفعة واحدة، مما سيساعد، من خلال تكثيف التأثير النفسي، على ظهور قوة منافسة نشطة، أو تعزيزها إذا كانت موجودة [2“.

إذا كان توقيع اتفاقيات أوسلو بين ياسر عرفات وحكومة رابين-بيريز، الذي شكل استسلامًا حقيقيًا لقيادة حركة فتح، قد «كثف» «تأثيرًا نفسيًا» من هذا النوع وسمح لقوى سياسية جديدة، تشكلت في سنوات 1980، سواء حركة حماس أو حركة الجهاد الإسلامي، فإن هذه التشكيلات البرجوازية الإسلاموية، رغم إعادة صياغة مشروع التحرير الفلسطيني بلغة لاهوت سياسي سني رجعي، لم تقطع بأي شكل  مع التوجه الاستراتيجي لمنظمة التحرير الفلسطينية. إذا كانت هذه التيارات، التي ظهرت في غزة بين أواخر سنوات 1970 و1980، تمكنت من الصمود في وجه الهجوم العنيف غير المسبوق الذي شنته إسرائيل بعد هجمات 7 أكتوبر، فإن حجم الكارثة الحالية يدعو إلى تقييم هذه الدورة السياسية والعودة إلى الكنز المفقود من الأفكار والمناقشات الاستراتيجية المكثفة التي دارت في سنوات 1960 و1970 داخل اليسار العربي والفلسطيني للتفكير في إمكانية نهج آخر يرسم أفق تحرر حقيقي، وطني واجتماعي، لفلسطين والمنطقة.

فشل فتح وخيانة البرجوازية الفلسطينية

من بين القيادات الفلسطينية التي ظهرت بعد إنشاء دولة إسرائيل في عام 1948، سرعان ما فرضت حركة فتح، التي تأسست في عام 1957، نفسها قوةً قيادية للحركة، حتى سيطرت على منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1969. وقد اعتمدت حركة فتح خطابا وطنيا دون أي تحديد اجتماعي، ودعت في البداية إلى استعادة كامل فلسطين التاريخية بالكفاح المسلح. وقد ظهرت حدود استراتيجية حركة فتح منذ أول اختبار كبير للحركة الفلسطينية.

وبالمفارقة، تعززت منظمة التحرير الفلسطينية بفشل الناصرية في حرب الأيام الستة التي شهدت هزيمة الجيوش العربية، وحفزها، على العكس، معركة الكرامة – انتصار القوات الفلسطينية على الجيش الإسرائيلي في عام 1968 – فهيكلت وجودها في الأردن، حيث كان زهاء نصف السكان، في الستينيات من الفلسطينيين المرحلين من أراضيهم بعد النكبة وإنشاء دولة إسرائيل. اعتقد عرفات أن تعايش المنظمات الفلسطينية والملكية الهاشمية الرجعية، المرتبطة عضوياً بالإمبريالية الأمريكية والقريبة من إسرائيل، أمر ممكن. في حين ترى المنظمات اليسارية أن حالة “شبه ازدواجية سلطة [3]”قائمة  في عمّان، وأن الحركة الوطنية الفلسطينية تحظى بدعم الطبقات الشعبية الأردنية، وأن هناك روابط بين حركات حرب الغوار والقطاعات المنظمة في عالم العمل في الأردن، لم تنتقل منظمة التحرير الفلسطينية إلى المرحلة العليا من الهجوم [4]. في المقابل، استعاد نظام حسين الملكي زمام المبادرة وقام تدريجياً بسحق معاقل الفدائيين لطردهم من البلد: كانت تلك بداية “أيلول الأسود”.

بعد هذا الفشل ونقل القيادات الفلسطينية إلى لبنان، تخلت حركة فتح عن فكرة تحرير فلسطين التاريخية بأكملها لتدافع عن تكتيك «الدولة الصغيرة» في عام 1973. وكما يشرح صلاح خلاف، الذي كان آنذاك عضوًا في قيادة الحركة:” أصبح جليا جدًا أن الثورة الفلسطينية لا يمكنها الاعتماد على أي دولة عربية لتوفر لها ملاذًا آمنًا أو قاعدة عمليات ضد إسرائيل. وكي نمضي قدمًا نحو المجتمع الديمقراطي والمتعدد الأديان الذي نرغب فيه، كنا بحاجة إلى دولتنا الخاصة، حتى لو كانت على مساحة متر مربع واحد من الأراضي الفلسطينية [5]”. ثم انضمت فتح إلى فكرة التفاوض مع إسرائيل، تحت رعاية الولايات المتحدة، في إطار برنامج العشرة نقاط لعام 1974 ثم حل الدولتين [6]، بعد أن غرقت منظمة التحرير الفلسطينية في حروب لبنان ثم نفيها، اعتبارًا من عام 1983.

وقد حافظت حركة فتح منذ إنشائها على علاقاتها مع الملكية السعودية الرجعية، برغم تقلبات وتوترات متعددة، وهي مرتبطة بفصيلين من البرجوازية الفلسطينية. من ناحية، بكبار الرأسماليين في الشتات، المنفيين بسبب النكبة أو النكسة، وهي الهجرة القسرية لأكثر من 300 ألف فلسطيني على يد إسرائيل إبان حرب الأيام الستة في عام 1967. هؤلاء الرأسماليون، الذين جمعوا قدراً لا يستهان به من رأس المال في الخليج، شعروا بالحاجة إلى دولة، حتى لو كانت وهمية، لحماية أرباحهم، وتوطين استثماراتهم، والاستفادة من رؤوس الأموال الأجنبية، ولا سيما الأمريكية [7]. وإلى جانب هذه الفئة المغتربة، حظيت منظمة التحرير الفلسطينية بدعم البرجوازية الفلسطينية التي بقيت في الأراضي المحتلة.

ومع احتلال الضفة الغربية في عام 1967، حولت إسرائيل تدريجياً الأراضي المحتلة إلى سوق تصريف طوال سنوات 1970 و1980: فبينما أدت مصادرة الأراضي وتقدم الاستيطان إلى انخفاض الإنتاج الزراعي المحلي، غمرت إسرائيل الأراضي المحتلة بالسلع المنتجة من الجانب الآخر من خط التماس، ما أدى إلى شلّ التنمية الصناعية المحلية [8]. في ظل هذه الظروف، أدى الاحتلال إلى ظهور طبقة من الرأسماليين الذين عملوا وسطاء لتوزيع المنتجات الإسرائيلية، أو الذين تم دمج إنتاجهم الصناعي، المحدود بورش صغيرة، في الاقتصاد الإسرائيلي، لأغراض التعاقد من الباطن [9]. من ناحية أخرى، اعتمدت إسرائيل على سلسلة من الوسطاء في الضفة الغربية لتزويدها بيد عاملة فلسطينية رخيصة: كان ثلث سكان الضفة الغربية يعملون في إسرائيل في عام 1985. وأسفرت هذا العملية المعقدة عن تعزيز الروابط بين البرجوازية المحلية والسلطات الاستعمارية.

وهكذا، رأت هاتان الفئتان من البرجوازية، المحلية والمغتربة، المقربتان من منظمة التحرير الفلسطينية، أن حل الدولتين يمثل فرصة سانحة. أدت المفاوضات، تحت رعاية حركة فتح، إلى استسلام تام تمثل في اتفاقيات أوسلو عام 1993: مقابل حكم ذاتي زائف، استسلمت حركة فتح لمعظم الشروط الإسرائيلية وقبلت اتفاقاً مؤقتاً [10]. أما المفاوضات النهائية المنصوص عليها في الاتفاقات، فلم تجر أبداً، إذ سرعت إسرائيل وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية، تحت ستار الحكم الذاتي الفلسطيني المزعوم، في حين قبلت السلطة الفلسطينية بدور الشرطة الاحتياطية في خدمة المستعمر. وفي الوقت الذي تمر فيه السلطة الفلسطينية اليوم بأزمة عميقة للغاية، وتحرمها إسرائيل من الضرائب التي تجمعها لها، وهي أداة أساسية في سياستها العميلة [11]، تحاول السلطة الفلسطينية إنقاذ نفسها بالمشاركة في الغزوات الإسرائيلية للضفة الغربية، كما في جنين عام 2024، وقبول خطة ترامب الاستعمارية المتطرفة لغزة.

وهكذا استفادت الطبقات الحاكمة الفلسطينية بشكل كبير من هذا الاتفاق، حتى لو كان ذلك على حساب تحطيم المشروع الوطني الفلسطيني: تدفقت الأموال من الرأسماليين الفلسطينيين في الخليج إلى الضفة الغربية وغزة، بينما وضعت السلطة الفلسطينية نفسها طواعية تحت الوصاية المالية والاقتصادية للدولة الإسرائيلية، بعد أن قامت بتحرير جزء من النظام المصرفي، الذي تسيطر عليه في الغالب بنوك الملكيات الخليجية، للسماح بإثقال كاهل السكان بالديون [12].

اليسار الفلسطيني، بديل لعرفات؟

في مواجهة هذا التوجه البرجوازي، الذي فضل مصالح الطبقات البرجوازية الفلسطينية المغتربة على مصالح الطبقات الشعبية والشغيلة الذين يعيشون تحت نير الاستعمار الإسرائيلي، أثبت اليسار الفلسطيني عجزه عن تقديم بديل مناسب، على الرغم من أنه دافع لفترة طويلة عن منظور آخر غير حل الدولتين. اتجهت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، التي تأسست في 1967، نحو نسخة عالم ثالثية وماوية من الماركسية واعتمدت استراتيجية “حرب الشعب طويلة الأمد”  للتفكير في أهداف التحرر الوطني. دافعت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عن هذه الاستراتيجية في مؤتمرها الثاني في عام 1969 [13].

في جوهرها، ليست مختلف أشكال ”الحرب الشعبية التحررية“ التي أراد اليسار الفلسطيني خوضها من خلال شن غارات كوماندو على الأراضي الإسرائيلية، أو عمليات عسكرية خارجية ضد المصالح الإمبريالية، أو حتى مقاومة الهجمات المختلفة التي شنها الجيش الإسرائيلي ضد مواقعه، في لبنان بوجه خاص، في سنوات1970 و1980 ، سوى ترجمة عسكرية للمنطق الستاليني للجبهات الشعبية والوطنية في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة، وا مؤداها بأن دور البروليتاريا هو أن تكون قوة مساعدة للبرجوازية، أو أن تتوقع الحصول على دعمها، دون اتباع سياسة مستقلة [14]. من الناحية السياسية، تعتبر هذه الاستراتيجية أن التناقض بين البرجوازية الوطنية والبرجوازية الإمبريالية أقوى بكثير من التناقض بين البرجوازية الوطنية والبروليتاريا. إنها استراتيجية تعاون طبقي ترتبط في نهاية المطاف بنظرية التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي، كما طورها ماو تسي تونغ، وتبعه في ذلك العديد من الماركسيين العالم ثالثيين [15].

وبرغم أن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كانت دائماً على خلاف مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وداخلها مع فتح بقيادة ياسر عرفات، بقيت، في معظم الأحيان، في حضنها، مضحية باستقلاليتها تجاه القيادات البرجوازية التي تترأسها. حتى عندما كانت سياسة الاستسلام التي ينتهجها جناح منظمة التحرير الفلسطينية اليميني تعرض نضال الشعب الفلسطيني للخطر، كما حدث في أيلول الأسود، حاولت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حل المشكلة الاستراتيجية المتمثلة في التعاون الطبقي دون أن تنفصل أبدًا عن منطق جبهة شعبية «يسارية» فلسطينية أو مع فصائل أخرى من البرجوازية العربية أو الأنظمة ”التقدمية“ في المنطقة، سواء في العراق أو سوريا. في مؤتمرها الثالث في عام 1972، حيث استخلصت الجبهة دروساً من تجربة الهزيمة في الأردن، رفضت صراحةً القطع مع فتحبقول:” الجناح اليميني للمقاومة وطني؛ وبالتالي يجب أن نحاول إبقائه داخل الجبهة الوطنية. إن انتزاع القيادة من اليمين المقاوم يجب ألا يؤدي إلى فقدان جزء من القوى الوطنية الذي لا يزال له، برغم عجزه على قيادة النضال من أجل التحرير، دور يؤديه في الثورة الوطنية الديمقراطية [16]. »

وقد حالت هذه الاستراتيجية دون توطيد جناح ماركسي يمثل بديلاً حقيقياً لقيادة فتح والتشكيلات البرجوازية. كما أنها أدت اليوم إلى تكيف اليسار الفلسطيني مع حل الدولتين. في حين كانت ترفض إنشاء أي كيان فلسطيني يمارس سيطرة جزئية على فلسطين، وتعارض بشدة اتفاقات أوسلو، أصبحت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تعتبر في مؤتمرها السادس عام 2000 أن ”إعلان استقلال دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة منذ عام 1967 هو وسيلة لمواصلة النضال ضد سياسات الاحتلال. إنه حل انتقالي من أجل […] إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية [17]“. أما الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، التي انشقت يسارا عن الجبهة الشعبية في عام 1968، فقد “قامت، اعتبارًا من عام 1974، بتعديل برنامجها السياسي والأيديولوجي، منتقلة من الدعوة إلى العمل ضد الأنظمة العربية إلى موقف المصالحة؛ ومن الدعوة إلى نضال تقوده حركة شيوعية عربية شاملة إلى الدفاع عن نضال فلسطيني حصريًا [18]”، كما يلاحظ الاقتصادي الفلسطيني عادل سمارة. ويخلص حيدر عيد، الأكاديمي الغزاوي، إلى ما يلي بشأن اليسار الفلسطيني:” قبلت هذه المنظمات شرعية سياسة اليمين، ما أدى إلى تحويل فلسطين إلى بانتوستان. من الناحية النظرية، لم يحسن اليسار الفلسطيني الستاليني نظريته بشأن الوضع القائم والقضية الفلسطينية [19]».

من ناحية أخرى، استندت استراتيجية التعاون الطبقي هذه أيضًا إلى تحالف – لم يكن خاليًا من التناقضات والتوترات والانقسامات – مع الأنظمة ”التقدمية“ في المنطقة، بدءًا من العراق وسوريا البعثيتين اللتين انقلبتا بانتظام على الحركة الفلسطينية، واستخدمتاها ورقة مساومة وأداة ضغط، داخليًا وإزاء الكتلة الغربية والكتلة السوفياتية، حتى نهاية سنوات 1980. وبالتالي، اعتبرت أن نظام حافظ الأسد في سوريا يمكن أن يمثل حليفاً في مواجهة الإمبريالية الأمريكية [20] مع علمها بالدور الرجعي الذي أدته القوات السورية بين عامي 1974 و1976 ضد اليسار اللبناني والأحزاب الفلسطينية، عادت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إلى الانضمام إلى دمشق في سنوات 1980 [21]. ضعفت الحركة عسكرياً إبان الحرب الأهلية اللبنانية، وضعفت سياسياً مع زوال الكتلة السوفياتية، وضعفت حتى بالنسبة لقاعدتها الشعبية بسبب تنازلاتها للأنظمة العربية مثل سوريا والعراق أو ليبيا، التي لم تقدم أبدًا أي أفق تقدمي في المنطقة، وجد اليسار الفلسطيني بشكل عام والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بشكل خاص نفسه مهمشًا تدريجيًا لعدم قدرته على تمثيل بديل بعد استسلام فتح بعد أوسلو.

حركة حماس، قطيعة زائفة مع خيانات الماضي

في مواجهة استسلام فتح التام ومأزق اليسار الفلسطيني، سرعان ما ظهرت قوى سياسية أخرى، في أعقاب الانتفاضة الأولى (1987-1991)، وتراجع مواقف الحركة العمالية على الصعيد العالمي، المرتبط بتفكك الاتحاد السوفيتي والهجوم المضاد النيوليبرالي المصاحب له، ولكن أيضًا كرد فعل على اتفاقات أوسلو التي سرعان ما أظهرت حدودها بالنسبة للفلسطينيين، بما في ذلك أكثر المؤيدين براغماتية لاستراتيجية الخطوات الصغيرة. من بين هذه المنظمات، فرضت حركة حماس نفسها قوةً سياسية فلسطينية رئيسية بعد تأسيسها في عام 1987. كانت حركة حماس في الأصل مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، التي كانت تدافع عن موقف غير سياسي وتعتبر أن أسلمة المجتمع أهم من النضال من أجل التحرر الوطني، لكنها استقلت عن رعايتها الأولية في الوقت الذي بدأت فيه تشكيلات إسلامية أخرى في الظهور. واستغلت حركة حماس فشل اتفاق أوسلو لتحل محل المنظمات اليسارية الفلسطينية في مخيمات اللاجئين ببناء شبكة للمساعدة وتقديم الخدمات للأشد فقراً. وقد نجحت في الفوز بالانتخابات في غزة عام 2006 وإحباط محاولة انقلاب نظمتها واشنطن وأنصار عرفات لعرقلة طريقها، وذلك من بإدانتها للإهمال والفساد وإثراء البيروقراطيين في السلطة الوطنية الفلسطينية المرتبطين بحركة فتح.

ومع ذلك، ستحتفظ حماس، في جوهرها، بنفس البرنامج الاستراتيجي الذي تتبعه منظمة التحرير الفلسطينية. ورغم أن المنظمة لم تتخل عن الكفاح المسلح، مثل فتح، فإنها تدافع في نهاية المطاف عن برنامج برجوازي بنفس القدر، حيث تمت الاستعاضة عن الإشارات التقدمية إلى الاشتراكية والتحرر بجهاز أيديولوجي يدعو إلى الإسلام المتشدد في صورته الرجعية. تناضل حماس من أجل بناء”دولة مدنية تحت التوجيه الإسلامي“. هذا  بينما تبدي غموضاً بشأن تعريف الأراضي التي تريد تحريرها [22]. إذا كانت تدافع حتى عام 2017 عن استعادة كامل فلسطين التاريخية، فإنها تعتبر الآن إنشاء دولة ضمن حدود عام 1967 هدفها الرئيسي. وتتمثل استراتيجيتها، التي لم تتغير منذ صياغة خطة تم التفاوض عليها مع إسرائيل في عام 2006، في الحصول على هدنة دائمة مقابل انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، ما سيسمح للحركة بالتعايش مع الدولة الإسرائيلية دون الاعتراف بها رسميًا، وفرض فعلي لحل الدولتين . وكما يشير نيكولا دوت-بويار Nicolas Dot-Pouillard ، ”لا يزال مفهوم “الهدنة”، شأنه شأن المفاوضات السرية التي تجريها حماس مع السلطات الإسرائيلية بشأن قطاع غزة، يسمح لها بتثبيت حدود عام 1967، دون الاعتراف بإسرائيل والحفاظ على بُعد طوباوي: تحرير ”كل فلسطين“.

وقد أتاحت أيضا هذه الرغبة في التفاوض لحماس الاستفادة من الدعم التكتيكي لدولة إسرائيل نفسها، التي سهلت بعض عمليات تحويل الأموال إلى المنظمة من أجل إضعاف فتح مع منع عودة ظهور القوى اليسارية. وهي استراتيجية أعادت إسرائيل تفعيلها ضد حماس إبان الإبادة الجماعية في غزة بتمويل وتسليح وحماية ميليشيات وجماعات إجرامية مرتبطة بشكل خاص بتنظيم الدولة الإسلامية في سيناء وبالقاعدة، لنهب قوافل المساعدات الغذائية القليلة وللعمل كقوات مساعدة في حصار غزة، بقيادة العديد من زعماء العصابات مثل أبو شباب، الذي قُتل على يد أحد أفراد عشيرته قبل بضعة أيام.

إذا كانت أيديولوجيتها السياسية مستوحاة من ”الديمقراطية الإسلامية“ التي وضعها حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1929، ومن الثلاثي الكلاسيكي للسياسة السنية – الشورى  والإجماع والاجتهاد– إلا أن حماس قامت بتغريبها [23]: فالحركة تعتبر أن الشعب هو الممثل الوحيد لله على الأرض وأن أي سلطة لا تكون شرعية إلا إذا “استشارته“، أي أجرت انتخابات. بالنسبة للحركة، يجب أن تحظى قراراتها بـ”الإجماع“ وبالتالي أن تُعتمد بالأغلبية. إذا كان على الشعب أن يطيع القانون الإلهي، فإنه يتمتع مع ذلك بقدر من الحرية في ”الاجتهاد“، والتي تتجلى في العمل البرلماني والتمثيلي. من الناحية السياسية، تريد حماس بناء شكل من أشكال الديمقراطية البرجوازية من خلال ربطها بالمدونة الأخلاقية للاسلام المتشدد وجوانبه الرجعية، لا سيما فيما يتعلق بالنساء والأقليات. وقد صرح إسماعيل هنية، الذي اغتالته إسرائيل مؤخراً في طهران، بشكل رمزي في عام 2006، أنه يعتبر أن دستور الولايات المتحدة قريب جداً من المثل الإسلامية [24] وأن إجراءات عزل الرئيس الأمريكي (impeachment) هي اختراع رائع.

تحكم حماس بالجمع بين سياسات المساعدة الاجتماعية والأشغال العامة، ما يوفر دخلاً لجيش العاطلين عن العمل في غزة (المحرومين في إسرائيل من الوصول إلى سوق العمل) من خلال بناء الأنفاق، الممولة من الاستثمار الخاص، والمخصصة لتجاوز الحصار الاستعماري الذي فرضته إسرائيل وشريكتها مصر على غزة منذ عام 2006. وبذلك، عززت حماس شكلاً مشوهاً للغاية من الرأسمالية في القطاع. في عام 2011، كانت اقتصاد الأنفاق السبب الرئيسي لطفرة اقتصادية شهدت ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي للقطاع بنسبة 28٪ في ستة أشهر [25]. ولكن في مواجهة الغضب الاجتماعي الذي كان يتفجر من حين لآخر، تميزت الحركة أيضًا بقمع الإضرابات والتحركات الشعبية، كما في عام 2019، ومحاربة أي تعبير شعبي قد يتجاوزها بشكل منهجي.

7 أكتوبر والأولوية الكارثية للجيش على السياسة

إلى جانب هذا التوجه السياسي البرجوازي، الذي يندرج في إطار استمرار حل الدولتين، دفعت حماس، ببدء هجمات 7 أكتوبر، التناقضات والحدود الاستراتيجية التي هيمنت على الساحة السياسية الفلسطينية إلى ذروتها. بهذا الهجوم، حددت حماس لنفسها هدفين: أولاً، إنهاء دينامية التطبيع بين إسرائيل والدول المجاورة؛ ثانياً، كسب الشعبية، لا سيما في الضفة الغربية، باستعراض القوة لإجبار حركة فتح على قبول اتفاق حكومة وطنية وإجراء انتخابات جديدة، ربما من أجل تولي قيادة السلطة. كان هذا الهدف في نهاية المطاف هدفاً براغماتياً وإصلاحياً للغاية سعت الحركة إلى تحقيقه بشن عملية واسعة النطاق لم تميز بين الأهداف العسكرية والمدنية، وارتكبت مجازر واعتداءات عديدة ضد غير المقاتلين. وقد أظهر الرد الإسرائيلي الذي اتسم بعنف إبادة جماعية لم يسبق له مثيل منذ النكبة في 1947-1949، بدوره، فشل هذه الاستراتيجية.

اعتمدت حماس استراتيجية حرب الغوار، مستوحاة جزئياً مما دافعت عنه المنظمات العسكرية الفلسطينية في سنوات 1960 و1970. وهكذا، في إشارة إلى الجنرال جياب، زعيم المقاومة الفيتنامية ضد الاستعمار الفرنسي والإمبريالية الأمريكية، أوضح إسماعيل هنية في عام 2016 أن “تقوم الحركة ببناء أنفاق ستتجاوز حجمها ضعف ما بنى الفيتناميون وستقودنا إلى القدس والتحرير [26]”. انتهت الحركةن على غرار أسلافها، إلى إعطاء أولوية ضارة للعمل العسكري على حساب التدخل السياسي. تتجلى هذه النزعة بشكل أكثر وضوحًا في برنامج حركة الجهاد الإسلامي، وهو تيار وطني إسلامي متشدد، منافس في الوقت نفسه منافس لحماس وحليف لها، كما أوضح أمينه العام رمضان شلح بقول:” لا تهتم حركة الجهاد الإسلامي بالحلول والبدائل المقترحة، حل الدولتين مقابل حل الدولة الواحدة. الشيء الوحيد الذي سيؤدي إلى التغيير هو الحفاظ على الضغط العسكري على إسرائيل حتى يحدث تغيير […] يمكن أن يسمح بظهور معايير جديدة [27]”.

في كتابه الأخير، يعطي جلبير الأشقر مثالاً واضحاً على كيفية منع هذا البرنامج ظهور حركة جماهيرية، كما حدث في مايو 2021 ” عندما أدى عمل الحركة إلى إحباط ”انتفاضة الوحدة“ التي بدأت للتو في القدس في السادس من هذا الشهر وانتشرت بسرعة إلى الضفة الغربية وحتى إلى المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل خلال الأيام التالية. [بعد توجيه إنذار نهائي إلى إسرائيل، في 10 مايو]، في نفس المساء، بدأت حماس والجهاد الإسلامي بإطلاق الصواريخ على الأراضي الإسرائيلية. كان رد إسرائيل سريعًا ووحشيًا. وبشكل أكثر تحديدًا، أدى هذا العمل إلى إحباط الانتفاضة الناشئة وإضعاف عزيمة الشباب الفلسطيني الذي أطلقها [28]. باستعمال التفجيرات الانتحارية والهجمات ضد المدنيين، تشكل استراتيجية حماس في الواقع عائقاً أمام تعبئة الجماهير وتنظيمها الذاتي، في وضع يكون تدخلها فيه عاملاً حاسماً لمواجهة دولة قوية مثل إسرائيل، مدعومة مالياً وعسكرياً من قبل كل الإمبريالية الغربية.

من ناحية أخرى، وبما أن الأسباب نفسها تنتج النتائج نفسها، دفعت هذه الاستراتيجية الحركة، كما هو الحال مع المنظمات الأخرى، إلى التحالف مع أسوأ الأنظمة في المنطقة، وحرمان نفسها من الدعم الحاسم للجماهير العربية والشرق أوسطية. وهكذا اقتربت حماس من قطر وتركيا، وقبل كل شيء من إيران التي أصبحت الداعم الأجنبي الرئيسي للحركات الفلسطينية، في إطار استراتيجيتها المتمثلة في “الدفاع المتقدم [29]”. كان هدف إيران ولا يزال متمثلا في توطيد شبكة من الميليشيات قادرة على حماية مصالحها. وراء الخطاب “المناهضة للغرب” ذي النبرة المعادية للإمبريالية التي يطلقها النظام، تخدم شبكة التحالفات هذه في المقام الأول استراتيجية برجوازية تهدف بشكل أساسي إلى ثني الولايات المتحدة وإسرائيل عن شن هجمات على برنامجها النووي، مع السيطرة على ظهور حركات جماهيرية معادية للإمبريالية قد تنقلب على النظام نفسه وحلفائه وكبحها.

في الواقع، لم يكن هناك أي حديث عن حشدها للدفاع عن الشعب الفلسطيني، بل على الأكثر لتعزيز خطاب النظام المعادي لإسرائيل، بين شعبه وفي المنطقة.

وتشهد هجمات 7 أكتوبر على أوهام قيادات الحركة الفلسطينية فيما يتعلق بدعائمها الإقليمية، في حين راهنت الحركة على أن حزب الله أو النظام الإيراني سيدخلان على الفور في الصراع: لم تتدخل إيران، مشغولة بحماية مصالحها الخاصة التي لا علاقة لها بمصالح الشعب الفلسطيني. وحتى مع بقاء إيران على هامش الصراع، فقد تم إضعاف شبكة ميليشياتها بسهولة من قبل إسرائيل، سواء في لبنان أو اليمن أو العراق، وبالطبع مع الإطاحة بالأسد في سوريا، وأصبح النظام اليوم في وضع ضعيف للغاية. حاول حزب الله تجنب المواجهة بأي ثمن حتى هاجمت إسرائيل لبنان بوحشية وقطعت رأس قيادته السياسية والعسكرية. أما نظام بشار الأسد المتعفن، فقد ظل صامداً قبل أن ينهار تحت وطأة تناقضاته، بعد أن أضعفته الهجمات الإسرائيلية المتكررة منذ بداية الإبادة الجماعية.

كما في الماضي، منذ سنوات 1960، استمرت القيادات الفلسطينية التحالف، أو إقامة تحالفات جديدة، مع هذه الأنظمة، ما أدى إلى التضحية باستقلالها وفقدان أهم ورقة سياسية لها: الجماهير العربية وجماهير المنطقة. عززت هذه القيادات، بسماحها للأنظمة باستخدام القضية الفلسطينية لتعزيز مصالحها في الوقت الذي تقمع فيه بضراوة عالم العمل والطبقات الشعبية التي تعيش تحت نيرها، تلك الأنظمة وحرمت نفسها في الآن ذاته من القوى الاجتماعية الأكثر تأييداً للفلسطينيين في المنطقة. وقد اعتمدت القيادات الفلسطينية على هذه الأنظمة الرجعية لتمويل عملياتها العسكرية وأجهزتها، وحافظت على مبدأ ”عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية“ الذي منعها من حشد العمال والطبقات الشعبية في المنطقة، كما حدث خلال الربيع العربي، حيث دعمت حماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين النظام السوري، بينما شاركت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة بشكل مباشر في عمليات الجيش السوري، وهو دعم حاولت حماس إخفاءه من خلال شن حملة دعائية نشطة للغاية إزاء مصر والحركات الإسلامية في المنطقة المغاربية.

“الكنز المفقود” للماركسية العربية

في مواجهة فظاعة الوضع في غزة، من الضروري أكثر من أي وقت مضى إظهار إمكان استراتيجية أخرى للتحرير. وهذه مهمة تتطلب العودة إلى المناقشات الاستراتيجية في سنوات 1960 و1970، التي تشكل ”الكنز المفقود“ الحقيقي للسياسة الفلسطينية. بعد حرب الأيام الستة وهزيمة الناصرية، أدت انهيار القومية العربية إلى نوع من «الصدمة المعرفية” [30]، ما مهد طريق إعادة تشكيل كبيرة للمشهد السياسي الفلسطيني وظهور ماركسية ذات نزعة معادية للستالينية في بعض الأحيان، كانت تحمل في طياتها وعداً بوجهة نظر استراتيجية أخرى. من هذا المرجع، تبرز ثلاثة مبادئ أساسية، لها أهمية جوهرية في النقاش الاستراتيجي حول مستقبل النضال الوطني الفلسطيني من أجل التحرير.

أولاً، اليقين الحاسم بأنه من المستحيل ترك النضال من أجل تقرير المصير في أيدي البرجوازية. إذا كان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قد استخلصت هذه النتيجة بالفعل بعد أيلول الأسود، في أوائل السبعينيات، مع مواصلة الدعوة إلى تحالف إشكالي مع القيادات البرجوازية، في شكل «جبهة شعبية يسارية» افتراضية، فإن نصوص الماركسي اللبناني مهدي عامل، المستوحاة من فانون، هي التي تؤكد هذه اليقين بأقوى صورة. واعتبارًا منه أن البرجوازية الكولونيالية في “نمط الإنتاج الكولونيالي ” مرتبطة بشكل كبير بالإمبريالية أو بالقوى الاستعمارية، لاحظ عامل أنه “من المستحيل أن تؤدي البرجوازية الكولونيالية دوراً نشطاً، كطبقة مستقلة، [لأنها] ليست طبقة متميزة إلا بفضل وظيفتها التمثيلية. وهي طبقة فقط بقدر ما تمثل طبقة أخرى [31]. لا يمكن، في ظل هذه الظروف، أن يكون التحرر الوطني سوى “صراع طبقي في شكله الكولونيالي [32]”، وهو ما يفترض الحفاظ على الاستقلال السياسي والتنظيمي عن القيادات البرجوازية للحركة. استقلال سياسي يجب أن يسود أيضًا – المبدأ الثاني – عندما يتعلق الأمر بالأنظمة العربية الرجعية.

في ذلك الوقت، دفعت كتابات الماركسي المصري أنور عبد الملك، ولا سيما كتابه الهام «مصر: مجتمع عسكري» الذي قدم نقدًا ماركسيًا للناصرية [33]، مجموعة كاملة من النشطاء إلى استنتاج أن أنظمة المنطقة غير قادرة على دعم نضالات العمال والشعب في الشرق الأدنى والأوسط. وقد دافع نشطاء الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين عن هذا الدرس، قبل أن يتخذوا منعطفاً يمينياً حاداً في عام 1974، في نص سياسي صاغوه عند انفصالهم عن الجبهة الشعبية في أغسطس 1968:”يطلق الفلسطينيون الرجعيون شعار ”عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية“. وقد تقبلت جميع مجموعات حركة المقاومة، بما في ذلك الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، هذا الشعار الديماغوجي والرجعي الذي فسرته على أنه ”عدم التدخل في مواقف الدول العربية تجاه القضية الفلسطينية“. […] لا يتعين على حركة المقاومة بالضرورة أن تحل محل حركة التحرر في هذه البلدان العربية، ولكن عليها مسؤولية انتقاد مواقف الحكومات العربية بشأن القضية الفلسطينية [34]”.

ولكن مناضلي ماتسبن، وهي منظمة صغيرة لم تبلغ أبدًا النفوذ الجماهيري الذي حظيت به منظمات اليسار الفلسطيني، والتروتسكي الفلسطيني جبرا نيقولا، هم من أضفى راديكالية على هذه الفكرة:” يخوض الشعب الفلسطيني معركة ضد الصهيونية، المدعومة من الإمبريالية؛ ومن الخلف، تهدده الأنظمة العربية والرجعية العربية، المدعومة هي الأخرى من الإمبريالية. وطالما أن للإمبريالية مصلحة حقيقية في الشرق الأوسط، فمن غير المرجح أن تسحب دعمها للصهيونية، حليفتها الطبيعية، وتسمح بإسقاطها؛ بل ستدافع عنها حتى آخر قطرة من النفط العربي. من ناحية أخرى، لا يمكن كسر المصالح والهيمنة الإمبريالية في المنطقة دون إطاحة شركاء الاستغلال الإمبريالي الأصغر، أي الطبقات الحاكمة في العالم العربي. والاستنتاج الذي يجب استخلاصه ليس أن على الشعب الفلسطيني أن ينتظر بهدوء حتى تتم إطاحة الهيمنة الإمبريالية في المنطقة بأسرها، بل أن عليه أن يحشد حوله نضالاً أوسع من أجل التحرر السياسي والاجتماعي للشرق الأوسط بأسره [35]”. بتبني هذه المنظور الطبقي، دافع مناضلو ماتسبن عن استقلالية الحركة الفلسطينية عن البرجوازية من جميع الأطياف والأنظمة العربية. كما اعتبروا أن المنظور الطبقي يجب أن يأخذ في الاعتبار بالضرورة شروط انفصال جزء من عالم العمل في إسرائيل عن الصهيونية وبرجوازيتها، وهو مبدأ ثالث ينطوي على التشكيك في أساليب القيادات الفلسطينية الأخرى ويوضح التحديات الحالية التي تواجه الحركة الفلسطينية.

إذا كان مناضلو ماتسبن يدعمون دون قيد أو شرط حق الفلسطينيين في المقاومة بكل الوسائل المتاحة لهم، فإنهم ينتقدون بشدة الأعمال المسلحة للمنظمات السياسية والعسكرية الفلسطينية عندما تخضع فقط لمنطق عسكري بحت على حساب الاستراتيجية السياسية. من هذا المنظور، كان جبرا نيقولا ومناضلي ماتسبن، رغم دعمهم المطلق لنضال مختلف المنظمات الفلسطينية، ينتقدون بشدة عمليات الكوماندو التي تستهدف المدنيين أو تؤدي إلى أخذ رهائن. وهكذا، في عام 1974، بعد عملية اختطاف مراهقين إسرائيليين قامت بها الجبهة الديمقراطية للتحرير في فلسطين، نشر ماتسبن رسالة مفتوحة إلى قيادة الحزب:”عملية معالوت لها جانب آخر. فمعظم سكان هذه المدينة هم من العمال الفقراء، ومن بين أكثر الفئات عرضة للاستغلال و الاضطهاد في المجتمع الإسرائيلي، وهم عبارة عن وقود للحرب في السياسة الإسرائيلية، دون أن يكونوا مسؤولين عن ذلك أو يستفيدوا منه. بالنسبة لسكان معالوت، فإن عمليتكم تعني أن الصهيونية هي ملجأهم الأخير. إذا لم تقدم لهم الحركة الفلسطينية بديلاً عن الحياة بدون صهيونية، فسوف يفضلون الصهيونية دائماً على الرغم من كل مخاطرها وعلى الرغم من الثمن الباهظ الذي يدفعونه مقابلها. سيفضلون ”الوحدة الوطنية“ بين الطبقات مع مستغليهم الوطنيين إذا لم تتح لهم فرصة خوض نضال مشترك والعيش معاً بين اليهود والعرب [36]”. واعتبرت ماتسبن أن الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين قد انتهكت مبادئ “أولئك الذين يحملون السلاح باسم الاشتراكية “، ولاحظت أن “القوى الثورية الفلسطينية تمتلك سلاحًا خطيرًا جدًا على الصهيونية: البديل الأممي الذي يمكن للثوريين الفلسطينيين تقديمه للجماهير اليهودية الإسرائيلية؛ إنه البرنامج الاشتراكي الثوري الذي يمكن أن يجمع جماهير الشعبين: العرب الفلسطينيين واليهود الإسرائيليين.”

إذا كانت ماتسبن تعتمد في ذلك الوقت على حركة الفهود السود في إسرائيل، وهي حركة احتجاجية ضد العنصرية والتمييز الاجتماعي التي كان اليهود المتحدرون من الشتات في المغارب و الشرق الأدنى والأوسط على يد اليهود الأشكناز في إطار التراتب العرقي الذي يحكم المجتمع الإسرائيلي، فإن التطرف الشديد للصهيونية وتوسع الإجماع على الإبادة الجماعية يعقدان بالطبع إمكانية إقامة مثل هذا التحالف اليوم، لكنهما لا يقللان من ضرورته.

الهيمنة الفلسطينية والثورة الإقليمية

هذه المبادئ الاستراتيجية الثلاثة، التي كانت في صميم المناقشات داخل اليسار العربي والإقليمي، تشير إلى توجه استراتيجي شامل، مؤداه أن تطور اليرورة الثورية في فلسطين تتطلب بناء «هيمنة فلسطينية» قادرة على حشد القطاعات المضطهدة من المجتمع الإسرائيلي التي ستقطع صلتها بالصهيونية للانضمام إلى النضال من أجل تحرير فلسطين، وبشكل أعم، قادرة على حشد الجماهير العربية في المنطقة.

يمكن العثور على هذه الفكرة في كتابات أبراهام سيرفاتي، الماركسي اليهودي المغربي، الذي سجنته الملكية المغربية الرجعية. فيما يتعلق باليهود العرب المزراحيم، المرحلين قسراً إلى إسرائيل في العقود التي أعقبت إنشاء الدولة الاستعمارية [37]، حاول سيرفاتي إظهار أن القيادات الفلسطينية لديها كل المصلحة في تطوير عناصر برنامجية لحشدهم إلى قضيتها. واعتبر سيرفاتي أن “الصهيونية هي قبل كل شيء عنصرية“، ولاحظ أن “هذه العنصرية موجهة أساساً ضد العرب، لدرجة أن العربي – وبشكل خاص، بالطبع، الفلسطيني – يصبح أسوأ من العدو الذي يجب القضاء عليه، إنه دون الإنسان، غير إنسان، وحش. فماذا عن اليهود العرب؟ حتى لو أطلق عليهم لقب ”شرقيون“ لإبراز اختلافهم عن العرب الآخرين، لأنهم مطلوبون كوقود للحرب وكعمال، فإن الطبقة الحاكمة [التي كانت في السلطة في إسرائيل، لا سيما من خلال الحكومات العمالية المتعاقبة بين عامي 1948 و 1977] لا تشعر سوى بالازدراء لهؤلاء اليهود، لأنهم عرب [38]”. من أجل حشد هؤلاء اليهود المزراحيم المضطهدين من قبل الطبقة الحاكمة الإسرائيلية، وكذلك القطاعات الأخرى من الطبقة العاملة الإسرائيلية، لاحظ سيرفاتي أن القيادات الفلسطينية يجب أن تحافظ بأي ثمن على استقلاليتها عن الأنظمة العربية الرجعية ودعايتها المعادية للسامية:” يجب في النهاية نزع فتيل جنون العظمة الجماعي الذي تغذيه هذه الطبقة الحاكمة الصهيونية وتغذيه العنصرية المعادية لليهود في الدول العربية المجاورة“ حتى يُدرك هؤلاء ”اليهود التقدميونفي مرحلة أعلى“،  أنهم يجب أن ينضموا إلى المقاومة الفلسطينية، بطريقة واعية ومنظمة [39]“.

وتتطلب هكذا استراتيجية هيمنة، من ناحية أخرى، مخاطبة العمال والشباب في المنطقة من خلال تبني مطالبهم الاجتماعية أو الديمقراطية ضد الأنظمة العربية الرجعية، التي تعمل أداةً للإمبريالية وتواطئ مع الدولة الاستعمارية. في الواقع، كما يلاحظ جوزيف ضاهر، “تتعاطف الغالبية العظمى من الطبقات الشعبية في المنطقة مع نضال الفلسطينيين، وتعتبر أن نضالها من أجل الديمقراطية والمساواة مرتبط بانتصارهم ». هناك «علاقة جدلية بين هذه النضالات: عندما يقاتل الفلسطينيون، فإن ذلك يطلق الحركة الإقليمية للتحرير، وتغذي الحركة الإقليمية بدورها الحركة في فلسطين المحتلة“.

وكدليل عكسي على قوة هذا الارتباط، شاركت الأنظمة التي تدعم بشكل مباشر الإبادة الجماعية في غزة في الموجة الكبيرة المضادة للثورة التي انطلقت لخنق السيرورات الثورية العربية في عام 2011 [40]، والتي سمحت، على سبيل المثال، في حالة مصر، بعد إطاحة دكتاتورية مبارك، بإعادة فتح ممر رفح ورفع الحصار جزئياً من الجانب المصري. على العكس من ذلك، فإن ديكتاتورية السيسي، التي استولت على السلطة بسحق الدينامية التي ولدتها أحداث 2011، تقمع، نيابة عن إسرائيل، التحركات التضامنية مع غزة وتشارك في الحصار الاستعماري بحماية الجدار الرابع لسجن غزة. وينطبق ذلك أيضاً على سوريا والنظام الجديد بقيادة الشرع، المرتبط بالإمبريالية والذي يتم الضغط عليه لتطبيع علاقاته مع إسرائيل. أما الملكيات الخليجية التي قمعت الانتفاضات في البحرين والثورة المصادرة في عام 2019 في السودان، فهي تشكل الوسائل الرئيسية للإمبريالية في المنطقة وحلفاء للاستعمار الإسرائيلي، سواء كانت قد طبعت علاقاتها معه أم لا. من جانبها، لم تتوقف الملكية الأردنية عن قمع التحركات التضامنية مع غزة، حتى أنها حظرت العلم الفلسطيني، في بلد غالبية سكانه من أصل فلسطيني. حتى في حالة الأنظمة التي تتعرض لوطأة الهيمنة الإمبريالية، مثل إيران، يمثل تحرك الطبقة العاملة الإيرانية ورقة رابحة أهم بكثير من دعم النظام الزائف للقضية الفلسطينية: فالطبقة العاملة الإيرانية وحدها قادرة على إحداث صدمة ركودية دولية من خلال إيقاف مصافيها وقطاعها النفطي.

في مواجهة المأزق الاستراتيجي للحركة الوطنية الفلسطينية وحدود البرنامج البرجوازي أو التعاون الطبقي، الذي ضحى بتعبئة الجماهير الفلسطينية في الضفة الغربية أو في الشتات والعمال في الشرق الأوسط والشرق الأدنى، لصالح تحالف مع البرجوازيات العربية، تسمح هذه الأفكار الاستراتيجية بإعادة التفكير في استراتيجية تحرير فلسطين. من خلال التركيز على مسألة الاستقلال الطبقي للمنظمات الفلسطينية عن برجوازيتها وعن أنظمة المنطقة، تفتح هذه الأفكار الاستراتيجية آفاقاً لثورة إقليمية يكون الشعب الفلسطيني أحد ركائزها، ويمكن أن تعتمد أخيراً على قوة أفضل حلفائها: الجماهير العربية المحاصرة بين الإمبريالية الأمريكية والاستعمار الإسرائيلي والقمع الوحشي من قبل قادتها.

فيما يسعى ترامب إلى جعل غزة محمية استعمارية ويحاول إيجاد وكلاء إقليميين قادرين على حماية مصالح الولايات المتحدة الرجعية بدلاً منها، لا يستثني تجدد الميول نحو الأزمات والحروب الشرق الأوسط، من سوريا إلى اليمن، مروراً بإيران والعراق وبالطبع فلسطين. في هذه الحالة، فإن الفوضى الإقليمية التي زرعها ترامب وإسرائيل ووكلاؤهم المحليون تستدعي حلاً ثورياً، من شأنه أن يولد فلسطين عمالية واشتراكية، يمكن لليهود والعرب أن يعيشوا فيها بسلام، ضمن اتحاد دول اشتراكية في الشرق الأوسط. كما كتب جبرا نيقولا في عام 1973، “لأن الطبقات المالكة أثبتت عجزها عن حل المشاكل الاجتماعية والسياسية والوطنية في العالم العربي، أصبح من الواضح أن الجماهير المستغلة نفسها، بقيادة البروليتاريا، هي وحدها القادرة على حل مشكلتها التاريخية. لكن وجود الظروف الموضوعية الكافية لا يعني أن هذا التوجه الجديد سيظهر تلقائياً. فالوضع يتطلب أيضاً وجود عامل ذاتي – منظمة سياسية مزودة بنظرية ثورية واستراتيجية ثورية عربية شاملة [41].”

ترجمة : المناضل-ة

مصدر:

https://www.revolutionpermanente.fr/Palestine-quelle-strategie-pour-la-liberation

هوامش

[1] Mahoud Mushtaha, « Gaza must decide its own political future — before the world does for us », +972 Magazine, 16/10/2025, lire en ligne.

[2] Antonio Gramsci, Cahiers de prison. Cahiers 6-7-8-9, Paris, Gallimard, 1983, Cahier 9, § 7, p. 412.

[3] هذا التعريف ورد أيضًا في مؤتمر جبهة التحرير الفلسطينية  عام 1972. انظر أيضًا Alain Gresh، « Mémoire d’un septembre noir »، Le Monde Diplomatique، سبتمبر 2020.

[4] Ghassan Kanafani, « PLFP and the September Attack : interview with Ghassan Kanafani », New Left Review, juin 1971, I/67.

[5] Cité dans Helena Cobban, The Palestinian Liberation Organisation : people, power, and politics, Cambridge, Cambridge University Press, 1984, p. 60-61.

[6] Noura Erakat, Justice for some : law and the question of Palestine, Stanford, Stanford University Press, 2019, p. 105.

[7] Adam Hanieh, « The Political Economy of State Formation in Palestine », op.cit., p. 43.

[8] Sur ce point, voir Adam Hanieh, Rob Knox et Rafeef Zaidah, Resisting Erasure : capital, imperialism, and race in Palestine, London, Verso Books, 2025.

[9] Voir Adel Samara, The Political Economy of the West Bank. 1967 – 1987 : From Peripheralization to Development, Khamsin Publications, London, 1988.

[10] في 28 سبتمبر 1995، عززت اتفاقيات أوسلو الثانية السيطرة الإسرائيلية من خلال تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاثة أجزاء: المنطقة أ (18٪ من الأراضي) تحت السيطرة الفلسطينية، والمنطقة ب (22٪) تحت السلطة المدنية الفلسطينية والسيطرة الأمنية الإسرائيلية، والمنطقة ج (60٪) تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة.

.

[11] Rashid Khalidi, « The Neck and the Sword », New Left Review, juin 2024.

[12] Tariq Dana, « The Palestinian Capitalists That Have Gone Too Far », Al-Shakaba, janvier 2014.

[13] Front populaire de libération de la Palestine, Stratégie pour la libération de la Palestine, Paris, Éditions en langues étrangères, 2022.

[14] Sur ce point, voir Emilio Albamonte et Matías Maiello, Estrategia socialista y arte militar, Capital Federal, Buenos Aires, Argentina, Ediciones IPS, 2017, p. 363-424.

[15] كما كتب ماو، “يصبح التناقض بين الإمبريالية والبلد المعني التناقض الرئيسي، وتصبح جميع التناقضات بين الطبقات المختلفة داخل البلد مؤقتًا في المرتبة الثانية وفي موقع ثانوي“، ماو تسي تونغ في عن التناقض (1937) ماو: عن الممارسة والتناقض، باريس، Paris, la Fabrique Editions, 2008, p. 136-137. وفي نص آخر، يشرح ماو الأمور بشكل أوضح: ”يجب أيضًا التمييز بين الحروب الثورية العامة وتلك التي هي من النوع “الطبقي” البحت. في الحالة الأولى، فإن الشعب بأكمله في دولة ما، دون تمييز بين الطبقات أو الأحزاب، هو الذي يخوض حرب عصابات كأداة للسياسة الوطنية. وبالتالي، فإن قاعدتها أوسع بكثير من قاعدة النضال الطبقي. […] في الحرب الثورية الوطنية، تواجه وحدات حرب العصابات مشكلة التوحيد الداخلي لمجموعات من طبقات مختلفة. وهذا يجعل من الضروري اللجوء إلى الدعاية (ماو تسي تونغ، حرب العصابات (1937)، Mao Ze dong, De la Guérilla (1937), dans Selected works of Mao Tse-Tung, t. 6, Paris, Foreign languages press, 2021, p. 159-160.

[16] FPLP, Tasks of the new stage, Beirut, Foreign Relations Committee PFLP, 1972, p. 38.

[17] FPLP, Towards a New Political Vision. The Sixth National Conference, juillet 2000.

[18] Adel Samara, « Arab nationalism, the Palestinian struggle and an economic scenario for a potential Arab unity », Khamsin, n. 12, 1986, lire en ligne.

[19] Haidar Eid, « The urgent need to revitalize the Palestinian Left », Mondoweiss, 25 janvier 2021.

[20] FPLP, Political Report of the PFLP’s 4th Congress, 1981.

[21] Francesco Saverio Leopardi, The Popular Front for the Liberation of Palestine in Decline (1982-2007). Political Agency and Marginalisation, PhD Islamic and Middle Eastern Studies, The University of Edinburgh, Edinburgh, 2017, p. 108.

[22] Nicolas Pot-Douillard, La Mosaïque éclatée : une histoire du mouvement national palestinien (1993-2016), Paris, Actes Sud, 2016, p. 77-81.

[23] Sur cette occidentalisation de la théologie politique sunnite, voir Sara M. Roy, Hamas and civil society in Gazaop.cit., p. 64.

[24] Jeroen Gunning, Hamas in politics : Democracy, religion, violence, New York, Columbia university press, 2008, p. 57-58.

[25] كما يلاحظ جوزيف ضاهر، “كانت اقتصاديات الأنفاق السبب الرئيسي لهذا الازدهار، الذي يقدره رجال الأعمال في غزة بأكثر من 700 مليون دولار سنوياً، وقد عززت قوة حماس في قطاع غزة. تم تمويل معظم الأنفاق من قبل مستثمرين من القطاع الخاص، معظمهم من أعضاء حماس، الذين اشتركوا مع عائلات من كلا جانبي الحدود. يشير تقرير لمنظمة العمل الدولية إلى ظهور 600 ”مليونير من أنفاق“ استثمروا بشكل خاص في شراء الأراضي والعقارات” (جوزيف ضاهر، “حماس، تاريخها وتطورها. منظور نقدي”، Contretemps، 2 يناير “.

[26] Toufic Haddad, « Palestinian Resistance and the War in Gaza », NewPolitics, hiver 2024, XIX, n. 76.

[27] Ramadan Shallah, « La Palestine, c’est la boussole. Dialogue avec Ramadan Shallah, secrétaire général du MJIP », Majallat al-disârât al-filastîniyya, n°100, Institute for Palestine Studies, Beyrouth, 2014, disponible en ligne.

[28] Gilbert Achcar, Gaza, génocide annoncé  : un tournant dans l’histoire mondiale, Paris, La Dispute, 2025, p. 29-30.

[29] Voir Walī Riḍā Naṣr, Iran’s grand strategy : a political history, Princeton, Princeton University Press, 2025.

[30] Voir Fadi A. Bardawil, Revolution and disenchantment : Arab Marxism and the binds of emancipation, Durham, Duke University Press, 2020.

[31] Mahdi Amel, « Colonialism and Underdevelopment II : On the Colonial Mode of Production », dans Mahdi Amel, Arab Marxism and National Liberation : Selected Writings of Mahdi Amel, Leiden, Brill, 2021, p. 69.

[32] Mahdi Amel, « Colonialism and Underdevelopment I : An Attempt to Understand the Colonial Relation », op. cit., p. 45.

[33] Anouar Abdel-Malek, Égypte : société militaire, Paris, Éditions du Seuil, 1962.

[34] Front Populaire Démocratique de Libération de la Palestine, « The political report of the Popular Front for the Liberation of Palestine », août 1968, brochure en anglais diffusée par des réseaux de solidarité, p. 161. Sur le congrès et les points de rupture, voir Gérard Chaliand, The Palestinian Resistance, Australia, Penguin Books, 1972, p. 85.

[35] Jabra Nicola, « La lutte en Palestine doit conduire à la révolution arabe », Black Dwarf, 14 juin 1969.

[36] Matzpen, « Lettre ouverte du Matzpen aux membres du Front populaire démocratique pour la libération de la Palestine », 1974, lire en ligne.

[37] Ella Shohat, Le Sionisme du point de vue de ses victimes juives : les juifs orientaux en Israël, Paris, La Fabrique, 2006.

[38] Abraham Serfaty, « Le “peuple israélien”, un conglomérat menacé de dislocation » (1982), dans Écrits sur la Palestine, Paris, Syllepse, 2025, p. 131.

[39Ibid., p. 135-136.

[40] Ciro Tappeste, « La théorie de la révolution permanente et les processus révolutionnaires dans le monde arabe », octobre 2012.

[41] Jabra Nicola et Moshe Machover, Arab revolution and national problems in the Arab eastThe International, 10 Juillet 1973, lire en lign

شارك المقالة

اقرأ أيضا