مؤتمر الكونفدرالية الديمقراطية للشغل السابع: حصيلة إجمالية
بقلم؛ مصطفى البحري
المقال منشور في العدد رقم 87 من جريدة المناضل-ة
تظل النقابة أداة لا غنى عنها لتحسين أوضاع الشغيلة والنضال ضد الاستغلال الرأسمالي والاضطهاد السياسي. وجود النقابات (وضمنها الكونفدرالية الدمقراطية للشغل، التي نخصها بهذا المقال)، مكسب في حد ذاته. هذا الوجود الذي تأمن بفضل تمسَّك الشغيلة بالنقابة أداةً للنضال، أظهرَه واقع أن الشغيلة كلما أرادوا الاحتجاج لم يجدوا غير النقابةِ وسيلة (وحتى التنسيقيات فهي شكل من العمل النقابي، وإن كان في مستوى أدنى). إلا أن النقابة قد تعرَّضت لانحدار، حوَّلها من أداة نضال طبقي إلى أداة «شراكة اجتماعية» و»توافق طبقي» مع البرجوازية ودولتها، وهذا ما يستدعي من أي حريصِ على الوفاء لعلة وجود النقابة عدم السكوت عن ذلك الانحدار، وتناوله بالنقد البنَّاء المتجه نحو إعادة بناء الحركة النقابية المغربية، بما يجعلها أداة نضال فعلي في يد الشغيلة.
أنهت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل مؤتمرها الوطني السابع يوم 30 نوفمبر 2025 بانتخاب كاتب عام جديد ، خالد هوير العلمي، قائد نقابة ك.د.ش في قطاع الفوسفاط من 1999 إلى 2022، وعضو مكتب الكنفدرالية التنفيذي منذ 2013 …
ويمثل هذا التغيير في مقعد الكاتب العام المعطى الذي ركز عليه الإعلام، لما يوحي به من تجديد. لكن نظرة أعمق إلى مجريات المؤتمر، ومضمون بيانه العام، إنما تؤكد استمرارية مقلقة جدا لكل من يضع الخط السائد في الكـ.د.ش في ميزان مصلحة الطبقة العاملة، الآنية و التاريخية.
قياسا بسياقات مؤتمرات الكونفدرالية، على امتداد العقود الثلاثة الأخيرة، لم تظهر في الصحافة أصوات نشاز تعرض رؤية مغايرة، ولا حتى اعتراضات على شكليات التحضير للمؤتمر. ويبدو أن هذا الهدوء يعبر عن تراجع إضافي في حيوية الحياة الداخلية للمنظمة العمالية، أكثر مما يُعبِّر عن أمارة صحة جيدة. كيف يمكن أن تبلغ التعديات على مكاسب الطبقة العاملة شر ما بلغت ولا يثير الأمر نقاشا عموميا: لماذا وصلنا إلى ما نحن عليه؟ لماذا بلغت التراجعات مستوى النيل من حق الإضراب؟ الحقيقة أن انعدام نقاشات تقييم لمسار الكونفدرالية بين مؤتمرين، ولمجمل حالة الحركة النقابية، تحضيرا للمؤتمر، إنما يوضح الانعدام شبه الكلي لحياة داخلية نشطة. والأمر ناجم عن عقود من سياسة الإغراق في الشأن المهني القطاعي، حتى بتصورٍ بالغ الضيق، وخلق حواجز بين القطاعات العمالية، وقمع الرأي المغاير، وغياب إعلام وتثقيف عماليين بروح طبقية كفاحية، وبالمقابل تسييد أيديولوجية «الشراكة الاجتماعية»، أي خرافة تحسين وضع الشغيلة بالتعاون مع البرجوازية ودولتها وليس بالنضال ضدهما بمنطق توحيد قوى الطبقة العاملة المشتتة.
وإن كان تبنيج الحياة الداخلية في المنظمة العمالية ضروريا لخط الشراكة الاجتماعية، لما يكرس من سكون في القاعدة يجعلها منقادة، فإن دور خط النضال الطبقي هو حفزُ تلك الحياة، بتشجيع مبادرات الشغيلة ونشاطهم الذاتي، والدفاع عن أوسع ديمقراطية. ومن أمارات التردي النقابي البالغ أن العمل في هذا الاتجاه بات شبه منعدم. وعادة ما يعزى طغيان الجهاز إلى لامبالاة القواعد، بعدم مشاركتها في الاجتماعات، ونقص مبادرتها.
فعلا ثمة قسط من الحقيقة في هذا الحكم، لكنه قسط فقط. فقد شهدنا تجارب عديدة، في معارك عمالية، لا سيما الكبرى، حيث تتجاوز القواعد الجهاز النقابي، مثاله الأحدث مجريات حراك التعليم في العام 2023- 2024. لذا يجب، أول ما يجب، أن نسائل أنفسنا ماذا نفعل لتعليم الجماهير العمالية كيفية المبادرة والفعل المستقل واتخاذ القرار المستقل. انعدام هذا التثقيف يفضي إلى سلبية واتكالية متزايدين وأحيانا إلى انفجارات خارج الإطار النقابي، وإلى ما يسمى بظاهرة «الترحال النقابي».
هذا تقييما لمقدمات المؤتمر ومجرياته، أما نتائجه السياسية والنضالية فقد عرضها البيان العام. شكلا اتسم هذا البيان بطول غير معتاد، مطبوع بالإطناب ذاته الملاحَظ في الأوراق المعدة للمؤتمر. وجوهرا يعبر البيان عن مدى رسوخ منطق الشراكة الاجتماعية المدمِّر لمنطق الذود عن مصلحة الطبقة العاملة بالنضال الوحدوي. ويسود في البيان التشخيص الذي يعزو شرور المجتمع إلى الريع والفساد حصرا، وليس إلى طبيعة الاقتصاد الرأسمالية والتابعة. هذا التشخيص الذي يوحي بإمكان وجود رأسمالية بلا فساد ولا ريع، فاتحا الباب لمزيد من الأوهام بشأن الحلول والبديل.
وعلى الصعيد السياسي البحت يواصل البيان العام التأكيد على ما اثبتت التجربة تهافته، عنيها اعتبار ما يسمى «التوافق الوطني» سبيلا لتحقيق مراجعة للدستور تكون مدخلا «للإصلاح السياسي الشامل».
كأننا لم نعش عقودا تلو أخرى ظل فيها معظم قوى اليسار المغربي يركض وراء وهم التوافق الوطني، فيما تؤكد التجارب التاريخية أن ما تحقق من تقدم على طريق الديمقراطية إنما كان بالنضال الطبقي، وليس بالتوافق الطبقي.
أما الدعوة الموجهة إلى «القوى الحية المناضلة من أجل التغيير الديمقراطي»، بالفقرة ما قبل الأخيرة من البيان، من أجل «توحيد النضال المجتمعي…»، فأقل ما يقال بصددها أنها تغافلت عن تجربة الجبهة الاجتماعية المغربية التي تستكمل في شهرنا هذا عامها السادس، تلك الجبهة التي كانت كدش، ومجمل قوى اليسار العاملة داخلها، أعضاء بها.
مجمل القول، سيدخل المؤتمر السابع تاريخ الحركة النقابية المغربية بما هو مؤتمر استمرار مؤسفِ للانحدارٍ نحو مزيد من الاندماج في آلية الدولة لاحتواء النقابات، وإفراغها من محتواها. مزيد من الاحتواء أعدت له الدولة ما يسمى قانون النقابات، بعد أن صادقت على قانون ترويض الطبقة العاملة المسمى القانون التنظيمي لحق الإضراب.
احتواء يتعين أن يقاومه مناضلو طبقتنا ومناضلاتها بإنماء روح المبادرة والمشاركة في القاعدة العمالية، بناء على أهداف تحسين الوضع بما يقوى المقدرة على الكفاح سيرا نحو هدف التحرر الشامل.
الكنفدرالية الديمقراطية للشغل، على غرار نقابات أخرى، أداة من أدوات نضال الطبقة العاملة المغربية، نتاج تاريخ، و تأثيرات، منها ضغط الدولة بالقمع والاحتواء، ومساعي قوى سياسية غير عمالية. وتبقى مع ذلك أداة مقاومة يومية، يلوذ بها الشغيلة تحت ضغط الاستغلال المفرط وانعدام الحقوق والحريات. واجب كل مناضل/ة عمالي البذل المستمر لتقوية التنظيم و الرقي بالوعي الجماعي، ومساندة النضالات، وتعزيز التضامن. أما اتخاذ هيمنة خط «الشراكة الاجتماعية»، وما يجر من خسائر، مبررا للانصراف عن النقابة، وتوهُّم إيجاد بديل عنها، فليس طريق من يحمل هم النضال العمالي و الشعبي.
مجريات المؤتمر السابع لا تضعف همة من يعي جذور ما وصلنا إليه، بل تقوي عزيمة الصمود والكفاح لاستنهاض قوى الطبقة العاملة بروح كفاحية وديمقراطية، سيرا نحو مؤتمر ثامن أفضل.
اقرأ أيضا


