هلع من كلمة”الثورة” في قبة برلمان الاستبداد

المقال منشور في العدد 87 من جريدة المناضل -ة

بقلم؛ سعيد الريشة

من تعقيب بسيط، حول مسألة جزئية متعلقة بمشروع قانون العدول، أدلت به عائشة الكوط، النائبة عن المجموعة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، اندلعت جلبة في مجلس النواب. هذا ما قالته النائبة: «»مشروع قانون العدولانقلاب على مخرجات الحوار.. انقلاب يكرس الضرب في مقضيات الدستور». وفي مبالغة سجالية أجاب وزير العدل عبد اللطيف وهبي صارخا: «السيدة النائبة المحترمة تتكلم عن أمور لاعلم لها  بهاقرأت بيان مجلس قيادة الثورة، قَبل قراءة مشروع القانون». [1]

ثارت ثائرة برلمانيي- ات حزب العدالة والتنمية لأن وزير الدولة كال لهم- هنُ تهمة «الثوار». طالب النائب عبد الصمد حيكر نائب سحب كلام الوزير من محضر الجلسة. تتالت التعقيبات لنفي تهمة «الثورة» عن المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية. عقَّب النائب مصطفى إبراهيمي قائلا: «عندما يقال بيان مجلس الثورة. هل نحن هنا للقيام بالثورة… النائبة سألت الوزير عن مشروع قانون العدول عليه أن يجيب على مشروع قانون العدول»، واسترسل صارخا: «مجلس قيادة الثورة! الثورة ضد ماذا؟ إذا كانت ثورة ضد الفساد، نعم. إذا كانت ثورة ضد البؤس السياسي نعم. إذا كنتم تقصدون ثورة ضد أمر آخر…»، لم يترك رئيس الجلسةَ النائب ينهي كلامه، لكن واضح تماما ما يقصده: «إذا كان الوزير ثورة ضد المَلكية فنحن براءٌ منها». واندفع الوزير بدوره ليبرر تعقيبه السجالي، قائلا: «هل الثورة سهلة؟ نحن أشرنا إليها فقط مجازا!… هداكم الله»… وبعد جلبة أعلن رئيس الجلسة تعليقها، بعد أن خاطب برلمانيي العدالة والتنمية قائلا: «أنتم لا تحترمون أحدا. أنتم ماركسيون على سنة الله ورسوله».

العدالة والتنمية: حرص دائم على الولاء للمَلكية

لم يتوقف السجال عند أبواب مجلس النواب، بل تواصل في موقع حزب العدالة والتنمية على الانترنت. دافع محمد عصام عن حق حزبه في معارضة الحكومة (والحكومة وحدَها) قائلا: «حتى عندما كان المغرب يمر بفترة عصيبة من تاريخه، عُرفت بسنوات الرصاص، لم تتجرأ قط حكومة أو عضو فيها للتشكيك في المعارضة واتهامها باقتراف ‹ثورة مقنَّعة› من داخل مؤسسة البرلمان». والحق أنه لم يبلغ الخوف من كلمة «ثورة»، طيلة التاريخ السياسي للبلد ما بلغه حاليا لدى حزب العدالة والتنمية وبرلمانييه، وحتى لدى الأحزاب الأخرى طبعا.

طيلة تاريخ المؤسسة البرلمانية، كان دور المعارضة مسطَّرا ومحدَّدا من طرف المَلكية: معارضة مؤسسات الواجهة، أي الحكومة بالأساس. وكان التنافس المسموح به هو التنافس حول خدمة المَلكية، التي يجري إلباسها قناع «خدمة الوطن». ففي عز ما أسماه محمد عصام «زمن الصراع حول الشرعيات»، عندما قدَّم برلمانيو حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ملتمس رقابة في 15 يونيو 1964، كان جوهره اتهامه لأعضاء من الحكومة آنذاك، بمن فيهم  الوزير الأول أحمد باحنيني، هو «خيانة المَلكية» عندما خلعت فرنسا محمد الخامس عن العرش… وعندما قام أحمد العلوي، وزير الأنباء آنذاك، بإنهاء بث الجلسة على التلفزيون، أتصل به الحسن الثاني وأمره بإعادة البث. لقد كان الحسن الثاني سعيدا بحكومة ومعارضة تتنافسان على من هو أكثر ولاء له.

هذا هو نفس حال الأحزاب السياسية التي تتعاقب، لحدود الآن، على حكومة الواجهة ومعارضتها. فحزب العدالة والتنمية اختار خياره بوضوح منذ التأسيس: معارضة حكومة الواجهة وانتظار فرصة لتجريب حظه في موقع التدبير الحكومي. كتب محمد عصام مساجلا وزير العدل عبد اللطيف وهبي: «لا أدري عن أي ثورة يتحدث وهبي، فمن يخاطبهم حسموا خياراتهم منذ زمان، واختاروا النضال السياسي من داخل المؤسسات، وقادوا الحكومة لولايتين اثنتين متعاقبتين، في سابقة سياسية لم يستطع حزب آخر نيل شرفهما قبله.. فعن أي ثورة يتحدث وهبي؟». [2].

هذا ما أكده دوما، ولا يزال يؤكده، الأمين العام للحزب عبد الإله بنكيران، الذي صرح سنة 2022: «لن نقوم بانقلاب، لن نقوم بثورة. ليس فقط لأننا لا نستطيع ذلك، ولن نستطيع، بل لأننا لا نريد ذلك». [3]. وقبيل الجلبة الأخيرة في البرلمان بأيام (26- 11-2025) صرح: «نحن لا نعارض الدولة ومؤسساتها الأساسية وركائزها… نحن لا نعارض النظام الملكي لأنه نظام ملكي. لا نطالب بجمهورية. ولكن هل يجب أن نسكت على كل شيء. سنتجه إلى الخراب!» [4]، متهما الحكومة بـ»الفساد وتخريب سفينة الوطن»، وبعدها بأيام قليلة خاطب المغاربة قائلا: «حافظوا على النظام المَلكي كيفما كانت الظروف… فإذا سقط سيسقط على رؤوسكم» [5]… مُذكِّرا هكذا الشعب المغربي، بهياج شبيحة النظام السوري: «بشار أو نحرق البلد».

أحزاب سياسية كلها أوجه لنفس العملة

كل الأحزاب التي تتناوب على تدبير الواجهة الحكومية ومعارضتها لها نفس البرنامج: خدمة الاستبداد السياسي ومصالح الرأسماليين… وتختلف فقط في صيغ ذلك التدبير وهذه الخدمة.

في مرحلة معيَّنة كان الاتحاد الاشتراكي يدافع عن مصالح أقسام من الطبقة البرجوازية التي تقصيها المَلكية من فرص الاغتناء الاقتصادي الكبرى، التي تمنحها المَلكية لنفسها ولبطانتها ورجال الأعمال المقرَّبين منها. منذ انهيار الاتحاد الاشتراكي، بعد استسلامه الناجز أمام المَلكية سنة 1997، ودخوله حكومة التناوب التوافقي وتنفيذ السياسات التي كان يعارضها، ورث طيف سياسي آخر ذلك الخطاب المدافع عن «رأسمالية التنافس الشريف» وعن مصالح الرأسماليين المستائين من احتكار المَلكية الاقتصادي الكبير، وهذا الطيف السياسي مكون من حزبين (الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي)، ومعارضين يُطلقون على أنفسهم صفة «المستقلين»: صحفيون وخبراء اقتصاد وجامعيين… إلخ.

لكن حزب العدالة والتنمية بدوره، كونه حزبا برجوازيا (رجعيا)، يرفع نفس الخطاب ويدافع عن نفس المصالح الطبقية. في الندوة الصحفية لتقديم موقف الحزب من التعديلات المقترحة على القوانين الانتخابية، صرح بن كيران قائلا: «اتهمونا أننا ندافع على شركة أخرى، في قطاع الأدوية. هل عيب أن ندافع على شركة؟ بالعكس هذا هو دورنا… كرئيس حكومة، وحتى قبل ذلك، جاءني رجال أعمال كبار، وليسوا صغارا (مثل البقالة)، واشتكوا من ‹غياب المنافسة الحرة وعدم خضوع المشاريع لصفقات تنافسية›… وهم محقون في ذلك؛ فقواعد السوق يجب أن تطبَّق على الجميع…. وعندما أقول ‹الجميع›، فأنا أعني ما أقول، ولا يجب أن يستثنى منها حاكم أو أمير… إلخ. هذه قواعد السوق، ويجب احترامها وبطريقة صارمة، وإلا فسدت قواعد التعامل». واشتكى بنكيران من واقع التضييق على رجال الأعمال الذين يريدون الترشح باسم الحزب: «نحن لسنا بكارهين أن يكون لدينا في الحزب رجال أعمال، فهم لا يأتون إلينا، وإذا تجرأ أحدهم تقع عليه المصائب من كل جانب… ومنعت الدولة رجال الأعمال من الترشح باسم الحزب».

ليس هذا تضييقا تقوم به «وزارة الداخلية» (والمقصود هنا طبعا المَلكية) ضد حزب العدالة والتنمية وحده. فقد كانت المَلكية دوما معارضة لأن ينخرط رجال الأعمال في السياسة، إلا في الحدود التي تسمح بها المَلكية، وفضل أرباب العمل التسوية التي فرضتها هذه المَلكية: «اغتنوا واتركوا شأن السياسة لي». أشار إلى ذلك نجيب أقصبي كاتبا: «يمكن صياغة منطق هذه «التسوية» على النحو التالي: الحد الأقصى من الامتيازات والحد الأدنى من المخاطر… أجل، متفقون أننا لن نمارس السياسة، لكننا سنمارس المال والأعمال!» [6].

حزب العدالة والتنمية، حتى وإن لم يكن حزبا مكوَّنا من رأسماليين، إلا أنه حزب يدافع عن الرأسماليين. والدفاع عن الرأسماليين لا يمكن أن يتوافق مع الدفاع عن الشعب العامل، فأرباح الرأسماليين إنما تتأتى من استغلال طبقات المأجورين- ات وصغار الفلاحين- ات واستنزاف الطبيعة واضطهاد النساء، وهذا هذا ما يقوم به حزب العدالة والتنمية، سواء في موقع المعارضة أو موقع تدبير الواجهة الحكومية، وهو ما وصفه محمد عصام، في موقع الحزب على الانترنت بقول: «سابقة سياسية لم يستطع حزب آخر نيل شرفهما قبله»… لقد نال العدالة والتنمية «شرف» خدمة الاستبداد والرأسماليين (محليين وأجانب) طيلة ولايتي حكومة الواجهة.

في هذا يتساوى حزب العدالة والتنمية، مع الأحزاب الأخرى (الأحرار، الأصالة والمعاصرة، الاتحاد الاشتراكي، الاستقلال… إلخ)، التي يتناوش معها داخل ما يتيحه لها الاستبداد من «حرية كلام» داخل قبة البرلمان. إنها أحزاب معادية للشعب العامل، وهذا في حاجة إلى حزب من طينة أخرى، وإلى ثورة من طينة أخرى، ليس كما يتصورهما زعماء تلك الأحزاب: مجرد «انقلاب» يقوده مجرد «مجلس لقيادة الثورة».

رب سجال صغير يُلفت الانتباه إلى الثورة

لا يوجد إذن في السلوك السياسي لحزب العدالة والتنمية أو خطابه ما يبرر المبالغة السجالية لوزير العدل الذي اتهم الحزب بـ»الانقلاب» والإعداد لـ»مجلس قيادة الثورة». لكن في ثنايا هذا النقاش يبرز أن «الثورة» لا تزال شبحا يرعب، ليس فقط القائمين على تدبير الواجهات المؤسساتية للاستبداد، بل الاستبداد ذاته. وفي نفس الوقت يلقي ذلك السجال أضواء كاشفة عن الثورة كما يتصورها هؤلاء. فعندما قال وهبي: «هل الثورة سهلة؟»، وأقرَنها بـ»الانقلاب» و»مجلس قيادة الثورة»، إنما يعلن عداءه للثورة الفعلية: ثورة الملايين من جماهير الشعب العامل، وليس مؤامرات تقوم بها أقلية معزولة عن الشعب، تنتهي إلى إقامة استبداد محل آخر، وإحلال شخص محل آخر. وهو نفس الفهم للثورة الذي أدلى به بنكيران في تصريح له سنة 2022.

الثورة ضرورية بقدر ما هي حتمية. لكنها ليست حتمية بشكل ميكانيكي. إنها تنبع من جدل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والاستبداد السياسي، وما يثيره هذا الجُمَّع من مقاومات عمالية ونضالات شعبية، ليس حَراك جيل- زد وما سبقه من نضالات القرويين- ات سوى نزرا يسيرا عما يستلزمه تغيير الوضع جذريا لما فيه مصلحة الشعب، وليس مصلحة أقلية من الرأسماليين ونظامهم السياسي.

لا يثور الشعب لأن «أقلية» تقوم بتحريضه على ذلك، بل لأن الوضع أصبح لا يطاق. عند ذلك فقط يأتي دور «الحزب»، دور «قيادة الثورة»، التي تقوم بـ»النفخ في اتجاه العاصفة»، وتوجيه الغليان الشعبي تجاه جذور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي ثار الشعب ضدها، تفاديا لاستغلال ذلك الغليان لصالح أحزاب تدافع عن الوضع القائم، كما حدث في السيرورة الثورية في المنطقة العربية والمغاربية سنة 2011، بما فيها المغرب.

[1]- 07-12-2025، https://www.youtube.com/watch?v=aolEudhHvKA&t=443s.

[2]- 02-12-2025، «محمد عصام يكتب: وهبي وخطيئة “بيان قيادة الثورة” في البرلمان». https://www.pjd.ma/222912-محمد-عصام-يكنب-وهبي-وخطيئة-بيان-قيادة.html.

[3]- 20-09-2022، https://www.youtube.com/watch?v=twhcCOx7hqQ.

[4]- 26-11-2025، https://www.youtube.com/watch?v=CH5L5rHZU4A.

[5]- 30-11-2025، https://www.youtube.com/watch?v=d4uLyHHvKjo.

[6]- نجيب أقصبي (أبريل 2024)، «الاقتصاد المغربي تحت سقف من زجاج، من البدايات إلى أزمة كوليد- 19»، ترجمة نور الدين سعودي، المجلة المغربية للعلوم السياسية والاجتماعية- عدد 36، سلا- المغرب، ص 255.

شارك المقالة

اقرأ أيضا