العدالة والتنمية والأحرار: إجماع على صيانة الواجهة المؤسساتية وخدمة الاستبداد
المقال منشور في العدد 87 من جريدة المناضل -ة
بقلم؛ أزنزار
بعد أن أعطى الملك في خطاب العرش (29 يوليو 2025) توجيهه لوزير داخليته كي يُشرف على «الإعداد الجيد للانتخابات التشريعية المقبلة، وفتح باب المشاورات السياسية مع مختلف الفاعلين»، تتالت وفود الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات على مقر وزارة الداخلية للتقدم بمذكراتها وآرائها بشأن الموضوع. ولم يكن هناك أي اعتراض على الأمر المَلكي، بل قبول وخضوع.
شهرا بعد ذلك أجرى عزيز أخنوش رئيس حكومة الواجهة، يوم 10 سبتمبر 2025، حوارا مع قناة SNRT news [1]، تناول فيها هذا الموضوع بالتفصيل، خصوصا موضوع عدم تكليفه بالإشراف على المشاورات السياسية إعدادا للانتخابات. وبعد يومين، في 12 سبتمبر 2025، خرج إدريس الأزمي النائب الأول للأمين العام لحزب العدالة والتنمية، بتصريح يردُّ على تصريحات أخنوش [2].
يلقي حوار أخنوش وتصريح الأزمي أضواء كاشفة عن الوضع السياسي للبلد، ويكشف عن الحاكم الفعلي والأدوار التي أناطها هذا الحاكم الفعلي لمؤسسات الواجهة، من برلمان وحكومة، ومن يتعاقب عليهما من أحزاب سياسية وتكنوقراط.
أخنوش والأزمي: إجماع على أن المَلكية هي الحاكم الفعلي
لم يختلف أخنوش والأزمي على أن صاحب القرار الأول والنهائي والحاكم الفعلي في البلد هو المؤسسة المَلكية. منذ بداية الحوار، كان أخنوش واضحا في ذلك، مصرحا بأن المشاريع الكبرى كلها آتية من المَلك. هذا ليس جديدا، أو مرتبطا بمزايدات سياسية مع حزب غريم، ففي ليلة تعيينه صرَّح أخنوش قائلا «إن البرنامج الحكومي… طبقا لأحكام الفصل 88 من أحكام المملكة، يستمد يستمد روحه وفسلفته من التوجهات المَلكية السامية» [3]، وتضمن البرنامج الحكومي (2021- 2026) أن الأغلبية الحكومة ستطبق «الأوراش الكبرى التي فتحتها بلادنا بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس».
الأزمي بدوره في تصريحه عزف على نفس الوتر، مشيرا إلى أن الملفات الكبرى للبلد هي تحت الإشراف الفعلي والمباشر للمؤسسة المَلكية. وليس ذاك تصريحا خاصا بالأزمي أو محض سجال مع أخنوش، بل مرجعيةَ حزب العدالة والتنمية، وقد سبق لعبد الإله بنكيران (سنة 2016) أن صرح قائلا: «إن مَلكيتنا هي ملكية دستورية، وليست ملكية برلمانية والدليل على ذلك أن جلالة الملك هو رئيس مجلس الوزراء، وقبل ذلك هو رئيس الدولة بنص الدستور… إذن في الحقيقة وحتى نكون واضحين جلالة الملك هو الذي يسير المغرب وهو الذي يحكم». [4].
ما الذي تبقى إذن لمؤسسات مثل البرلمان والحكومة والأحزاب التي تتناوب عليها، إذا كانت كل هذه الأحزاب تعترف وتُقر بأن الحاكم الفعلي للبلد هو المؤسسة المَلكية، بل أكثر من ذلك تعتبر ذلك ضمانة الاستقرار ودوام الدولة؟ ما يتبقى هو واجهة مؤسساتية غايتها الرئيسية (وإن لم تكن الوحيدة) هي خداع المواطنين بأن البلد يشهد ديمقراطية، أو بتعبير أخنوش والأزمي: «تمرين ديمقراطي»، ثم تحصين المؤسسة المَلكية من الاستياء الشعبي ضد السياسات التي تُقرها تلك المَلكية وتُنفذها واجهتها الحكومية.
الواجهة الحكومية: منفِّذ لبرامج المَلك
كِلا أخنوش والأزمي (وحزباهما) يعرفان أن صلاحية حكومة الواجهة هو تنفيذ ما يقرره الملك. قال أخنوش في الحوار المتلفَز: «أولوياتنا هي تنزيل الأوراش الكبرى، كما أمر سيدنا نصره الله» و»نحن حكومة عمل. تشتغل على تنزيل أوراش مَلكية»، موضحا ما هو واضح في الدستور وفي الممارسة العملية للحكم بالبلد: «هناك حكومة ورئيسها وفوقهما المجلس الوزاري وسيدنا نصره الله».
وفي تصريح الأزمي أشار مفتخرا إلى أن «جلالة الملك أعطى الانطلاقة وتوجيهات للحكومة للمباشرة في برامج مندمجة لتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية». وفي تصريح لبعد الإله بنكيران قال بعظمة لسانه: «حكومة ـ2030، لن تسيروها لا أنتم ولا نحن بل الملك». [5].
الواجهة الحكومية: إيهامٌ بديمقراطية لخداع الشعب
يتفق أخنوش والأزمي على أن دور الواجهة الحكومية هو خداع الشعب. قال أخنوش في البرنامج الحواري: «نحن دولة، هناك سيدنا نصره الله، والتعددية يجب الحفاظ عليها»، هكذا تتحول التعددية (أي التعددية الحزبية وما يترتب عنها من انتخابات ومؤسسات… إلخ)، إلى محضِ واجهةٍ للحاكم الفعلي؛ أي المؤسسة المَلكية. الحفاظ على هذه التعددية، التي أوصى بها أخنوش، وظيفتُها السياسية هي إيهامُ الشعب على أن المؤسسات التي ينتخبها لها أدوار فعلية، بينما العكس هو الصحيح.
هذا الإيهام كان أيضا في صلب تصريح الأزمي، حين قال: «هذه ليست ظرفية تقديم الحصيلة. الحصيلة تكون بعد انتهاء الولاية الحكومة، آنذاك على رئيس الحكومة أن يأتي إلى البرلمان وتكون لديه شجاعة مواجهة النواب، وليس حوارا مرتبا ومنمقا. في البرلمان يأتي رئيس الحكومة وأغلبيته للدفاع عن الحصيلة، والمعارضة لتوضيح الأمور، ونكون أمام المواطنين والمواطنات أمام تمرين ديمقراطي حقيقي». أي «تمرين ديمقراطي» يتحدث عنه الأزمي في حين أن «الملك هو الذي يسير المغرب وهو الذي يحكم»، حصب تصريح بنكيران. على ماذا سيُحاسَب المنتَخب (رئيس حكومة الواجهة) وهو لا صلاحيات فعلية له، بينما غير المنتخَب (الملك) هو فوق أي محاسبة، حسب نص الدستور: «للملك أن يخاطب الأمة والبرلمان، ويتلى خطابه أمام كلا المجلسين، ولا يمكن أن يكون مضمونه موضوع أي نقاش داخلهما» (الفصل 52)..
يؤاخذ الأزمي على أخنوش أنه لم يحترم قواعد اللعبة المتوافَق عليها، أي اللعبة التي تمارسها الأحزاب داخل المؤسسات لخداع الشعب، وهذا ما أسماه الأزمي «التمرين الديمقراطي». يُدرك الأزمي جيدا أن مؤسسة البرلمان لا صلاحية فعلية وحقيقية لها، وأن جلسات البرلمان مجرد مسرحية لخداع الشعب. مجلس المستشارين نفسه اعترف بذلك في تقرير له: «إن الإنتاج التشريعي الضعيف للبرلمان معطى بنيوي مرتبط بالمؤسسة البرلمانية ككل، في علاقتها بالجهاز الحكومي، وليس مرتبطا بأي غرفة من الغرفتين، خصوصا إذا استحضرنا أنه لا يتم استكمال المسطرة التشريعية لمقترحات القوانين إلا إذا أبدت الحكومة الموافقة المسبقة عليها، رغم أن الدستور لا يشترط ذلك». [6].
تتحول الديمقراطية عند الأزمي (وحزبه) إلى مجرد «تمرين» تتواجه فيه الأغلبيةُ الحكومية والمعارَضةُ، أي حكومة جلالة الملك ومعارضة جلالة الملك، مواجهةٌ يلطخ فيه كل حزب وجه الحزب الآخر، بينما يظل وجه المَلكية نظيفا على الدوام.
مصطلح «التمرين الديمقراطي» سبق لأخنوش أن قاله في قبة البرلمان أثناء تقديمه للبرنامج الحكومي، مشيرا إلى أن «التشكيلة الجديدة، سواء على مستوى الوزراء أو أعضاء البرلمان بغرفتيه وباقي المنتخَبين، تعكس إلى حد كبير، نجاحنا المشترَك في تجديد النخب السياسية». وتعبير «المشترَك» معبِّر جدا، إذ يشمل الأغلبية (التي تضم حزب الأحرار) والمعارَضة (التي تضم حزب العدالة والتنمية).
يشكل تجديد النخب السياسية هاجسا دائما للمَلكية، إذ إن هذه النخب هي التي تتعاقب على واجهات مؤسساتها، لذلك فالمَلكية حريصة دوما على استمرار «التمرين الديمقراطي» الذي يوهِم الشعب بأن المؤسسات لها صلاحيات فعلية، وغاية ذلك كما صرح أخنوش في جلسة تقديم البرنامج الحكومي سنة 2021 هي: «استرجاع ثقة المواطن في العمل السياسي».
هذا هو ما يفسر المشاحنة الكلامية الأخيرة بين حزب العدلة والتنمية وحزب التجمع الوطني للأحرار؛ التقدم بأوراق اعتماد للمَلكية بأن الحزبين قادرين على تجديد واجهتها وتنفيذ قراراتها بما يجنبها الاستياء الشعبي. وفي تصريح الأزمي تحدٍّ لأخنوش بأنه لم يستطع القيام بما قام به العدالة والتنمية عندما كان في حكومة الواجهة سنة 2016، عندما نفذ أوامر إصلاح التقاعد. وأنَّب الأزمي أخنوش، لأنه صرَّح في البرنامج الحواري بأن إصلاح التقاعد يحتاج إلى توافق مع النقابات، صارخا في وجهه: «إذن أنتَ لست رئيس حكومة»، مذكرا إياه أن العدالة والتنمية حين قام بذلك سنة 2016 «تحمَّل مسؤوليته السياسية في ذلك»، والمقصود أنه تحدى الأصوات الرافضة لذلك الإصلاح آنذاك، ولم ينتظر حصول توافق مع النقابات… إلخ. وفي الأخير قال الأزمي بأنه حزبه مستعدُّ لتنفيذ ذلك الإصلاح/ التخريب: «لذلك عندما يأتي وقتنا لدينا مقترح لإصلاح التقاعد».
أي معارضة؟
في اللغة السياسية التي أرساها الاستبداد في المغرب، المعارضة يجب ألا تتعدَّى الحدود المرسومة لها؛ أي توجيه سهام الانتقاد إلى القناع/ حكومة الواجهة والتسبيح بحمد أصل البلاء/ الحاكم الفعلي للبلد (المؤسسة المَلكية). أَعدمت المَلكية المعارضات الجذرية (في سبعينيات القرن العشرين) وفرضت على المعارضة الليبرالية استسلاما مخزيا في نهاية التسعينيات، ولم يعد في الساحة الرسمية سوى ما يُطلَق عليه «معارضة جلالة الملك».
كان محمد الخامس قد حدد للمعارضة دورها منذ 1957: «معارضة الحكومة، لكن بكيفية بناءة إيجابية بحيث لا يقتصر على الانتقاد فحسب بل باقتراح سياسة أخرى جديدة متقنة كفيلة بأن تأتي بنتائج محسوسة»، وهو نفس الدور الممنوح لها في دستور 2011: «يجب على فرق المعارضة المساهمة في العمل البرلماني بكيفية فعالة وبناءة» (الفصل 10).
هذا هو الدور المتَّفق عليه من طرف أخنوش والأزمي. ولكن هناك جديد طبعا مرتبط بالسياق السياسي الحالي. ففي الوقت الذي كانت المَلكية تواجه معارضة وصفها محمد الخامس بـ»الانتقاد السلبي الذي لا يخلق إلا الأحقاد في النفوس والبلبلة في الأفكار»، والمقصود طبعا هو زرع الأحقاد في نفوس الشعب المغربي ضد الاستبداد السياسي، ووجه أمره بأن تُركز فقط على «معارضة الحكومة»، فإن المعارضة الحالية شيء آخر تماما.
قال أخنوش في البرنامج الحواري: «هناك معارضة وهناك معارضة. هناك معارضة مسؤولة وبناءة واقتراحية، وهناك معارضة تبحث عن البروز وتذهب في حال سبيلها»، وردَّ الأزمي لأخنوش الصفعة صفعتين حينما قال بأن البرنامج الحواري، الذي أجرته قناة SNRT news مع أخنوش، كان سببه هو: «أن رئيس الحكومة يريد أن يبرز، لأنه طيلة هذا الصيف كان غائبا أو تم تغييبه»، دون أن ينسى طبعا أن يذكر بأن العدالة والتنمية معارَضة اقتراحية: «عندما يأتي وقتنا لدينا مقترح لإصلاح التقاعد».
الأزمي: مهاجمة المنتخَب وخضوع تام لغير المنتخَب
تبدأ الديمقراطية الفعلية عند الدفاع على أن جميع السلط من أدنى مستوى إلى أعلاه يجب أن تكون منتخَبة. والواقع في المغرب أن الحاكم الفعلي وصاحب القرار ليس منتخَبا، بل مَلكية وراثية.
يقتصر ـ»التمرين الديمقراطي» عند الأزمي على مواجهة من يوجد على رأس المؤسسات المنتخَبة، حتى وهو مُدرك تماما أن تلك المؤسسات المنتخَبة لا سلطة فعلية لها. عند حديثه عن تكليف الملك لوزير الداخلية الإشراف على المشاورات مع الأحزاب السياسية إعدادا للانتخابات المقبلة، انتقد الأزمي أخنوش الذي صرح بأنه «فرحان لأنه استُبعد من هذه العملية»، وقال الأزمي: «سبب الحوار الصحفي هو أن رئيس الحكومة يريد أن يَبرز، لأنه طيلة هذا الصيف كان غائبا أو تم تغييبه وإقصاؤه من ملفات كبرى». وبدل أن ينتقد الأزمي «تغييب رئيس حكومة المنتخَب» أنبه قائلا: «في هذا الورش جاء رئيس الحكومة، وهو ليس في العير ولا في النفير، كي يقول لنا أنا ‹فرحان› لأنني خارج هذا الورش. فرحان كان الله في عونك». هذا كل ما استطاع الأزمي مناصرُ «التمرين الديمقراطي» أن يقوله في وجه سُلطة غير منتخبة (المَلكية) تستبعد رئيس حكومة الواجهة المنتخَب من الإشراف على الانتخابات: «كان الله في عونك»! تستدعي الديمقراطية الفعلية الوقوف إلى جانب المؤسسة المنتخبة (مهما كان الاختلاف مع من يوجد على رأسها) عندما تتعدَّى عليه سلطة غير منتخَبة، فالمنتَخب يخضع للمساءلة أمام المؤسسات المنتخَبة الأخرى (البرلمان)، بينما غير المنتخَب غير خاضع للمساءلة وبنص الدستور. لكن للأزمي منطق آخر، وهو نفس منطق أخنوش.
أضاف الأزمي مخاطبا أخنوش: «فنحن كذلك فرحانين لأن هذا الملف أكبر منك، كي تجلس في تشاور مع الأحزاب السياسية وبعد ذلك تُجري تحكيما وتتواصل مع وزارة الداخلية». بالنسبة للأزمي تدبير الانتخابات أمر أكبر من رئيس حكومة واجهة منتخَب، لذا فقد قبل وهو «فرحان» تكليفَ سلطة غير منتخَبة [المَلكية] وزارةَ الداخلية (وهي من وزارات السيادة: أي غير خاضعة للانتخاب بدورها)، لأنها وحدها القادرة على ذلك الأمر. وهو نفس إيمان عبد الإله بنكيران الذي صرح مؤكدا أن «نجاح هذا المسار لا يمكن أن يتحقق بعيدا عن إشراف المؤسسة المَلكية»، التي وصفها بـ»الضامن التاريخي والديني والأخلاقي لاستقرار البلاد». إذن فإشراف سلطة غير منتخَبة على الانتخابات (ويا له من تناقض!) ليس رهينا بلاكفاءة أخنوش، بل هو ثابت من الثوابت السياسية لحزب العدالة والتنمية.
واصل الأزمي مماحكته لأخنوش مجيبا إياه على ما قاله عن أن وزارة الداخلية هي المشْرِفة دوما على الانتخابات قائلا: «لا تحاول تبرير غيابك أو تغييبك، وتقول إن إشراف رؤساء الحكومة السابقين كان إشرافا شكليا. لا ليس هذا صحيحا. لأن إشراف رؤساء الحكومة إشراف مهم، وهو الذي يحسم»، مقدِّما مثال نقاش «العتبة الانتخابية» سنة 2016: «مثلا في نقاش العتبة (%3 أو %6) الذي حسم فيها هو السيد رئيس الحكومة الأستاذ عبد الإله بنكيران في جلسة مع وزير الداخلية ووزير العدل (مصطفى الرميد)»، متناسيا أن بنكيران نفسه صرَّح بأن «حزب العدالة والتنمية لم يكن مع تخفيض العتبة… لا يمكن أن تتصوروا أنني كنت أريد ذلك… لماذا سأقبل ذلك؟… أنا كنت أريد أن تكون العتبة 10 في المائة»، ليعترف بأن قبوله بالأمر كان بضغط من وزارة الداخلية: «ولكن لما سمعنا من باقي الأحزاب ومن وزارة الداخلية التي هي ليست أي وزارة، وسمعنا كيف ترى الأمور وتقدر المصلحة، تم اتخاذ قرار تخفيض العتبة» [7]… ولكم أن تتمعنوا جيدا في قول بنكيران عن وزارة الداخلية: «التي هي ليست أي وزارة»!
من أجل ديمقراطية فعلية
الديمقراطية الفعلية هي حكم الشعب نفسه بنفسه، ويستدعي هذا أن كل سلطة كيفما كانت يجب أن تكون منتخَبة. في السنوات الأولى التي تلت الاستقلال السياسي حاول يسار الحركة الوطنية (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) الحصول على حكومة منسجمة منتخَبة بصلاحيات فعلية، لكن بتوافق مع المَلكية. إلا أن هذه الأخيرة تمسَّكت بمطلق صلاحياتها، رافضة أي تنازل. وفي بداية التسعينيات نظمت الكتلة الديمقراطية (بزعامة الاتحاد الاشتراكي) حملة للمطالبة بإصلاحات دستورية تتيح للحكومة المنتخَبة نزرا يسيرا من الصلاحيات، وكان رد المَلكية صارما: رفض تام.
بعد الاستسلام المخزي للاتحاد الاشتراكي أمام المَلكية وقبوله تدبير الواجهة الحكومية (حكومة التناوب سنة 1998)، وظهور حزب العدالة والتنمية مكتسحا الساحة الانتخابية قابلا بالمَلكية المطلَقة، انتفت حتى المناوشات السابقة المطالبة بإصلاحات دستورية (باستثناء فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد اللذين يريدان تكرار سيناريو الحركة الاتحادية).
الواقع الحالي أن كل الأحزاب السياسية المنخرطة في الانتخابات تُدرك أن السلطة الفعلية توجد في يد سلطة غير منتخَبة، وهي المؤسسة المَلكية، وتلك الأحزاب قانعة بالدور الممنوح لها من طرف هذه السلطة: تطبيق برنامج الملك. وكل المشاحنات التي تدور بينها هدفها خداع الشعب والإسهام في إتقان خدعة الديمقراطية المزعوم وجودها في المغرب.
هذه الأحزاب كلها متفقة على أن البرنامج الوحيد الذي ستنفذه هو استغلال شغيلة وكادحي- ات البلد والدفاع عن مصالح الرأسماليين، وضمنهم العائلة المَلكية، التي تُعتبر أقوى أقسام الطبقة البرجوازية. لذلك فعندما ينتقد الأزمي أخنوش ويتهمه بتضارب المصالح (في قضية تحلية المياه)، فإنه يسكت عن أكبر تضارب للمصالح في البلد: الملكية محتكرة الحكم والاقتصاد.
إن أولى شروط الديمقراطية هو خضوع كل مستويات السلطة لمبدأ الانتخاب والعزل، ويمكن أن يشكل هذا أرضية لتوحيد فعل اليسار القائم بالمغرب، فالحزب الاشتراكي الموحد يطالب بـ: «إن جميع سلطات التقرير والتشريع والتنفيذ يجب أن تُوضع بين أيدي المنتخبين»، ويطالب النهج الديمقراطي العمالي بـ»إقامة سلطة ديمقراطية محليا، إقليميا، جهويا ووطنيا تعتمد مبدأ الانتخاب». وستُسهم وحدة فعل اليسار على إعداد القوة الوحيدة القادرة على تحقيق الديمقراطية الفعلية: الطبقة العاملة قائدة مفَقَّري- ات المدن والأرياف.
تبدأ الديمقراطية الفعلية عندما تقوم الطبقة العاملة على قدميها وتحطِّم مراكز السلطة السياسية والاقتصادية الممركزة بين أيدي الطبقة البرجوازية وممثلها السياسي، وإقامة سلطة شعبية فعلية تضع مقدرات البلد الاقتصادية والطبيعية في خدمة الشعب وليس في خدمة الرأسماليين بكل شرائحهم.
إعدادا لتلك اللحظة التاريخية يجب على اليسار أن يُتقن استعمال القائم من مؤسسات وانتخابات ليفتح أعين الشعب على حقيقة تلك المؤسسات وتلك الانتخابات، مع الوعي أن الحاسم هو ما يجري خارج تلك المؤسسات من نضالات عمالية وشعبية.
[1]- «عزيز أخنوش في “برنامج خاص” لاستعراض حصيلة أربع سنوات من عمل الحكومة واستشراف أولويات السنة الأخيرة»، 10-09-2025، https://www.youtube.com/watch?v=5ins77gyXhU.
[2]- «الأزمي يواجه أخنوش ويكشف سياق ومغالطات حواره الأخير»، 12-09-2025، https://www.youtube.com/watch?v=bWyipTUL0jk&t=1221s.
[3]- 12- 10- 2021، رئيس الحكومة السيد عزيز أخنوش يعرض البرنامج الحكومي في جلسة مشتركة لمجلسي النواب و المستشارين»، https://www.youtube.com/watch?v=um4RJQRL1bA&t=2s.
[4]- لكم (01-10-2016)، «بنكيران: لا تغروا الناس.. الملك هو رئيس الحكومة ورئيس الدولة وهو الذي يسير ويحكم»، https://lakome2.com/politique/49894.
[6]- مجلس المستشارين، «ربع قرن من الإنتاج التشريعي»، https://ebureau.chambredesconseillers.ma/sielcc/sources_cc/pdf-0065.pdf.
[7]- ياسين لتبات (31 غشت 2025)، «بنكيران: الانتخابات أمانة والمَلكية ضمانة لاستقرار المغرب»، https://tahqiqe24.com/بنكيران-الانتخابات-أمانة-والملكية-ضم.
اقرأ أيضا


