القصر الكبير: فيضان يغمر المدينة ويُعري سياسات التهميش

بقلم، سي. حر. دوف

تحوّلت مدينة القصر الكبير بالمغرب في الأيام الأخيرة إلى عنوان لأزمة فيضانية استثنائية، حبست أنفاس المدينة ووضعت سكانها أمام خطر وشيك. توالت الأمطار الغزيرة على حوض اللوكوس في وقت قصير وبكثافة غير مألوفة، فامتلأت المجاري والوديان وارتفع منسوب السيول القادمة من الجبال نحو السهل المنخفض الذي شيدت عليه  المدينة. بلغ سد واد المخازن، المفترض فيه أن يحمي المنطقة من الفيضانات، مستوى ملئ قياسي يناهز الحد الأقصى، فاضطرت المصالح التقنية إلى فتح بواباته وتنفيس جزء من مياهه لتفادي الخطر عن السد نفسه، لكن هذا «الحل الوقائي» ضاعف ضغط الماء على وادي اللوكوس ومحيطه. نتيجة لذلك، خرج النهر عن مجراه في نقاط عديدة، وغمرت المياه الحقول والأحياء السكنية المنخفضة بسرعة، فوجدت القصر الكبير نفسها محاصرة بين واد يمتلئ وسدّ لا يحتمل مزيدًا من الضغط، وسماء تمطر بلا انقطاع تقريبًا.

كشفت هذه الفيضانات عن هشاشة مزمنة في بنية المدينة: أحياء كاملة بُنيت في مجالات فيضية، وقنوات صرف لا تقوى على استيعاب هذا الحجم من المياه، وتوسع عمراني تجاه النهر دون ما يكفي من الحواجز والمنشآت الوقائية. لم يكن المشهد مجرد «غيث غزير» يغمر الشوارع لساعات، بل كان حالة شلل شبه تام؛ غمرت المياه البيوت والمتاجر والمستشفى المحلي، وانقطعت الكهرباء والإنترنت في مناطق عدة، وأُغلقت مداخل المدينة أو ضُيّقت الحركة فيها إلى حدّ بدت معه القصر الكبير، في ذروة الأزمة، كأنها مدينة أشباح. ارتفعت فجأة كلفة خيارات مائية وتنموية سابقة، استثمرت في مشاريع كبرى مثل «الطريق السيار المائي»، بينما وجدت آلاف الأسر نفسها في خيام وقاعات رياضية، تتقاسم البطانيات والقلق وتنتظر خبرًا عن منسوب السد والنهر.

أعلنت الدولة، أمام هذا الوضع، حالة استنفار قصوى، وأطلقت عمليات إجلاء واسعة شملت ما لا يقل عن 13 حيًّا سكنيًا، مع نداءات متكررة لعشرات الآلاف من السكان بمغادرة بيوتهم نحو مراكز إيواء أو مدن أخرى أكثر أمانًا. خرجت العائلات على عجل في الحافلات والقطارات، أو في سيارات متطوعين، نحو المدن المجاورة: الفنيدق وطنجة وأصيلة وفاس وغيرها، تاركة وراءها منازل لا تعرف إن كانت ستعود إليها قريبًا أم ستجدها بعد أيام أثرا بعد عين. في الداخل، بقي من لم يستطع الرحيل أو من اختار البقاء، محاطًا بحضور أمني كثيف وإغلاق لمداخل المدينة، وبقلّة في المعلومات الدقيقة حول ما يجري فعليًا في السد وفي مجرى اللوكوس، فازداد الإحساس بأن الخوف لا يأتي من الفيضان وحده، بل من الغموض والصمت أيضًا.

لا تنفصل هذه الفيضانات عن سياق أوسع من تغير مناخي يضرب شمال المغرب بنمط جديد من التساقطات: فترات قصيرة لكنها شديدة، تعيد رسم علاقة المدن بالأنهار والسدود والسهول المحيطة بها. غير أن ما منح حدث القصر الكبير صفة الاستثناء ليس المطر وحده، بل تراكب عوامل الطبيعة مع اختيارات التخطيط الحضري، واستعمال المجال، وطريقة تدبير السدود والمخاطر، ما جعل أي اضطراب مناخي أقرب إلى امتحان قاسٍ لقدرة المدينة على الصمود أو الانهيار. هنا تتضح الصورة، إذ لسنا أمام «كارثة طبيعية» خالصة، بل أمام أزمة تكشف هشاشة البنى العمرانية والمؤسساتية، وتعرّي منطقًا في تدبير المجال يعامل بعض المدن كسهل فيضي بشري يمكن تعريضه للخطر حين تشتد الحاجة إلى حماية مراكز أخرى أو استدامة اختيارات سابقة.

من هذه اللحظة ذاتها، يمكن أن نطرح السؤال الأعمق؛ كيف صارت القصر الكبير مدينة يُهجر سكانها؟ إن التغير المناخي، والنزوح، واقتصاد التبعية ليست عناوين مجردة، بل مفاهيماً مفتاحية لفهم كيف وصلت مدينة نابضة مثل القصر الكبير إلى لحظة تُغلق فيها مداخلها، ويُدعى سكانها إلى المغادرة الجماعية، ويبدو فيها الخوف قدرًا يوميًّا أكثر منه استثناءً عابرًا.

تشير الأخبار المتواترة إلى أن مدينة القصر الكبير فارغة تمامًا، والناس أصلا يشعرون كل يوم أن شيئًا ما يُستلب من جوهرها: شبابها يغادرون، وأحلامها تضيق، وحديث المستقبل فيها يصبح خافتًا. لا يحدث هذا فجأة ولا بسبب فيضان واحد أو موسم مطير استثنائي، بل ينمو كمرض قديم تغذّيه سياسات اقتصادية جائرة، واختلال مجالي عميق، وتغير مناخي لا يصنع الأزمة وحده بل يعجّل بانفجارها. تغرق القصر الكبير في الماء والوحل حين يفيض النهر، لكنها قبل ذلك وبعده تغرق في الإهمال، وفي الإحساس بأن المدينة، على غرار باقي المدن، وإن بتفاوت صارخ، تُدار من بعيد، وأن من يعيش بها لا يُسأل عن رأيه ولا عن مصيره.

عُرفت القصر الكبير، منذ عقود، كمدينة فلاحية وتجارية نابضة، مرتبطة بحوض اللوكوس، تمرّ منها الشاحنات، وتتردد عليها اليد العاملة، وتتحرك فيها الأسواق الصغيرة بكل ما تحمله من ضجيج وروابط بشرية. كان الفلاح يبيع محصوله، ويشتري حاجاته، ويعود إلى قريته وهو يشعر أن المدينة امتدادٌ لحياته، لا شيئًا غريبًا عنه. حين تغيّرت سياسات الفلاحة، وصار الهمّ هو التصدير والربح السريع، خرجت القصر الكبير ببطء من قلب المعادلة. لقد انتقلت الأرض والماء إلى ضيعات كبرى، وصارت القيمة تُخلق هنا وتُحوَّل إلى أماكن أخرى، وبقي الناس يواجهون البطالة وغلاء المعيشة وضعف الخدمات. صار الفلاح يمر من المدينة دون أن يجد فيها عملًا إضافيًا أو خدمة تحفظ كرامته، وصار الشاب يسمع عن الأرباح الكبيرة في الحوض نفسه، لكنه لا يلمس منها سوى آثارها الهشة على الهامش.

في الموازاة، كبرت مدن مثل طنجة والدار البيضاء والرباط، وامتلأت بالموانئ والمناطق الصناعية والطرق السيارة، بينما بقيت القصر الكبير تنظر من بعيد. لا تتلقى المدينة إلا ما يكفي لإدارتها إداريًا: جماعة تُسيّر، وميزانيات محدودة، وقرارات مهمة تُبتّ في العاصمة أو في مقرات الجهة. يتبادر إلى كثيرين هنا أن مدينتهم ليست فاعلًا في الحاضر، بل ملفًا في أرشيف الإدارة، تُدار بهدف «الاستقرار» أكثر مما تُدار بهدف الحياة. تُبنى أحياء جديدة بسرعة، لكن دون رؤية واضحة لمستقبلها ولا لخدماتها ولا لطرق حمايتها من الخطر، فيتضاعف الإحساس بأن التخطيط يجري فوق رؤوس الناس، لا بمشاركتهم.

ثم جاء السيل ليكشف كل هذا. في الأيام الأخيرة، عاش سكان القصر الكبير واحدًا من أكثر الفصول توترًا في تاريخ المدينة القريب: تسارعت الأخبار عن امتلاء سد وادي المخازن بنسبة قياسية، وتداول الناس أرقامًا عن 140%، وعن احتمال فتح بوابات السد. في الليل، بدأت الهواتف ترنّ تحمل تعليمات بالإخلاء، ودعوات إلى المغادرة «قبل فوات الأوان»، ورسائل متسارعة على تطبيقات التواصل، وصور لسيارات شرطة ودرك وجيش تستنفر في الشوارع. وجد كثيرون أنفسهم مضطرين إلى حمل ما خفّ وزنه من الملابس والأوراق والذكريات، والخروج في العتمة نحو حافلة أو قطار أو سيارة متطوع، دون أن يفهموا جيدًا إلى أين سيذهبون ولا كم من الوقت سيغيبون.

انتقل الناس إلى الفنيدق، وإلى طنجة وأصيلة والعرائش، وإلى مدن أبعد، عبر رحلات منظمة وأخرى عفوية. بعضهم تكدّس في خيام أو قاعات رياضية، وبعضهم استضافه أقارب أو عائلات فتحَت بيوتها تضامنًا، وآخرون بقوا عالقين بين هنا وهناك، بانتظار خبر يطمئنهم على منازلهم. في المخيمات، اختلط الخوف بالتعب، وغلب الصمت في لحظات كثيرة، لأن السؤال الكبير ظل معلقًا: هل نعود غدًا؟ بعد أسبوع؟ أم أن حياتنا ستتشتت بين مدينة غمرها الخطر ومكان جديد لا نعرف عنه الكثير؟

في القصر الكبير نفسها، حكى من بقي عن شوارع فارغة إلا من سيارات القوات العمومية، وعن حواجز تمنع الدخول، وعن أحياء صارت مناطق مغلقة لا يُسمح بالاقتراب منها. تحدث الناس عن انقطاع محتمل للماء والكهرباء والإنترنت، وعن خوف من السرقة ومن ترك البيت بلا حماية، حتى وإن أكدت السلطات أنها تحرس الأحياء. لم يطلب كثير من السكان أكثر من شيء بسيط: معلومة واضحة، وكلمة تطمين صادقة، وخريطة تقول لهم ماذا يجري في السد وفي الوادي وفي مدينتهم، ومتى يمكن أن تنتهي حالة الانتظار الثقيلة هذه.

لم تبدأ الهجرة من القصر الكبير مع آخر فيضان. منذ سنوات، يراقب الناس أبناءهم وهم يبحثون عن مستقبل في طنجة أو خارج المغرب، لأن المدينة لا تمنحهم ما يكفي من العمل أو الأفق أو الفضاءات التي تحترم طموحاتهم. ويُضاف هذا كلّه الآن إلى خوف جديد من أن تصبح الفيضانات جزءًا من الحياة العادية، ومن أن يتحوّل كل فصل مطير إلى حالة طوارئ جديدة. حين تقول المدينة لشبابها أن مدارسكم مكتظة، ومستشفاكم متردي، وفضاءاتكم الثقافية شبه منعدمة، وفرصة عمل غير مضمونة، ثم تضيف أنه ربما تُطلب منكم المغادرة في أي ليلة بسبب خطر الفيضانات، فإنها تدفعهم عمليًا إلى الرحيل ولو ظل القلب متعلقًا بالمكان.

يخسر الحي، مع كل موجة نزوح، بعض وجوهه؛ فهذا جار يسافر ولا يعود، وهذا تاجر يغلق محله، وتلك أسرة تقرر الاستقرار في مدينة أخرى لأن «الوليدات لازم يقراو في بلاصة آمنة». يضعف النسيج الاجتماعي، ويقلّ عدد الذين يملكون الطاقة والوقت لتنظيم مبادرات جماعية أو للدفاع عن حقوقهم في وجه القرار المركزي. تبدو المدينة كأنها تنزف ببطء، لا عبر صور الخراب الكبيرة فقط، بل عبر التفاصيل الصغيرة؛ مقهى كان يعجّ بالضحك، صار هادئًا أكثر من اللازم؛ وملعب ترابي كان يمتلئ بالأطفال، وصار خاليًا في المساء؛ وأسرة تغير عنوانها إلى مدينة أخرى.

في كل هذا، يظهر بوضوح منطق إدارة الأزمة: استنفار أمني، وقرارات سريعة بالإخلاء، وحضور قوي للسلطات في الشارع، يقابله حضور ضعيف لصوت الناس في القرار. يقدّر السكان وجود من يحاول حمايتهم من الخطر المباشر، لكنهم يتساءلون أيضًا لماذا ننتظر دائمًا اللحظة الأخيرة؟ ولماذا لا يشاركنا أحد في رسم خريطة الخطر والحلول؟ ولماذا يتحوّل الخوف إلى رفيق دائم، بدل أن تتحوّل التجربة إلى فرصة لإعادة بناء علاقة جديدة مع المدينة وفرصة لإعادة تنظيم المجتمع على أسس مغايرة تماما تضمن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية؟

لم تفقد القصر الكبير حب أهلها؛ ما فقده كثيرون هو الإحساس بأن السياسات تأخذهم بالحسبان حقًّا، وتعتبر أمنهم وكرامتهم أولوية لا ثمنًا جانبيًا للتنمية في أماكن أخرى. في تفاصيل ما يجري هنا، يمكن أن نرى قصة بلد غير متكافئ، فهنا مركز يزداد قوة وبريقًا، وأطراف تدفع كلفة هذا البريق من استقرارها وأمانها وأحلام أبنائها. تُفرَّغ المدينة شيئا فشيئا من الحياة، كي يتركز الاستثمار والثروة في مكان آخر، ويُعاد توزيع الخطر على من يملكون أقل.

إذا أرادت القصر الكبير، والمدينة المغربية عموما، أن تستعيد أنفاسها، فلن يكفي أن يُعاد طلاء الواجهات أو أن تُنظَّم زيارات رسمية في أوقات الأزمات. تحتاج المدينة إلى أن تُعامَل كحق: حق في استثمار عمومي يحترم حياتها اليومية، وحق في تخطيط يُصاغ مع سكانها لا فوق رؤوسهم، وحق في اقتصاد محلي يعيد ربط الأرض بالمجتمع، وحق في حماية اجتماعية وبيئية تجعل مواجهة الفيضان أقل رعبًا وأكثر عدلًا. من دون ذلك، سيظل النزوح خيارًا منطقيًا لكثيرين، وستبقى القصر الكبير حاضرة في نشرات الأخبار كلما ارتفع منسوب الماء، وغائبة حين يُتحدَّث عن السياسات الكبرى، وكأنها تفصيل يمكن تجاوزه في قصة بلد يسير بسرعتين.

شارك المقالة

اقرأ أيضا