قانون مالية 2026: الدولة، المديونية، وإعادة إنتاج الهيمنة الطبقية في المغرب

اقتصاد, سياسة, مقالات21 فبراير، 2026

منشور في العدد 88 من جريدة المناضل-ة

بقلم سليم نعمان

لا يمكن التعامل مع قانون مالية 2026 بوصفه مجرد وثيقة تقنية لتنظيم الموارد والنفقات، كما يقدَّمه الخطاب الرسمي، بل باعتباره أداة سياسية مركزية تعبّر عن ميزان القوى الطبقي داخل المجتمع. إنه الشكل الذي تتجسّد فيه اختيارات الدولة الاقتصادية، وحدود تدخلها الاجتماعي، والفئات التي تتحمّل كلفة الحفاظ على «التوازنات» المالية.

وقد صادق البرلمان على القانون بأغلبية مريحة ودون تسجيل امتناع عن التصويت، في مشهد يعكس تطبيعًا سياسيًا مع اختيارات اقتصادية كبرى لم تكن موضوع نقاش عمومي حقيقي، سواء داخل المؤسسة التشريعية أو خارجها (وزارة الاقتصاد والمالية، التقرير الاقتصادي والمالي، 2025).

سياق اقتصادي هشّ وأعباء اجتماعية متصاعدة

يأتي قانون مالية 2026 في سياق يتسم بتباطؤ نسبي في النمو، وارتفاع كلفة المعيشة، واستمرار هشاشة سوق الشغل. فحسب المعطيات الرسمية، تبلغ نفقات الميزانية حوالي 761 مليار درهم مقابل موارد في حدود 712 مليار درهم، مع عجز متوقع في حدود 3% من الناتج الداخلي الخام (وزارة الاقتصاد والمالية، 2025).

غير أن هذا «التحكم» في العجز لا يعكس تحسنًا في شروط عيش الأغلبية الاجتماعية، إذ إن خدمة الدين العمومي وحدها تتجاوز 108 مليارات درهم، أي ما يفوق الميزانيات المخصصة لقطاعات اجتماعية أساسية، وهو ما يكرّس توجيه الفائض الاجتماعي نحو الدائنين بدل الاستثمار الاجتماعي المنتج (صندوق النقد الدولي، مشاورات المادة الرابعة، 2025).

خطاب التنمية: وظيفة إيديولوجية لا التزام اجتماعي

يرتكز الخطاب الرسمي المصاحب لقانون المالية على مفاهيم مثل «النجاعة الاقتصادية» و«التنمية الشاملة» و«العدالة الاجتماعية». غير أن هذه المفاهيم تؤدي وظيفة إيديولوجية واضحة، تتمثل في نزع الطابع التناحري عن السياسات العمومية وتقديمها باعتبارها خيارات تقنية محايدة.

فالنجاعة الاقتصادية، كما تُمارس فعليًا، تعني ضبط الأجور، و«ترشيد» الإنفاق الاجتماعي، واحترام صارم للتوازنات التي توصي بها المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، مقابل هوامش محدودة جدًا لإعادة توزيع الثروة (صندوق النقد الدولي، التوقعات الاقتصادية الإقليمية، 2024-2025).

النظام الجبائي: من إعادة التوزيع إلى إعادة إنتاج الاستغلال

تشير معطيات قانون مالية 2026 إلى ارتفاع الإيرادات الضريبية إلى أكثر من 376 مليار درهم، بزيادة تفوق 14% مقارنة بالسنة السابقة. ومع أن هذه الأرقام تُظهر نمواً في القدرة التحصيلية للدولة، فإن تحليل بنية هذه الموارد يكشف استمرار اعتماد النظام الجبائي المغربي على الضرائب غير المباشرة، وفي مقدمتها الضريبة على القيمة المضافة، التي تشكل عبئاً غير متناسب على الأجراء والفئات الشعبية. فطبيعة هذه الضرائب الاستهلاكية تجعلها تثقل كاهل الفئات المتوسطة والضعيفة بنسبة أكبر من دخولها، نظراً لأنها تستهلك معظم مداخيلها في الحاجات الأساسية المعرضة للضريبة.

في المقابل، يظل رأس المال الكبير محمياً عبر مجموعة من الإعفاءات الضريبية والتحفيزات القطاعية، مع غياب ضرائب تصاعدية حقيقية على الثروة والأرباح الكبرى. هذا التفاوت الهيكلي يحول النظام الجبائي من أداة لإعادة توزيع الثروة وتحقيق العدالة الاجتماعية، إلى آلية مؤسساتية تستخلص الفائض الاقتصادي من الطبقات الكادحة. وتتجلى هذه الآلية في تحميل الفئات الشعبية عبء التمويل العمومي، بينما تتمتع الشركات الكبيرة والفئات الميسورة بامتيازات ضريبية تجعل مساهمتها هزيلة.

بهذا المعنى، تتحول الجباية إلى حلقة في سلسلة إعادة إنتاج الاستغلال، حيث يتم تحويل الموارد المستخلصة من الأجراء والمستهلكين نحو خدمة الدين العمومي الذي يستحوذ على حصة متزايدة من النفقات، وتمويل شروط تراكم رأس المال عبر البنى التحتية والحوافز الاستثمارية الموجهة أساساً نحو القطاعات الرأسمالية الكبيرة. وهكذا، يكرس النظام الجبائي المغربي التفاوت الاجتماعي بدلاً من تخفيفه، ويحد من الدور التوزيعي للدولة لصالح وظيفة تمويلية تخدم استدامة الدين العام ودعم شروط الربح الخاص.

إن هذا الواقع يفرض ضرورة مراجعة جذرية للنظام الضريبي، تتجه نحو إرساء ضرائب تصاعدية حقيقية على الثروة والأرباح العالية، وتخفيف جدري للاعتماد على الضرائب غير المباشرة، وحتى إلغاءها على مواد الاستهلاك الجماهيري الأساسية، وربط التحصيل الضريبي بتحسين الخدمات الاجتماعية وجودة الحياة للمواطن العادي. فبدون هذه الإصلاحات، ستظل الجباية أداة لإعادة إنتاج التفاوت وهيكلة الاستغلال، عوض أن تكون آلية للتضامن وإعادة التوزيع العادل للثروة.

الدعم الاجتماعي: إدارة للفقر بدل ضمان للحقوق

رغم الإعلان عن رفع الميزانيات المخصصة للصحة والتعليم إلى حوالي 140 مليار درهم، فإن هذا المجهود يظل غير كافٍ لتعويض سنوات من التقشف وتفكيك الخدمات العمومية. فما يُقدَّم على أنه تحسّن كمّي لا يعالج الخلل النوعي في بنية الخدمات العمومية، التي ظلت تعاني من نقص مزمن في التمويل والجودة، مما حوّلها إلى خدمات مشروطة بقدرة المواطن المالية بدلاً من كونها حقوقاً مضمونة للجميع.

في هذا السياق، يأتي التحول نحو الدعم النقدي المباشر المُوجَّه ليكمل الصورة، حيث يحوّل السياسة الاجتماعية من منطق الحقوق الشاملة، إلى منطق الاستهداف والإعانة المشروطة. فبدلاً من ضمان التعليم الجيد والرعاية الصحية الشاملة للجميع كحقوق أساسية، تتحول الدولة إلى مُوزِّع انتقائي للمساعدات، تُحدَّد شروطها ومعاييرها وفق حسابات تقنية وإدارية تخفي خلفها منطقاً سياسياً واجتماعياً محدداً.

لا يهدف هذا النموذج الجديد للدعم الاجتماعي إلى القضاء على الفقر هيكلياً، بل إلى إدارته وضبطه اجتماعيًا بأقل كلفة مالية ممكنة. فالتحول من الدعم العام للسلع الأساسية إلى الدعم النقدي المُستهدَف يُمكِّن الدولة من:

  • التحكم في حجم الإنفاق الاجتماعي بدقة أكبر
  • تجنب الضغوط المالية الناتجة عن التزامات دائمة
  • تحويل المسؤولية عن الفقر من النظام الاقتصادي إلى الأفراد والأسر

الأخطر في هذا التحول هو تفكيك أي إمكانية لبناء تضامن اجتماعي واسع حول الحقوق الاقتصادية. فالدعم المُستهدَف يُقسِّم الفقراء إلى فئات وشرائح، ويحوّل النضال من أجل الحقوق الجماعية إلى منافسة فردية على الموارد المحدودة. وهكذا، يتحوّل الفقير من حامل لحقوق يجب على المجتمع والدولة ضمانها، إلى متلقٍ للمساعدة يجب أن يشكر عليها ويخضع لشروطها.

يتماهى هذا النموذج مع التحول في النظام الجبائي، فكما تُستخلَص الموارد من الطبقات الشعبية عبر الضرائب غير العادلة، تُعاد إليها بشكل انتقائي ومشروط عبر برامج الدعم المُستهدَف. وتُحوَّل «الالتزامات الدستورية» في مجالات الصحة والتعليم والتأمين الاجتماعي إلى خدمات مُجزأة ومساعدات مؤقتة، ما يفرغ مفهوم المواطنة الاجتماعية من مضمونه ويحوله إلى علاقة «رعاية» بين الدولة والمواطن.

بهذا المعنى، يصبح الدعم الاجتماعي أداة لإدارة الفقر وليس لمحاربته، وللتحكم في الاحتجاج الاجتماعي وليس لتحقيق العدالة الاجتماعية. وهذا ما يفسر استمرار التفاوتات رغم النمو الاقتصادي، واستمرار تدهور الخدمات العمومية رغم الزيادات المالية المعلنة، لأن جوهر المشكلة ليس في حجم الموارد فحسب، بل في طبيعة النظام الاجتماعي الذي حوّل الحقوق إلى إعانات، والمواطنين إلى متسولين، والتضامن إلى إدارة بيروقراطية للفقر.

الاستثمار العمومي: الدولة في خدمة التراكم

تبلغ الاستثمارات العمومية، بما فيها استثمارات المؤسسات والمقاولات العمومية، حوالي 179 مليار درهم، وهو رقم يُقدَّم في الخطاب الرسمي كدليل على الدور التنموي للدولة وريادتها الاقتصادية. غير أن تحليل طبيعة هذه الاستثمارات يكشف تركيزاً واضحاً على البنيات التحتية الكبرى، واللوجستيك، والقطاعات المرتبطة بالتصدير، في إطار أولويات تخدم بالأساس اندماج الاقتصاد المغربي في الأسواق العالمية وتسهيل عمليات تراكم رأس المال.

يهيئ هذا النمط من الاستثمار العمومي الشروط المادية والتنظيمية لتراكم رأس المال الخاص، حيث تتكفل الدولة بالمخاطر الأولية والاستثمارات الأساسية ذات التكلفة العالية والعائد البطيء، بينما تُترك المجالات الأكثر ربحية للقطاع الخاص. فالدولة تبني الموانئ والطرق السريعة والمجمعات الصناعية، ثم تُخصخص لاحقاً تشغيلها واستغلالها لمصلحة الشركات الكبيرة، محلية كانت أو أجنبية.

تتم هذه العملية ضمن إطار شراكة غير متكافئة، حيث تتحمل الخزينة العمومية عبء الاستثمارات الأساسية وضمانات القروض، بينما تُخصخص الأرباح وتُسرَّب إلى فئة محدودة من المستفيدين. وهكذا، يتحول الاستثمار العمومي من أداة لتعزيز الملكية العامة وتلبية الحاجات الاجتماعية، إلى آلية لدعم الربح الخاص عبر توفير البنية التحتية المدعومة بالمال العام.

في المقابل، يظل الاستثمار في القطاعات الاجتماعية الأساسية محدوداً ومتراجعاً نسبياً. فالصحة العمومية، والتعليم الجيد، والسكن الاجتماعي، والنقل العمومي المستدام، تتقاسم حصة ضئيلة من مجمل الاستثمارات العمومية. يكرس هذا الخلل الهيكلي هشاشة إعادة إنتاج قوة العمل، حيث تُترك الأسر والطبقات الشعبية تتحمل تكاليف تعليم أبنائها وصحتهم وسكنهم، بينما تستفيد المقاولات الكبرى من البنية التحتية المجهزة من المال العمومي.

يخلق هذا النموذج تناقضاً بنيوياً: فالدولة تستثمر بكثافة في تهيئة الظروف المثلى لتراكم رأس المال، بينما تهمل الاستثمار في الإنسان الذي يشغل هذه المنشآت وينتج ثروتها. النتيجة هي اقتصاد تنمو فيه الفجوة بين الإنتاجية المتزايدة للأعمال، والأجور المتدنية والظروف المعيشية الهشة للعمال.

بهذا المعنى، يصبح الاستثمار العمومي أداة في خدمة التراكم الرأسمالي أكثر من كونه وسيلة لتحقيق «التنمية البشرية المتوازنة». وتتعزز هذه الوظيفة من خلال التكامل مع النظام الجبائي القائم على استخلاص الفائض من الطبقات الشعبية، ونظام الدعم الاجتماعي القائم على إدارة الفقر بدل القضاء عليه.

إن هذا الثالوث – النظام الجبائي المجحف، والدعم الاجتماعي المُستهدف المُفتِّت، والاستثمار العمومي المُوجَّه نحو خدمة الربح الخاص – يشكل نظاماً مترابطاً يعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي والاستغلال الاقتصادي. ويظل التحدي الأكبر هو الانتقال من هذا النموذج إلى نموذج تنموي يجعل من الاستثمار العمومي أداة حقيقية للتحول الاجتماعي والاقتصادي، عبر إعادة توجيهه نحو القطاعات الاجتماعية والإنتاجية التي تخدم الأغلبية وتضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للجميع.

الدين العمومي: علاقة هيمنة بنيوية

يشكل الدين العمومي المحور الخفي الذي يدور حوله قانون مالية 2026 برمته. فخدمة الدين، التي تتجاوز 108 مليارات درهم، تعني عملياً تحويل جزء كبير من الموارد العمومية المنتزعة من قوة العمل عبر النظام الجبائي، إلى جيوب الدائنين المحليين والدوليين. ليست هذه العملية محايدة اقتصادياً، بل تشكل نظاماً دائرياً لتحويل الثروة من المنتجين الحقيقيين إلى حاملي السندات والبنوك…

وتؤكد تقارير صندوق النقد الدولي أن الحفاظ على «استدامة الدين» يظل الأولوية القصوى للسياسات المالية المغربية، حتى وإن تطلّب ذلك تقليص هوامش الإنفاق الاجتماعي أو تأجيل الاستثمارات العمومية ذات العائد الاجتماعي. وهنا يتحول الدين من أداة تمويل ظرفية كما قد يُتصوّر نظرياً، إلى علاقة هيمنة دائمة تُقيد القرار السيادي وتفرض منطق التقشف المقنّع على مختلف مناحي السياسة العمومية.

يتجلى هذا المنطق في أولوية تسديد أقساط الدين والفائدة على كل اعتبار آخر، مما يحوّل الميزانية العمومية إلى آلة لخدمة الديون بدلاً من كونها أداة لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية. وتتضاعف الآثار الاجتماعية لهذه الأولوية عندما نربطها ببقية عناصر المنظومة؛ فالإيرادات المستخلصة عبر النظام الجبائي غير العادل، والتي يُفترض أن تموّل الخدمات الاجتماعية، تُحول بدلاً من ذلك لسداد الديون التي تخدم في جزء كبير منها مصالح القطاع المالي.

تتحول هذه العلاقة إلى هيمنة بنيوية عندما يصبح الدين نفسه عاملاً مشروطاً للسياسات. فشروط المقرضين وتوصيات المؤسسات المالية الدولية لا تتعلق فقط بالسياسة المالية، بل تمتد لتشمل هيكلة الاقتصاد وسوق الشغل والسياسات الاجتماعية. وهكذا، تتحول «استدامة الدين» إلى ذريعة لتبرير خصخصة المرافق العامة، وتقليص الإنفاق الاجتماعي، وتحرير الأسواق لصالح رأس المال الكبير.

بهذا المعنى، يصبح الدين العمومي أكثر من مجرد أرقام في الميزانية، إنه آلية لضبط وإدارة الاقتصاد والمجتمع وفق منطق خدمة الدائنين وحماية مصالح القطاع المالي. وتتعمق هذه الهيمنة عندما يجري تمويل جزء كبير من الدين عبر السوق المالية المحلية، مما يخلق تحالفاً مصلحياً بين الدولة والطبقات المالكة التي تستثمر في سندات الخزينة، على حساب الطبقات الشعبية التي تتحمل وطأة النظام الجبائي وتقشف الخدمات العمومية.

تكشف هذه الدينامية عن تناقض جوهري: فالدولة المفترض أنها تحمي «المصلحة العامة» وتوزيع الثروة بشكل عادل، تتحول إلى أداة لتحويل الموارد من الفقراء والعمال إلى الأغنياء والدائنين. ويصبح «الانضباط المالي» المطلوب لخدمة الدين ذريعة لتبرير نظام اقتصادي واجتماعي يكرس التفاوت ويعيق أي تحول حقيقي نحو العدالة الاجتماعية.

هذه العلاقة الدائرية – حيث تُستخلص الموارد من الشعب عبر الضرائب غير العادلة لخدمة ديون تثقل كاهل الدولة والشعب معاً – تكمل الصورة المترابطة للنموذج الاقتصادي القائم. فكما أن النظام الجبائي يستنزف موارد الكادحين، والدعم الاجتماعي يُفتت تضامنهم، والاستثمار العمومي يخدم تراكم رأس المال، فإن الدين العمومي يربط هذه الحلقات كلها في علاقة هيمنة بنيوية تجعل الخيارات الاجتماعية رهينة لاعتبارات مالية وتجارية، وتفرغ السيادة الوطنية من محتواها الحقيقي لتصبح مجرد إدارة تقنية لعلاقات الديون والتبعية.

قانون لإدارة الأزمة لا لتجاوزها

لا يمثل قانون مالية 2026 قطيعة مع النموذج الاقتصادي القائم، بل يعكس تعميقه وتكريسه في إطار مؤسساتي. إنه قانون يُدير الأزمة بدل معالجتها، ويُعيد إنتاج نفس الاختيارات الهيكلية التي راكمت المديونية العمومية، ووسّعت الفوارق الاجتماعية، وقيّدت “الدور الاجتماعي” للدولة بشكل منهجي.

يظهر هذا المنطق بوضوح في الطبيعة التراكمية للأرقام المقدمة: ارتفاع الإيرادات الضريبية المتحقق عبر استمرار الاعتماد على الضرائب غير المباشرة، وزيادة المخصصات الاجتماعية المقدمة في إطار منطق الإعانة المشروطة، والاستثمارات العمومية الموجهة نحو خدمة القطاعات الأكثر ربحية، وخدمة الدين التي تلتهم حصة متزايدة من الموارد الوطنية. كل هذه العناصر تشكل أجزاء من آلة اقتصادية واحدة تعمل بتناسق لإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية القائمة.

وبينما يُقدَّم الخطاب الرسمي في ثوب «التنمية الشاملة» و«العدالة الاجتماعية»، يكشف التحليل أن جوهر قانون المالية يتمثل في ثلاث أولويات متكاملة، وهي ضمان استقرار شروط تراكم رأس المال عبر توفير البنى التحتية المدعومة واليد العاملة الرخيصة، وحماية مصالح الدائنين عبر إعطاء الأولوية المطلقة لخدمة الدين العمومي، وتحويل كلفة التوازنات المالية إلى الطبقات الشعبية عبر النظام الجبائي المجحف وسياسات الدعم المحدود والمشروط.

هذه الأولويات تشكل دائرة مغلقة؛ إذ تُستخلص الموارد من الكادحين عبر الضرائب غير العادلة، لتُوجه نحو خدمة ديون تثقل كاهل الاقتصاد، بينما تُخصص الفتات المتبقية لبرامج اجتماعية تُدار كمساعدات مؤقتة لا كحقوق دائمة. وفي المقابل، تستفيد الفئات الميسورة ورأس المال الكبير من الإعفاءات الضريبية والاستثمارات العمومية الموجهة، في غياب أي أفق لتحول اقتصادي واجتماعي حقيقي.

يكشف هذا القانون، بذلك، عن المفارقة الأساسية للنموذج التنموي المغربي. فبينما تُقدَّم الأرقام الكبيرة كدليل على التقدم والنمو، يظل المنطق الداخلي للنظام موجهاً نحو إدارة التفاوت وإعادة إنتاج الفقر بدل القضاء عليه، وتكريس التبعية بدل بناء السيادة الاقتصادية، وتفكيك التضامن الاجتماعي بدل تعزيزه. قانون مالية 2026، في النهاية، ليس إلا ترجمة مالية لاختيارات سياسية تفضل استقرار النظام القائم على حساب تحولات عميقة تمس أسس التفاوت والاستغلال والاستبداد.

شارك المقالة

اقرأ أيضا