فلسطين: مذبحة مستمرة في خدمة رأس المال المفترس

المقال منشور في العدد 62 من اسبوعية جريدة المناضل- ة

خوانخو ألفاريز  Juanjo Álvarez

نعاين منذ عامين القتل المنظم والمتعمد للشعب الفلسطيني، الموصوف، من وجهة نظر القانون الدول بالإبادة جماعية، وكذلك من الناحية السياسية. توالت، طوال عامين، الصور كما في لعبة فيديو خرجت عن السيطرة، وكنا شهودا على إبادة شعب يكافح بقوة لا تقاوم، لا تتزعزع، ولكنها قبل كل شيء حتمية: لا يمكن فعل شيء سوى محاولة البقاء على قيد الحياة، إذ لا يمكن لأي شعب أن يقل يمكنه إبادته.

بيد أنه يجدر توسيع الإطار لمسعيا إلى بلوغ منظور واسع نسبياً، أو على الأقل محاولة الخروج من تأثير المذبحة، لفهم ما يحدث. في هذا السياق، ربما يمكننا أن نبدأ بتذكر دور فلسطين ودولة إسرائيل ليس فيما يتعلق بالصراع على الأراضي، الذي له وزنه الواضح، بل في التوازن العام للعلاقات الطبقية، الذي يتجلى على الصعيد الدولي في استغلال الشمال للجنوب وتوزيع العمل الدولي الذي يُمفصل هذه العلاقة. تحتوي هذه المنطقة من العالم على أهم إنتاج للنفط وأكثره استقرارًا في العالم، ولها قدم في البحر الأحمر، معبر الجزء الأعظم من حركة مرور البضائع الدولية. جلي أن القوى التي تحكم الاقتصاد العالمي لن تتخلى عن سيطرتها على منطقة بهذه الأهمية؛ في الواقع، توازن الاقتصاد العالمي برمته قائم منذ قرون عديدة على هذا الواقع: تسيطر القوى الغربية وتدير، بشكل مباشر أو مداور، إنتاج المواد الخام التي تتحول بعد ذلك إلى منتجات وخدمات مصنعة. بالإضافة إلى الدفع، الذي يُفترض أنه مستحق للشعب اليهودي بسبب الهولوكوست 1، فإن ما يدعم موقف الدولة الإسرائيلية هو وضعها كنقطة ارتكاز للعالم الغربي في عنصر أساسي لإنتاج الثروة، وقبل كل شيء، لتوازن الطبقات. تنهض الدولة الإسرائيلية هذه المهمة وتؤديها بحزم، لأنها تدرك أنها المبرر الوحيد لوجودها كدولة غريبة عن السكان الأصليين وعن تقاليد المنطقة وثقافاتها ولغاتها.

ومع ذلك، فإن هذا الموقع يزداد قسوة. يتعلق الأمر، للوهلة الأولى، بحالة عنيفة بطبيعتها، لأنها عنصر من عناصر الاستعمار، تختلف عن المستعمرات التقليدية وأيضًا عن صيغ الاستعمار المالي والإنتاجي الجديد، ولكنها في النهاية استعمار يتطلب جرعة مستمرة من القوة على المنطقة التي يندرج فيها. العامل الذي يزيد من الضغط هو أن رأس المال، كما يشرح دانيال ألباراسين 2، يمر بفترة طويلة من ركود معدل الربح.

بعد الدفعة المؤقتة التي مثلها النمو في مجال الرقائق الدقيقة والتقدم الإنتاجي الذي حققته هذه التكنولوجيا، لا يزال رأس المال يبحث عن عامل يسمح له بالخروج من حالة الركود الإنتاجي المستمرة لعقود، وفي ظل عدم تحقيق الذكاء الاصطناعي (AI) لأي فائدة فعلية، لم يتبق له سوى الخيارات التي استخدمها تاريخياً: زيادة الضغط على العمل وزيادة عائدات الاستخراج. أي الاستغلال والمصادرة. ودور  دولة إسرائيل أساسي في المصادرة، حيث تؤدي دور الشرطة الإقليمية التي تحافظ على النظام في ظروف استخراج النفط ونقل البضائع.

إن مواجهة رأس المال لمعدلات ربح راكدة لا يعني أنه لا يدر أرباحًا، بل أن أرباحه مستقرة، أي أنه لا يتمكن من زيادة إعادة الانتاج، وبالتالي لا يمكنه السماح بتوزيع متزايد للعائدات: فهو بحاجة إلى الاحتفاظ بالأرباح والبحث عن موارد لإعادة الاستثمار فيها مع زيادة الاستغلال؛ ومن هنا تزداد النزاعات وتزداد عدوانية اليمين السياسي، سواء على الصعيد الوطني أو الدولي. بالطبع، لا يحدث هذا بنحو آلي: يتعلق الأمر  بتطور سياسي خسر فيه اليسار العالمي المعركة السياسية، ويفتقر إلى مقدرة قيادة الاستجابة لمشكلات الطبقات الشعبية. إن دعم الـrednecks الأمريكيين والأحياء الصناعية في أوروبا للقوى اليمينية المتطرفة المعادية للأجانب ليس ظاهرة طبيعية، بل هو نتيجة لهزيمة سياسية.

ونتيجة لهذا الوضع وهذه الهزيمة، تزداد الضغوط على الأراضي المستغلة. التحول المؤسسي يظهر التوازن الجديد مع فقدان الأهمية والوزن السياسي للمؤسسات التي كانت تؤوي التعددية، والتوجه نحو الشخصيات التي تمثل طليعة اليمين الراديكالي الجديد. ليست إسرائيل، في هذا السياق، سوى الروح المطلقة لرأس المال الذي يتطلب استخراجاً متزايداً، وبالتالي يحتاج إلى أن تمارس شرطته في الشرق الأوسط عملاً أكثر وحشية وتدميراً. إن للمذبحة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني تاريخ مديد، ولكنها في الوقت الحالي تؤدي وظيفة تأديبية لا غنى عنها ولا يمكن تأجيلها. لا يتعلق الأمر بفلسطين وحدها: الفلسطينيون والفلسطينيات يدفعون بأجسادهم ثمن الرسالة التي يتعين على القوى الرأسمالية أن توجهها إلى ذلك الجزء الهائل من العالم الذي يُخضعونه تحت صيغة الاستعمار الجديد. في أجساد المقاتلين الفلسطينيين المقطعة (أعتقد أنه من الأفضل قول الشعب الفلسطيني) تكتب أوامر التحكم التي يجب أن تتلقاها إيران، ولكن أيضاً سائر البلدان التي تحتل مواقع تابعة في النظام العالمي، حتى تلك التي لعبت بالشعب الفلسطيني لمصلحتها الخاصة.

المذبحة الفلسطينية، الإبادة الجماعية، هي نتاج التاريخ، ولكنها تحددها الآن رؤوس أموال غير قادرة على تلبية حاجتها إلى نمو مستقر. لا يوجد مخرج، في إطار رأس المال، سوى فرض الانضباط والسيطرة. لذلك، فإن الإبادة الجماعية للفلسطينيين ضرورية لرأس المال، كما أنه من الضروري لنا جميعاً، نحن الذين نقف ضدها، أن نفهم أن هذه ليست سوى عنصر مرئي، مروع بشكل مذهل، من حرب طبقية عالمية لا تُختصر  في الصور الوحشية على وسائل التواصل الاجتماعي والأخبار المرعبة، بل في إعادة انتاج رأس المال أو القضاء على الرأسمالية.

لذلك، فإن الرد الجماعي على الإبادة الجماعية هو لمحة عما يجب أن يتشكل كتمفصل سياسي في مواجهة الأنظمة السياسية لليمين الدولي والليبرالية الاجتماعية. لا يمكننا أن نسمح لأنفسنا بالاستسلام للهزيمة ولو لدقيقة واحدة أخرى، فمن الضروري بناء بدائل تسمح بتوسيع المساحات في الصراع الطبقي والحفاظ على تعبئة لا يمكنها أن تغفل أن المذبحة التي بثت على التلفزيون وانتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي في جميع أنحاء العالم هي ذروة المذبحة، ولكنها ليست شذوذاً. في الواقع، إن إخضاع الشعب الفلسطيني – وإدماجه كعمالة رخيصة في النظام الإنتاجي الإسرائيلي – هو واقع مستمر منذ عقود وسيستمر إذا لم نبن كتلة أممية صلبة قادرة على الرد ودعم الصراع الطبقي الدولي. إسرائيل هي، قبل كل شيء، معقل القوى المركزية لرأس المال في الشرق الأوسط، ولن تتوقف عن استخدام كل ما يلزم من عنف للحفاظ على النظام. المذبحة، في لحظة جيوسياسية حاسمة، ضرورية لعمل رأس المال، ولن تتوقف إلا إذا تمكنت القوة الطبقية العالمية التي نبنيها من كل إقليم من وقفها. ولهذا يجب أن ندرك أن هذا ليس شيئًا استثنائيًا سيتوقف باتفاق وقف إطلاق نار بائس، بل أن العنف ضد الشعوب المضطهدة هو  معيار رأسمالية منفلتة من عقالها على نحو متزايد.

يندرج استئناف الهجمات، في الأسابيع التي أعقبت وقف إطلاق النار ، في منطق الحفاظ على التوتر في المنطقة. بالطبع، ليس الشرق الأوسط المنطقة الوحيدة ولا الصراع الوحيد الذي تتنافس فيه بدائل الرأسمالية، ولكنه على الأرجح المنطقة التي تظهر فيها التجربة الأكثر عنفاً ووحشية بشكل صارخ. يبدو جليا أن هذا العنف هو الذي دفع مئات الآلاف من الناس إلى النزول إلى الشوارع في جميع أنحاء العالم، ولكن من المهم أن نتذكر أن الأمر لا يقتصر على ذلك فحسب، بل يتعلق بمستقبل جميع الشعوب في ظل رأسمالية تزداد عنفاً ولا تملك بديلاً آخر لأنها تمر بأزمة طويلة الأمد تهدد بقاءها. نجد أنفسنا، أكثر من أي وقت مضى، في لحظة تجعل شعار روزا لوكسمبورغ القديم صحيحاً: ”الاشتراكية [التي نسميها الآن الاشتراكية الايكولوجية] أو الهمجية“.

خوانخو ألفاريز مناضل اشتراكي ايكولوجي.

المصدر:

https://vientosur.info/palestina-una-masacre-constante-al-servicio-de-un-capital-depredador/

شارك المقالة

اقرأ أيضا