محاميد الغزلان: نضالات بلدة في مواجهة السياسات النيوليبرالية

المقال منشور في العدد 62 من اسبوعية جريدة المناضل – ة

يندرج احتجاج سكان محاميد الغزلان ضمن مسار طويل من نضالات القرى والمناطق المهمشة في مواجهة سياسات دولة اعتمدت، منذ عقود، اختيارات نيوليبرالية عمّقت التفاوتات ووسّعت هوة الإقصاء. ففي الهوامش البعيدة عن المركز، حيث يتضاءل الاستثمار العمومي وتغيب البنيات الأساسية، يجد السكان أنفسهم في مواجهة العطش والبطالة واستنزاف الموارد، في ظل نموذج تنموي لا ينصفهم. ومن هذا السياق العام يمكن فهم تعاقب محطات الاحتجاج في البلدة، من الماء إلى الأرض ثم إلى المطالبة بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية.

الحق في الماء: مواجهة العطش والتهميش (2013)

لم تكن أزمة الانقطاعات المتكررة للماء الصالح للشرب مجرد عطب تقني، بل تجسيداً ملموساً لموقع البلدة في أسفل سلّم الأولويات. حين يُترك السكان للعطش بينما تُوجَّه الموارد إلى مراكز النفوذ، ينكشف الطابع الطبقي لتدبير الخدمات الأساسية. خروج الساكنة للاحتجاج كان دفاعاً مباشراً عن حقها في الحياة، ورسالة واضحة بأن الماء ليس امتيازاً تمنحه السلطة، بل حقاً يُنتزع.

مشكل الأرض (2022–2025)
تطورت الاحتجاجات لاحقاً مع صدور مراسيم التحديد الإداري لأراضي الجموع، لتنتقل المعركة من الحق في الماء إلى الحق في الأرض. آلاف الهكتارات أصبحت موضوع قرارات فوقية، رأت فيها القبائل تفويتاً مقنّعاً . هنا يتجسد منطق السياسات النيوليبرالية بوضوح: تحويل الأرض من مجال عيش جماعي إلى أصل عقاري قابل للتصرف وإعادة التوزيع وفق ميزان القوة.
أمام ذلك، لم تكتف الساكنة بالتنديد، بل نظمت وقفات متعددة، وخاضت مسارات قضائية، وواجه بعض نشطائها المتابعات. لأن القضية بالنسبة لهم ليست مسطرة إدارية، بل دفاع عن شرط الاستمرار الاجتماعي والثقافي.

 الخوف من العزل الاقتصادي: إعادة رسم الخريطة لصالح المركز
اليوم يتجدد الحراك مع مشاريع طرق يُخشى أن تعيد توجيه الحركة الاقتصادية بعيداً عن البلدة. في منطقة تعتمد أساساً على السياحة الصحراوية، قد يعني تغيير المسارات ضرب استثمارات شبابية بُنيت بجهود ذاتية، دون دعم فعلي من الدولة.
يتضح هنا تناقض صارخ: الدولة التي قصّرت في توفير البنيات الأساسية، تتدخل لإعادة هيكلة المجال بما يخدم منطق الربحية الكبرى، حتى وإن كان الثمن إضعاف اقتصاد محلي هش. إنها إعادة إنتاج للمركز على حساب الهامش، ولكن بأدوات جديدة.

خيط ناظم: من العطش إلى العزل
ما يربط هذه المحطات الاحتجاجية ليس مجرد التسلسل الزمني، بل جوهر الصراع نفسه: تهميش بنيوي يفرزه “نموذج تنموي” يرى في القرى خزّاناً للموارد وسوقاً للربح “السياحي” ، لا فضاءً للعيش الكريم. من عطش الماء إلى تهديد الأرض، ثم محاولات العزل الاقتصادي، ينكشف نفس المنطق: الدولة تعيد إنتاج الفوارق وتقوّض حقوق سكان القرى، ومحاميد الغزلان ليست استثناء، بل نموذج مكثف لما تعيشه قرى عديدة من نزع لحقوقها المادية والرمزية.

ما العمل ؟
إن التعامل مع كل ملف بمعزل عن الآخر يتيح احتواءه وتفكيكه. لذلك يصبح ربط نضالات الماء والأرض والشغل في إطار تنسيقيات أوسع ضرورة ملحة. المطلوب تجاوز الطابع المحلي نحو أفق جهوي ووطني، وتوحيد المطالب حول عناوين واضحة: الحق في الموارد، “العدالة المجالية”، ووقف تفويت الأراضي الجماعية.
عندما تلتقي هذه المعارك في أفق مشترك، يتحول الغضب المتفرق إلى قوة اجتماعية منظمة. فالمعركة ليست معركة بلدة واحدة، بل معركة كل الهامش في مواجهة منطق يضع الربح قبل الإنسان. وتوحيد النضالات هو الخطوة الأولى لجعل الدفاع عن الخبز والأرض والكرامة مشروعاً جماعياً يصعب عزله أو تجاهله.

بقلم العاصي

 

شارك المقالة

اقرأ أيضا