تفاعل نقدي مع نقاش حول الفئوية في النقابة (دفاعًا عن الفئوية لا تبريرا للتجزئة، أو في الحاجة لنقد العمل النقابي من موقع تحمل المسؤولية فيه)
مقال منشور بالعدد 65 من اسبوعية جريدة المناضل-ة
بقلم؛ غميمط ع الله
المقدمة
إن تثميننا لفتح النقاش داخل الحركة النقابية لا يعني القبول بالمنهج الذي يدار به هذا النقاش. فالسجال الحقيقي لا يجب أن يكون فقط فوقيا أو عبر المقالات بالشكل الذي يفرغه من محتواه التقدمي، بل يجب أن يتم أساسا داخل القواعد النقابية المساهمة في العمل الميداني والتي تتسخ بطينه وهي تنتج وتطور أداءها النضالي وتتحمل في الوقت نفسه كلفته، أي النقد من موقع تعقيدات تدبير المعارك والمفاوضات والصراع ومستوياته وكذا المعرفة العلمية بواقع القطاع وتراكماته ومآزقه ومستوى التلاحم والتضامن وكذا الخذلان وتاريخه وتجاربه وطبيعة الثقافة النقابية التي تم ترسيخها لعقود وموازين القوة وآليات ترميمها…. وغيره، حتى لا نؤطر قراءتنا ونجعلها سريرا لبروكست نشوه عبرها واقع فعلنا متوهمين بناء فهم له، ونحن نتحدث عن نقابة مجردة لا علاقة لها بالعمل النقابي الملموس في واقعه الملموس فبالأحرى انتظاراتنا الكبرى منها.
صحيح أننا نتفق على مبدأ حق الشغيلة في التنظيم النقابي المستقل الذي يحتفظ بالمسافة الضرورية من السلطة ونظام تسلطها والقادر على كبح جماح سياسات النظام واختياراته، لذلك فإن هذا الحق لا يمكن فصله عن مضمون هذا التنظيم ووظيفته. فليست كل الأشكال التنظيمية تخدم بالضرورة مصلحة الشغيلة فبعضها يرسخ التدجين والجر لمستنقع التعاون، وليس كل تنظيم كتلة صلبة موحدة بقدر ما تخترقه مصالح متنافسة ومتناقضة، كما أن رفض شكل معين للتنظيم من موقع الوعظ يحولنا إلى نمط من القراءة الاستبطانية التي تسقط مشاعرنا الخاصة على مقاربتنا التي نريد من خلالها ملء الفراغ الرهيب الذي يخيم على حقل إنتاج المعرفة بشأن أزمة الحركة العمالية والاجتماعية المركبة بالمغرب بصفة عامة، إن تفكيرنا في تطوير واستيعاب أشكال تنظيم نقابي قادرة على الجدب والاشتباك وتحضيرها للمعارك المستقبلية هو الهاجس الذي ينبغي أن لا نغفله من خلال ما سيأتي وإلا سيكون كلامنا مجرد ترف يعمق الهشاشة وتفويت الفرص بشكل لا يغتفر، وبالتالي فإن فرض أشكال تنظيم على الشغيلة هو أول عيب ينبغي علينا التخلي والتخلص منه خصوصا وأننا نقول بضرورة بناء أشكال قاعدية ديمقراطية تتجاوز محاولات شرذمة الصفوف وتشتيت طاقتها بالشكل الذي يسهل احتواءها، إننا أحوج للتسلح بتاريخنا النضالي النقابي وبخبرتنا لفهم مهامنا، وهذا وحده ما يمكن أن يسعفنا في مساءلة الجدوى النضالية لمبادرة تأسيس نقابة للتعليم الابتدائي.
إن الجمع بين مبدأ “التواجد حيث يتواجد الشغيلة” و“قول الحقيقة لهم” يطرح إشكالا عمليا: هل نقارب وعي الشغيلة من داخل تجربتهم النضالية أم من موقع وصاية تعتبر ما يعبرون عنه مجرد أوهام؟ إن هذا السؤال الذي يعبر عن قلقنا المشروع هو سؤال مبرر من موقع وعينا بحال الحركة النقابية بالمغرب التي تسير من سيء لأسوأ فيطلب منها باسم تثبيت وضعها وترميمه الوصول بها إلى ذروة السوء أي إلى نقابات جوفاء مهجورة وبلا دور.
إن المنظور النقابي الديمقراطي ينطلق من أن وعي الشغيلة يتطور في معمعان الصراع، وليس عبر تصحيحه من خارج هذا الصراع.
كما أن حصر النقاش في “مبررات الفئوية” يعزل الظاهرة عن سياقها المادي ويستعيض حتى عن محاولات فهم أسباب النفور من العمل النقابي بتكريسه وتبريره.
فالفئوية ليست فقط نتيجة رؤية خاطئة، بل تعبير عن اختلالات حقيقية في التمثيل وميزان القوى داخل النقابات نفسها، وبالتالي فإن نقدها يتطلب معالجة جذورها، لا الاكتفاء بنقد مبرراتها.
أما الحديث عن “توحيد الشغيلة”، فلا يمكن أن يكون شعارا مجردا، بل هو سيرورة تبنى عبر نضالات ملموسة، وعبر استعادة الثقة في العمل النقابي والتخلي عن السلبية والنفور منه وكذا كل أشكال العجز والتخاذل والتفويض الحالية، وليس عبر رفض أشكال تنظيمية تلجأ إليها فئات تعليمية تشعر بالتهميش.
إن المدخل الحقيقي لتقوية وحدة الشغيلة عموما، ليس بإدانة الفئوية بشكل مجرد والدفاع عن وحدة متحكم فيها وتحت إمرة وتعليمات المخزن، بل بتوسيع قاعدة العمل النقابي والتنسيق والتشبيك وتشجيع المبادرات على أسس ديمقراطية قاعدية فعلية، وضمان تمثيلية حقيقية لكل الفئات، وربط نضالاتها ضمن أفق وحدوي ينبني من الأسفل لا يفرض من الفوق، ويمكن في هذا الصدد الاستئناس بالتجربة البرازيلية حيث بلغت عدد النقابات فيها في أواخر التسعينات إلى ما يتجاوز 16.000 نقابة قبل أن تأتلف في اتحاد مركزي للعمال جسد بالفعل حركة نقابية عمالية ديمقراطية حقيقية التقت مع الحركات الاجتماعية الأخرى، إن الانفتاح على هذه التجارب هو ما يعوزنا في قراءاتنا المتسرعة التي تتوهم التغيير بالنقابات الرسمية، قراءتنا التي تغمض عينيها عن بدائل تاريخية لبناء حركة نقابية جديدة وفاعلة…
على أي، وبمحاولة تفصيلنا في النقط التي أوردها رفاقنا في قراءتهم فإن:
النقطة الأولى: رغم ما تضمنته مضمون النقطة الأولى من حرص معلن على “الوحدة النقابية”، لكنها سقطت في تناقض جوهري: فهي تخلط بين الوحدة كشعار مجرد، والوحدة كواقع مادي ملموس داخل الشغيلة. ومن هنا، فالمنظور النقابي الديمقراطي ينطلق من تفكيك هذا الخلط ووضع الأصبع على مكامن القصور فيه.
أولا، القول بأن الفئوية مجرد “نتاج للتجزئة” فيه تبسيط مخل بالواقع.
فالفئوية في السياق الملموس لقطاع التعليم، ليست اختيارا إيديولوجيا بقدر ما يمكن اعتبارها رد فعل نضالي على فشل البنيات التنظيمية النقابية القائمة في تمثيل مصالح فئات واسعة من الشغيلة والتي تعوزها المحاسبة والتمثيلية والمشاركة، بنيات تضع هوة رهيبة بينها وبين قواعدها وتفتح الباب للتنظيم النقابي ليقوم بأدوار سياسية بئيسة للدولة ويفوت عن النقابة القيام حتى بأدوارها الاقتصادية فبالأحرى أن يصهر ممارسته في بوتقة الصراع الطبقي، إنها ممارسة تحول النقابة إلى مجرد أداة من أدوات الدولة في تدرير الوعي وتدبير الفوائض البشرية المنتجة لفائض القيمة.
حين تعجز النقابة “الموحدة” عن تنظيم الاحتجاجات ولو بنفس خبزي صرف للتعبير عن مطالب بعض الفئات بعينها بما يتناسب مع انتظاراتها معبرة عن عجز أضحى من ثوابت بنيتها في إطار التحولات العميقة التي عرفتها، فإن ما يعوزنا في دفاعنا عن “الوحدة” هو عجزنا عن تشكيل تصور واضح وجلي لمعنى التمثيل، إن الشغيلة باختصار شديد لا “تتوهم” بل تستنتج من واقعها المادي وتجربتها الملموسة أن أدواتها التنظيمية أصبحت بلا جدوى، تنظيمات مذعنة لهواجس الرأسمال ومصالحه، تنظيم نقابي نفض يديه من كل ما يؤسس لعلة وجوده، تنظيم تحجر التواصل فيه فكيف يمكن له مد اليد أو حتى كيف يستقيم فهمنا مده يد النضال للأجزاء الأخرى من الحركة الاجتماعية الأوسع، ولنعد أياما قليلة للخلف لننظر لأنفاس حركة جيل z كيف كانت تختنق أمام أنظارنا ونحن نشيعها لمثواها الأخير، إن كل دفاع عن هذه الأشكال من التفريط حتى في أبسط مطالب المنتسبين لهذه التنظيمات هو بكل وضوح انسياق خلف الدفاع عن نقابة منكمشة باستمرار…
ثانيا، الحديث عن “وجوب تصحيح شعور الشغيلة” ينطوي على نزعة وصائية واضحة ومستفزة ينبغي الحذر منها، وأستاذية متعالية فوق الشغيلة، فالشعور هنا ليس وهما نفسيا، بل هو تكثيف لتجربة نضالية تراكمية: إضرابات لا تستكمل، ملفات مطلبية تجزأ، اتفاقات فوقية لا تعكس ميزان القوى الحقيقي، التفريط حتى في الأمان الوظيفي للشغيلة عبر النظام الأساسي لشغيلة التعليم في نسخته الأولى التي أسقطتها الجامعة الوطنية للتعليم التوجه الديمقراطي. لذلك، فالمطلوب ليس “تصحيح الشعور” بل تحليل شروط إنتاجه.
ومن منظور نقابي ديمقراطي، هذا الشعور هو مؤشر على أزمة تمثيلية حقيقية أو قل ليستقيم المعنى هو تمرد على السير المستقيم للمركزيات النقابية نحو “المأسسة” والابتعاد عن النضال والقبول بأدوار مرسومة باليد الريعية الطفيلية لنمط اقتصادي يؤدي دور السمسار في تفويت مقدرات البلاد في كل المجالات والقطاعات وليس مجرد انحراف عن “الوعي الصحيح”.
ثالثا، تحميل “الدولة” وحدها مسؤولية عدم الاستجابة للمطالب، مع تبرئة الأشكال التنظيمية، فيه هروب من النقد الذاتي، ومن المسخ الذي أصاب هويتها وتخليها عن العمل النقابي الفعلي وتأقلمها مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تعصر العمال وعموم المقهورين، بل هو يحمل في احشائه تصورا لنقابة التشارك والتفاوض، وتبريرا للإيديولوجيا السياسية للفئات المهيمنة على هذه التنظيمات النقابية.
نعم جهاز الدولة هو أداة التكتل الطبقي وجهاز قهره الذي من الوهم تصوره جهازا محايدا يستوي فوق المصالح المتناحرة أو يتخذ نفس المسافة من الجميع، لكن شكل التنظيم النضالي يؤثر مباشرة في ميزان القوى. حين تكون الشغيلة مشتتة عبر نقابات عديدة ، فإن النتيجة تكون بالضرورة هي إضعاف القدرة على فرض المطالب، ولنأخذ على سبيل المثال مؤسسة انتاجية تخترقها التنظيمات التي يعول عليها رفاقنا لبناء وحدتهم ، فهل يعقل الحديث في وضع كهذا عن جدوى الوحدة المومأ إليها أعلاه ، إن التشديد على ضرورة ترك الأمور تسير كما هي عليه بمسوغ الخوف على وحدة داخل “المجازر” لتنظيم عملية النحر والمحافظة عليها ليس إلا جنوحا نحو خدمة الرأسمال وضمان ثبات المستوى الراهن من إجهاض كل مبادرات وجهود إعادة بناء موازين قوى لصد الهجوم العدواني على حقوق ومكتسبات منتجي الخيرات، ومن هنا تبرز الفئوية المكافحة كإمكانية لإعادة تركيز القوة النضالية داخل فئة متجانسة لها مطالب واضحة في أفق تعميمها وتخليصها من أوهام التعاون الطبقي ونعم التفاوض “المسؤول” مرتين في العام والاستسلام المخزي طيلته، إن ما ينبغي التفكير فيه هو كيف يمكن استثمار هذه النجاحات التي يحققها النضال والزخم الفئوي وصبه في إطار تنظيمي قادر على تثويره وتطويره وليس سمل هذه العين التي نحاول أن نرى قيود بشاعة تخريب البلاد من خلالها.
رابعا: الادعاء بأن الفئوية تعيد إنتاج التجزئة يغفل أن هذه الأخيرة قائمة أصلا داخل “الوحدة الشكلية القائمة”. ما يسمى بالملف المطلبي العام غالبا ما يخفي تراتبية داخلية بين الفئات، حيث تتضرر مطالب فئات معينة في سياق الحوارات الاجتماعية مع المشغلين، إن تناول الرفاق لهذا الموضوع يتسم بمحاولة فكه المقصود عن التجارب المباشرة.
الفئوية في هذه الحالة، ليست تكريسا للتجزئة بل فضحا لها ومحاولة لإعادة بناء التوازن داخل الصراع الاجتماعي، إنها تجاوز لمحاولات جر التنظيمات النقابية للانتظارية وتبنيج طلائع النضال والتصدي لأي صعود عمالي، إن رفاقنا يرفضون خلق بيت جديد للعمال أفقا جديدا لهم إنهم يعاكسون اتجاه الانعتاق من وضع أضحى منفرا، إنهم لا يستطيعون تحمل اعباء الانغراس حتى بين اجراء قطاع فبالأحرى في اوساط الطبقة العاملة.
خامسا: بخصوص التفاوض، فالنقد الموجه لفكرة تمثيل الفئات داخل التفاوض يتجاهل أن الإقصاء هو أحد أسباب فقدان الثقة. المطلوب ليس إلغاء تمثيل الفئات بل دمقرطة التفاوض فعليا عبر ربطه بالجموع العامة، والرقابة القاعدية، وإمكانية المحاسبة والعزل. هنا تلتقي الفئوية مع الأفق النقابي الكفاحي، ليس كبديل عن الوحدة، بل كأداة ضغط من داخلها أو عليها.
سادسا: المثال الذي تم تقديمه حول نضالات 2023 صحيح من حيث إبراز قوة الوحدة النضالية، لكنه يغفل أن تلك الوحدة لم تكن نتاج “وحدة نقابية فوقية”، بل نتاج تنسيق قاعدي بين فئات متعددة بعد تراكم الخيبات، لكل منها خصوصيتها، كما يتجاهل كون هذه الوحدة لم تبن من خلال البنيات القائمة والتي يدعوننا للمحافظة على جمودها باسم ضرورة عدم تجاوز تخوم دوائر أولئك الذين يتقاسموننا، أي أن الوحدة الحقيقية بنيت من الأسفل، لا من الأجهزة، فهل ينبغي علينا التصدي لكل مقاومة جديدة ولٱليات تجسدها للمحافظة على مصداقية عمل نقابي زبائني بلا مصداقية.
خلاصة:
ليست المسألة بين “الوحدة” و”الفئوية” كاختيارين متناقضين، بل بين:
وحدة شكلية بيروقراطية تفرغ النضال من مضمونه ولا تملك تصورا ولا برنامجا واضحا لما هو مطلوب بل ترى الوحدة من منظار “قانوني” وليس نضالي، وبين أشكال تنظيمية تبدعها الشغيلة (بما فيها الفئوية) تعيد بناء الفعل النضالي على أساس المصالح الملموسة للشغيلة، بالإمكان فعلاً أن تلوموننا على هذه الخيارات ولكن هذه هي رؤيتنا التي ترمي لبناء أدوات عمل نضالي جدي وجاد من حيث اتساعها وعمقها وانغراسها وعزمها على النضال الميداني ، إن ما يخجل هو أن نظل مكتوفي الأيدي باسم طابوهات تنظيمية وبرنامجية نابذة ومتعاونة ومندمجة في جهاز الدولة.
الفئوية من هذا المنظور، ليست هدفا في حد ذاتها، بل لحظة في سيرورة إعادة بناء وحدة نضالية حقيقية ديمقراطية، ومن الأسفل. أما الدفاع المجرد عن “الوحدة” دون مضمون كفاحي، فليس سوى غطاء لاستمرار نفس الأعطاب التي دفعت الشغيلة أصلا إلى البحث عن بدائل ودفاعا بلا جدوى عن قيادات لايمكن تنحيتها ولا محاسبتها ولا حتى انتخابها.
النقطة الثانية: في مسألة ضعف التمثيلية.
إن الطرح الذي يعتبر أن “ضعف التمثيلية الفعلية داخل أجهزة القرار النقابي” لا يستدعي سوى تعميق “الوحدة النقابية الجامعة” وتجاوز التعبير الفئوي، يبدو في ظاهره دفاعا عن وحدة الشغيلة، لكنه في جوهره دفاع عن تمثيل مزيف قائم على أرضية الاستبداد السياسي والاستغلال الاقتصادي والقهر القانوني الأمني أي أنه يغفل المحددات المادية والواقعية التي تنتج هذا الضعف أصلا. فالمسألة ليست مسألة شكل تنظيمي محايد، بل تعبير عن علاقات قوة داخل النقابة، حيث يكون الصراع أفقي ضمني، تهيمن فيه فئات معينة على القرار، بينما يتم تهميش فئات أخرى بشكل ممنهج ومع ذلك يطلب منها أن تهتف وتصطف خلفها.
من منظور نقابي ديمقراطي، لا يمكن اختزال التمثيلية في مجرد “اختيار ديمقراطي حر” داخل فضاء نقابي موسع، لأن هذا الفضاء نفسه غير متكافئ. فكيف يمكن الحديث عن تمثيلية عادلة في ظل اختلال موازين القوى؟
إن الدعوة إلى تجاوز الفئوية هنا تتحول عمليا إلى دعوة لإعادة إنتاج نفس مراكز النفوذ داخل الأجهزة النقابية ولتأميم النقابات لفائدة الدولة بل الأنكى من ذلك أنها تلتقي في الخطوط العريضة مع ما يهندس راهنا من أجل إخراج قانون النقابات الذي يريد غل أيدي العمال في تنظيمات رسمية مهذبة ولا تتجاوز الخطوط الحمراء التي يمكن أن تزعج الدولة.
إن الفئوية، في هذا السياق، ليست نقيضا للوحدة، بل نقيض للولاء وتعبير جد متقدم عن رفض الاعتداء على الحريات النقابية واهدارها وسيطرة أصحاب الرأسمال ومعاونيهم وجهاز الدولة على تنظيماتهم. هي آلية دفاعية تلجأ إليها فئات من الشغيلة حين تغلق أمامها قنوات التمثيل الحقيقي داخل النقابة الجامعة، هي بحث مضن عن قوة التنظيم العمالي وبالتالي، فإن رفض الفئوية بشكل مبدئي ومجرد، دون معالجة أسبابها البنيوية وشروطها التاريخية، يفرغ الخطاب الوحدوي من مضمونه الكفاحي، ويجعله مجرد غطاء لاستمرار الهيمنة وتزييف إرادة الشغيلة واجهاض مطالبها وآمالها.
أما التخويف من تحول أجهزة القرار إلى “لوبيات فئوية”، فهو يتجاهل أن النقابة مجال خاضع للصراع بين مكونات الشغيلة، كما أنه تكهن لا يهدف للإقناع بقدر ما يريد الاخضاع. الفارق هو أن الفئوية المعلنة تفضح هذا الواقع، وتدفع نحو إعادة التوازن، بينما الفئوية المقنعة تكرس الإقصاء باسم “الوحدة” وتريد تحويل شرائح لمجرد عتالين لشرائح أخرى.
إن التمثيلية الحقيقية لا تبنى فقط عبر آليات شكلية، بل عبر صراع ديمقراطي داخل النقابة، يفرض حضور كل الفئات المتضررة ويعيد توزيع القوة داخل الأجهزة. وفي هذا الإطار، يمكن للفئوية أن تلعب دورا تقدميا، إذا ارتبطت بأفق وحدوي كفاحي، لا يهدف إلى الانعزال، بل إلى فرض شروط وحدة حقيقية قائمة على الاعتراف المتكافئ بكل مكونات الشغيلة.
وعليه، فإن المدخل الصحيح لمعالجة ضعف التمثيلية ليس رفض التعبيرات الفئوية أو بصيغة أخرى ليس الاحتجاج على كسر القيود التي تلجم المبادرات النضالية والتخفف من أشكال بغيضة من البيروقراطية اللاجمة لمسيرة التاريخ، بل العمل على تحويل هذه الفئوية من نزعة انعزالية محتملة إلى رافعة نضالية تساهم في تقوية النقابة الجامعة والموحدة فعلا لا شكلا وهي قادرة على القيام بالباقي مهما كان شاقا وعسيرا.
النقطة الثالثة: في تناول هذه الفقرة، يقتضي المنظور النقابي الديمقراطي،
عدم الاكتفاء برصد التناقضات الشكلية في مقاربتنا لموضوع الفئوية، بل النفاذ إلى جوهرها المادي المرتبط بطبيعة الصراع داخل الحركة النقابية وشروط إعادة بنائها.
أولا: فيما يخص مسألة “التناقضات الواجب تدبيرها”، فإن الطرح الوارد في النص يسجل بحق غياب التوضيح من طرفنا، لكنه يقف عند حدود مطلب الشفافية دون تفكيك طبيعة هذه التناقضات نفسها. هذه التناقضات ليست مجرد إشكال تدبيري أو تواصلي، بل هي تعبير عن صراع موضوعي بين مستويين:
مستوى وحدة الشغيلة كضرورة تاريخية لمواجهة الهجوم الطبقي؛ ومستوى تمايز شروط الاستغلال داخل نفس القطاع، الذي يفرز حاجات نضالية خاصة بفئات معينة. وعليه، فالإشكال ليس في كون القيادة لم تفصل، بل في غياب وعي نقابي جماعي قادر على تحويل هذه التناقضات من عنصر شلل إلى رافعة تنظيمية.
فالشغيلة لا تحتاج فقط إلى “شرح التناقضات” ولا لوصاية سياسية أبوية لبورجوازية مفلسة مقرصنة لأدوات نضالها، بل إلى أدوات تنظيمية ديمقراطية مستقلة وقوية ونابعة من ارادتها تمكنها من تدبيرها بشكل واع (تنسيقيات قاعدية، جبهات نضالية قطاعية، ربط المطالب الفئوية بالأفق الوحدوي) وتعمل على التماسك وتشبيك فعلها النضالي مع باقي روافده الجماهيرية ليصب في بحر النضال العام ويتجاوز النكسات القسرية.
ثانيا: بخصوص ما اعتبر تناقضا بين “الفئوية كاختيار” و”الفئوية كنتيجة موضوعية”، فإن هذا الطرح يقدم المسألة بشكل ثنائي جامد، في حين أن القراءة المادية الجدلية تبين أن الفئوية يمكن أن تكون في الآن ذاته: نتيجة موضوعية لتراجع النقابة وعجزها عن تمثيل كل الفئات؛ واختيارا واعيا من طرف فئات من الشغيلة تسعى إلى الدفاع المباشر عن مصالحها حين تتضرر مصالحها. بمعنى أن ما يبدو “تناقضا” في خطاب القيادة، هو في العمق انعكاس لمرحلة انتقالية داخل الحركة النقابية، حيث تتفكك الأشكال التنظيمية التقليدية دون أن يحسم بعد في بديل وحدوي ديمقراطي فعال يبوئ الحركة العمالية موقعها الطبيعي في الصراع ويحررها من التأثير الايديولوجي والاعلامي لمنظمات تجتاف ثقافة الهزائم والتعاون.
ثالثا: الاستنتاج الوارد في النص، والذي يفهم منه أن منطق القيادة هو: “الفئوية مضرة إلا إذا كانت داخل FNE”، هو تبسيط لا يلامس جوهر المسألة، فالقضية ليست في “احتضان” الفئوية أو رفضها بشكل مبدئي، بل في كيفية تأطيرها:
هل تستعمل كأداة لتفتيت الشغيلة وإعادة إنتاج البيروقراطية؟
أم كمرحلة تنظيمية انتقالية تعبئ فئة معينة وتعيد ربطها بأفق نضالي أوسع؟ ما فائدة وحدة أو تعليب بالأحرى في بنيات خرسانية للحصار والاحتواء والاضعاف وهل يمكن لمناضل عمالي أن يدافع عن أنظمة إدارية وأمنية باسم الوحدة لتعزيز الوصاية على حركات وسكنات العمال؟ ، في الوقت الذي يختار فيه البعض الحلول السهلة المتنصلة من مسؤوليتها العمالية والمترددة حيال مهامها وحتى الباحثة عن استرضاء التوجهات السياسية المفرملة لكل مد نضالي والمنتكسة بالعمل النقابي للشكوى والاستجداء وبيانات حسن الطوية تجاه سياسات الدولة القمعية والتقشفية.
من هذا المنظور، يمكن القول إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود تنظيم فئوي، بل في فصله عن مشروع وحدوي كفاحي يجسد حضوره موقفا وميدانا في ساحة المعارك من أجل المغرب الذي نأمله والعالم الذي نطمح لبنائه.
أما إذا تم ربط النضال الفئوي بأفق إعادة بناء وحدة الشغيلة على أسس ديمقراطية وتقدمية، فإنه يتحول من عنصر “هدم” إلى عنصر “إعادة تركيب” عوض تضفير أشغال مصادرة التنظيمات النقابية بمصادرة روح النضال منها والذي يبحث عن مسارب له في صور عدة منها تجسداته الفئوية، فعوض البحث عن مسوغات إقصاء و وصم وحصار كل من يقشر قواقع التدجين النقابي فمن الأفيد لنا جميعاً البحث عن الأمل والبدائل ولو من جوف كهف الاحباط والانهيار حيث أصبح العمال حتى داخل تنظيماتهم النقابية التي تمسكوا بها لعقود من دون حماية نقابية ( حالة سيكوميك على سبيل المثال).
أخيرا، إن الحكم بأن هذا التوجه “يكرس واقعا مدمرا للحركة النقابية” يظل حكما متسرعا إذا لم يدعم بتحليل ملموس لموازين القوى. ففي سياق تراجع الحركة النقابية وضعف تمثيليتها للشغيلة، قد يشكل التنظيم الفئوي:
متنفسا نضاليا لفئات مهمشة يمكنها من الانصهار والتواصل وهو ما لا تحققه البيروقراطيات التي تحجب بغلاف الوحدة جزرا شتى حتى داخل الفئة الواحدة مزكية التنافس الفردي في أبشع انحطاط حتى للممارسة الفئوية، إن منظورنا للفئوية هو مدخل مهم لإعادة تسييس وصهر الشغيلة من الأسفل وتغذية دورها وتأهيل وجودها؛ بل هو أرضية لإعادة بناء وحدة نضالية على أسس جديدة تقطع مع الاستكانة واليأس، وحدة ديمقراطية لا بيروقراطية.
وعليه، فالمهمة المركزية من منظور نقابي ديمقراطي ليست محاربة الفئوية في حد ذاتها، بل: تسييسها، دمقرطتها، وربطها عضويا بمشروع وحدوي طبقي شامل، حتى لا تتحول إلى أداة تفتيت، بل إلى لحظة من لحظات إعادة بناء الحركة النقابية على أسس أكثر صلابة تقطع مع ما نعيشه من تفريغ للعمل النقابي من أهدافه ومحاصرة الجاد منه.
النقطة الرابعة: الفقرة تنطلق من تشخيص يبدو في ظاهره سليما حين تربط البيروقراطية بشروط إنتاجها وتدعو إلى توحيد صفوف الشغيلة، لكنها سرعان ما تقع في تناقض عملي حين تفصل هذا التشخيص عن الاستنتاجات التنظيمية الملموسة. إذ لا يكفي القول بضرورة فهم الشروط الموضوعية، دون تحديد كيف ستفكك هذه الشروط داخل الواقع النقابي القائم.
أولا: الطرح يقدم ثنائية مبسطة: إما مواجهة البيروقراطية عبر الوحدة، أو السقوط في التشتت الفئوي. لكن هذا التقديم يغفل أن البيروقراطية نفسها قد تكون عائقا ماديا أمام تحقيق هذه الوحدة. ففي حالات عديدة، تتحول الأجهزة البيروقراطية إلى قوة محافظة تعرقل اندماج النضالات، وتفرغ الإطارات الجامعة من مضمونها الديمقراطي. هنا تصبح المبادرات الفئوية، في شروط معينة، تعبيرا عن محاولة استعادة المبادرة من القواعد، لا مجرد تكريس للتشتيت، بل ما يغيب أكثر عن هذا التصور هو أنه يؤبد سيطرة الأرستقراطية النقابية واحتكارها لقيادة التنظيم النقابي ويعزز حالة الاحباط العام بتعزيز اليأس وتغييب كل التعبيرات الاحتجاجية مما يمكن أن يسمها بالضعف ويفقدها التراكم، إنه يحافظ على الأوضاع الراهنة للحركة النقابية من أجل حماية العلاقات الاجتماعية القائمة خصوصا وقد أصبحت أكثر قابلية للانفجار.
ثانيا: الفقرة تنتقد طرح قيادة FNE باعتباره غامضا في تحديد طبيعة البيروقراطية المستهدفة، وهذا نقد مشروع، لكنه يظل ناقصا لأنه لا يطرح بديلا عمليا. فالتساؤل: “عن أي بيروقراطية نتحدث؟” يجب أن يقود إلى تحديد دقيق لمواقعها: هل هي في أجهزة القرار؟ في آليات التفاوض؟ في العلاقة مع الدولة؟ أم في غياب المحاسبة القاعدية؟ دون هذا التحديد، يبقى النقد في مستوى عام، غير قادر على توجيه الفعل النضالي.
ثالثا: هناك نزوع واضح في الفقرة إلى اختزال النقابة الفئوية في كونها أداة عاجزة عن مواجهة البيروقراطية، خاصة خارج إطارها التنظيمي. لكن هذا الطرح يتجاهل أن الصراع مع النقيض هو صراع اجتماعي بعمق سياسي حول من يملك القرار: القواعد أم الأجهزة. وبالتالي، يمكن لأي إطار—فئويا كان أو قطاعيا—أن يلعب دورا تقدميا أو محافظا حسب طبيعته الداخلية ودرجة ديمقراطيته وارتباطه الفعلي بالشغيلة.
خلاصة:
الفقرة تسقط في تعميمات تجعلها عاجزة عن التقاط التعقيد الفعلي للصراع داخل النقابات. فمواجهة البيروقراطية لا تختزل في الدعوة المجردة للوحدة، بل تمر عبر بناء أدوات تنظيمية ديمقراطية، قد تتخذ أحيانا أشكالا فئوية كتكتيك مرحلي، شريطة أن تظل منفتحة على أفق الوحدة الطبقية، لا أن تتحول إلى غاية في حد ذاتها.
النقطة الخامسة: حول “نقد الفئوية: بين السياسي والأخلاقي“
إن الطرح الوارد في الفقرة أعلاه، رغم قوته الجدلية، ينطلق من مسلمة مركزية تحتاج إلى مساءلة نقدية من داخل المنظور الديمقراطي نفسه: وهي اعتبار الفئوية في حد ذاتها مدخلا حتميا لتفكيك النقابة الجامعة وإضعاف الشغيلة بشكل ميكانيكي ومطلق. هذا الاستنتاج، في صيغته العامة، يتجاهل تعقيد الواقع النقابي وتاريخ تشكلاته، ويسقط حكما بنيويا واحدا على ظواهر متعددة الدوافع والسياقات.
أولا: إن اعتبار الفئوية “موجهة ضد فكرة النقابة بحد ذاتها” هو تعميم لا يصمد أمام التحليل الملموس. فالفئوية في السياق التعليمي المغربي لم تنشأ في فراغ، ولا بوصفها خيارا إيديولوجيا مضادا للوحدة النقابية، بل ظهرت أساسا كاستجابة لأزمة الحركة النقابية عامة، التي عجزت في فترات متعددة عن احتضان المطالب الخاصة لبعض الفئات أو تحويلها إلى ملفات نضال موحد. وبالتالي، فالفئوية ليست نقيضا للوحدة من حيث المبدأ، بل تعبير عن اختناق الوحدة حين تختزل إلى شعارات عامة دون آليات إنصاف وتمثيل فعلي.
ثانيا: القول بأن الفئوية تتحول “في أسوئها إلى ضد فكرة النقابة” يتضمن خلطا بين الظاهرة ونتائج انحرافها المحتمل.
فكل بنية تنظيمية قابلة للانحراف، بما فيها النقابة الجامعة نفسها، التي يمكن أن تتحول إلى جهاز بيروقراطي منفصل عن القاعدة. وبالتالي، فإن تحميل الفئوية وحدها مسؤولية التفكيك، يعفي الوضع النقابي العام من مسؤوليته التاريخية في إنتاج شروط التفتت، سواء عبر ضعف الديمقراطية الداخلية، أو احتكار القرار، أو العجز عن استيعاب التعدد داخل وحدة صراعية حية.
ثالثا: إن القول بأن إدخال الفئوية داخل النقابة الجامعة “يدخل منطق التفكيك إلى داخلها” يفترض أن الوحدة هي حالة طبيعية ثابتة، وأن أي تعبير عن التمايز هو بالضرورة تهديد، بينما التجربة النقابية التاريخية تظهر أن الوحدة الحقيقية ليست نفي التمايز، بل في تنظيمه. فالنقابات القوية تاريخيا لم تكن تلك التي ألغت الفروقات، بل التي استطاعت تحويلها إلى دينامية داخلية ديمقراطية، تمنع التقسيم بدل كتمه. وعليه، فإن الفئوية يمكن أن تقرأ أيضا كآلية لتمثيل مصالح محددة حين تعجز الهياكل الجامعة عن ذلك، لا كبديل عن الوحدة بل كضغط لإعادة بنائها على أسس أكثر واقعية.
رابعا: الطرح القائل بأن “التجربة تؤكد أن المؤقت يصبح دائما” يحمل نزعة حتمية تاريخية غير دقيقة. فليس كل شكل تنظيمي انتقالي يتحول إلى بنية دائمة، بل إن مصيره مرتبط بموازين القوى داخل الحركة النقابية نفسها. بمعنى آخر، الفئوية ليست قدرا يتحول تلقائيا إلى تفكيك، بل يمكن أن تكون قابلة للدمج أو التوحيد أو حتى الذوبان داخل مشروع نقابي أوسع، إذا توفرت شروط سياسية وتنظيمية حقيقية لذلك. إغفال هذا البعد يجعل التحليل أقرب إلى الإنذار المسبق منه إلى قراءة مادية جدلية.
خامسا: بخصوص القول إن الفئوية تعيد إنتاج مصالح تنظيمية منفصلة عن القاعدة، فهذا حكم صحيح جزئيا، لكنه غير خاص بالفئوية وحدها. فالبيروقراطية النقابية داخل النقابات الجامعة نفسها تنتج نفس الظاهرة: انفصال القيادة عن القاعدة، وإعادة إنتاج مصالح تنظيمية مستقلة عن هموم الشغيلة. وبالتالي، فإن المشكلة ليست في الشكل الفئوي أو الجامع، بل في طبيعة الممارسة النقابية والصراع الداخلي داخل أي إطار نقابي.
سادسا: فيما يتعلق بفكرة أن الفئوية تضعف وحدة الضغط، يجب التمييز بين الوحدة الشكلية والوحدة الفعلية.
فقد توجد نقابة “موحدة” شكليا لكنها عاجزة عن خوض معارك حقيقية بسبب غياب الديمقراطية الداخلية كما أن ادوارها قد تكون مخففة صدمات وقناة لتسهيل تمرير السياسات الرأسمالية، وتغييب الكفاح وكسر شوكته، كما يمكن لإطارات متعددة أن تنسق فعليا في لحظات الصراع وتنتج وحدة نضالية ميدانية. إذن، معيار القوة هنا ليس عدد الإطارات، بل القدرة على بناء فعل مشترك.
وأخيرا، فإن الاتفاق مع القول “الوحدة لا تفرض بالشعارات” يجب أن يستكمل باستنتاج منطقي: كما أنها لا تبنى أيضا بنفي التنوع الواقعي أو اعتباره تهديدا دائما.
فالوحدة النقابية ليست معطى جاهزا، بل هي عملية صراع وبناء معقدة، تتطلب الاعتراف بالتمايزات الاجتماعية والمهنية داخل الشغيلة بدل قمعها أو تجاهلها.
خلاصة:
إن الفئوية ليست في ذاتها نقيضا ضروريا للوحدة النقابية، بل هي تعبير عن أزمة تمثيل داخل البنيات النقابية. والخطر الحقيقي ليس في وجودها، بل في غياب مشروع نقابي ديمقراطي قادر على تحويل التعدد إلى قوة، بدل تركه يتحول إلى تفتت. وبالتالي، فإن تجاوز الفئوية لا يكون بإدانتها كليا، بل بإعادة بناء وحدة نضالية حقيقية تستوعب التمايز بدل أن تنفيه.
النقطة السادسة: في مسألة “تشخيص صحيح واستنتاجات واقعية لا خاطئة”
إن الانطلاق من نفس التشخيص الذي تقدمه قيادة FNE—أي تفتيت الشغيلة التعليمية عبر سياسات رسمية ممنهجة—يقود، من منظور نقابي ديمقراطي، إلى استنتاج مغاير لما ورد في الفقرة أعلاه.
فاعتبار القبول بالفئوية “خضوعا للواقع” ينطوي على تبسيط مخل لطبيعة الصراع الطبقي داخل القطاع، لأن الواقع نفسه ليس معطى جامدا، بل هو نتاج توازن قوى متحرك، تسهم فيه اختيارات الفاعلين، ومن ضمنهم الأطر النقابية.
إن الفئوية، في هذا السياق، لا تفهم كـ”استسلام” بل كأداة تنظيمية مرحلية فرضها واقع التجزئة الموضوعية التي أنتجتها الدولة والحركة النقابية المغربية. فحين يتم تفكيك الشغيلة إلى فئات قانونية ومهنية متباينة، يصبح من غير العلمي القفز مباشرة إلى وحدة شكلية تتجاهل التمايزات الملموسة في شروط العمل والأجور والمسارات المهنية.
إن الوحدة النضالية لا تبنى بالشعارات، بل عبر المرور من الواقع الملموس للفئات، أي من تناقضاته الداخلية، وهو ما يجعل التنظيم الفئوي، في لحظة معينة، شكلا من أشكال إعادة بناء الوعي الجماعي انطلاقا من الخاص نحو العام.
أما القول بأن القيادة “سايرت الواقع” بإضفاء صفة “الموضوعية” عليه، فيغفل أن التحليل المادي يميز بين الإرادة والرغبة من جهة، وبين الشروط الموضوعية من جهة أخرى. فليست كل إرادة قادرة على تجاوز الشروط القائمة بمجرد إعلانها بل إن تجاهل هذه الشروط قد يؤدي إلى عزلة النقابة عن القواعد الفعلية للشغيلة، ومن ثم، فإن التعامل مع “الواقع الموضوعي” لا يعني تبريره، بل اتخاذه نقطة انطلاق لبناء ميزان قوى جديد.
وفيما يخص ثنائية “مرافقة نضالات الفئات” مقابل “تركها وحيدة”، فإن وصفها بـ”الابتزاز” يغفل بعدا أساسيا في العمل النقابي: وهو الارتباط العضوي بالنضالات الملموسة.
فالنقابة ليست جهازا تعليميا خارجيا “يوقظ” الشغيلة من فوق، بل هي تعبير منظم عن حركتها الفعلية. والمرافقة هنا لا تعني التبعية، بل الانخراط الواعي في نضالات جزئية بهدف تطويرها وتوحيد أفقها تدريجيا. إن القفز مباشرة إلى خطاب وحدوي مجرد، دون التجذر في المعارك الفعلية للفئات، قد يحول “الوحدة” إلى مجرد شعار فارغ.
ثم إن تقديم “تنظيم الشغيلة ومحاربة الأوهام” كبديل عن “مرافقة نضالات الفئات” يطرح تقابلا زائفا، فالتنظيم الحقيقي لا يتم خارج النضال، بل من داخله. والأوهام لا تحارب بالخطاب المجرد، بل عبر التجربة النضالية نفسها، حيث تكتشف الفئات حدود نضالها المعزول وتنتقل—بفعل التفاعل—نحو أشكال أرقى من الوحدة.
وعليه، فإن الإشكال ليس في كون الفئوية “قبولا بالواقع”، بل في كيفية توظيفها: هل تستعمل كأداة لتعميق التجزئة، أم كرافعة لإعادة بناء الوحدة على أسس مادية صلبة؟ من هذا المنظور، يمكن اعتبار العمل الفئوي—إذا تم ربطه بأفق وحدوي واضح—لحظة من لحظات إعادة تركيب الحركة النقابية، لا نقيضا لها.
إن الرهان الحقيقي، إذن، ليس رفض الفئوية من موقع مبدئي مجرد، بل تحويلها إلى أداة في خدمة مشروع وحدوي كفاحي، ينطلق من واقع الشغيلة كما هو، ليعمل على تغييره، لا القفز عليه.
النقطة السابعة: الوجه الاستراتيجي للنقاش
إن الإشكال الذي يطرحه هذا الجزء من النقاش لا يكمن في “تناقض” خطاب قيادة FNE، بقدر ما يكمن في قراءة جامدة لمفهوم الاستراتيجية ذاتها، وكأنه مفهوم ثابت ومتعال عن شروط الصراع الطبقي الملموس. والحال أن المنظور الديمقراطي ينطلق من أن الاستراتيجية ليست شعارا نظريا، بل هي تحديد عملي لأشكال التنظيم والنضال انطلاقا من ميزان القوى القائم.
1- حول “التناقض” المزعوم بين الاستراتيجي وغير الاستراتيجي
القول بأن دعم الفئوية لا يعني تبنيها كخيار استراتيجي، ليس تناقضا بل تعبير عن تمييز جدلي ضروري بين:
الهدف الاستراتيجي البعيد: وحدة الشغيلة.
والوسائل النضالية المرحلية: ومنها الأشكال الفئوية.
من منظور نقابي ديمقراطي، لا يمكن اختزال الاستراتيجية في شكل تنظيمي واحد “نقي” (النقابة الجامعة)، بينما الواقع الموضوعي نفسه مفكك.
فحين تكون الشغيلة مفككة موضوعيا بفعل سياسات الدولة وغاراتها المستمرة وتواطئات الحركة النقابية لعقود خلت وتحولها إلى مجرد جابي، فإن إعادة بناء الوعي والتنظيم تمر بالضرورة عبر مستويات جزئية وقطاعية.
بمعنى آخر: الفئوية هنا ليست نقيض الاستراتيجية، بل تجسيد مرحلي لها داخل شروط غير مواتية.
2- في مسألة “الانتقالي” والسياق الملموس
الطرح الذي يعتبر الفئوية “تقهقرا” يفترض ضمنيا أن:
هناك إمكانية واقعية لبناء وحدة شاملة مباشرة، وأن الإطار الجامع قادر على استيعابها. لكن الواقع يبين عكس ذلك: النقابات الجامعة تعاني من تراجع في تمثيلية الشغيلة، ضعف التأطير، وتفكك فعلي في القواعد.
في هذا السياق، تصبح الفئوية: رد فعل تنظيمي على تهميش مادي ومعنوي حقيقي،ووسيلة لإعادة الثقة والتنظيم داخل فئات تشعر بالإقصاء. وعليه، فكونها “انتقالية” لا يعني أنها قصيرة المدى زمنيا، بل يعني أنها: شكل من أشكال إعادة التشكل الطبقي داخل مسار طويل ومعقد لإعادة بناء الوحدة.
3– هل الفئوية تعمّق التفكك أم تعيد تركيب القوة؟
الطرح المعارض يفترض أن الفئوية تعمق ميزان القوى المختل. لكن من منظور نقابي جدلي، يجب طرح السؤال بشكل معكوس: هل الشغيلة اليوم موحدة فعلا حتى نقول إن الفئوية ستفككها؟ الجواب: لا. إذن: الفئوية لا تفكك وحدة قائمة، بل تنشأ داخل تفكك موجود مسبقا. ويمكن أن تتحول إلى رافعة لإعادة بناء القوة إذا ارتبطت بأفق تضامني أوسع. الخطر ليس في الفئوية كصيغة، بل في: عزلها عن باقي الفئات أو تحويلها إلى إطار تفاوضي ضيق أما إذا ظلت مؤطرة داخل إطار جامع ومرتبطة بنضال شامل، فإنها تصبح: أداة لتجذير الصراع وليس لتفتيته.
4– في مسألة “بناء ميزان قوى جديد”
القول إن الفئوية لا تبني ميزان قوى جديد يتجاهل أن: ميزان القوى لا يبنى بالشعارات العامة بل بتجميع القوى حيث توجد فعليا. في حالة أساتذة التعليم الابتدائي: هناك احتقان خاص، ووعي متنام بالغبن، واستعداد للنضال. تنظيم هذه الطاقة داخل إطار فئوي داخل نقابة جامعة يمكن أن: يرفع من منسوب التعبئة، يفرض مطالب ملموسة، ويخلق دينامية ضغط داخل النقابة الجامعة نفسها. وبذلك، فميزان القوى يبنى: من الأسفل عبر تجميع القوى المتحركة فعليا وليس عبر انتظار وحدة شاملة مجردة.
5– نحو تصور نقابي كفاحي تركيبي
البديل ليس في رفض الفئوية أخلاقيا أو نظريا، بل في: تأطيرها سياسيا، ربطها بأفق وحدوي، منع تحولها إلى أداة انعزال. أي: الدفاع عن الفئوية كتكتيك نضالي، مع النضال في نفس الآن من أجل أفق نقابي وحدوي ديمقراطي كفاحي.
خلاصة عامة
الطرح الذي يرفض الفئوية بدعوى أنها “ليست استراتيجية” يقع في مثالية تنظيمية، لأنه: يفصل بين الشكل التنظيمي وواقع الصراع،ويفترض وحدة غير موجودة بينما المنظور النقابي الكفاحي يرى أن: الاستراتيجية تبنى داخل التناقضات، لا خارجها،وأن الأشكال الفئوية يمكن أن تكون لحظة ضرورية في إعادة بناء النقابة الجامعة. وعليه، فالسؤال الحقيقي ليس: هل الفئوية استراتيجية أم لا؟ بل: كيف نحول الفئوية من تعبير عن التفكك إلى رافعة لإعادة بناء وحدة نضالية على أسس ديمقراطية وكفاحية؟
الخاتمة:
يمكن القول منذ البداية إن هذا الطرح، رغم ما يحمله من نفس نقدي تجاه الفئوية والبيروقراطية ومن تأكيد على البعد الاستراتيجي للنقابة، يسقط في مفارقة أساسية: يطرح مهاما نقابية صحيحة في المجرد، لكنه يرفض الأدوات الملموسة التي تفرزها الشغيلة نفسها في الواقع من أجل تحقيقها. وهذا بالضبط ما يجعل هذا التصور أقرب إلى مثالية نقابية منه إلى تحليل مادي ملموس.
أولا: حول “الاستراتيجية العمالية” بين المجرد والواقع
الحديث عن أن جوهر العمل النقابي هو “تحرير الشغيلة من عبودية العمل المأجور” هو طرح صحيح نظريا، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى معيار لإدانة كل الأشكال التنظيمية الجزئية أو الفئوية.
فالعمل النقابي في المنظور الديمقراطي المادي، يتطور من داخل تناقضات الواقع، وليس عبر فرض نموذج جاهز عليه. الشغيلة لا تبدأ من الوعي الشامل، بل من مواقعها الملموسة داخل عملية الإنتاج. ومن هنا، فإن التنظيمات الفئوية ليست انحرافا عن الاستراتيجية، بل قد تكون تعبيرا أوليا عنها في شروط معينة.
ثانيا: الفئوية كنتاج موضوعي لا كاختيار ذاتي
الطرح يعتبر أن تأسيس نقابة فئوية داخل نقابة جامعة “ليس سبيلا لتحقيق الرهان”، لكنه يتجاهل سؤالا حاسما: لماذا تتجه فئات واسعة من الشغيلة نحو هذا الخيار؟ الجواب ليس أخلاقيا ولا تنظيميا، بل مادي: تفكك الشغيلة بفعل السياسات اللاشعبية واللاديمقراطية، عجز النقابات عن تمثيل مطالبها الخاصة؛ وفي هذا السياق، تصبح الفئوية رد فعل نضالي على أزمة التمثيلية، وليست سببا فيها. وبالتالي، رفضها بشكل مطلق يعني عمليا مطالبة الشغيلة بالانتظار داخل تنظيمات لا تعبر عنها.
ثالثا: مغالطة التعارض بين الفئوي والعام
يطرح النص ربط المطالب الفئوية بالمعركة العامة، لكنه يرفض الأداة التي تعبر عن هذه المطالب. وهذا تناقض واضح فالربط بين الخاص والعام لا يتم عبر إنكار الخاص، بل عبر تنظيمه ورفعه إلى مستوى الصراع الشامل. تاريخ الحركة العمالية يبين أن النضالات الكبرى انطلقت غالبا من مواقع فئوية قبل أن تتعمم.
بمعنى آخر: الفئوية لا تناقض الوحدة، بل يمكن أن تكون مدخلا ماديا لإعادة بنائها على أسس صلبة.
رابعا: حول مسألة الاستقلالية النقابية
النص يصيب حين ينتقد تبعية النقابات للقوى البرجوازية، لكنه يخطئ حين يحصر الحل في مستوى “تصحيح المنظور”. فالاستقلالية ليست شعارا يعلن، بل ميزان قوى يبنى وفي كثير من الحالات، تكون التنظيمات الفئوية والقطاعية أكثر قدرة على فرض هذه الاستقلالية لأنها: تنطلق من مطالب ملموسة؛ أقل ارتهانا للتوازنات السياسية العامة؛ أكثر خضوعا لرقابة القاعدة المباشرة. أي أن الفئوية، في شروط معينة، قد تكون أداة لتكسير التبعية لا تكريسها.
خامسا: في قطاع التعليم ووحدة المعركة
الدعوة إلى عدم “عزل الابتدائي” صحيحة من حيث المبدأ، لكن تحويلها إلى رفض لتنظيم خاص بهذه الفئة يتجاهل واقع التمايز داخل القطاع نفسه. فأساتذة الابتدائي يشتغلون في شروط مهنية مختلفة، ويتعرضون لهجوم خاص، ما يجعل تنظيمهم الخاص ليس انعزالا، بل تموقعا بشكل أحسن داخل المعركة العامة. الوحدة الحقيقية لا تبنى بطمس الفوارق، بل بالاعتراف بها وتنظيمها ثم توحيدها نضاليا.
خلاصة
هذا الطرح يعاني من ثلاث محدوديات أساسية: مثالية استراتيجية: يضع هدفا نهائيا (تحرير الشغيلة) كمعيار للحكم على أشكال تنظيمية مرحلية. تجريد سياسي: يفصل بين الشعارات (الديمقراطية، الاستقلالية) وشروط تحققها المادية. نزعة وحدوية فوقية: تدعو للوحدة دون توفير شروطها الواقعية داخل القاعدة.
في المقابل، الخط الديمقراطي ينطلق من أن: الفئوية ليست خيارا مبدئيا ولا خطأ مطلقا، بل شكل نضالي يفرضه واقع الصراع؛ والوحدة ليست معطى جاهزا، بل نتيجة لمسار نضالي تبنيه الشغيلة انطلاقا من مواقعها؛ الاستراتيجية النقابية لا تفرض من فوق، بل تتشكل عبر تراكم النضالات الجزئية وربطها أفقيا. بالتالي، فإن رفض النقابة الفئوية بشكل مطلق لا يخدم بناء حركة نقابية مستقلة، بل قد يعيد إنتاج الأزمة نفسها تحت شعار “الوحدة”، في حين أن المطلوب هو: تثمين كل أشكال التنظيم القاعدي، بما فيها الفئوية، والعمل على ربطها في أفق بناء وحدة عمالية حقيقية من الأسفل.
ختاما فإن الرأسمالية وذيلها البيروقراطي المنعم عليه والمعزول عن الحركة العمالية وكفاحها سيسعى بكل جهد لقطع الطريق عن كل نضج وتململ يفتك التنظيمات النقابية من مستنقع الجمود والتدجين مستفيدا من المناخ السلطوي التسلطي الذي سيتوج قريباً بقانون للنقابات، وهو ما يطرح علينا جميعاً العمل الجاد والصبور والوحدوي من أجل توسيع الحقوق والحريات النقابية لبناء نقابات حقيقية للعمال ودعم كل أشكال تنظيمهم مهما كان ضعفها وأحوالها ودفعها للتوسع والارتقاء وخلق آليات ربطها بعضها ببعض ديمقراطيا من أجل تعظيم الكفاح الطبقي من أجل مغرب أفضل.
توقيع: عبد الله غميمط
اقرأ أيضا

