لبنان وحزب الله في أعقاب الإمبراطورية
تأثير الحرب المتزايد على إيران
بقلم جوزيف ضاهر
يحلل جوزيف ضاهر توسع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية لتشمل لبنان، وتأثيرها على هذا البلد وعلى حزب الله حليف إيران.
لبنان والحرب على إيران
باتت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران مزعزعة لاستقرار المنطقة بأسرها. وتُستشعر عواقبها بقوة في لبنان، الذي يتعرض حالياً لهجوم جديد من جانب إسرائيل. لا تسعى الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل إلى الديمقراطية أو رفاهية السكان المحليين لا في إيران ولا في لبنان، ولا في أي مكان آخر. بل تسعيان، بالعنف الهمجي، إلى فرض نظام إقليمي جديد تهيمن عليه واشنطن وتل أبيب. تندرج هذه الحرب الإسرائيلية الأخيرة ضمن تاريخ مديد من العدوان على لبنان، لكنها أيضًا جزء من سياق سياسي يتسم برغبة واشنطن وتل أبيب في الهيمنة الإقليمية.
رداً على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي على يد إسرائيل والولايات المتحدة، أطلق جيش حزب الله صواريخ وطائرات مسيرة على موقع دفاع صاروخي إسرائيلي جنوب مدينة حيفا. في أعقاب هذه الأحداث، يقوم جيش الاحتلال الإسرائيلي الآن بتوسيع نطاق حربه واحتلاله في لبنان واستهداف حزب الله، حليف إيران.
برغم ما يسمى بوقف إطلاق النار الساري منذ نوفمبر 2024، يشن جيش الاحتلال الإسرائيلي هجمات شبه يومية في لبنان، ما أسفر عن مقتل المئات واختطاف العشرات وإصابة الآلاف. كل هذا يتماشى مع أكثر من 15000 انتهاك لوقف إطلاق النار من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، سواء براً أو جواً أو بحراً.
بالإضافة إلى ذلك، واصلت تل أبيب احتلال ما لا يقل عن خمس مناطق في لبنان عقب هجماتها في عام 2024، ومنعت منذئذ أي إعادة إعمار، لا سيما في العديد من القرى الحدودية التي دمرتها بالكامل. من نواحٍ عديدة، لم تنتهِ الحرب الإسرائيلية ضد لبنان أبداً، حتى لو كانت التجربة مختلفة بحسب المناطق.
مؤخراً، نزح أكثر من مليون شخص بين 2 و23 مارس 2026، لم يتم إيواء سوى 125000 منهم في مراكز الاستقبال. قُتل أكثر من 1030 شخصاً، بينهم أكثر من 110 أطفال ونحو 40 من رجال الإنقاذ، وأصيب حوالي 2870 آخرين.
في أعقاب العملية العسكرية التي شنها حزب الله في 2 مارس، قصفت قوات الجيش الإسرائيلي الضواحي الجنوبية لبيروت مرة أخرى، بالإضافة إلى بلدات وقرى في الجنوب ووادي البقاع. ثم شنت هجوماً برياً جديداً في جنوب لبنان لتوسيع ”منطقتها الأمنية العازلة“ على طول الحدود. وتدور اشتباكات عسكرية مباشرة بين مقاتلي حزب الله وقوات جيش الاحتلال الاسرائيلي في الجنوب، في حين أطلق حزب الله صواريخ باليستية بعيدة المدى من شمال نهر الليطاني. وفي الوقت نفسه، أصدر جيش الاحتلال الاسرائيلي أوامر إجلاء واسعة النطاق، ما تسبب فعلياً في نزوح قسري جماعي للسكان في الضواحي الجنوبية لبيروت ووادي البقاع والمنطقة بأكملها جنوب نهر الليطاني، والتي تمثل حوالي 14% من الأراضي اللبنانية. وأُمر سكان مدينة صور الجنوبية بمغادرة المدينة فوراً؛ وتم تدمير الجسور التي تربط الضفة الجنوبية للنهر ببقية البلاد بشكل منهجي. ويبدو أن إسرائيل مصممة على احتلال هذه المنطقة من لبنان وتحويلها إلى أرض محرمة و”منطقة عازلة“.
حزب الله، إلى أين الآن؟
لا شك أن العملية العسكرية التي شنها حزب الله قد أتاحت لإسرائيل ذريعة للحرب الحالية، التي تم التخطيط لها منذ فترة طويلة، ما وفر لها فرصة جديدة لتحقيق هدفها المستمر: إضعاف حزب الله بشكل كبير على جميع المستويات (السياسية والاقتصادية والعسكرية)، بما في ذلك السعي إلى نزع سلاحه. تستهدف إسرائيل أعضاء حزب الله (المدنيين والعسكريين على حد سواء) ومؤسساته. ويشمل ذلك استهدافها لكيانات مدنية مثل مؤسسة القرض الحسن المالية، وأعضاء «قوة القدس»، وحدة النخبة في «الحرس الثوري الإسلامي»، وهي جزء من الدولة الإيرانية، وتقيم في لبنان وتشرف على جملة واسعة من أنشطة حزب الله. كما تستهدف إسرائيل بشكل مكثف المناطق ذات الكثافة السكانية الشيعية الكبيرة لتوسيع الفجوة بين الحزب وقاعدته الشعبية، وبشكل أعم الفجوة بين الشعب اللبناني ككل وحزب الله.
تسعى الحكومة الإسرائيلية في الآن ذاته إلى الضغط على الدولة اللبنانية لمواصلة عملية نزع سلاح حزب الله والحصول على مزيد من التنازلات من بيروت، لا سيما بتكثيف الجهود لتطبيع العلاقات بين الدولتين. وفي هذا السياق، اتخذت الحكومة اللبنانية جملة إجراءات، منها: (1) إعلان أن الأنشطة العسكرية لحزب الله ”غير قانونية“ وحظرها؛ (2) دعوة الجيش اللبناني إلى تنفيذ خطة احتكار السلاح في أقرب وقت ممكن و”بكل الوسائل الممكنة“؛ iii) حظر أي نشاط عسكري محتمل من قبل الحرس الثوري الإيراني؛ iv) فرض شروط الحصول على تأشيرة على الإيرانيين الذين يدخلون البلد وسحب الاعتماد من السفير الإيراني وإعلانه شخصاً غير مرغوب فيه، والمطالبة بمغادرته لبنان. كما طلب وزير الإعلام اللبناني من وسائل الإعلام الرسمية التوقف عن استخدام مصطلح ”المقاومة“ عند الإشارة إلى حزب الله، إلخ.
وتشكل هذه الإجراءات جزءاً من استراتيجية سياسية اعتمدها الرئيس والحكومة اللبنانية منذ بداية عام 2025، تهدف، تحت ضغط القوى الغربية والإقليمية، إلى زيادة الضغط على حزب الله بعملية نزع السلاح والسعي إلى إضعاف الشبكات والقنوات المالية غير الرسمية المرتبطة بالحزب.
وفي هذا السياق، دعا الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام أيضًا إلى إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، لكن تل أبيب رفضت ذلك رفضًا قاطعًا، حيث تسعى إلى مواصلة حربها ضد لبنان وحزب الله. يجري مرة أخرى استخدام ”مبدأ الضاحية“ السيئ السمعة، الذي تم تطويره إبان الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006، لتدمير البنية التحتية المدنية على نطاق واسع والضغط على حكومة معادية أو جماعة مسلحة لمهاجمة إسرائيل لتوفير مبررات سياسية للعمل العسكري الإسرائيلي. تم تنفيذ ”مبدأ الضاحية“ مراراً وتكراراً في غزة ويتم تطبيقه الآن مرة أخرى في الأماكن ذاتها التي نشأ فيها.
أخيرًا، تستغل قوات الاحتلال الإسرائيلي أيضًا هذه الحالة لمهاجمة الجهات السياسية الأخرى التي يُنظر إليها على أنها معادية للبنان. ويتجلى ذلك في اغتيال أعضاء من حركتي الجهاد الإسلامي وحماس، وكذلك استهداف أعضاء الجماعة الإسلامية وقصف مكاتبها في صيدا. وبالمثل، استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي أعضاء في الجيش اللبناني، ما أسفر عن مقتل جنود.
وبشكل أعم، تعبر حرب الاحتلال الإسرائيلي على لبنان عن طموحات الولايات المتحدة وإسرائيل في سياق ما بعد 7 أكتوبر 2023 من حرب الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين. ويتوافق هذا مع الحروب الإمبريالية السابقة ضد لبنان وإيران، وتوسيع الاحتلال في سوريا، والتي تهدف جميعها إلى فرض نظام سياسي إقليمي خاضع لمصالح واشنطن وحليفتها تل أبيب، من خلال القوة العسكرية القاتلة.
ولتحقيق الأهداف المذكورة أعلاه، تهدد الحرب الإسرائيلية ضد لبنان بأن تكون طويلة الأمد، لا سيما مع الضوء الأخضر والدعم الأساسي من الولايات المتحدة، حتى بعد وقف إطلاق نار محتمل في المستقبل مع إيران، في حال تم التوصل إليه.
حزب الله وإيران
ترتبط الديناميات الحالية في لبنان ارتباطاً وثيقاً بالعلاقة التاريخية بين حزب الله وإيران والحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل. يرتبط مستقبل حزب الله وقدراته المالية والعسكرية ارتباطاً وثيقاً بمصير الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ساعدت إيران، إلى جانب توفير الدعم العسكري والأسلحة الحيوية لشريكها اللبناني، في تمويل رواتب الموظفين المدنيين والعسكريين في حزب الله، كما دعمت تقديم الحزب للخدمات الاجتماعية لقاعدته الشعبية. هكذا أصبح حزب الله أكبر جهة توظيف في لبنان بعد الدولة. في الوقت نفسه، اندمج المستشارون الإيرانيون تاريخياً في الهياكل التنظيمية لصنع القرار في حزب الله، بما في ذلك مجلس الجهاد (العسكري) ومجلس الشورى (السياسي).
وهنّأ حزب الله إيران بانتخاب المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، الذي عيّنه مجلس الخبراء عقب وفاة والده في 28 فبراير 2026. وأكد حزب الله أن الحزب سيبقى موالياً لقيادته، «تماماً كما كنا موالين للمرشد الشهيد، الإمام خامنئي، وللإمام المؤسس، الخميني”.
هكذا، فضلا عن الرد على الهجمات المستمرة من قبل جيش إسرائيل، تمثل العمليات العسكرية التي شنها حزب الله في 2 مارس ضد إسرائيل جزءا لا يتجزأ من رد النظام الإيراني على الهجمات الإسرائيلية والأمريكية. وقد خدم فتح جبهة جديدة في لبنان استراتيجية ومصالح الحرس الثوري الإيراني في إضفاء الطابع الإقليمي على الحرب من أجل زيادة تكلفة الصراع، عسكرياً واقتصادياً، على خصومه. علاوة على ذلك، انعكس التعاون المتزايد بين الحرس الثوري الإيراني وحزب الله في عملية ”العصف المأكول“، التي نفذها الجناح المسلح للحركة اللبنانية في منتصف مارس بالتنسيق مع إيران، حيث أُطلقت حوالي 200 صاروخ و20 طائرة بدون طيار على الأراضي الإسرائيلية.
وتشمل هذه الاستراتيجية الإيرانية الأوسع نطاقاً حملة القصف ضد إسرائيل بضربات تستهدف البنية التحتية النفطية والمنشآت الأمريكية الموجودة في ملكيات الخليج. ولهذا السبب أغلقت إيران مضيق هرمز، وهو ممر استراتيجي لحوالي 20% من حركة نقل النفط البحرية العالمية. وقد أجبر هذا العديد من الشركات على استخدام طرق بديلة أكثر كلفة وأطول. واعتباراً من أواخر مارس 2026، تقترب أسعار العقود الآجلة للنفط من 100 دولار للبرميل، بزيادة تبلغ حوالي ثلاثين في المائة منذ بداية الحرب. وهذا له تأثير كارثي محتمل على الاقتصاد العالمي وتأثير سياسي على القيادة في الولايات المتحدة وإسرائيل.
وحدة حزب الله التنظيمية وعلاقته بدولة لبنان
وراء واجهة الوحدة التي يظهرها حزب الله في مواجهة الهجمات الإسرائيلية، من المرجح أن تكون ثمة اختلافات في الرأي والتوجه داخليًا. وقد كان هذا الأمر يعتمل داخليا منذ حرب عام 2024.
تزعزعت قيادة حزب الله وهيكله التنظيمي بعمليات اغتيال الأمين العام السابق حسن نصر الله والعديد من قيادات الحزب السياسية والعسكرية. لا يتمتع الأمين العام الجديد، نعيم قاسم، بنفس النفوذ السياسي والشعبية التي كان يحظى بها سلفه.
إلى جانب التهديدات الجيوسياسية — بما في ذلك سقوط نظام الأسد في سوريا في ديسمبر 2024 — أدت الضغوط السياسية حتمًا إلى اختلافات في الرؤية والاستراتيجية داخل الحزب. وفي هذا السياق، ازداد اعتماد حزب الله على الحرس الثوري الإيراني، لا سيما داخل الجناح العسكري للحزب.
وفي الوقت نفسه، ربما اعتقدت بعض قطاعات الجناح العسكري لحزب الله أن مثل هذه المبادرة العسكرية ضد إسرائيل واندلاع الحرب قد تعرقل جهود الحكومة الرامية إلى المضي قدماً في نزع سلاح الحزب، مع المراهنة في الوقت نفسه على استراتيجية إيران المتمثلة في حرب إقليمية مطولة قد تكون نتائجها مفيدة لشبكات نفوذها في المنطقة، بما في ذلك حزب الله.
وفي حين أيد الأمين العام قاسم ومسؤولون آخرون في الحزب علناً دور حزب الله في الحرب الحالية، أظهر آخرون خلافات محتملة داخل الحركة. وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من قيادة حزب الله متحدة ضد عملية نزع السلاح التي تقوم بها الحكومة اللبنانية، إلا أن هناك مقاربات مختلفة حول كيفية الرد التكتيكي، حيث يدعو البعض إلى تعاون أكبر أو أقل مع الحكومة اللبنانية. ويمكن ملاحظة هذه الاختلافات أيضاً في الرد على مجموعة متنوعة من الضغوط التي يواجهها حزب الله.
على سبيل المثال، نشر الوزير السابق في حزب الله مصطفى بيرم تغريدة (حُذفت لاحقًا) يتهم فيها تل أبيب بتدبير هجوم صاروخي في 2 مارس – كان حزب الله قد أطلقه بالفعل – من أجل تبرير هجماته المخطط لها على لبنان.
كما يُزعم أن مسؤولي حزب الله محمد فنيش ومحمد رعد قد أكدا لزعيم حركة أمل (حزب سياسي آخر يغلب عليه الطابع الشيعي في لبنان) وأحد قادتها، رئيس مجلس النواب نبيل بري، أن حزب الله لن ينخرط في الحرب الإقليمية الحالية.
ومع ذلك، فإن الحرب الإسرائيلية والاستهداف السياسي لحزب الله من قبل الحكومة اللبنانية قد أدى إلى توحيد وتجذر خطاب وسلوك قادة الحزب وأعضائه بشكل كبير. بالإضافة إلى النظر إلى هذه الحرب على أنها تشن ضد عدو وجودي لم يتوقف أبداً عن عدائه للشعب اللبناني والحزب، فقد شدد بعض قادة حزب الله بشكل كبير خطابهم تجاه الحكومة اللبنانية.
على سبيل المثال، صرح نائب رئيس المجلس السياسي لحزب الله، محمود كوماتي:
“نحن قادرون على زعزعة البلد وإطاحة الحكومة. صبرنا له حدود… لقد اعتقلت حكومة فيشي مقاتلي المقاومة وأعدمتهم، ثم أطيح بها وأعدم الخونة. إن شاء الله، لن نصل إلى هذا الحد… يبدو أن المواجهة المباشرة مع السلطة السياسية الحالية أمر لا مفر منه بعد الحرب، مهما كانت النتيجة. لم تعد الحكومة اللبنانية صالحة لحكم البلد، ومواقفها لا تخدم سوى العدو الإسرائيلي. لذا فإن المواجهة وشيكة، وسيدفع الخونة ثمن خيانتهم“.
وبالمثل، صرح وافق صفا، الذي كان حتى وقت قريب رئيس وحدة الاتصال والتنسيق في حزب الله، بأن «سنجبر الحكومة على التراجع عن قرار حظر الأنشطة العسكرية للحزب بعد الحرب، مهما كانت الطريقة”.
وفي هذا السياق، واجه حزب الله في البداية انتقادات من قطاعات من قاعدته الشعبية بسبب هجومه على إسرائيل. ويأتي هذا من أشخاص سئموا الحرب الأخيرة وما تجلبه من دمار وتشريد. ونظراً لضعف القدرات العسكرية لحزب الله منذ عام 2024، شكك الكثيرون بشدة في قدرته على إحداث تأثير حقيقي على ديناميات الحرب ضد إيران و/أو الحد من العنف والدمار الذي يسببه جيش الاحتلال الإسرائيلي في لبنان.
وقد تفاقم الضعف الشديد في القدرات العسكرية للحزب مع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا في ديسمبر 2024. في السابق، كانت سوريا تسهل نقل الأموال والأسلحة. بل أصبحت مصدرًا لتراكم رأس المال من خلال تهريب البضائع المحظورة، بما في ذلك المخدرات غير المشروعة مثل المنشط كابتاغون، ومصادر دخل أخرى. ومع ذلك، فقد نفذت الحكومة السورية الجديدة، في محاولة لإظهار ولائها للولايات المتحدة، ضوابط أكثر صرامة بشكل ملحوظ وعززت وجودها العسكري على طول الحدود منذ بداية الهجوم العسكري الإسرائيلي. وقد ساعد هذا السياق السياسي على انتخاب رئيس وحكومة في لبنان أكثر ملاءمة للمصالح الغربية، وأكثر عداءً لحزب الله وتسليحه.
ومع ذلك، على الصعيد العسكري، أعاد حزب الله هيكلة نفسه في هذه الفترة بقيادة جديدة وتركيز على إنتاج الأسلحة محلياً. وهو يمتلك عدداً كبيراً من الصواريخ والطائرات بدون طيار، بما في ذلك الصواريخ الباليستية بعيدة المدى. وبالتالي، لا يزال الحزب يحتفظ ببنية تحتية عسكرية ومخزونات أسلحة، وقوة قوامها ما بين 30000 و40000 مقاتل تقريباً.
ومع ذلك، لم تنجح هذه إعادة الهيكلة العسكرية في كسر العزلة الكبيرة والمتزايدة لحزب الله، سواء سياسياً أو إقليمياً. فالحزب يتعرض بالفعل لضغوط من جميع الجهات، سواء من التهديد الإسرائيلي المستمر، أو الضغط الأمريكي على الحكومة اللبنانية والجيش، أو العقوبات المالية، أو تغيير السلطة في سوريا، وحتى داخل البلد حيث تطالب شرائح كبيرة من المجتمع بنزع سلاحه بالكامل.
وإن كانت الدعوات إلى حظر الحزب الصادرة عن أعداء حزب الله التقليديين مثل القوات المسلحة اللبنانية ليست مفاجئة، فإن رؤية حليفه المقرب حركة «أمل» يؤيد قرار الحكومة بحظر عمليات الحزب الأمنية والعسكرية، يمثل ضربة قوية. وهو ما يدل على التوترات المتراكمة والمتزايدة بين حزب الله والحزب السياسي الشيعي الآخر.
بيد أن دعوة رئيس الوزراء نواف سلام للجيش اللبناني إلى نزع سلاح حزب الله على الفور تواجه تحديات كبيرة، لا سيما أنها تخاطر بتقويض وحدة الجيش، الذي يشكل الشيعة أكثر من ثلثه. أفادت التقارير أن القائد العام للجيش اللبناني، رودولف هيكل، أعرب عن معارضته لاستخدام القوة ضد حزب الله، خوفاً من حدوث مذبحة وانقسام داخل الجيش. عقب هذه التصريحات، علقت الولايات المتحدة تنسيقها مع الجيش اللبناني، في محاولة لزيادة الضغط من أجل إقالة هيكل، وهو ما رفضه حتى الآن الرئيس اللبناني عون.
علاوة على ذلك، يحتاج هكذا قرار إلى الضوء الأخضر من حركة أمل لتوفير غطاء سياسي ”شيعي“. ومع ذلك، فإن زعيم أمل ورئيس مجلس النواب بري ليس مستعدًا بعد لمنح مثل هذه الموافقة، خاصةً وأنها قد تضعف الطائفة الشيعية ككل. وفي هذا السياق نفسه، يرفض بري حالياً تعيين شخصية شيعية في أي وفد لبناني محتمل للتفاوض مع المسؤولين الإسرائيليين في حال سعت الحكومة اللبنانية إلى إجراء محادثات مباشرة. ويعتقد بري، مثل حزب الله، أن أي صيغة للتفاوض مع إسرائيل في ظل استمرار الحرب ستؤدي إلى تنازلات مفرطة من الجانب اللبناني.
وبشكل أعم، فإن الغضب والإحباط تجاه حزب الله لدى قطاعات واسعة من الشعب اللبناني لم يزدادا عمقاً إلا مع الأحداث الأخيرة. ومع ذلك، اشتدت التوترات الطائفية داخل البلد أيضاً. وقد استغلت دولة إسرائيل هذه التوترات دائماً لتعميق الخلاف الداخلي في البلد. ومع ذلك، يُنظر إلى حزب الله غالباً على أنه القوة المركزية المسؤولة عن عدم الاستقرار الحالي على الصعيدين الوطني والإقليمي.
وقد اشتد عزلة الحزب وتراجع شعبيته خارج المجتمع الشيعي اللبناني على مدى العقدين الماضيين بسبب سياساته الداخلية، بما في ذلك: أحداث 8 مايو 2008؛ معارضته لانتفاضة لبنان عام 2019، وقمع المتظاهرين؛ وسياساته الإقليمية، ولا سيما تدخله في سوريا لدعم نظام الأسد بعد اندلاع الثورة السورية.
في سبتمبر 2025، قام رئيس المنظمة الشعبية الناصرية والنائب عن صيدا، أسامة سعد، في أثناء حفل إحياء الذكرى الثالثة والأربعين لتأسيس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (التي يُعرف اختصارها باللغة العربية بـ «جمول») بانتقاد صريح لـ «طائفية المقاومة» التي يمارسها حزب الله. وتابع قائلاً إن جبهة المقاومة الوطنية مُنعت من أداء دورها في مواصلة النضال من أجل التحرير، قبل أن يؤكد أن المقاومة التي كانت ذات يوم «وطنية وموحدة أصبحت طائفية». وأضاف: «هذا الخطأ الجسيم حوّل المقاومة إلى قضية طائفية ومنع اللبنانيين من إدراك مسؤوليتهم الوطنية، وكأن تحرير البلد لا يهم الدولة ومكوناتها وشعبها”.
وفي الآونة الأخيرة، أعرب الحزب الشيوعي اللبناني أيضًا عن انتقاده للعملية العسكرية التي شنها حزب الله، حيث صرح، في الوقت الذي ندد فيه بالدولة الاستعمارية إسرائيل، قائلاً:
“كان رد حزب الله خطأً في التقدير، من حيث المضمون والشكل على حد سواء. فقد استغل العدو الصهيوني، الذي لا يحتاج إلى ذريعة لمواصلة عدوانه، هذه العملية لتصعيد حربه الوحشية ضد لبنان”.
وكان الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، حنا غريب، في مقابلات مختلفة، شديد الانتقاد لحزب الله لتزويده إسرائيل بهذا الذريعة لشن هذه الحرب الجديدة. وبينما دافع عن حق المقاومة وانتقد الدولة اللبنانية، صرح بأن المقاومة يجب ألا تكون طائفية وأن تحتكرها جماعة دينية واحدة، كما هو الحال حالياً. ويجادل بأن هذه المقاومة يجب أن تكون وطنية، توحد جميع الطوائف الدينية كما في الماضي مع ”جمول“، وتسعى إلى تحرير الطبقات العاملة والشعبية، وتكافح من أجل التغيير الديمقراطي والاقتصادي. هذه عناصر يتجاهلها حزب الله. وقد تطورت هذه الانتقادات أيضاً داخل شريحة من اليسار اللبناني، حتى قبل الهجوم الإسرائيلي الأخير.
ماذا الآن؟
بينما يواجه حزب الله تهديداً وجودياً حقيقياً، تفشل الحكومة اللبنانية في طمأنة السكان، الذين يواجهون خطر التهجير القسري ومزيداً من العنف بسبب الهجمات الإسرائيلية المتواصلة. إن الرغبة في نزع سلاح حزب الله — التي تشترك فيها إسرائيل والقوى الإقليمية والغربية وقطاع كبير من السكان اللبنانيين — تستند إلى منطق معيب: أن سيادة الدولة لا يمكن استعادتها إلا من خلال تعزيز احتكارها للعنف. علاوة على ذلك، فإن التمويل الأجنبي للجيش اللبناني، بما في ذلك من الولايات المتحدة وقطر وفرنسا، يعتمد إلى حد كبير على دوره في نزع سلاح حزب الله، أكثر بكثير من اعتماده على قدرته على تشكيل قوة مسلحة تحمي البلد من التهديدات الخارجية. ويُجسد قرار الحكومة سحب القوات المسلحة اللبنانية من الجنوب وأمرها بالتركيز على نزع سلاح حزب الله هذه الدينامية تماماً.
كما يرتبط نزع سلاح حزب الله بعملية تطبيع مع إسرائيل، تتوقع الحكومة أن تؤدي إلى تدفق المساعدات المالية لإعادة الإعمار.
وهذا يجعل سيادة لبنان، ضمناً، مشروطة بقبول شروط خارجية، تحت ضغط شديد من واشنطن. وهذا يجعل أي «اتفاق» مع إسرائيل، أقل من كونه تأكيداً للسيادة، وأكثر من كونه استسلاماً.
قد تؤدي محاولات مواصلة عملية نزع سلاح حزب الله – لا سيما في خضم حرب إسرائيل في المنطقة – دون إحداث تحول سياسي أو اقتصادي في لبنان، إلى زيادة التوترات الطائفية وإضعاف الدولة. في الواقع، لم تسع الحكومة الحالية إلى تعديل اقتصاد البلد، الذي يقوم على المحسوبية الطائفية، والريعية النيوليبرالية (من خلال عمليات الخصخصة، وتوزيع العقود الحكومية، ومن خلال قطاعات الخدمات، لا سيما المالية والمصرفية، والتجارة والعقارات، وما إلى ذلك)، واستحواذ النخبة. وقد شارك حزب الله بنشاط في هذا النظام السياسي الطائفي والنيوليبرالي ودعمه لأكثر من عقدين. في أعلى مستويات الدولة، أصبح حزب الله جزءاً لا يتجزأ من النظام، يدافع عن مصالح فصائل مختلفة من البرجوازية اللبنانية.
هذه الرؤية للسيادة، التي تُتبع بشكل حصري تقريباً من خلال توسيع قوات الأمن الحكومية، تحجب حقيقتين أساسيتين. أولاً، تفتقر القوات المسلحة اللبنانية إلى الموارد المادية والمالية اللازمة للدفاع بشكل مستقل عن حدود لبنان أو لملء الفراغ الذي خلفه حزب الله. في سياق الأزمة الاقتصادية المستمرة، التي يتسم بها التضخم المتفشي وانهيار العملة الوطنية، يتم استيعاب ميزانية الدفاع لعام 2025 بالكامل تقريباً في الرواتب والعمليات الأساسية. يتراوح الدخل الفعلي للجندي بين 250 و400 دولار تقريباً، حسب الرتبة والبدلات، وهو أقل من المستوى الذي يعتبر كافياً لتلبية الاحتياجات الأساسية، بالنظر إلى ارتفاع الأسعار وتكلفة المعيشة. وهذا يجبر العديد من الجنود على البحث عن وظائف ثانية. ثانياً، تفتقر الدولة اللبنانية إلى الشرعية اللازمة للحفاظ على استراتيجية دفاعية مركزية. فقد قوضت سنوات من المحسوبية الدينية والضرائب التنازلية والإقصاء الاقتصادي مصداقيتها لدى مواطنيها. وتفتقر الحكومة إلى أي استجابة حقيقية لاحتياجات السكان المستهدفين والنازحين، وفشلت في الترويج لأي خطط لإعادة إعمار المناطق المدمرة.
ومن الواضح أن القدرات العسكرية المستقلة لحزب الله وعلاقاته السياسية مع إيران تتعارض مع سياسة الدفاع الوطني السيادية. لكن الحكومة لا تستطيع تجاهل القاعدة الشعبية لحزب الله عند اتخاذ القرارات. ففي النهاية، تشكل دعم الحزب إلى حد كبير بفعل إخفاقات الدولة وانعدام الأمن والتهميش الاجتماعي والاقتصادي والهجمات الخارجية المتكررة والحروب، لا سيما من قبل إسرائيل. وبينما يتضاءل النظر إلى تسليح حزب الله كضمان أمني للسكان الشيعة ضد إسرائيل، فإنه يظل رصيداً ضمن النظام السياسي الوطني. وهذا صحيح بشكل أكبر الآن مع وجود سوريا المجاورة التي تحكمها نخبة جديدة تعتبر معادية للحزب وللشيعة بشكل عام. في الواقع، لم تُستخدم القوة المسلحة لحزب الله أبداً للمقاومة ضد إسرائيل وحدها، بل أصبحت بشكل متزايد خاضعة لاعتبارات داخلية وخارجية أخرى، مرتبطة بمشروع النفوذ الإيراني في المنطقة الذي يرتبط به الحزب.
بعبارة أخرى، يجب النظر إلى الدولة اللبنانية على أنها شرعية ومستجيبة ودامجة، وقادرة ليس فقط على ردع التهديدات، بل أيضاً على تلبية احتياجات الطبقة العاملة. يفتقر النظام السياسي الطائفي والنيوليبرالي ومؤسساته إلى الشرعية الشعبية. وينطبق هذا بشكل خاص على غياب أي ضمانات لوجود فضاء ديمقراطي حقيقي يمثل تطلعات الطبقة العاملة في البلد، وتوفير الخدمات الاجتماعية والاقتصادية لقطاعات واسعة من السكان.
علاوة على ذلك، لا تزال إحباطات شرائح معينة من القاعدة الشعبية لحزب الله تتطلب بديلاً سياسياً ديمقراطياً وشاملاً داخل البلد، قادراً على حشدها. ومع ذلك، لا يزال هذا البديل غائباً اليوم. في هذا السياق، وبالنظر إلى التهديدات والتحديات الداخلية والخارجية، فضلاً عن عجز الدولة اللبنانية عن تلبية حاجاتهم، فليس من المؤكد أننا سنشهد دينامية هجر القاعدة الشعبية للحزب. بل قد نشهد تطور حاجة ملحة للوحدة، أي الدعوة للوقوف معاً خلف حزب الله.
في حين أنه من الضروري معارضة حرب جيش الاحتلال الاسرائيلي — بما في ذلك من عبر المقاومة المسلحة، التي تظل حقاً أساسياً في مواجهة احتلالات وهجمات دولة إسرائيل الاستعمارية — فإن القدرة السياسية على مثل هذا الرد ضعيفة حالياً في لبنان. لا يمكن للمقاومة أن تكون مستدامة وتحاول شق طريقها نحو النجاح إذا اقتصرت على طائفة أو جماعة دينية واحدة، وإذا كانت تفتقر إلى مشروع سياسي يدعم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة في لبنان والمنطقة الأوسع.
وبالمثل، لا يمكن لمقاومة شعبية ديمقراطية واجتماعية أن تربط مصيرها بـنظام إيراني استبدادي يقمع الطبقات العاملة فيه ويطبق سياسة إمبريالية على المستوى الإقليمي، كما يتضح في سوريا (حيث تدخل الحرس الثوري الإيراني وحزب الله والميليشيات الموالية لطهران لدعم ديكتاتورية الأسد)، والعراق، ولبنان، واليمن. مرة أخرى، لا يمنع هذا النقد بأي شكل من الأشكال التنديد في الوقت نفسه بالحروب الإمبريالية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران ولبنان، والإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين.
أما بالنسبة لخطاب الحكومة اللبنانية المؤيد لـ ”دولة ذات سيادة“، فإن هذا الوضع لن يسهم بالتأكيد في تعزيز مصالح الطبقة العاملة في البلد. تستند خطابات «السيادة» إلى فرض القوة من قبل الجيش اللبناني، مدعومة بضغوط خارجية من دول تتعارض مصالحها مع حاجات الطبقات العاملة في لبنان والمنطقة. ويؤدي افتقار الحكومة اللبنانية إلى خطة لتفكيك النظام السياسي الطائفي والنيوليبرالي، وتطوير قدرات الدولة، سواء من حيث الخدمات الاجتماعية والاقتصادية أو الدفاع عن سكانها، إلى تعميق هذا التناقض.
بعبارة أخرى، يتعلق الأمر بربط القضايا الديمقراطية والاجتماعية، ومعارضة جميع القوى الإمبريالية وشبه الإمبريالية، مع تعزيز التحول السياسي والاجتماعي من القاعدة، من خلال بناء حركات تكون فيها الطبقة العاملة هي الفاعل الحقيقي لتحريرها. ولا يمكن أن يؤدي فصل هاتين الديناميتين إلا إلى مزيد من المعاناة للطبقة العاملة في لبنان، وبشكل أوسع في المنطقة. ما نحتاجه هو مشروع مقاومة ذو قاعدة شعبية حقيقية داخل الطبقات العاملة، عبر جميع الأديان والأعراق على المستويين المحلي والإقليمي، ومبني على الدفاع عن مصالحها الطبقية المشتركة.
المصدر:
اقرأ أيضا

