الحرب على إيران: من يدفع الثمن؟
بقلم، جريدة المناضل-ة
في نهاية مارس 2026، شنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدعم من إسرائيل، هجومًا على إيران استهدف مواقع عسكرية ونووية في عدة مدن. غير أن ما يحدث لا يمكن اعتباره حدثًا معزولًا، بل هو حلقة جديدة في صراع إمبريالي ممتد، تتنافس فيه القوى الكبرى على السيطرة على الموارد والأسواق والممرات الاستراتيجية.
يشكّل مضيق هرمز شريانًا حيويًا للرأسمالية العالمية، إذ إن التحكم فيه يعني السيطرة على جزء أساسي من تدفق النفط، عصب الاقتصاد العالمي. من هذا المنظور، لا تبدو هذه الحرب الأمريكية- الصهيونية «دفاعًا عن النفس»، بقدر ما هي صراع على الهيمنة على هذا الممر الاستراتيجي.
فالحروب، في منطق النظام الرأسمالي، ليست طارئة أو عرضية، بل هي امتداد طبيعي لديناميات التوسع. عندما تسعى الشركات الكبرى والدول القوية إلى تأمين أسواق جديدة وموارد أقل كلفة، يتحول التنافس الاقتصادي إلى صراع عسكري مفتوح. لذلك، فإن ارتفاع أسعار النفط عقب الهجوم ليس نتيجة جانبية، بل تعبير عن منطق بنيوي: كل ارتفاع في الأسعار يدرّ أرباحًا إضافية لشركات الطاقة الكبرى، بينما تتحمل الشعوب الكلفة. وهكذا يُعاد توزيع العبء من المركز إلى الأطراف، أي من الدول الغنية إلى بلدان الجنوب.
قد يبدو المغرب بعيدًا جغرافيًا عن ساحة الحرب، لكنه مندمج في بنية تبعية داخل الاقتصاد العالمي. فاعتماده الكبير على استيراد الطاقة والمواد الأساسية يجعله شديد الهشاشة أمام الصدمات الخارجية. ومع ارتفاع أسعار النفط، لا يملك التحكم فيها، بل يجد نفسه مضطرًا لتحمّل تبعاتها. هذا هو جوهر التبعية: تُتخذ القرارات في مراكز القوة، بينما تتحمل بلدان الجنوب العالمي وشعوب العالم نتائجها مستنكفة عن استعمال قدرتها الفعلية على التأثير، فينعكس ذلك على الميزان التجاري، وترتفع كلفة الاستيراد، وتتزايد الضغوط على المالية العمومية، قبل أن تُنقل هذه الأعباء في النهاية إلى الداخل، أي إلى المستهلكين-ات والشغيلة وصغار المنتجين-ات.
وفي هذا السياق، لا تُوزَّع الأزمات بشكل متساوٍ. فالفئات الشعبية هي التي تدفع الثمن الأكبر دائمًا. إذ يؤدي ارتفاع أسعار المحروقات إلى زيادة تكاليف النقل، ومن ثم ارتفاع أسعار الغذاء. ومع تصاعد أسعار الحبوب عالميًا، يصبح الأمن الغذائي مهددًا بشكل متزايد. يعاني الفلاح الصغير من ارتفاع كلفة الإنتاج، ويواجه العامل تدهور قدرته الشرائية، بينما يجد العاطل نفسه في وضع أكثر هشاشة. في المقابل، يستفيد كبار المستوردين والوسطاء والشركات التي تراكم أرباحها من تقلبات السوق. لا يتعلق الأمر بمفارقة عابرة، بل بآلية بنيوية تتحول فيها الأزمات إلى فرص للربح.
ويعكس الموقف الرسمي المغربي هذا الواقع بدوره. فحالة الاصطفاف مع الحلفاء الدوليين، وتجنب إدانة القوى الكبرى، تعكس ارتباط مصالح الطبقات الحاكمة بمنظومة عالمية قائمة على التبعية. في هذا الإطار، لا تقف الدولة على مسافة واحدة من مختلف الأطراف، بل تميل إلى حماية توازنات تخدم استقرار البرجوازية المغربية ومصالحها، حتى وإن كان ذلك على حساب الأغلبية. أما الإجراءات الظرفية، من قبيل اللجان أو تجميد بعض الأسعار، فتبقى حلولًا مؤقتة، موجَّهة بالأساس للحفاظ على الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي، ولا تمس جوهر المشكلة.
إن ما تكشفه هذه الحرب يتجاوز مجرد هشاشة ظرفية، ليُبرز حدود نموذج اقتصادي قائم برمّته: نموذج يعتمد على الاستيراد، ويكرّس الاندماج التابع في السوق العالمية، وينقل كلفة الأزمات إلى الطبقات الشعبية والفئات الهشة. وقد ساهمت سياسات مثل التوسع في المديونية، وتفكيك أنظمة الدعم، وترك تحديد الأسعار لآليات السوق، في تعميق هذه الاختلالات بدل معالجتها.
لذلك، فإن رفض الحرب لا ينبغي أن يقتصر على بعدها الأخلاقي، بل يجب أن يمتد إلى جذورها البنيوية، أي إلى نظام عالمي قائم على الهيمنة والاستغلال. ومن هنا تبرز ضرورة طرح الأسئلة الجوهرية: من يملك الثروة؟ من يقرر؟ ومن يدفع الثمن؟
إن النضال من أجل السيادة الاقتصادية والغذائية والطاقية، ومن أجل العدالة الاجتماعية والتحرر من التبعية، هو في جوهره جزء من نفس المعركة ضد الحرب. لأن ما يجري ليس صراعًا بعيدًا، بل انعكاس مباشر لنظام عالمي يضع الربح فوق حياة البشر.
اقرأ أيضا

