المغرب في زمن الحرب: اقتصاد تابع يتلقى الصدمات

بقلم ق.م. المعطي

مقال منشور في العدد 66 من أسبوعية جريدة المناضل-ة

حين اندلعت المواجهة العسكرية في الخليج أواخر فبراير/شباط 2026، لم تكن الرباط ضمن قائمة الأهداف، ولم تتحول الجغرافيا المغربية إلى ساحة حرب. ومع ذلك، سرعان ما تبيّن أن المسافة لا تحمي من الارتدادات، وأن الحروب في زمن العولمة لا تُقاس بالكيلومترات، بل بمواقع الاقتصادات داخل النظام العالمي.

ما يعيشه المغرب اليوم ليس أثرًا عرضيًا لصراع خارجي، بل نتيجة مباشرة لبنية اقتصادية تجعل الصدمات العالمية تنتقل إليه بسرعة وكلفة مرتفعة. فالمسألة لا تتعلق فقط بارتفاع أسعار أو اضطراب الإمدادات، بل بانكشاف عميق لنموذج تنموي ظل لعقود قائمًا على الاندماج غير المتكافئ في السوق العالمية، حيث تُستورد شروط الاستقرار كما تُستورد الطاقة والقمح.

بهذا المعنى، لا تصل الحرب إلى المغرب بالصواريخ، بل عبر الأسعار، والفواتير، وتآكل القدرة الشرائية. وهي، في ذلك، أكثر دوامًا وأشد وطأة.

المحروقات – صدمة التحرير

لم يعد الغلاء في المغرب مجرد موجة ظرفية مرتبطة باضطرابات دولية عابرة، بل تحول إلى تجربة يومية مستقرة، تعيد تشكيل شروط العيش والعمل على نحو عميق. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، بدا وكأن الاقتصاد الوطني يتلقى صدمة خارجية قوية، غير أن سرعة انتقال آثارها واتساع نطاقها داخليًا يكشفان أن الأمر يتجاوز عامل الظرفية، ليعكس اختلالات بنيوية في طريقة تنظيم السوق وتموقع البلاد داخل الاقتصاد العالمي.

تشكِّل المحروقات نقطة الدخول الأكثر مباشرة لهذه الصدمة. فبلد يستورد نحو 90% من حاجياته الطاقية يظل، بحكم موقعه، عرضة لتقلبات السوق العالمية. غير أن ما يحوِّل هذه التبعية إلى عبء اجتماعي ثقيل ليس فقط هذا الاعتماد، بل الكيفية التي أُدير بها القطاع داخليًا. فمنذ تحرير أسعار المحروقات سنة 2015، تخلَّت الدولة عن دورها كوسيط يمتص الصدمات، ونُقلت تقلبات السوق بشكل شبه كامل إلى المستهلك. وبهذا المعنى، لم يكن التحرير مجرد إصلاح تقني، بل إعادة توزيع صريحة للمخاطر؛ تحمي الدولة توازناتها المالية، بينما تواجه الأسر مباشرة تقلبات الأسعار، وتستفيد شركات التوزيع من هوامش ربح كبيرة في سوق محررة.

لكن أثر الطاقة لا يتوقف عند مضخة الوقود، بل يمتد عبر كامل النسيج الاقتصادي. فارتفاع كلفة المحروقات يرفع كلفة النقل، التي تنعكس بدورها على أسعار السلع، خاصة الغذائية منها، لتتشكَّل سلسلة تضخمية مترابطة. هنا، لا يبقى التضخم مفهومًا اقتصاديًا مجردًا، بل يتحول إلى واقع يومي يُقاس بثمن الخبز وكلفة التنقل وفاتورة الخدمات.

في قلب هذه الدينامية، يبرز قطاع الغذاء كمجال تتكثَّف فيه آثار الصدمة. فالمغرب، الذي يعتمد جزئيًا على استيراد الحبوب والزيوت، يجد نفسه مرة أخرى في موقع المتلقي لتقلبات السوق العالمية. ومع ارتفاع الأسعار السوق العالمية، تنتقل الزيادات سريعًا إلى الداخل، لكن ليس بشكل محايد، بل عبر بنية سوق محلية تسمح بتضخيمها. فتكلفة الإنتاج الفلاحي تزداد بدورها بفعل غلاء الطاقة والمدخلات، بينما بساهم تعدد حلقات الوساطة في نقل الزيادة، بل وتعميقها، إلى المستهلك النهائي.

تتفاقم هذه الوضعية بفعل مفارقة بنيوية في النموذج الفلاحي: إنتاج موجه للتصدير في مقابل هشاشة في تأمين الحاجيات الأساسية للسوق الداخلية. ففي سنوات الجفاف، تتراجع القدرة الإنتاجية، فيُعوَّض النقص بالاستيراد، ما يعمق التبعية ويعيد إنتاج نفس الحلقة. وهكذا، يتحول الغذاء من مجال للأمن إلى مجال للانكشاف، حيث تصبح القدرة على الأكل الجيد رهينةً بتقلبات خارجية لا سيطرة عليها.

غير أن الحلقة الحاسمة في هذه السلسلة تبقى الأجور. فهنا تتجسَّد كل الصدمات السابقة في شكلها النهائي: القدرة الفعلية على العيش. في سياق يتسم بانتشار العمل غير المهيكل وضعف آليات التفاوض الجماعي، تظل الأجور جامدة أو بطيئة التكيف مع ارتفاع الأسعار. والنتيجة هي تآكل مستمر في الأجر الحقيقي، أي في ما تتيحه الأجور فعليًا من سلع وخدمات.

لا يقتصر هذا التآكل على مستوى الاستهلاك، بل يمتد إلى شروط العمل نفسها. فالمقاولات، تحت ضغط ارتفاع التكاليف، تسعى إلى الحفاظ على هوامش ربحها عبر تكثيف العمل أو تعميم أشكال تشغيل أكثر هشاشة. وهكذا، يدفع العامل التكلفة مرتين: مرة كمستهلك يواجه الغلاء، ومرة كمنتج يُطلب منه امتصاص جزء من الأزمة داخل مكان العمل.

إذا ما جمعنا هذه المستويات الثلاثة- الطاقة، الغذاء، الأجور- يتضح أننا أمام آلية مترابطة تنقل الصدمات من الخارج إلى الداخل، ثم تعيد توزيعها اجتماعيًا بشكل غير متكافئ. صدمة في سوق الطاقة تتحول إلى تضخم في النقل والغذاء، ثم إلى تآكل في الأجور، لتستقر في النهاية كتدهور في شروط العيش.

ما يكشفه هذا المسار ليس مجرد هشاشة ظرفية، بل منطقًا أعمق يقوم على خصخصة الأرباح وتعميم الخسائر. ففي فترات الاستقرار، تُترك السوق لتراكم الأرباح لدى الفاعلين الخواص، بينما في لحظات الأزمة، يُعاد توزيع الكلفة عبر الأسعار على عموم المجتمع. ضمن هذا الإطار، لا تعود السوق تلك “الآلية المحايدة” المزعومة، بل تصبح أداة لإعادة إنتاج التفاوتات، حيث تتحمل الفئات الشعبية العبء الأكبر لكل اضطراب.

من هنا، فإن الرهان لا يكمن فقط في تخفيف آثار الغلاء عبر إجراءات ظرفية، بل في إعادة طرح الأسئلة الأساسية: ما دور الدولة في حماية المجتمع من تقلبات السوق؟ كيف يمكن إعادة تنظيم القطاعات الحيوية بما يوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية؟ وأي نموذج تنموي يمكن أن يفكك هذه الحلقة التي تحول كل صدمة خارجية إلى أزمة معيشية داخلية؟

ليس الأمر ترفا فكريا، بل ضرورة اجتماعية ملحة في سياق تتزايد فيه كلفة العيش بوتيرة أسرع من قدرة البشر على التحمل.

اقتصاد بأوجه هشاشة متعددة

ليس ما يواجه الاقتصاد المغربي اليوم مجرد تراكمٍ عرضيٍ للاختلالات، بل هو تعبير مكثف عن بنية اقتصادية تتسم بتعدد أوجه الهشاشة وتداخلها. فالمديونية المرتفعة، واستنزاف الطبقة الوسطى، واتساع القطاع غير الرسمي، وارتهان الفلاحة للتقلبات المناخية والسوق العالمية، ليست ظواهر منفصلة يمكن معالجتها كلًّا على حدة، بل هي وجوه مختلفة لمنطق واحد يحكم إدماج المغرب في الاقتصاد العالمي من موقع تابع. ضمن هذا المنطق، لا تتحدد شروط إعادة إنتاج الاقتصاد داخليًا، بل تُرتهن بدرجة كبيرة لعوامل خارجية، ما يجعل كل توازناته قابلة للاهتزاز مع كل اضطراب عالمي.

تُظهر المديونية، في هذا السياق، حدود القدرة على تحقيق تراكم داخلي مستقل، إذ تتحول من أداة مزعومة لتمويل التنمية إلى آلية دائمة لتعويض ضعف الإنتاجية والقاعدة الصناعية وامتصاص الفائض الاجتماعي لصالح الدائنين. ويترتب عن ذلك توجيه جزء متزايد من الموارد الوطنية نحو خدمة الدين، على حساب الاستثمار العمومي في القطاعات الاجتماعية والإنتاجية. في المقابل، تعيش الطبقات الشعبية حالة تآكل مستمر، نتيجة ضغط تكاليف المعيشة وهشاشة سوق الشغل، ما يضعف قدرتها الاستهلاكية ويقلص دورها كرافعة للطلب الداخلي، ويعمّق بالتالي الاعتماد على الأسواق الخارجية.

أما ما يُقدَّم غالبًا كدعائم للاقتصاد، فيكشف التحليل عن طابعه الهش. فالسياحة، رغم مساهمتها في جلب العملة الصعبة، تظل رهينةً لتقلبات الطلب الخارجي، وتتأثر سريعًا بالأزمات العالمية، سواء كانت اقتصادية أو صحية أو جيوسياسية. وتحويلات المهاجرين، التي تشكل موردًا أساسيًا للعملات الأجنبية، تعكس في جوهرها عجز الاقتصاد الوطني عن استيعاب قوة عمله، حيث تُنتَج القيمة في الخارج ويُعاد جزء منها إلى الداخل دون أن يصاحب ذلك نقل فعلي للمعرفة أو توطين للاستثمار المنتج. أما الفلاحة، فتقف عند تقاطع هش بين الطبيعة والسوق العالمية، إذ تتأثر في الآن ذاته بالجفاف وبأسعار المدخلات والمنتجات في الأسواق العالمية، خصوصًا في ظل توجه متزايد نحو التصدير على حساب الحاجيات الداخلية.

ويُعد القطاع غير الرسمي بدوره عنصرًا مركزيًا في هذه البنية، لا بوصفه انحرافًا عنها، بل كجزء عضوي منها. فهو يستوعب فئات واسعة من اليد العاملة التي يعجز القطاع المنظم عن تشغيلها، لكنه يفعل ذلك ضمن شروط من الهشاشة وانعدام الحماية الاجتماعية وضعف الإنتاجية، ما يجعله آلية لإعادة إنتاج الفقر وعدم الاستقرار، حتى وهو يخفف من حدة البطالة الظاهرة.

تكمن الخطورة الحقيقية في تزامن أوجه الهشاشة هذه وتفاعلها، لا في وجودها المنفرد. فعندما تتراجع السياحة، وتتقلص تحويلات المهاجرين، ويضرب الجفاف الفلاحة، وينكمش النشاط غير الرسمي، فإن الاقتصاد لا يجد قنوات بديلة لامتصاص الصدمة، لأن مصادر قوته الظاهرية هي نفسها مصادر انكشافه. بذلك، لا يعكس تعدد هذه الموارد تنويعًا حقيقيًا، بل تنويعًا داخل نفس البنية التابعة، حيث تبقى الروابط الأساسية بالخارج هي المحدد الرئيسي للأداء الاقتصادي.

من هنا، يتضح أن ما يعيشه المغرب ليس أزمة ظرفية ناجمة عن صدمات متزامنة، بل لحظة اختبار حاسمة لنموذج تنموي بأكمله. نموذج يقوم على ضعف التراكم الداخلي، والاعتماد على الطلب الخارجي، وتدبير اجتماعي للهشاشة بدل معالجتها من جذورها. وفي ظل تزايد حدة وتقارب الأزمات العالمية، يصبح السؤال الجوهري إلى أي مدى يمكن لهذا النموذج أن يستمر في إعادة إنتاج نفسه دون أن يبلغ حدوده القصوى.

التوازنات الدبلوماسية وحدودها

لم يعد الحديث عن «توازنات دبلوماسية» كافيًا لفهم موقع المغرب في النظام العالمي الراهن، بقدر ما يفرض السياق تحليل الشروط المادية التي تجعل هذا التوازن ممكنًا أو تحدّ من فعاليته. فالصورة التي طالما رُوّجت عن قدرة المغرب على المناورة بين قوى متعارضة، دون الانخراط الكامل في أي محور، كانت تستند إلى مرحلة عالمية اتسمت بقدر من السيولة وتعدد مراكز القرار. غير أن التحولات الجارية اليوم، في اتجاه استقطاب أكثر حدّة، تكشف أن هذه المهارة الدبلوماسية تصطدم بحدود موضوعية، ترتبط بطبيعة الاندماج غير المتكافئ في الاقتصاد والسياسة العالميين.

في هذا السياق، يظهر أن ما يبدو «توازنًا» هو توزيع لأشكال مختلفة من الارتهان. فالعلاقة مع الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تقوم على بعد أمني واستراتيجي واضح، يجعل جزءًا من الخيارات الدفاعية والسيادية مرتبطًا بتصورات ومصالح قوة عظمى. وفي المقابل، يرتكز الارتباط بأوروبا على تشابك اقتصادي وتجاري عميق، حيث تتجه نسبة كبيرة من المبادلات والصادرات نحو السوق الأوروبية، بما يجعل الاقتصاد المحلي حساسًا لتقلبات الطلب والسياسات في هذا الفضاء. أما العلاقات مع دول الخليج، فقد أخذت طابعًا ماليًا واستثماريًا، حيث تلعب التدفقات الرأسمالية دورًا مهمًا في تمويل مشاريع كبرى ودعم التوازنات، لكنها تظل بدورها مشروطة بحسابات سياسية وإقليمية.

خلال فترات الاستقرار النسبي، أتاح هذا التوزيع في العلاقات هامشًا من الحركة، مكّن المغرب من الاستفادة من تعدد الشركاء وتفادي الارتهان الكامل لطرف واحد. غير أن هذا الهامش يتقلص كلما اشتدت الأزمات وتزايدت حدة التنافس بين القوى الكبرى. ففي سياق الاستقطاب، لم تعد هذه الأطراف تقبل بسهولة بمواقف رمادية، بل تميل إلى طلب اصطفافات أو على الأقل مواقف منسجمة مع مصالحها. وهنا تتحول نفس الروابط التي كانت تُقدَّم كعناصر توازن إلى قنوات ضغط متقاطعة: كل شريك يمتلك أدوات تأثير، وكل علاقة تحمل في طياتها كلفة سياسية محتملة.

تتجلى الإشكالية، إذن، في أن القدرة على المناورة الدبلوماسية تظل مرتبطة بامتلاك قاعدة مادية داعمة. فالتوازن انعكاس لقوة تفاوضية نابعة من الداخل وليس مجرد مهارة في إدارة العلاقات: اقتصاد متماسك، واستقلال نسبي في القرار، وقدرة على تحمل كلفة الاختيارات. وفي غياب هذه الشروط، يتحول «التوازن» إلى إدارة دقيقة للتبعيات، وليس تجاوزًا لها. بمعنى آخر، يصبح الهدف هو الحد من آثار الارتهان، لا التخلص منه.

في عالم يُعاد تشكيله وفق منطق القوة، حيث تتقدم الاعتبارات الجيوسياسية على حساب قواعد التعاون التقليدية، لم تعد المناورة وحدها كافية لضمان الموقع والمصالح. ما يُكافأ اليوم هو امتلاك أوراق قوة ذاتية من قبيل قاعدة إنتاجية صلبة، وسيادة اقتصادية نسبية، وقدرة على تنويع الشراكات من موقع الندية لا الحاجة. دون ذلك، تظل التوازنات الدبلوماسية عرضة للاهتزاز مع كل تحول في موازين القوى، ويظل هامش القرار محكومًا بسقف يحدده الآخرون أكثر مما يُصاغ من الداخل.

سؤال السيادة المؤجل

في قلب هذا التشابك بين هشاشة الاقتصاد وحدود التوازنات الدبلوماسية، يطفو سؤال السيادة بوصفه الإشكال الأكثر حسمًا، وإن ظل مؤجلاً في الممارسة. فحين تهتز القنوات الخارجية التي يعتمد عليها الاقتصاد- من تمويل وتجارة وتحويلات- يبرز السؤال الجوهري: على أي أرضية مادية يستند القرار الوطني؟ ذلك أن الانفتاح، حين يتجاوز حدّ الاندماج المتوازن إلى درجة الانكشاف، لا يعود خيارًا استراتيجيًا بقدر ما يصبح قيدًا بنيويًا يحدّ من القدرة على الفعل.

يتجلى هذا القيد في كون القرار الاقتصادي نفسه محكومًا بشروط خارجية، سواء عبر آليات التمويل الدولي، أو عبر التزامات التبادل الحر، أو حساسية الاقتصاد لتقلبات الأسواق العالمية. وضمن هذا الإطار، لا تُصاغ السياسات العمومية فقط وفق أولويات داخلية، بل أيضًا تحت ضغط الحفاظ على «ثقة» الفاعلين الخارجيين، من مقرضين ومستثمرين وشركاء تجاريين. أما على المستوى الاجتماعي، فقد راكم المجتمع المغربي لعقود تضحيات جسام بوجه هذه الضغوط، غير أن هذه القدرة ليست بلا حدود. فالتضخم، وتآكل الخدمات العمومية، واتساع الهشاشة، كلها مؤشرات على اقتراب هذا التحمّل من عتبة حرجة.

من هنا، تبرز السيادة لا بوصفها شعارًا أو مرادفًا للاكتفاء الذاتي الكامل، بل كقدرة عملية على تقليص درجة التعرض للصدمات الخارجية. إنها، في جوهرها، مسألة إعادة توزيع لمصادر الارتهان: كيف يمكن للاقتصاد أن يظل منفتحًا، دون أن يكون مكشوفًا؟ وكيف يمكن للاندماج في السوق العالمية أن يتحول من علاقة تبعية إلى علاقة تفاوض؟ هذا التحول يمر، بالحد الأدنى، عبر ثلاث دوائر حاسمة: الطاقة، والغذاء، والقرار الاقتصادي، وفي صلب ذلك تأميم التجارة الخارجية وحمائية ذكية لاقتصاد محلي يشجع التصنيع، وموجه لتلبية الحاجات الأساسية للبشر…

في مجال الطاقة، يظل التحدي قائمًا في تقليص الارتهان للتقلبات العالمية، عبر تنويع المصادر، وبناء قدرة داخلية على التحكم في جزء معتبر من سلسلة الإنتاج والتوزيع، وامتلاك إستراتيجية واضحة للطاقات البديلة بما يتيح عدم الارتهان للوقود الأحفوري. وفي مجال الغذاء، تتجاوز المسألة مجرد تحقيق وفرة ظرفية إلى ضمان حد أدنى من الأمن الغذائي، يقلل من تأثير اضطرابات الأسواق العالمية والجفاف المتكرر. أما في ما يتعلق بالقرار الاقتصادي، فالإشكال يتمثل في الاستقلال في صياغة السياسات، بما يسمح بتغليب الأولويات الاجتماعية والإنتاجية على إكراهات التوازنات المالية قصيرة الأمد.

غير أن المفارقة تكمن في أن السياسات العمومية، رغم تعدد برامجها وإصلاحاتها، تظل محكومة بمنطق يعيد إنتاج نفس البنية التي تسعى ظاهريًا إلى تجاوزها. فالسعي إلى جذب الاستثمار الخارجي، وتوسيع الانفتاح التجاري، والاعتماد على التمويلات الدولية، كلها خيارات تُقدَّم كرافعات للتنمية، لكنها، أساس المشكلة، ولا تغني عن امتلاك قاعدة داخلية صلبة. عمّق هذا السعي الارتباط بالخارج أكثر مما عزز القدرة على التفاوض معه. وهكذا، يتحقق تقدم في مجال معين- كالبنية التحتية أو الصادرات- لكن بكلفة تعميق التبعية في مجالات أخرى، كالتكنولوجيا أو التمويل أو السيادة الغذائية.

بذلك، فإن سؤال السيادة يتحول إلى سمة بنيوية للنموذج نفسه. إذ يتم التعامل معه كأفق بعيد، في حين تُتخذ قرارات يومية تُضعف شروط تحقيقه. وفي عالم يتسم بتزايد الاضطرابات وتقلص هوامش المناورة، يصبح هذا التأجيل أكثر كلفة، لأن كل صدمة جديدة لا تكشف فقط عن هشاشة قائمة، بل تعمّقها أيضًا. وعند هذه النقطة، لا يكون التحدي في إدارة الأزمات المتتالية، بل في كسر الحلقة التي تجعل من كل حل مؤقت مدخلاً لأزمة لاحقة.

التحول الطاقي – بين الإمكان وإعادة إنتاج التبعية

يُطرح التحول الطاقي في المغرب، في الخطاب الرسمي والاستثماري، بوصفه أفقًا استراتيجيًا واعدًا، قادرًا على تقليص الارتهان الطاقي وفتح آفاق جديدة للنمو. ولا شك أن الإمكانات الطبيعية- من إشعاع شمسي مرتفع ومواقع ملائمة لطاقة الرياح- تمنح هذا الخيار أساسًا ماديًا قويًا. غير أن جوهر المسألة لا يكمن في توفر الموارد أو في نجاعة التقنيات، بل في الكيفية التي يُدمج بها هذا التحول ضمن البنية الاقتصادية القائمة: هل سيعيد تشكيلها لصالح قدر أكبر من الاستقلال، أم سيُعاد توظيفه داخل نفس منطق التبعية؟

في صيغته الحالية، يحمل التحول الطاقي مفارقة بنيوية. فمن جهة، يُقدَّم كوسيلة لتعزيز السيادة وتقليص الاعتماد على الواردات الأحفورية، ومن جهة أخرى، يتم تطويره ضمن نموذج استخراجي واستثماري-تصديري يعتمد بشكل كبير على الرساميل الأجنبية، والتكنولوجيا المستوردة، وآليات تمويل خارجية. وبهذا المعنى، قد يتحول تقليص التبعية في مجال (استيراد الطاقة) إلى إعادة إنتاجها في مجالات أخرى (التمويل، التكنولوجيا، وسلاسل القيمة).

تتجلى هذه المفارقة بوضوح في توجّه جزء من المشاريع الطاقية نحو التصدير، سواء بشكل مباشر عبر الربط الكهربائي، أو بشكل غير مباشر من خلال إنتاج «طاقة خضراء» موجهة لتغذية سلاسل إنتاج مرتبطة بالأسواق الأوروبية. في هذا السياق، لا يصبح الهدف الأساسي هو تلبية الحاجيات الداخلية أو خفض كلفة الطاقة على النسيج الإنتاجي المحلي، بل الاندماج في تقسيم دولي جديد للعمل الطاقي، حيث يُسند للمغرب دور «المُنتِج النظيف» لفائدة مراكز الاستهلاك في الشمال. وهنا، يُعاد إنتاج نفس المنطق الذي حكم قطاعات أخرى: توجيه الموارد نحو الخارج، مع احتفاظ الداخل بهوامش محدودة من القيمة المضافة.

كما أن الاعتماد على التمويلات الأجنبية، رغم ضرورته في ظل محدودية الادخار الداخلي، يفرض بدوره شروطًا تؤطر طبيعة المشاريع وأولوياتها. فالممول لا يهتم فقط بجدوى المشروع تقنيًا، بل أيضًا بقدرته على ضمان عائد واستقرار في بيئة استثمارية مفتوحة، ما قد يدفع نحو تفضيل المشاريع الكبرى الموجهة للتصدير على حساب حلول أكثر ارتباطًا بالحاجيات المحلية والبيئية، مثل تعميم الولوج إلى الطاقة أو دعم الصناعات المحلية الصغيرة والمتوسطة.

أما على مستوى التصنيع، فإن الرهان الحقيقي للتحول الطاقي لا يكمن فقط في إنتاج الكهرباء، بل في بناء نسيج صناعي متكامل حوله: من تصنيع المكونات، إلى تطوير البحث والتطوير، وصولاً إلى التحكم في الصيانة وسلاسل التوريد. دون ذلك، يظل الاقتصاد في موقع المستورد للتكنولوجيا، والمشغّل لها، دون أن يتحكم في مفاصلها الأساسية. وهنا، يتحول الانتقال الطاقي إلى مجرد تغيير في «مصدر» الطاقة، دون تغيير في موقع البلد داخل السلسلة العالمية لإنتاج القيمة.

بذلك، يتضح أن التحول الطاقي خيار سياسيً-اقتصاديً بامتياز. فهو يفتح، في الآن ذاته، إمكانين متناقضين: إما أن يشكل رافعة لإعادة بناء قدر من السيادة، عبر ربطه باستراتيجية صناعية وتمويلية مستقلة نسبيًا، أو أن يتحول إلى شكل جديد من أشكال التبعية، أكثر حداثة في أدواته، لكنه لا يقل عمقًا في نتائجه. والحسم بين هذين المسارين لا تحدده وفرة الشمس أو الرياح، بل طبيعة السياسات التي تؤطر استثمارهما، والغاية التي يُسخَّر لها هذا الاستثمار: هل هي خدمة حاجيات الداخل وبناء قوته، أم الاندماج في نظام عالمي يعيد توزيع الأدوار دون أن يغير جوهرها؟

من إدارة الأزمات إلى تغيير القواعد

تكشف هذه اللحظة العالمية المضطربة أن جوهر الإشكال يكمن في درجة قابلية الاقتصاد لامتصاص الصدمات دون اختلال عميق لا في تواترها. فالتدبير اليومي للأزمات- عبر دعم ظرفي، أو تعديلات مالية، أو سياسات احترازية- يبقى ضروريًا لضمان الاستقرار، لكنه يظل، في أحسن الأحوال، معالجة للأعراض لا للأسباب. وبين منطق «إدارة الضرر» ومنطق «تقليص قابلية الضرر» مسافة حاسمة، تتجاوز التقنية إلى صميم الاختيارات السياسية والاقتصادية التي تؤطر النموذج برمّته.

في هذا السياق، يتبيّن أن التكيّف المستمر مع بيئة عالمية متقلبة لا يمكن أن يشكل استراتيجية دائمة. فالعالم الذي يُعاد تشكيله اليوم بمنطق القوة وإعادة توزيع النفوذ، لا يترك هامشًا كبيرًا لمن يكتفي بردّ الفعل. وعليه، يصير السؤال إلى أي حد يمكن إعادة تعريف موقعنا داخل هذه المنظومة؟ بدل كيف نحسّن قدرتنا على التوازن داخل منظومة متحركة؟ لأن القبول الدائم بقواعد لعبة يحددها الآخرون، حتى مع إتقان المناورة داخلها، يعني عمليًا القبول بسقف محدد سلفًا لما يمكن تحقيقه.

إن المجتمعات التي استطاعت الخروج من الأزمات الكبرى بأقل كلفة، بل وبمكاسب نوعية، لم تفعل ذلك فقط عبر تحسين أدوات التكيّف، بل عبر لحظات قطيعة نسبية أعادت فيها ترتيب أولوياتها، ووسّعت هامش سيادتها، وراكمت عناصر قوة داخلية. أي أن الأمر كان حصيلة مسار سياسي طويل، أُعيدت فيه صياغة العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع، بما يسمح بتحويل الأزمات من مصدر تهديد دائم إلى فرصة لإعادة البناء.

المغرب في مفترق طرق واضح المعالم. فمن جهة، يمكن الاستمرار في نفس النموذج، مع تحسين أدواته، أي عبر مزيد من سياسات التخفيف، ومزيد من البحث عن توازنات مالية، ومزيد من الانخراط في شبكات الارتهان الخارجي، بما يضمن استقرارًا نسبيًا لكنه يترك جذور الهشاشة دون مساس. ومن جهة أخرى، يبرز خيار أكثر كلفة على المدى القصير، لكنه أكثر قدرة على إعادة تشكيل المسار؛ أي الشروع في بناء سيادة حقيقية، تقوم على تقوية القاعدة الإنتاجية، وترسيخ استقلال القرار الاقتصادي، وربط العلاقات الخارجية بأولويات داخلية واضحة.

شارك المقالة

اقرأ أيضا