رؤية ماركسية للفساد؛ الفساد آلية هيكلية خاصة بطور الرأسمالية الراهن

مقالات19 يونيو، 2026

بقلم، بيدرو فوينتيس

ليست الفضيحة التي تورط فيها بنك «ماستر» — والتي وصفها محتلف المحللين بأنها واحدة من أكبر قضايا الفساد المالي في البرازيل في هذا القرن —حالة شاذة ضمن النظام. إنها في الواقع الجزء الظاهر من جبل جليد آلية هيكلية خاصة بطور الرأسمالية الراهن. وبالمصطلحات الماركسية، فهي تعبير عما عرّفه إرنست ماندل بطور الرأسمالية المتأخر: مرحلة تتميز بالأمولة، والتركيز الاحتكاري، والاندماج المتزايد بين الشركات الكبرى والدولة.
غالبًا ما يُصوَّر الفساد على أنه انحراف أخلاقي: سياسيون غير أمناء، أو رجال أعمال جشعون، أو موظفون فاسدون «يحرفون» سير عمل المؤسسات الطبيعي. لكن هذه التفسير الليبرالي يثبت عدم كفايته في مواجهة حجم الفضائح الكبرى المعاصرة. المشكلة ليست فساد نظام سليم. المشكلة هي أن الفساد أصبح أحد الأشكال الطبيعية لعمل الرأسمالية نفسها على نطاق عالمي في مرحلتها النيوليبرالية.
منذ أزمة العام 2008 — التي كانت علامة فارقة لأزمة متعددة الأبعاد تجمع بين الركود الاقتصادي، والأمولة المفرطة، وأزمة الأنظمة الديمقراطية البرجوازية، والأزمة البيئية، وعدم الاستقرار الجيوسياسي —، تعزز نموذج عالمي تعمل فيه البنوك، والصناديق المالية، والحكومات، والشركات الكبرى، وأجهزة الدولة بطريقة متكاملة بشكل متزايد. أصبحت عمليات الخصخصة، والملاذات الضريبية، والصفقات العامة، والديون العامة، والاستيلاء على التنظيمات آليات دائمة لتراكم الثروة.
لذا، فإن الأمر لا يتعلق بمشكلة أخلاقية بحتة، كما تدعي الأيديولوجية البرجوازية، ولا بسمات محددة للحكومات التقدمية، كما يؤكد اليمين المتطرف. الفساد المعاصر هو ظاهرة هيكلية للرأسمالية المأزومة. في مرحلتها الحالية، التي تتسم بالسعي المحموم وراء الربحية والمضاربة والسلب الاجتماعي، تظهر أشكال تراكم متنامية الطابع العدواني. في بعض الحالات، نتخذ الرأسمالية نفسها سمات مافياوية، من خلال الربط بين قطاعات الشركات وموظفي الدولة والمنظمات الإجرامية.

الفساد منطقا منظوميا
تُظهر الفضائح الكبرى في العقود الأخيرة أننا لا نواجه حوادث معزولة، بل آليات متكررة في عمل رأس المال العالمي.
أصبحت قضية إنرون، في الولايات المتحدة، عام 2001، رمزاً للاحتيال المؤسسي الحديث. كان عملاق قطاع الطاقة يتلاعب بميزانياته العمومية لإخفاء ديونه وتلفيق أرباح وهمية. أدى انهياره إلى تدمير آلاف الوظائف وصناديق التقاعد، وكشف عن الطابع المضاربي العميق للرأسمالية المالية.
وبعد بضع سنوات، أدى إفلاس بنك ليمان براذرز إلى اندلاع الأزمة العالمية لعام 2008. كانت البنوك تبيع قروض الرهن العقاري السامة على نطاق واسع، بينما كانت وكالات التصنيف تتلاعب بالتقييمات المالية. وعندما انفجرت الفقاعة، تدخلت الدول ليس لإنقاذ السكان المتضررين من البطالة ومن طردهم من منازلهم، بل لإنقاذ البنوك نفسها المسؤولة عن الأزمة.
وقد أدى ذلك إلى تحويل هائل للثروة العامة نحو رأس المال المالي.
حتى ما يُسمى بـ«الرأسمالية الرقمية» كررت ممارسات قديمة. في العام 2020، كشفت شركة التكنولوجيا المالية الألمانية «وايركارد» عن عجز مالي بمليارات الدولارات قائم على أصول غير موجودة، بمشاركة قوية من الجهات التنظيمية ودعم من وسائل الإعلام. كانت الشركة تُعرض كرمز للابتكار التكنولوجي الأوروبي حتى انهيارها الاحتيالي.
تظهر العلاقة بين الدولة والحرب والشركات بشكل صريح أيضًا في قضية Halliburton. كان ديك تشيني، نائب رئيس الولايات المتحدة في إدارة بوش، قد شغل منصب الرئيس التنفيذي للشركة قبل غزو العراق. حول المجمع الصناعي العسكري الأمريكي الحرب إلى شركة خاصة ضخمة تمولها الدولة.
وفي أمريكا اللاتينية، ربما تمثل قضية أوديبريشت المثال الأكثر نجاحاً للفساد المؤسسي المعاصر. فقد أنشأت شركة البناء البرازيلية نظاماً دولياً للرشاوى شمل رؤساء ووزراء وحملات انتخابية وأعمالاً عامة في العديد من بلدان أمريكا اللاتينية وأفريقيا. بل إن الشركة كانت تمتلك «قسماً للعمليات المنظمة» متخصصاً في إدارة المدفوعات غير القانونية.
لكن عملية «لافا جاتو» كشفت عن تناقض أعمق. ففي الوقت الذي كشفت فيه عن شبكات فساد حقيقية، تم استغلالها سياسياً أيضاً من خلال «الحرب القانونية»، والانتقائية القضائية، والتمفصل مع المصالح الجيوسياسية المرتبطة باليمين والإمبريالية الأمريكية. كان للتدمير الجزئي لقطاع الهندسة الثقيلة البرازيلي وإضعاف شركة بتروبراس تداعيات اقتصادية. تم استغلال الأزمة السياسية التي اندلعت في عهد ديلما روسيف لإعادة تنظيم النظام السياسي وفتح الطريق أمام صعود بولسونارو.
كشفت ”أوراق بنما“ و”أوراق باندورا“ عن بُعد هيكلي آخر للمشكلة: الاستخدام المنهجي للملاذات الضريبية والشركات الخارجية من قبل المليارديرات والبنوك ورجال الأعمال والقادة السياسيين لإخفاء ثرواتهم والتهرب من الضرائب. تعمل النخب العالمية بشكل متزايد فوق الأنظمة الضريبية الوطنية.
في روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي، أدت عمليات الخصخصة في التسعينيات إلى واحدة من أكبر عمليات نقل الثروة العامة إلى أيدي القطاع الخاص في التاريخ الحديث. ونتج عن ذلك ظهور أوليغارشية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالدولة وتتميز بأشكال مافياوية من تراكم الثروة.
أما شركات التكنولوجيا الكبرى، فهي تمثل مرحلة جديدة من هذا المنطق. في غياب الرقابة الديمقراطية الفعالة، حولت هذه الشركات البيانات الشخصية إلى سلعة وأداة للسيطرة السياسية على نطاق عالمي.

النيوليبرالية لم تحارب الفساد — بل أعادت تنظيمه
على مدى عقود، وعدت النيوليبرالية بأن عمليات الخصخصة وإلغاء الضوابط التنظيمية وتقليص دور الدولة ستحد من الفساد. وكانت النتيجة عكس ذلك تمامًا.
في أمريكا اللاتينية، اتسمت التسعينيات بعمليات خصخصة شابتها التلاعبات وهروب رؤوس الأموال ونقل أصول عامة على نطاق واسع إلى مجموعات خاصة. في الأرجنتين، في عهد منعم، بيعت شركات استراتيجية بشروط مشكوك فيها للغاية.
في بيرو، جمع فوجيموري بين النيوليبرالية المتطرفة والسلطوية والفساد المافيوي. وفي البرازيل، عزز رأس المال المالي علاقة متزايدة الترابط مع جهاز الدولة.
المشكلة هي أن النيوليبرالية لم تسع أبداً إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على الاقتصاد. فقد كان هدفها دائماً إعادة تنظيم الدولة وفقاً للتراكم المالي.
وقد عرّف ديفيد هارفي هذه العملية بأنها «تراكم عن طريق المصادرة»: خصخصة الممتلكات العامة، وتسليع الحقوق الاجتماعية، ونهب الموارد الطبيعية، والتحويل المستمر للثروة الجماعية إلى رأس المال الخاص. وغالباً ما يعمل الفساد آلية لتسريع هذه العملية.

الفساد داخل الدولة ومؤسساتها وممثليها السياسيين
يختزل التفسير الليبرالي الفساد إلى مشكلة أخلاقية فردية. أما اليمين المتطرف، فيستخدمه ليقدم نفسه على أنه «مناهض للمنظومة». في البرازيل، وقع جزء من اليسار المؤسسي أيضًا في فخ مماثل. ردًا على الاستخدام الانتقائي لمكافحة الفساد من خلال عملية «لافا جاتو»، حوّل هذا اليسار الموضوع إلى محظور سياسي. واليوم، في مواجهة الفضائح الجديدة المتعلقة ببنك ماستر والتي تورطت فيها قطاعات من اليمين وعشيرة بولسونارو، يعود إلى خطابه الأخلاقي. المشكلة هي أن جزءاً كبيراً من السكان يدرك — حتى وإن كان ذلك بشكل جزئي ومتناقض — أن هناك تدهوراً عميقاً في المؤسسات السياسية بمجملها.
يحتوي هذا الإدراك على عنصر من الحقيقة. ما يبدو على أنه «فساد سياسي» يعبر، في الواقع، عن سيطرة الطبقة السائدة على الدولة، وهي طبقة تتركز بشكل متزايد في الشركات الكبرى التي تتحالف مع البنوك وصناديق الاستثمار في اقتصاد يزداد أمولة. في الوقت نفسه، نشهد أيضًا تحول بعض قطاعات البرجوازية نفسها إلى طبقة رثة، تتميز بالمضاربة الشديدة والعنف الاقتصادي والتمفصل المتزايد مع آليات المافيا، كما تظهر الأساليب التي تستخدمها عائلة فوركارو.
وربما تكون ريو دي جانيرو واحدة من أكثر التعبيرات اكتمالا عن هذه العملية. ففي ولاية غنية للغاية بعائدات النفط، وتعتبر السياحة مصدراً كبيراً آخر للأرباح، ترسخ مزيج متفجر بين الريعية، والتدهور المؤسسي، والميليشيات، والجريمة المنظمة، والقطاعات السياسية المرتبطة ارتباطاً عضوياً بالطبقات المهيمنة المحلية.
في هذا السياق، تُعد ريو دي جانيرو أيضًا أعظم مثال على الكيفية التي تعمل بها التمثيلات السياسية المرتبطة بالبرجوازية كجزء من طبقة اجتماعية متميزة مدمجة في جهاز الدولة، مستفيدة (أي: سارقة) منه. يتم استخدام البلديات والمجالس البلدية والكونغرس الوطني والسلطة القضائية للاستفادة من العمولات والمناقصات والتعديلات البرلمانية التي تسمح لهم بالثراء بشكل كبير عند توليهم مناصب عامة. وتعد المجموعة البرلمانية «سنتراو» في البرازيل مثالاً واضحاً على هذه الآلية، التي تخضع لمنطق التوريث حيث تُمنح المناصب للآباء والأبناء.
وبالتالي، وبغض النظر عن انتمائهم الحزبي، يشكل عدد كبير من هؤلاء الفاعلين طبقة اجتماعية تتبنى أنماط حياة وأنماط استهلاك ومصالح مادية متشابهة بشكل متزايد مع البرجوازية العليا، وبعيدة تمامًا عن الطبقات العاملة والشعبية.

ما وراء الأخلاقية
طالما بقيت هناك احتكارات عملاقة، وأمولة متطرفة، وملاذات ضريبية، وتبعية استخراجية الموارد، وسيطرة الشركات على الدولة – أي الرأسمالية في شكلها الحالي – فسيستمر الفساد في إعادة انتاج نفسه بنحو هيكلي.
لهذا السبب لا يمكن أن تقتصر الحلول على «مزيد من الشفافية» أو «مؤسسات أفضل»، رغم أن هذين العنصرين ضروريان. المشكلة الأساسية سياسية واجتماعية: من يتحكم في الثروة المنتجة جماعياً ولصالح أي مصالح؟
يتطلب المنظور الديمقراطي والمناهض للرأسمالية رقابة عامة واجتماعية على قطاعات الاقتصاد الاستراتيجية، والانفصال عن سلطة رأس المال المالي، ومكافحة فعالة للملاذات الضريبية، وشفافية جذرية في الحسابات العامة، وتوسيع المشاركة الشعبية في القرارات الاقتصادية.
وبدون التصدي لسلطة رأس المال الكبير الهيكلية، ستبقى مكافحة الفساد انتقائية، ومستعملة استعمالا مغرضا، وغالباً في خدمة أشكال جديدة من الاستبداد والفاشية الجديدة. هكذا يجب فهم مكافحة الفساد، التي تندرج في إطار برنامج انتقالي ضروري لكسب العمال والشعب لمنظور جديد: منظور نظام اجتماعي يضع حداً للسلطة السياسية والاقتصادية للطبقات المهيمنة. الأفق هو نظام جديد قائم على الاشتراكية الايكولوجية.

بيدرو فوينتيس Pedro Fuentes من قادة حزب الحرية والاشتراكية PSOL و تيار حركة اليسار الاشتراكي (MES).

المصدر: https://movimentorevista.com.br/2026/05/uma-visao-marxista-da-corrupcao/

ترجمة جريدة المناضل-ة

شارك المقالة

اقرأ أيضا