المغرب: ركود يُدار بقبضة من حديد

مقالات24 يونيو، 2026

بقلم؛ فؤاد عبد المومني

شهد المغرب في عام 2025 موجة واسعة من التحركات الشعبية التي احتجت على النظام الملكي وتدهور الأوضاع المعيشية. على الرغم من المشاريع العقارية الضخمة والبنى التحتية الفاخرة، لا يزال البلد يعاني من بطالة مرتفعة وانعدام آفاق حقيقية أمام الشباب. في هذا المناخ، خرج جيل «Z» إلى الشارع، لكنه لم ينجح في بناء معارضة منظمة.
يعيش المغرب، منذ نهاية الحقبة الاستعمارية، المغرب تحت هيمنة ملكية مطلقة، بينما يواصل الشعب المغربي مقاومته المتقطعة لاستبداد النظام واستغلاله.
التوزيع غير العادل للثروات
بحسب المؤشرات الاقتصادية، يُصنَّف المغرب ضمن الدول ذات الدخل المتوسط المرتفع، بمتوسط دخل فردي يبلغ حوالي 7340 فرنكًا وفق معيار تعادل القوة الشرائية. إلا أن هذا الرقم لا يعكس حقيقة الأوضاع، لأنه يخفي التفاوت الكبير في توزيع الثروة داخل المجتمع. يستحوذ جزء محدود جدًا من المجتمع المغربي على القسم الأكبر من ثروات البلاد بفضل هيمنته على مؤسسات الدولة وقدرته على جذب الرساميل.
تظل أزمة التشغيل أبرز التحديات التي يواجهها المغرب، حيث يشكل ضعف خلق فرص العمل عبئًا حقيقيًا على البلاد. كما أن الانفتاح الاقتصادي وتشجيع الاستثمارات الأجنبية لم ينجحا في تجاوز أزمة الإنتاجية المتدنية التي ما تزال مستمرة.
بطالة مُعممة
أقل من أربعة بالغين من أصل عشرة يملكون عملاً في المغرب، مقارنة بسبعة من كل عشرة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وحتى داخل الفئة النشيطة، فإن أكثر من نصف الوظائف إما غير مدفوعة الأجر، أو تعاني من الهشاشة ونقص التشغيل، أو تندرج ضمن القطاع غير المهيكل. تبقى النساء والشباب الأكثر تضررًا من هذه البطالة الواسعة. فلا تتجاوز نسبة النساء العاملات في سن الشغل 16%، مع استمرار هذا المعدل في التراجع سنة بعد أخرى. كما أن شابًا واحدًا من كل ثلاثة تتراوح أعمارهم بين 15 و34 سنة، أي حوالي 4.3 ملايين شاب، يصنف ضمن فئة «NEET»، أي خارج سوق العمل والتعليم والتكوين. ويُعد استمرار هذه الفوارق الاجتماعية الحادة نتيجة مباشرة لهيمنة السلطة الملكية ذات الطابع الاستبدادي، التي تعتمد القمع والفساد واحتكار المجال العام لترسيخ نفوذها.
تطور النظام الملكي
نال المغرب استقلاله عام 1956 بعد فترة «الحماية» التي شكلت في الواقع استعمارًا فرنسيًا مباشرًا منذ عام 1912. ومع تولي الملك الحسن الثاني الحكم عام 1961، عمل على ترسيخ نظام ملكي مطلق استمر حتى وفاته عام 1999. كان مشروعه السياسي قائمًا على الإبقاء على المغرب في بنية تقليدية محافظة: مجتمع هرمي، تسوده الأمية والسلطوية والطابع الذكوري والاقتصاد الزراعي. ولهذا، ظلّ لعقود يعرقل تعميم التعليم، قبل أن يضطر إلى إبداء قدر من الانفتاح النسبي عقب انهيار الكتلة السوفياتية.
خلال تلك المرحلة، كانت الأنظمة الموالية للغرب، حتى وإن كانت استبدادية ودامية، تحظى بقبول دولي واسع. وفي هذا السياق، مارس الحسن الثاني القمع دون محاسبة: من التعذيب الممنهج وقمع الاحتجاجات بالرصاص، إلى الإعدامات خارج القانون أو عبر محاكمات صورية، فضلًا عن الاختفاء القسري والاحتجاز في معتقلات سرية تحولت إلى أماكن للموت، وإصدار أحكام قاسية بحق مختلف المعارضين. طالت هذه الانتهاكات نشطاء اليسار، والعسكريين، والصحراويين المطالبين بالاستقلال، والإسلاميين، والنقابيين، بل وحتى أقاربهم أو أشخاصًا وجدوا أنفسهم في المكان الخطأ. ومن أبشع الأمثلة على ذلك احتجاز عائلة أحد الجنرالات المتهمين بمحاولة انقلاب في سرية تامة؛ إذ كان أصغر الأبناء في الثالثة من عمره عند اختطاف العائلة عام 1972، ولم يُفرج عنه إلا عام 1991 وقد بلغ الثانية والعشرين.
بعد أن نجح النظام في سحق مختلف أشكال المعارضة، وجد نفسه، مع صعود خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان خلال العقد الأخير من القرن العشرين، في موقع يسمح له بتبنّي واجهة ديمقراطية شكلية. فمع الحفاظ الكامل على السلطة المطلقة للملك، أُطلق سراح المعتقلين السياسيين والمختفين قسرًا، وأُلغيت الرقابة المسبقة على الصحافة والنشر، كما نُظمت انتخابات محلية وتشريعية لممثلين لا يمكن لسلطاتهم، في الواقع، أن تنافس إرادة الملك.
المقاومة رغم كل شيء
على الرغم من القمع الواسع، استمرت بين الحين والآخر حركات احتجاجية واجتماعية متفرقة، غالبًا ما كانت تواجه بقمع شديد. ومن أبرز هذه التحركات خلال السنوات الأخيرة: «حركة 20 فبراير» عام 2011، و»حراك الريف» عام 2017، ثم «جيل زيد». وقد أسفرت الدعوات التي أطلقتها هذه الأخيرة لتنظيم مظاهرات سلمية خلال الخريف الماضي عن اعتقال أكثر من 6000 شخص، فيما وصلت بعض الأحكام القضائية إلى 15 سنة سجنًا.
لا تزال الحركات الاحتجاجية عاجزة عن إحداث تغيير جذري في المشهد العام، بسبب افتقارها إلى تنظيم متماسك، وبرنامج قادر على الإقناع، وامتداد وطني واسع، إضافة إلى غياب قيادات تحظى بإجماع واضح. كما أن الانقسامات الإيديولوجية والسياسية، خصوصًا بين الإسلاميين واليساريين والليبراليين، تعرقل حتى الآن بلورة مشروع تغييري موحد وقادر على تعبئة المجتمع. ومع ذلك، بدأت تبرز مؤشرات واعدة توحي بإمكانية التحول، إذ إن لحظات القطيعة مع الأوضاع القائمة لا تتضح عادة إلا بعد أن تكون عملية التغيير قد نضجت واكتملت.

نُشر في 27 أبريل 2026 بواسطة solidaritéS.: https://inprecor.fr/maroc-une-stagnation-autoritairement-entretenue

شارك المقالة

اقرأ أيضا