تنامي المد الرجعي: أي هجوم مضاد؟
بقلم برايس فرنانديز Brais Fernández
“القدر هو العدو الوحيد، والإنسان يقاومه أيضًا كقوة مقاتلة.» (هيغل)
توالت الأحداث في الأعوام الخمسة عشر الماضية بوتيرة مذهلة. وبإحاطة سريعة بها، نرى سلسلة الأحداث هذه تشكل فيلمًا ديناميًا قائمًا على التمرد والتعبير المتفجر عن السخط: الثورات العربية، والانتفاضة الاجتماعية في تشيلي، وحركة «حياة السود مهمة» في الولايات المتحدة، وحركة “15M” في إسبانيا التي باتت في طي النسيان، والإضرابات العامة في اليونان ونيبال وإيران، والنضال من أجل التحرير في فلسطين والسودان… كلها أحداث مزعزعة للغاية يمكن وصفها بأنها تقدمية، بمعنى أنها وضعت الطبقات الدنيا في موقف هجومي، ما أدى إلى قلب نظام السياسة المعتاد رأساً على عقب.
في المقابل، أو كرد فعل، شهدنا الهجمات على مبنى الكابيتول في الولايات المتحدة أو على البرلمان في البرازيل، التي شجعها ترامب وبولسونارو على التوالي ؛ والانقلاب في بوليفيا وبيرو ضد الحكومات اليسارية؛ وتحوّل الانتفاضات في سوريا أو السودان إلى حرب أهلية؛ وصعود اليمين المتطرف في جميع بلدان المركز الرأسمالي (وكذلك في عدد كبير من بلدان الأطراف)؛ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الذي هيمنت عليه القومية اليمينية الإنجليزية؛ احتجاز مادورو كرهينة وإخضاع الحكومة ما بعد تشافيزية؛ الإبادة الجماعية التي ترتكبها الصهيونية ضد السكان الفلسطينيين …
هل نعيش في عصر فوضى؟
قد يبدو، من زاوية النظر هذه، أن السمة الرئيسة لعصرنا هي الفوضى. الفوضى أساس رؤية للعالم تقوم على الدورات: فدورة من الفوضى التقدمية أو الثورية تليها دورة رجعية تسعى إلى إعادة إرساء النظام السابق، سواء بالقوة الغاشمة أو بدمج و/أو حل القوى المتمردة. وهذا صحيح من ناحية أساسية: فالطبقات والكتل السياسية لا تكف عن الصراع؛ فكل هجوم يستتبع هجوماً مضاداً. وبالطبع، يجب تحليل طبيعة هذه الصراعات في جوانبها الملموسة: ما إن كان الاتجاه السياسي لأحد الكتل يتخذ شكلاً تناحريا (أي إذا سعى إلى القضاء على العدو، بتغيير العلاقات الاجتماعية التي يقوم عليها) أو شكلاً تحويلياً (إذا كان يهدف ببساطة إلى إعادة التفاوض على المواقف دون تغيير النظام برمته) .
ومع ذلك، من شأن نظرية الدورات هذه ألا تلتقط إمكانيات التوطيد التي يولدها الصراع السياسي. ينتهي الأمر، عاجلاً أم آجلاً، بنظام ما إلى التوطد، حيث تتبلور فيه علاقة قوى معينة تحدد الدورة التالية. ويتخذ هذا التبلور دائماً شكل نظام سياسي، إما عن طريق تعديل النظام القديم أو إعادة تشكيله، أو عن طريق توليد نظام جديد. بعبارة أخرى، فإن الصراع السياسي والأيديولوجي يدور دائمًا داخل الدولة، من خلال تنظيم منطق هيكلي محدد ينظم، لفترة مديدة، العلاقات بين الطبقات.
من زاوية النظر هذه يتعين أن نحلل صعود اليمين المتطرف: ليس مجرد دورة رجعية، بل كقوة اجتماعية وسياسية قادرة على تغيير ميزان القوى بين الطبقات بشكل حاسم، ما يفتح الطريق أمام فرض توازن سياسي جديد.
السياسة والتاريخ
هل يمثل اليمين المتطرف الجديد صيغة جديدة للفاشية القديمة؟ إلى أي مدى تكون المقارنة التاريخية مع سنوات 1920 و1930 مفيدة؟ إن منهج المقارنة التاريخية في حد ذاته مشروع ومناسب من عدة نواحٍ. فالحقائق التاريخية لا تتكرر آليًّا، لكن تصورات العالم الحالية تتأثر بشدة بأحداث الماضي وتأويلاته. فكل ليبرالي أو ماركسي أو فاشي يبحث عن مصادر إلهام لدى من سبقوه؛ فثمة دائمًا عملية تنسيب تؤثر على أيديولوجية الحاضر. وينبغي ألا نستخف بهذه القوة، شريطة ألا نضفي على الأيديولوجية القوة السحرية لخلق الوقائع وإعادة صياغتها.
تكمن مشكلة المماثلات مع سنوات 1920 و 1930 والفاشية في التمييز بين أوجه التشابه والاختلاف. لا يعني هذا أن سيرورات كالتي شهدها الماضي يمكن أن تتكرر: بل يتعلق الأمر بتحديد اللحظة التي نعيشها بأكبر قدر ممكن من الدقة من أجل مقاومة المصير الذي يحكم به التاريخ علينا. يتيح لنا تحليل الاختلافات وأوجه التشابه إبراز ما لم يتغير على صعيد الأهداف السياسية.
بهذا المعنى، من الضروري تحديد طبيعة الأزمة العميقة وآثارها السياسية. الفاشية، التي ولدت من رحم الحرب العالمية الأولى، ونظمت نفسها بقوة في عشرينيات القرن الماضي، لها جذور أيديولوجية في التطور الأوروبي القاسي والهادئ الذي سبق الحرب (الاستعمار، معاداة السامية، التهديد الاشتراكي)، لكنها تشكلت بشكل نهائي ككتلة معادية للثورة في أعقاب الكارثة التي تمثلها الحرب. لقد ولَّدت الحرب الثورة والشيوعية الثورية الحديثة. كما ولدت أزمة الدولة التي شكلت آخر لحظة كبرى لما سيسميه غرامشي لاحقًا «حرب الحركة» (غرامشي، 1981).
وقد تجلى «انهيار» بنية الدولة التحتية هذا (Mann, 1997) في بعض الجوانب الملموسة التي تستحق التأكيد عليها. إنها ظاهرة أوروبية، لكنها تتركز في البلدان التي منيت بهزيمة (ألمانيا) أو التي عاشت، برغم انتمائها الشكلي إلى معسكر المنتصرين، نهاية الحرب وكأنها قد هُزمت (إيطاليا). وقد تفاقم انهيار البنية التحتية هذا بفعل أزمة اقتصادية حادة (التضخم، نقص الإنتاج)، وتجلى في فقدان الدولة مقدرة تنظيم المجتمع المدني وتنفيذ القرارات السياسية على كامل أراضيها. أي ليس فقط على صعيد القسر المباشر، بل أيضًا من حيث المقدرات التنظيمية والإدارية واللوجستية التي تمكّن الدولة من العمل بفعالية في إدارة الشؤون اليومية.
أدى هذا الضعف الذي حل بالدولة إلى ظهور أشكال فريدة من نوعها من العمل السياسي. كان السعي نحو الاستيلاء على السلطة وإعداد طريق ذلك يتمثل أساسًا في شغل الفراغات التي تركتها الدولة في المجتمع المدني. وكانت الأحزاب تتخذ شكل جيوش نضالية، وكان مفهوم القيادة السياسية يتجسد في قيادة هذه الأحزاب لشن هجوم مباشر على سلطة الدولة. كانت تلك سنوات تقاطب: مؤسسة ضد مؤسسة، و كانت الطبقات أو أقسام الطبقات كل في كتلته. كان تقاطبا نضاليًّا، مطبوعا بانتفاضات ومحاولات انقلاب (من الانتفاضة السبارتاكية إلى انقلاب ميونخ، ومن الأزمة الثورية للعام 1923 في ألمانيا إلى الحرب الأهلية المتنقلة والمستمرة التي هزت إيطاليا)، ما أدى إلى ظهور نوع من النضال الحزبي حيث كان «الانخراط في السياسة » يعني التخطيط والعمل ضد الخصوم دون وساطة (Tasca, 1967 ; Evans, 2019).
هذه السيرورة، هذه الجدلية بين الثورة والثورة المضادة في إطار دولة مأزومة، جعلت من الفاشية عملية تمتد من الخارج إلى الداخل: فقد نشأت حركةً خارج البرلمان، ثم تعززت في سياق تفكك نظام الدولة القديم، واستولت على سلطة الدولة بتسديد جملة ضربات سياسية أجبرت الطبقة الحاكمة على إبرام ميثاق يعيد إرساء النظام على أسس جديدة.
باختصار، إذا كانت الدورة الثورية البادئة في العام 1917 لحظة انتقالية مزجت «حرب الحركة» بـ«حرب المواقع» ، كما قال غرامشي(Gramsci, 1981)، فقد انتصرت الفاشية أيضًا لأنها استطاع وضع تركيبة تكتيكية تجمع بين حرب الحركة هذه وعناصر متقدمة من حرب المواقع: أتاح لها تمفصلها متعدد الطبقات التغلغل في الدولة، وتطوير أشكال متقدمة من الحرب الثقافية الجماهيرية، والاستفادة من الديمقراطية الليبرالية أداةً للاستيلاء على السلطة وإضفاء الشرعية عليها.
أما اليمين المتطرف الجديد في القرن الحادي والعشرين، فلا يظهر على العكس من ذلك، في سياق انهيار الدولة ولا ردَّ فعل على وجود حركة عمالية ثورية قوية ومناهضة للهيمنة. بل إن صعودها يأتي في سياق مطبوع بالأزمة العضوية التي تجتاح النظام التمثيلي البرجوازي برمته في الغرب. فقد ظلت مراكز السلطة المركزية للدولة الرأسمالية (سلطتها القمعية، مقدراتها الهيكلية، وسيطرتها المؤسسية على إعادة الانتاج الرأسمالية)، التي دخلت في أزمة بسبب الحرب والصعود الثوري للشيوعية في سنوات 1920، ظلت سليمة رغم هزات أزمة عام 2008 والصعود المؤقت لدورة انتفاضات.
ولكن، كما في سنوات 1920، تعاني النخب السياسية القديمة من نقص متزايد في الشرعية ومن ظهور مشاكل جديدة تضع هيمنتها موضع تساؤل. أصبحت هيمنة الأحزاب والخطابات والتشكيلات القديمة داخل المجتمع السياسي والمجتمع المدني اليوم فاقدة للاعتبار بنحو عميق: فاليمين الراديكالي الجديد يقترح قبل كل شيء تجديد النخب، أي مشروع بناء طبقة حاكمة جديدة تهدف إلى مواجهة المشكلات الجديدة وإتيان صيغة جديدة للهيمنة القديمة.
يستوعب اليمين المتطرف الجديد جزءا من التكتيكات الفاشية القديمة في مجال حرب المواقع ويعيد انتاجها، لكن دون إضفاء طابع مؤسسي نضالي عليها. بل يستخدم بالأحرى تقنيات تجميع خاصة بالسياسة ما بعد الحداثية التي تُحدِّث الأساليب القديمة: شبكات التواصل الاجتماعي بدلاً من الصحافة؛ ونموذج النشاط السياسي المنتشر، قائم على تعدد نقاط التثبيت (فصائل دينية، ومثقفون رعاع، وأصحاب ملايين في وسائل الإعلام)، في مواجهة النموذج المؤسسي شبه العسكري الخاص بالفاشية الكلاسيكية. إنها، باختصار، عملية تحديث لحرب المواقع، مصممة لتحل تدريجيًا محل النخبة القديمة باستيعاب بعض قطاعاتها وتحديثها، وإبراز قطاعات أخرى كانت، حتى الآن، على هامش السياسة الرسمية.
وعلى عكس الفاشية القديمة، لا يمر هدف اليمين المتطرف الجديد، على المدى القصير، بتغيير شكلي للنظام. بل يسعى بالأحرى إلى إعادة تشكيل النظام السياسي، بجمع بعض عناصر النظام البرلماني الشكلية وتجريم النشاط السياسي المعارض ووجود «دستور موازٍ» (Sotiris, 2023)، أي جملة أحكام استثنائية استبدادية ذات طابع تمييزي (على سبيل المثال، ضد المهاجرين والمهاجرات)، يكرسها القانون ويعززها الدور المهيمن لمراكز السلطة المستقلة داخل الدولة، مثل الشرطة والجهاز القضائي. وفي هذا السياق، يعود اليمين المتطرف الجديد إلى النزعة الرئاسية وشخصية الزعيم العظيم الموحد، القادر على تحقيق استقلالية سياسية مستحيلة لولا ذلك: «الديكتاتور خارج القانون، لكنه داخل الدولة» (Schmitt, 2013).
ويضع اليمين المتطرف الجديد، لبلوغ ذلك، استراتيجية تروم ربط المعركة الثقافية داخل المجتمع بالسيطرة على آليات الدولة من أجل فرض توازن قوى جديد تدريجيًّا، وذلك بتدمير بقايا إرث الحركة العمالية الديمقراطي وخلق حدود جديدة داخل المجتمع الوطني والمفهوم القانوني — السياسي للمواطنة، الذي يستبعد أعداءه الداخليين بينما يستعد لإعادة وضع الأمة في السباق نحو مكانة مرموقة في التسلسل الهرمي للنظام العالمي الجديد الآخذ في التكوّن. ويبدو أن هذه التكتيكات، التي تتجاوز مجرد الهجوم، تتمثل في الجمع بين الضربات التكتيكية واستراتيجية التآكل.
جلي أن نجاح هذا المشروع سوف يهيئ الظروف لقفزة نوعية، أي الانتقال إلى نظام سياسي فاشي صراحةً وهرمي بطبيعته. وبهذا المعنى، نعتبر اليمين المتطرف الجديد تهديدًا من نوع جديد، مغاير لليمين الديمقراطي شكليًّا، ما يدفعنا إلى عدم الاستهانة بخطره بحجة أنه ليس فاشيًّا بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. لكن اليمين المتطرف الجديد يطرح استراتيجية أخرى، تميل أكثر إلى العمل كطفرة تتطور على غرار «الهيدرا» (وحش متعدد الرؤوس ، يظهر له رأسان كلما قطع رأس .م) داخل النظام الليبرالي نفسه بدلاً من مهاجمته وجهاً لوجه. ويبدو أن هذا التفكير الذي طرحه بولانتزاس يلتقط بدقة هذه الدينامية الراهنة للغاية نحو الدولة الاستبدادية:
تركيز السلطة الهائل في يد الجهاز التنفيذي، على حساب ليس فقط التمثيل الشعبي البرلماني، بل وأيضًا على حساب جملة شبكات تمثيل قائمة على الاقتراع الشعبي (…) الخلط العضوي بين السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) والتعدي المستمر على مجالات العمل والاختصاص الخاصة بالأجهزة أو الفروع المقابلة لها (…) الوتيرة المتسارعة لتقييد حريات المواطنين السياسية في مواجهة تعسف الدولة (…) التراجع دور الأحزاب السياسية البرجوازية السريع ونقل وظائفها السياسية والتنظيمية (سواء تجاه الكتلة المهيمنة أو الطبقات المهيمن عليها) إلى الإدارة والبيروقراطية الحكومية (… ) اشتداد ممارسة عنف الدولة (سواء بمعنى العنف المادي للعنف أو معناه الرمزي) (…) إدخال شبكة كاملة جديدة من دوائر وحلقات الرقابة الاجتماعية (Poulantzas, 1977)
الأصول
كما أوضحنا بإيجاز، لا ينشأ اليمين المتطرف الجديد في فترة تاريخية تتسم بالتهديد البروليتاري، الناشئ عن دورة ثورية، ولا بضرورة إنهاء دورة تتميز بانهيار نظام الدولة. وهذا ينطوي على نوع جديد من الاستراتيجيات والإيقاع السياسي.
بيد أن صعود اليمين الراديكالي الجديد يستجيب لعوامل أساسية، متشابكة بعمق في العمليات الكامنة في التطور الرأسمالي وما يرتبط به على الصعيد السياسي والاجتماعي.
في المقام الأول، تجدر الإشارة إلى الأزمة العميقة في ربحية الرأسمالية الغربية، التي وصفها برينر Brenner (Benanav, 2023) بأنهh تباطؤ مستمر — «ركود طويل» — في الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة. لقد أكملj الرأسمالية عملية توسعها في اتجاهين. فمن ناحية، أدت العولمة إلى سيطرة علاقات الإنتاج الرأسمالية على الكوكب بأسره. لم يعد هناك أي مساحات يمكن غزوها: بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتحول الصين إلى اقتصاد السوق، وصل رأس المال إلى أقصى حدوده الجغرافية.
من ناحية أخرى، داخل التشكيلات الاجتماعية نفسها، لم تعد الرأسمالية مجرد نمط إنتاج السائد، بل أصبحت نمط الإنتاج الوحيد، لتكمل بذلك الانتقال من «الاستيعاب الشكلي» إلى «الاستيعاب الحقيقي» (Marx, 1971). تميل الرأسمالية إلى تقليص هامش المناورة المتاح لها لبدء دورة جديدة من التراكم، ما يزيد من ميلها إلى تدمير المكاسب التاريخية لعالم العمل والبحث عن مجالات جديدة لتعظيم القيمة، بخفض الأجور وتحويل الدولة إلى ساحة للمواجهة الرأسمالية من أجل ضمان أرباحها.
الاستتباع الشكلي والاستتباع الحقيقي
الاستتباع الشكلي هو الطريقة التي «ينتقل بها نشاط العمل ليُخضَع لقيادة الرأسمالي وإدارته ومراقبته» دون أن يتعرض العامل وعمله لأي تغييرات جوهرية سوى إخضاعه للانضباط. أما الاستتباع الحقيقي فيعني أن المنطق الرأسمالي لإنتاج فائض القيمة لم يعد يقتصر على مجرد الاستيلاء على جزء من ناتج العمل ومراقبة العمال، بل إنه «يحول الطبيعة الفعلية لعملية العمل وكذلك ظروفها الفعلية»، عندما يتم، في إطار نظام صناعي، إعادة تنظيم عمليات العمل بشكل جذري من قبل رأس المال بهدف إنتاج القيمة الزائدة (ملاحظة المترجم).
وبهذا المعنى، تقلصت تدريجيًّا مساحة المناورة السياسية للسياسات التوزيعية، وهنا يكمن التواطؤ الموضوعي بين عجز الليبرالية الاجتماعية السياسي وصعود اليمين المتطرف. ومن المفيد أيضًا النظر إلى «الإصلاحية التوزيعية» ليس فقط بما هي برنامج، بل أيضًا بما هي مرحلة تاريخية محددة جدًّا من مراحل الرأسمالية التي طغت على نظام سياسي بأكمله، بغض النظر عن الحكومة القائمة (Sassoon, 2011) وبالتالي، فإن البرنامج، على الورق، يمكن أن يتكرر؛ أما غير القابل للتكرار فهو الظروف التاريخية التي جعلته ممكنًا. وإذا كان الحد الأقصى لإعادة التوزيع الحكومي يكمن في الربح الرأسمالي، فإن اليمين المتطرف يقترح برنامجاً واضحاً لمواجهة أزمة إعادة التوزيع هذه: زيادة وزن الأمة في النظام العالمي الجديد وإعادة تنظيم التراتبية الاجتماعية.
ثانياً، إن هذا الوضع الموصوف بإيجاز هو الذي يغذي تصاعد التناقضات بين الإمبرياليات. ولا نرغب في التركيز كثيراً على بعده المتعلق بتنافس الكتل الرأسمالية على الصعيد الدولي، ولا على الحقيقة البديهية المتمثلة في كون الولايات المتحدة تشكل حالياً الإمبريالية الأشد عدوانية وخطورة على وجه الأرض. بل نرغب في إبراز الطريقة التي تضطر بها كل برجوازية، أو كل كتلة رأسمالية، إلى خوض صراع لا يرحم من أجل مكانها في النظام العالمي، مما يجبرها على إعادة تشكيل نظامها الداخلي.
يؤدي هذا، في جوهر الأمر، إلى تفاقم التناقض بين التطور العالمي، الحتمي وبلا رجعة، للرأسمالية كنظام، وضرورة تعزيز الدولة-الأمة من أجل العمل في إطارها. بيد أن البرجوازية بحاجة إلى توحيد صفوفها لخوض هذه الحرب. ولهذا السبب تسعى إلى إضفاء تجانس على الطبقات حول خطابات قومية (حتى وإن كانت هذه الخطابات، في كثير من الأحيان، مجرد ذريعة للخضوع لقوة أكبر، كما هو الحال مع اليمين القومي المؤيد لأمريكا في أوروبا) وترتيب المجتمع هرميًا كبديل عن السياسات التوزيعية:
إنه عبادة النظام حيث لكلٍّ مكانه في هرم منظم بدقة، ويمارس سلطته على مرؤوسه. الإيمان، الطاعة، القتال: كل واحد قائد صغير للآخر (Macciocchi, 1978).
إن النزعة التمردية الرجعية، ليس لحالة التوتر الدائم، المستبدة بالطبقات الوسطى القديمة وحلفائها من الطبقات الدنيا الأخرى، من هدف إلا إلى ذلك.
ملاحظات استراتيجية
على عكس سنوات 1920 و 1930 (وهذا فرق جوهري)، ليس ثمة اليوم أي حركة عمالية قد تمثل، على الرغم من مكامن ضعفها وأخطائها التكتيكية، ثقلاً موازناً قادراً على صد هجمات رأس المال. توجد، بالطبع، نقابات ومنظمات سياسية، لكن دون قاعدة جماهيرية حاسمة.
يجبرنا الأمر على التفكير في كيفية إمكان تطوير حركات المقاومة ضد اليمين المتطرف، انطلاقاً من الوضع الموصوف على امتداد هذا المقال. كان توغلياتي يعتبر أن محور المواجهة السياسية في سنوات 1930 قد انتقل من التناقض بين الثورة والثورة المضادة إلى محور الديمقراطية ضد الديكتاتورية (Vacca, 2025) . ورغم أن هذه الفرضية استُخدمت لتبرير الخيانات الستالينية التي كبحت الهجمات العمالية (على سبيل المثال، في إسبانيا وفرنسا)، فإنها تثير عدة أسئلة وثيقة الترابط: ما القوى الاجتماعية التي ستعارض صعود اليمين المتطرف الجديد؟ وكيف ستعارضه؟ وفي أي إطار مؤسسي؟ وبأي أساليب؟ ما الذي ستدافع عنه هذه القوى وبأي موارد؟
إن كانت السياسة التي اقترحها تروتسكي في سنوات 1920 صحيحة في جوهرها (نحن بحاجة إلى وحدة القوى العمالية لكبح الفاشية، بخوض نضال لا هوادة فيه من أجل قيادة هذا الجبهة من منظور ثوري)، فإننا نوجد اليوم في سياق مختلف (Trotsky, 2022) . فالقوى التي تتعين مواجهتها ليست منقسمة إلى كتل سياسية محددة بوضوح. والطبقات الدنيا لا تنظم نفسها حول كتل محددة بوضوح. وهذا التشكل السياسي الحالي، مقترناً بطبيعة هجوم اليمين، يدعونا إلى توقع حرب مواقع طويلة الأمد، مع مستتبعات قوية داخل الدولة.
سيكون الأمر صراعًا بين كتلتين غير متجانستين، بأشكال نضال هجينة: النضال الانتخابي، وظهور أشكال جديدة من النضال في الشارع، واستخدام مؤسسات الدولة، والتعبئة “السياسية المفرطة ” (Jager، 2024). بعبارة أخرى، صراع يندرج في إطار الديمقراطية الليبرالية، حيث ستحاول أحد الكتلتين الحفاظ عليها، بينما ستسعى الكتلة الأخرى إلى تعزيز مواقفها لتقويضها وإرساء أسس سيرورة تاريخية لـ”إلغاء الديمقراطية”.
وهذا يطرح مشكلات تكتيكية جدية للذين ينتمون منا إلى التقاليد الشيوعية. هل يجب علينا الامتناع عن التدخل في هذه العملية، نظراً لأن مسألة الثورة الاشتراكية ليست على جدول الأعمال؟ أم يجب علينا، على العكس، الانخراط فيها في ظل استعجالية اللحظة؟
يجب بالأحرى تناول المسألة من زاوية أخرى. فالنضال ضد اليمين المتطرف يشكل الإطار التاريخي الذي يتعين أن نبني فيه ذاتا ثورية جديدة. هذا التناول هو الذي يتيح لنا ربط المهام الآنية (كبح مسار الصعود الاستبدادي الذي من شأنه أن يؤدي إلى تصفية ما تبقى من مكاسب الشغيلة، بما في ذلك بعض الحريات السياسية) بالأفق التحرري، لأن الطبقة الحاكمة القديمة عاجزة هيكلياً عن معالجة الأسباب التي تتيح تقدم اليمين المتطرف.
ولمعالجة هذه المسائل، يجب أخذ ثلاثة عناصر أساسية في الاعتبار.
أولها النضال من أجل هيمنة الطبقة العاملة. العامل الحاسم، لاكتساب قوة حقيقية، هو الصلة الممكن لليسار إقامتها مع الطبقة العاملة. إنها مهمة مركزية: الإسهام في بناء موطن رسوخ جديد، بجمع التوطد السياسي في قطاعات الطبقة العاملة الاستراتيجية، القديمة والجديدة، إلى إنشاء شبكة تولد انتليجنسيا عضوية منغرسة في المواقع الرئيسة للحياة الاجتماعية. تتطلب هذه المهمة تجميعات حزبية جديدة: نواة مناضلين ملتزمين، ممن شغوفين بالبحث و منفتحين على التجربة.
تتطلب هذه المهمة، من ناحية أخرى، الوضوح في الأساليب السياسية: فالتعبئة الجماهيرية (من خلال أساليب مثل الإضراب والمشاركة النشطة للعمال)، بدلاً من أشكال العمل الليبرالية الخاصة بالطبقات الوسطى، أمر أساسي لتغيير ميزان القوى وتهيئة الظروف اللازمة لشن هجوم. وسيكون لتحالف يضم عمال القطاع العام وعاملاته، والبروليتاريا المهاجرة وعمال الصناعة و عاملاتها، يعمل كقوة اجتماعية وليس في إطار تمثيل فارغ بلا معنى، مقدرة هائلة على تغيير ميزان القوى هذا. يجب، في مواجهة السياسة الفاسدة للطبقات الوسطى، اقتراح سياسة بديلة.
العنصر الثاني هو الدفاع المشترك والحازم عن الحقوق الديمقراطية وعن نموذج ديمقراطي من طراز جديد مرتبط بالسلطة. في السنوات الأخيرة، بوجه هزيمة الحركة العمالية، اتخذ مفهوم الديمقراطية منحىً بلاغيًّا شكليًّا، ما أدى إلى ظهور جملة كاملة من الأفكار السخيفة والرجعية، مثل فكرة السياسة بلا أحزاب ووبلا توسط. يجب على اليسار أن يستعيد فكرة الصراع والسلطة، ويربطها بمسألة الديمقراطية: علينا بناء منظمات قوية وجماهيرية وديمقراطية وتعددية، ذات أهداف واضحة لا تقتصر على على تلبية التطلعات التشاركية الفردية.
إن للديمقراطية الاشتراكية معنى، وتكتسب قوتها بما هي مظهر لسلطة العمال و العاملات الاجتماعية والجماعية، وبما هي المقدرة على إجبار الطبقات الأخرى على التنازل. قد تصدم هذه المقاربة البعض، لكن هذا هو الميدان الذي يتحدد فيه المحور السياسي في مفترقات الطرق التاريخية.
العنصر الثالث هو ضرورة النضال على جميع الجبهات، ولكن مع رفع النضال إلى المستوى السياسي، إلى مستوى الصراع بين الأحزاب، من أجل «توقع استراتيجي لهيمنة على المدى الطويل» (Tronti, 2018).
علينا أن نحارب هجوم اليمين المتطرف بشكل شامل: «ألا نسمح بأن نحصر أنفسنا في مجال نضال معين» (Tronti, 2018). وأن نفعل ذلك بتعبئة أكبر قدر ممكن من الوحدة والنطاق على الصعيد الاجتماعي، مع العمل في الآن ذاته على بناء قوة سياسية مستقلة. ومستقلة لا تعني معزولة. بل تعني أن نكون قادرين على النضال والتحالف؛ وأن نحظى بثقة أيديولوجية كافية لاتباع سياسة تحالفات في مواجهة تهديدات الملموسة، مع المقدرة على اغتنام اللحظات المحددة لتطور القوى المتواجدة، بهدف تعزيز قوتنا خلال هذه السيرورة.
بهذا المعنى، يجب على اليسار الماركسي صقل تكتيكاته. يجب ألا تعقد التحالفات باسم الوحدة، بل باسم المعركة والهدف الذي ينتظرنا. إن الحلفاء الظرفيين المحتملين (الليبراليون، والاشتراكيون – الديمقراطيون، وبيروقراطيو الدولة العريضة) ضد اليمين المتطرف هم حلفاء بناءً على هدف محدد. لكن التحالف ليس تبعيةً: إنه يحدد ساحة مواجهة.
أي معنى وأي أشكال يجب أن تتخذ الجبهة الموحدة اليوم ضد اليمين المتطرف والدولة المستبدة ؟
يدفعنا ضعفنا أحيانًا إلى اشكال عقلنة: على سبيل المثال، اعتبار الصراع الانتخابي مسألة ثانوية بالنسبة لقوى اليسار الماركسي الضعيفة، في حين أنه في الواقع مسألة مركزية ينبغي ألا نتركها في أيدي الليبراليين أو الإصلاحيين من جميع الأطياف. وفي هذا السياق، فإن أي نقطة انطلاق تروم إعادة بناء مشروع سياسي خاص بنا يجب أن تعود إلى الأفكار الكلاسيكية للحزب المستقل (أو، لنكون أكثر دقة وانفتاحًا، لتحالف مستقل، لأن الحزب هو هدف تاريخي يجب أن يتشكل انطلاقًا من لقاء تعددي) الذي يعرض مشروعه السياسي بوضوح ودون المشاركة في إدارة الحكومة الرأسمالية.
وهذا درسٌ كبيرٌ من الدورة السياسية السابقة يجب أن نضعه دائمًا نصب أعيننا في مواجهة عمليات الابتزاز المقبلة: يجب على اليسار الماركسي ألا يشارك في ممارسة السلطة إلا من أجل التغيير، وعندما يتوافق مشروعه مع الإرادة الاشتراكية للعمال والعاملات. إن كبح جماح اليمين المتطرف يكون أكثر فعالية، حتى على الصعيد التكتيكي، عندما نكون قوة معارضة بدلاً من أن نكون ذراعا يساريا لرأس المال.
الموضوع الاستراتيجي، والمشروع، والتكتيك: علينا أن نستعد للفترة الجارية. وبطبيعة الحال، يظل تنفيذ هذه الأفكار الملموس مفتوحاً للنقاش. نحن ندخل حقبة من المواجهات الكبيرة. ليس لدينا وصفة جاهزة لرسم مسارنا، لكن يجب أن تكون لدينا رؤية واضحة للطريق الذي سنسلكه.
* نُشر هذا المقال في 14 يونيو 2026 على موقع «فيينتو سور» Viento Sur تحت عنوان: « Del ascenso a la reacción: apuntes para una contraofensiva “.
مراجعة الترجمة الآلية : جريدة المناضل-ة
برايس فرنانديز ناشط في حزب Anticapitalistas » ومحرر في موقع فيينتو سور.
المراجع
Références
Benanav, Aaron We’re All Stagnationists Now, Jacobin, 09.29.2023.
Evans, Richard J. (2009) Le Troisième Reich. L’avènement, Paris, Flammarion.
Gramsci, Antonio (1981) Cahiers de prison, Paris, Gallimard.
Jager, Anton (2024) “Hiperpolítica en Estados Unidos”, New Left Review en español 149, pp. 7–21. Voir aussi sur notre site.
Macciocchi, María Antonieta (1976) Eléments pour une analyse du fascisme, Paris, 10/18.
Mann, Michael (2012) The Sources of Social power. II. The Rise of Classes and Nation-States, 1760-1914, Cambridge U. P.
Marx, Karl (1867), Un chapitre inédit du Capital. Résultats du procès de production immédiat .
Poulantzas, Nicos, éd. (1976) La crise de l’État, Paris, PUF. Dans cet essai, sa contribution s’intitule : « Les transformations actuelles de l’État, la crise politique et la crise de l’État », pp. 19-58.
Sassoon, Donnald (2001), One Hundred Years of Socialism: The West European Left in the Twentieth Century, New York, The New Press, 1998.
Schmitt, Carl (2013) Ensayos sobre la dictadura (1916-1932), Barcelona : Tecnos. En français, voir La Dictature, Paris, Points-Essais, 2015.
Sotiris, Panagiotis “Lire Poulantzas pour comprendre l’autoritarisme néolibéral et les extrêmes droites”, Contretemps, 12.07.2023.
Tasca, Angelo (1967) El nacimiento del fascismo, Barcelona: Ariel.
Tronti, Mario (2018) La autonomía de lo político, Buenos Aires: Prometeo Libros.
Trotsky, León (2015) Contre le fascisme, Paris, Syllepse.
Vacca, Giuseppe (2025) Sul fascismo. Palmiro Togliatti, Bari-Roma, Laterza.
اقرأ أيضا

