الفرار الجماعي إلى سبتة: الحاجة إلى التنظيم وبرنامج النضال

يولد القهر الطبقي المتزايد حدةً ببلدنا ردودَ فعلٍ متنوعةً، يتخذُ السلبيُّ منها شكلَ هروب وهمي من الواقع المرير، بالمخدرات المتنوعة المتزايدة انتشارا، وبالانسياق مع خطط الإلهاء التي تصرف عليها الدولة ميزانيات ضخمة ( فرجة كرة القدم، مهرجانات متنوعة في طول البلد وعرضه…)، وحتى بالافراط في التدين بما يتيحه من طاقة نفسية لتحمل عذابات هذا العالم. و يتخذ أيضا شكل هروب فعلي كلما سنحت فرصة انفتاح ثغرة في حواجز الحدود لا سيما بشمال البلد.
شهدت الحدود مع مدينة سبتة المحتلة، يوم 30 يوليو الجاري، تدفقا مهولا لجماهير شعبية، معظمها شباب، توقاً إلى الإفلات من جحيم العيش في دولة لا تتيح أدنى مقومات حياة لائقة، فيما تتعاظم الثروة المركزة في يد أقلية ترفل في النعيم. وعلى الفور امتد الاندفاع الى الفرار ليشمل مدن عديدة، فسارعت الدولة لوقفه بمنع تنقل الشباب إلى الشمال.
هؤلاء الهاربون قسم من ضحايا الرأسمالية لم يتبين غير الحل الفردي بالمقامرة والمخاطرة بأن يهرب مخترقا الحدود هروبَ المساجين من حبسهم.
الوضع الاجتماعي في بلدان المهجر بأوروبا بات يسير من تدهور إلى أشد منه، وسياسات اليمين المتطرف تُحكم الخناق على المهاجرين/ت، لكن صورة المهاجر الناجح، الذي أنقذ نفسه وينجد أسرته بإرسال إعانات مالية لا تزال تراود مخيلات مئات الاف الشباب ضحية البطالة وفرط الاستغلال، وكالقمار يكون فوز فرد ضمن آلاف الخاسرين حفازا لمخاطرة آلاف تلو أخرى .
لكن ليس رد الفعل السلبي على القهر الطبقى هو الغالب، وهذا ما يبعث على الأمل في مغرب حيث تتضخم القنبلة الاجتماعية ويتصاعد الضغط داخلها. فعلى سبيل التمثيل، شهد إقليم أزيلال في أشهر أبريل ومايو ويونيو الماضية مسيرات شعبية حاشدة مطالبة بحقوق اجتماعية وبفك العزلة المكانية والرقمية وبالكرامة. ومن جانبها تقاوم الطبقة العاملة يوميا، في ظروف صعبة لكن بصمود لا يلين. وبعد شهرين سنحتفل بمضي عام على حراك شباب جيل زد المجيد الذي هزت احتجاجاته السلمية مدن عديدة وبثت الرعب في نفوس الطغاة ومحتكري الثروة.
هذا السعي الى حل جماعي تحرري هو ما يجب علينا، نحن في قوى النضال المنظمة، من نقابات عمالية وقوى يسارية، أن ننخرط فيه ونساعد على تجَسُّدِه في أشكال تنظيميةٍ توحد الفعل، وننيره بما جمعنا من خبرة نضالية وتنظيمية، محفزين تسيير الكادحين والكادحات لنضالاتهم بكل ديمقراطية، بلا وصاية و لا تحكم.
التنظيم المستنير ببرنامج نضالي، يحقق مكاسب آنية تزيد الثقة في النضال وتقوي العزم عليه، والمتجه نحو تغيير شامل وعميق، يحقق الحرية و الحياة اللائقة، هذا ما تحتاجه قوى النضال العمالي و الشعبي المتدفقة بنحو دوري.
هذا أعظم شيء يستحق الاهتمام اليوم في المغرب الذي تقوده البرجوازية ونظامها المستبد إلى مزيد من أهوال الرأسمالية التابعة وقهر النساء وتدمير الطبيعة.
هذا واجبنا، مناضلات ومناضلين، لا أن ننصح الحاكمين أو نحذرهم من مغبة ما يفعلون، من تعميق للهوة الطبقية وتهديد للاستقرار (استقرار نظام الاستغلال والاضطهاد)، و لا أن نخاطبهم بلغة التوسل ومطالبتهم بتغيير سلوكهم. واجبنا أن نخاطب من هم في الأسفل، قاعدة المجتمع المقهورة، لتستجمع قوتها، وتوجهها صوب مصدر البلاء من أجل التحرر وتحقيق الحياة الكريمة.
إسداء النصح للحاكمين بتجنب المقاربة القمعية (تسميتها بالأمنية استبطان لمنطق الدولة)، ومطالبتهم بتغيير سلوكهم، واستجداء إصلاحات منهم، نهج دأب عليه بعض المعارضة عقودا من الزمن، ولم يثمر غير الهزائم و الاحباطات وسخرية الحاكمين .
تجارب شعبنا، وسواه من شعوب الكوكب، أكدت أن الحقوق تؤخد غلابا، ومن ثمة لا سبيل غير العمل لاكتساب المقدرة على الغلبة، بالتنوير السياسي وبالتنظيم وبمراكمة تجارب النضال اليومية وتقييمها، سيرا نحو المعركة الكبرى.
واجبنا تنظيم التضامن الميداني مع النضالات العمالية و الشعبية الجارية، وإنماء روح العمل الموحد داخل معسكرناـ فضلا عن استعمال كل تجليات الاستبداد والاستغلال و الاضطهاد لتنوير الضحايا وانماء إرادة الكفاح لديهم. ولهذا يجب الاستفادة من كل الإمكانات، منها ما تبقى من نزر يسير من حرية التعبير بوجه عام، و آنيا ما تتيحه الحملة الانتخابية المقبلة من فرص تواصل على نطاق عريض مع الجماهير الشعبية. الحملة الانتخابية ووجود مناضلين/ات من اليسار في المؤسسات، مهما بلغ طابعها الزائف، فرصة لفتح أعين قسم من الطبقات الشعبية لا يزال ضحية التضليل السياسي، بشرح أن الانتخابات لا تغير وضعا راسخ الجذور في نظام اقتصادي ظالم ، يسنده نظام سياسي مستبد. وبتوضيح معالم البديل الديمقراطي والاشتراكي الكفيل بتحقيق الحياة اللائقة وتحرر النساء ووقف تدمير الطبيعة، أي باختصار البديل الاشتراكي الايكولوجي الذي يتبناه اليسار.
ما سيجعل الشباب يتجه الى حل حقيقي والايمان بمستقبل داخل البلد عوض الفرار هو وجود قوى نضال عمالي وشعبي تبرهن على مقدرتها على الكفاح وانتزاع مكاسب، وعلى التطور لاكتساب مقدرة تغيير نوعي لميزان القوى الطبقي، أي باختصار قوى نضال ذات مصداقية كفاحية .
جريدة المناضل-ة
شارك المقالة

اقرأ أيضا