قراءة في موجة الهجرة الأخيرة نحو سبتة: حدود النموذج النيوليبرالي في المغرب
نقلا عن موقع الصفر: موقع 0 | صفر.الأرض.العمل.رأس المال
في رواية الأوهام الضائعة، لا يروي أونوريه دو بلزاك قصة فرد فقد أحلامه فحسب، بل يكشف كيف يستطيع مجتمع بأكمله أن ينتج أوهاماً أكبر من قدرته على تحقيقها. فالمأساة تبدأ عندما يكتشف الناس أن الوعود التي بُنيت عليها طموحاتهم أقل صلابة ممّا تخيّلوا.
تبدو هذه الفكرة مدخلاً مناسباً لقراءة ما شهدته مدينة سبتة في خلال الأيام الأخيرة، حين اندفع آلاف الشباب المغاربة نحو الحدود الإسبانية في واحدة من أكبر موجات العبور الجماعي منذ سنوات. فهؤلاء لم يغادروا بلداً غارقاً في الحرب أو المجاعة، وإنما بلداً يُقدَّم في التقارير الاقتصادية الدولية نموذجاً للإصلاحات النيوليبرالية والاستقرار الاقتصادي وجاذبية الاستثمار في شمال أفريقيا.
لذلك، لا يقتصر السؤال على: لماذا يهاجر المغاربة؟ بل يمتد إلى سؤال أكثر إرباكاً: كيف نجح نموذج اقتصادي في إقناع الأسواق العالمية، وعجز في الوقت نفسه عن إقناع جزء من شبابه بأن المستقبل لا يزال ممكناً داخل الوطن؟
يفرض هذا السؤال مراجعة إحدى أكثر المسلمات رسوخاً في أدبيات التنمية، وهي أن النمو الاقتصادي يقود تلقائياً إلى الاستقرار الاجتماعي وتراجع الهجرة. فمنذ أكثر من عقدين، راكم المغرب مؤشرات اقتصادية لافتة؛ توسعت شبكات الطرق السيارة، وأُنشئت موانئ ضخمة مثل طنجة المتوسط، واستقطبت المملكة استثمارات أجنبية في قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة، وعززت حضورها في سلاسل القيمة العالمية. ورسخت هذه التحولات صورة المغرب باعتباره قصة نجاح اقتصادي في أفريقيا. لكن صور الشباب الذين اندفعوا نحو سبتة كشفت فجوة لا تفسرها المؤشرات الكلية: اقتصاد يحقق النمو، ومجتمع لا يلمس التحسن نفسه في شروط العيش وفرص المستقبل. وهكذا تحولت الهجرة من قضية ديموغرافية أو أمنية إلى نافذة تكشف حدود السردية الاقتصادية نفسها.
لا تكشف صور سبتة عن أزمة هجرة فحسب، بل تكشف أيضاً حدود نموذج تنموي حسّن موقع المغرب داخل الاقتصاد العالمي، من دون أن ينجح بالقدر نفسه في بناء عقد اجتماعي يجعل المستقبل قابلاً للتصديق
كان ألكسيس دو توكفيل من أوائل من انتبهوا إلى هذه المفارقة. فقد لاحظ أن التحسن الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة إلى تراجع الاحتجاجات أو الرغبة في الرحيل، لأن المجتمعات لا تتحرك تحت ضغط الحرمان وحده، بل أيضاً تحت ضغط التوقعات التي يولدها النمو. وكلما توسعت فرص التعليم والانفتاح والاتصال بالعالم، ارتفع سقف الطموحات بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد على تلبيتها. لذلك قد يوسّع النمو الرغبة في الهجرة بدلاً من أن يحد منها، لأنه يزيد الوعي بالفجوة بين الممكن نظرياً والمتاح فعلياً. فالمشكلة لا تكمن في ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، وإنما في اتساع المسافة بين الوعود التي ينتجها النمو وقدرته على تحويلها إلى فرص فعلية للترقي الاجتماعي والاعتراف والكرامة.
ويقدم كارل بولاني مدخلاً أكثر جذرية لفهم هذه المفارقة. فهو يرى أن إخضاع المجتمع بالكامل لمنطق السوق يفكك الروابط التي تمنح الأفراد الإحساس بالأمان والانتماء، لأن السوق لا ينتج العدالة أو التضامن أو الشعور بالمستقبل. وعندما تختزل التنمية في جاذبية الاستثمار والتنافسية وتحسين مناخ الأعمال، تتراجع أسئلة توزيع الثروة، والتفاوتات المجالية، وجودة الخدمات العمومية، وإمكان الصعود الاجتماعي. عندها يصبح النجاح الاقتصادي كما تقيسه المؤسسات الدولية، لا كما يعيشه المواطن في حياته اليومية.
من هذا المنظور، لا تبدو موجة الهجرة الأخيرة نحو سبتة نقيضاً للنمو الاقتصادي المغربي، وإنما إحدى نتائجه الاجتماعية. فالنيوليبرالية لا تنتج الثروة فقط، بل تنتج أيضاً تطلعات جديدة، وتعيد تشكيل أفق المقارنة. الشباب المغربي اليوم يقارن حياته بما يشاهده يومياً عبر المنصات الرقمية، وبأنماط العيش والعمل والاستهلاك في أوروبا، أكثر مما يقارنها بماضي أسرته. لذلك لم تعد الهجرة استجابة مباشرة للفقر، بل تعبيراً عن فجوة بين الإمكانات المتخيلة والإمكانات المتاحة؛ إنها أزمة في إنتاج المستقبل أكثر منها أزمة في إنتاج الدخل.
كما أن اختزال ما جرى في سبتة في شبكات التهريب أو تأثير وسائل التواصل الاجتماعي أو خلل أمني عابر يتجاهل البنية الاجتماعية التي جعلت آلاف الشباب يرون في المجازفة بالبحر خياراً عقلانياً. فقد تفسر هذه العوامل سرعة انتشار الحدث، لكنها لا تفسر الصدى الذي وجده داخل المجتمع. تتعلّق المسألة بالعلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع، وبالطريقة التي أُعيد بها تعريف معنى التنمية خلال العقود الأخيرة. فقد نجحت الدولة المغربية في تحسين موقعها داخل الاقتصاد العالمي، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في تحويل هذا النجاح إلى ثقة اجتماعية وشعور جماعي بأن المستقبل يمكن أن يُبنى داخل الوطن. وكلما اتسعت الهوة بين نجاح الاقتصاد الكلي وتجربة الأفراد اليومية، تحوّلت الهجرة إلى لغة اجتماعية تقول ما تعجز المؤشرات الاقتصادية عن قوله.
لا يسعى هذا المقال إلى إنكار التحولات الاقتصادية التي عرفها المغرب أو التقليل من أهمية الاستثمارات الكبرى خلال العقدين الأخيرين، بل ينطلق من فرضية أن السردية النيوليبرالية اختزلت التنمية في النمو، وهمّشت سؤال توزيع ثماره وقدرته على إنتاج الثقة والاعتراف وإحساس الأفراد بجدوى البقاء. لذلك لا تكشف صور سبتة عن أزمة هجرة فحسب، بل تكشف أيضاً حدود نموذج تنموي حسّن موقع المغرب داخل الاقتصاد العالمي، من دون أن ينجح بالقدر نفسه في بناء عقد اجتماعي يجعل المستقبل قابلاً للتصديق.
وانطلاقاً من ذلك، يناقش هذا المقال مجموعة من الأسئلة: هل تكشف موجات الهجرة الأخيرة نحو سبتة إخفاق السياسات الاقتصادية في المغرب، أم تكشف حدود النموذج النيوليبرالي نفسه؟ وهل أصبحت الهجرة شكلاً من أشكال النقد الاجتماعي الصامت لسردية «المغرب الصاعد»؟ وهل تحولت الحدود، أكثر من التقارير الاقتصادية، إلى المجال الذي تُختبر فيه شرعية النموذج التنموي؟ وهل أصبح النمو الاقتصادي، في غياب العدالة الاجتماعية، أحد العوامل التي تغذي الرغبة في الرحيل بدلاً من ترسيخ الرغبة في البقاء؟
المغرب: من الإصلاحات الهيكلية إلى اقتصاد الصورة
لم تدخل النيوليبرالية إلى المغرب بوصفها خياراً اقتصادياً تقنياً فحسب، بل كمشروع أعاد تعريف علاقة الدولة بالاقتصاد وبالعالم. فمنذ أزمة المديونية في مطلع الثمانينيات، ومع توقيع برنامج التقويم الهيكلي عام 1983 بالتعاون مع صندوق النقد والبنك الدوليين، بدأ المغرب ينتقل تدريجياً من دولة التنمية والتدخل المباشر إلى دولة التنظيم، وجذب الاستثمار، والانخراط في الأسواق العالمية. ولم يكن هذا التحول مجرد استجابة لأزمة مالية، بل أعاد صياغة العقد الاقتصادي الذي يحكم علاقة الدولة بالسوق، ونقل مصدر شرعيتها من إعادة توزيع الثروة إلى تحقيق النمو، وتعزيز التنافسية، وجذب الاستثمار. وأصبحت الدولة تُقاس بقدرتها على تحسين موقع المغرب في مؤشرات الأعمال، واستقطاب رؤوس الأموال، والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
خلال العقود الأربعة التالية، راكم المغرب «إصلاحات هيكلية» شملت تحرير التجارة، وخصخصة عدد كبير من المؤسسات العمومية، وإصلاح النظام المالي، وإبرام اتفاقيات تبادل حر مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول أخرى، وإنشاء مناطق صناعية ولوجستية حرة. واكتسب هذا المسار زخماً أكبر مع بداية الألفية الجديدة، عبر استراتيجيات صناعية متعاقبة مثل «مخطط الإقلاع» و«مخطط التسريع الصناعي»، التي راهنت على دمج المغرب في الصناعات الموجّهة للتصدير، ولا سيما السيارات والطيران والإلكترونيات والخدمات اللوجستية. واستهدف هذا النموذج بناء اقتصاد شديد الارتباط بالشبكات الصناعية العالمية، تصبح فيه جاذبية المجال الوطني أولوية تتقدّم على حماية السوق المحلية.
وتعكس الأرقام حجم هذا التحول. فقد أصبح قطاع السيارات أول قطاع تصديري في المغرب، بطاقة إنتاجية تناهز 700 ألف سيارة سنوياً، وأكثر من 250 شركة، ونحو 220 ألف وظيفة مباشرة، فيما تجاوزت صادراته 14 مليار دولار، متقدماً على قطاعات تاريخية مثل الفوسفات. وأسهم الاستثمار الكثيف في البنية التحتية وربطها بالمجال الأوروبي في هذا التحول. فتحول ميناء طنجة المتوسط إلى أكبر ميناء في البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا، وأصبح مركزاً لوجستياً يربط المغرب بعشرات الأسواق العالمية. كما جذبت منصته الصناعية عام 2024 استثمارات خاصة تجاوزت 10 مليارات درهم، وأسهمت في خلق أكثر من 14 ألف وظيفة جديدة، إلى جانب عشرات المشاريع الصناعية في قطاعات السيارات واللوجستيات والمكونات الصناعية.
يمكن قراءة موجات الهجرة الأخيرة باعتبارها اختباراً للحدود الاجتماعية لهذا النموذج. فعندما ينجح الاقتصاد في إقناع المستثمر الأجنبي أكثر من إقناع الشاب المغربي بالبقاء، يصبح السؤال متعلقاً بطبيعة التنمية نفسها: هل هي تنمية للاقتصاد، أم للمجتمع أيضاً؟
لكن هذه الأرقام تخفي جانباً أساسياً من التحول إذا قُرئت بمعزل عن جغرافيتها الاجتماعية. فقد تركزت معظم الاستثمارات في محور طنجة–القنيطرة–الدار البيضاء، أي في الشريط الأطلسي والشمالي الأكثر اتصالاً بأوروبا، بينما ظلت مناطق الداخل والجنوب الشرقي والريف تعاني ضعفاً في الاستثمار وفرص العمل. ولم يكن هذا التفاوت نتيجة لقوى السوق وحدها، بل عكس تصوراً للتنمية يقوم على بناء «أقاليم تنافسية» مرتبطة بالاقتصاد العالمي، بدلاً من تنمية متوازنة على المستوى الوطني. وهكذا تحولت بعض المدن إلى منصات للإنتاج العالمي، فيما بقيت مناطق أخرى خارج ديناميات الاندماج الاقتصادي، ما عمّق الفوارق المجالية.
ولا تقتصر خصوصية التجربة المغربية على نجاحها في جذب الاستثمار، بل تمتد إلى الطريقة التي حوّلت بها الدولة هذا النجاح إلى رأسمال رمزي. فمنذ بداية الألفية، أصبح الاستثمار في الطرق السيارة، والقطارات فائقة السرعة، والموانئ، والمناطق الصناعية جزءاً من سياسة لإنتاج صورة جديدة عن المغرب. وهكذا تشكل ما يمكن تسميته «اقتصاد الصورة»، حيث تصبح الصورة نفسها مورداً استراتيجياً لجذب المستثمرين، وتعزيز الثقة الدولية، وإعادة تموضع الدولة داخل الاقتصاد العالمي. فطنجة المتوسط لم يكن ميناءً فحسب، بل رسالة سياسية تؤكد قدرة المغرب على منافسة المراكز اللوجستية الكبرى. والقطار فائق السرعة أصبح إعلاناً عن دخول البلاد نادي البنى التحتية الحديثة. كما تحولت استضافة التظاهرات الدولية، وصولاً إلى التحضير لكأس العالم 2030، إلى جزء من سردية «المغرب الصاعد»، التي عززتها مؤسسات دولية رأت في المملكة نموذجاً للاستقرار والإصلاح والانفتاح الاقتصادي.
ولم يكن الاتحاد الأوروبي متفرجاً على هذا التحول، بل أحد المستفيدين منه. فالمغرب يوفر فضاءً قريباً جغرافياً، منخفض الكلفة نسبياً، ومستقراً سياسياً، يسمح بإعادة توطين جزء من سلاسل الإنتاج بالقرب من السوق الأوروبية. لذلك تحول إلى قاعدة صناعية رئيسية لشركات السيارات الأوروبية، ثم إلى منصة لاستقطاب استثمارات آسيوية، خصوصاً الصينية، الموجهة نحو السوق الأوروبية، وهو ما أثار نقاشاً داخل الاتحاد الأوروبي حول موقع المغرب في إعادة تشكيل سلاسل القيمة الصناعية. وبذلك، لم يكن «المغرب الصاعد» حاجة مغربية فقط، بل أيضاً جزءاً من استراتيجية أوروبية لإعادة تنظيم الجغرافيا الصناعية على الضفة الجنوبية للمتوسط.
لكن نجاح هذا النموذج في جذب رؤوس الأموال لم ينعكس بالقدر نفسه على سوق العمل أو توزيع الفرص. فبينما ارتفعت الاستثمارات، بقيت البطالة مرتفعة، خصوصاً بين الشباب وحملة الشهادات، إذ تجاوزت بطالة الشباب 37%، فيما بقيت نسبة كبيرة منهم خارج العمل والتعليم والتكوين. ويكشف هذا التناقض أن الاقتصاد المغربي نجح في بناء قطاعات عالية الاندماج في السوق العالمية، لكنه لم يخلق فرص عمل كافية ولم يقلص الفوارق الاجتماعية والمجالية بالوتيرة نفسها. فالكثير من الصناعات الجديدة يعتمد على الإنتاج الموجه للتصدير وعلى مستويات مرتفعة من الإنتاجية والأتمتة، ما يحد من قدرتها على استيعاب اليد العاملة مقارنة بحجم الاستثمارات التي تجذبها.
هنا تظهر حدود النموذج النيوليبرالي المغربي. فالمشكلة لا تكمن في ضعف النمو أو نقص الاستثمارات، بل في طبيعة هذا النمو. فقد قام على الاندماج في الاقتصاد العالمي، وتحسين التنافسية، وجذب الشركات متعددة الجنسيات، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في تحويل مكاسبه إلى عقد اجتماعي يعيد توزيع الفرص بصورة أوسع. لذلك، فإن نجاح المغرب في بناء صورة دولية جذابة لا يعني بالضرورة نجاحه في بناء شعور اجتماعي بأن المستقبل أصبح أكثر عدالة. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة موجات الهجرة الأخيرة باعتبارها اختباراً للحدود الاجتماعية لهذا النموذج. فعندما ينجح الاقتصاد في إقناع المستثمر الأجنبي أكثر من إقناع الشاب المغربي بالبقاء، يصبح السؤال متعلقاً بطبيعة التنمية نفسها: هل هي تنمية للاقتصاد، أم للمجتمع أيضاً؟
اللامساواة بوصفها احتقاراً: الجغرافيا الاجتماعية للرغبة في الرحيل
لم يكن أكثر ما لفت الانتباه في موجة الهجرة الجماعية نحو سبتة خلال صيف 2026 عدد الذين اندفعوا نحو البحر، بل الكلمات التي رافقت هذا الرحيل. فقد تكررت في شهادات كثير من الشباب مفردات مثل «الحكرة»، و«لا مستقبل»، و«نريد أن نعيش بكرامة»، وبلغت ذروتها في العبارة التي توقفت عندها الباحثة المغربية ليلى بوعصرية، عندما قال أحد الشباب: «هناك أشعر أنني بنادم»؛ أي إنسان كامل القيمة.
تنقل هذه العبارة النقاش من الاقتصاد إلى الاعتراف، ومن البطالة إلى الكرامة. فهي توحي بأن الهجرة لم تعد مجرد محاولة لتحسين شروط العيش، بل أصبحت أيضاً هروباً من تجربة اجتماعية يشعر فيها الفرد بأن قيمته الإنسانية موضع إنكار. لذلك، يقتضي فهم ما جرى في سبتة تجاوز التفسيرات التي تختزل الظاهرة في الفقر أو وسائل التواصل الاجتماعي، والانتقال إلى تحليل البنية الاجتماعية التي تنتج هذا الإحساس المتراكم بالاحتقار.
وقد تبدو هذه الشهادات متناقضة مع المؤشرات الاقتصادية التي راكمها المغرب خلال العقدين الأخيرين، لكن المؤشرات الاجتماعية ترسم صورة مختلفة. فوفق المندوبية السامية للتخطيط، بلغ معدل البطالة عام 2025 نحو 13%، بينما تجاوزت بطالة الشباب بين 15 و24 سنة 37.2%، ووصلت بطالة حاملي الشهادات العليا إلى 19.1%، وهي من أعلى النسب في سوق العمل المغربي. كما يوجد نحو 2.9 مليون شاب بين 15 و29 سنة خارج التعليم والتكوين والعمل، أي ما يقارب ثلث الشباب المغربي. ولا تكشف هذه الأرقام نقص فرص العمل فحسب، بل تعكس أيضاً أزمة في إدماج جيل كامل داخل المجتمع، حتى أصبح الانتظار التجربة الأكثر شيوعاً في حياة الشباب.
لكن قراءة هذه المؤشرات على المستوى الوطني تخفي تفاوتاً أعمق في توزيع الفرص بين الجهات. فاللامساواة في المغرب لا تقتصر على التفاوت بين الأغنياء والفقراء، بل تشمل أيضاً تفاوتاً بين المجالات. فقد استفاد المحور الممتد من الدار البيضاء إلى الرباط والقنيطرة وطنجة من القسم الأكبر من الاستثمارات العمومية والخاصة، بينما بقيت مناطق الريف والشرق، وأجزاء واسعة من الأطلس، ودرعة–تافيلالت، وهوامش المدن الكبرى أقل استفادة من ديناميات النمو.
اللامساواة تشير إلى تفاوت في توزيع الموارد، بينما يشير الاحتقار إلى تفاوت في توزيع القيمة الاجتماعية. وقد يقبل الأفراد بفوارق في الثروة، لكنهم يرفضون أن يشعروا بأنهم مواطنون من درجة ثانية، أو أن مناطقهم لا تستحق الاستثمار، أو أن مستقبلهم أقل أهمية من مستقبل سكان المدن الكبرى
وتظهر خرائط الفقر متعدد الأبعاد الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط أن الحرمان من التعليم والصحة والسكن اللائق ما يزال أعلى بكثير في عدد من الأقاليم القروية والجبلية مقارنة بالمراكز الحضرية الساحلية. وهكذا يظل مكان الولادة عاملاً حاسماً في فرص التعليم والعمل والوصول إلى الخدمات الأساسية.
ويكتسب شمال المغرب دلالة خاصة داخل هذه الجغرافيا غير المتكافئة. فمنذ نهاية القرن التاسع عشر، ثم خلال فترة الحماية الإسبانية، تشكلت علاقة ملتبسة بين الريف والدولة المركزية. وبعد الاستقلال، ظل الريف والحسيمة والناظور والفنيدق والمضيق وتطوان يعيشون توتراً دائماً بين القرب الجغرافي من أوروبا والهشاشة الاقتصادية المحلية. كما وفرت سبتة ومليلية، لعقود، اقتصاداً حدودياً غير رسمي اعتمدت عليه آلاف الأسر، قبل أن يؤدي إغلاق المعابر التجارية عام 2019، ثم إغلاق الحدود خلال جائحة كوفيد-19، إلى انهيار هذا المورد. ولم يكن ذلك مجرد تحول اقتصادي، بل أعاد إنتاج الإحساس التاريخي بأن الشمال يدفع ثمن خيارات لم يشارك في صنعها.
لهذا لا يمكن فهم «الحكرة» بوصفها مرادفاً للفقر. فالفقر يُقاس بالدخل، أما الحكرة فهي تجربة اجتماعية يشعر فيها الفرد بأن حياته أقل قيمة، وصوته أقل وزناً، وأن جهده لن يغير موقعه داخل المجتمع. وتتولد عندما يرى الشاب أن مدينته لا تحظى بالاستثمارات نفسها، وأن مستشفياتها أقل تجهيزاً، ومدارسها أقل جودة، وفرصها الاقتصادية أكثر محدودية، فيما تعرض وسائل الإعلام صور المدن الجديدة، والقطار فائق السرعة، والموانئ العملاقة، وكأس العالم 2030 بوصفها عنواناً لمغرب جديد لا يجد نفسه داخله.
وتؤدي المدرسة دوراً أساسياً في إنتاج هذا الشعور. فما يزال المغرب يسجل معدلات مرتفعة من الانقطاع المدرسي، إذ يغادر مئات الآلاف من التلاميذ مقاعد الدراسة سنوياً قبل استكمال التعليم الإعدادي أو الثانوي، ولا سيما في الوسط القروي والمناطق الفقيرة. وحتى من يواصلون تعليمهم الجامعي لم تعد الشهادة تضمن لهم الاندماج المهني كما كان يُعتقد. وهكذا تتحول المدرسة، التي يفترض أن تكون أداة للحراك الاجتماعي، إلى مؤسسة تؤجل الإقصاء بدلاً من منعه. فالشاب الذي يقضي سنوات طويلة في التعليم ثم يجد نفسه عاطلاً عن العمل لا يواجه خيبة اقتصادية فقط، بل يشعر أيضاً بانكسار أخلاقي، لأن المجتمع لم يفِ بوعده بأن الجهد والكفاءة يقودان إلى الاعتراف.
وهنا يصبح التمييز بين اللامساواة والاحتقار ضرورياً. فاللامساواة تشير إلى تفاوت في توزيع الموارد، بينما يشير الاحتقار إلى تفاوت في توزيع القيمة الاجتماعية. وقد يقبل الأفراد بفوارق في الثروة، لكنهم يرفضون أن يشعروا بأنهم مواطنون من درجة ثانية، أو أن مناطقهم لا تستحق الاستثمار، أو أن مستقبلهم أقل أهمية من مستقبل سكان المدن الكبرى. لذلك لم تكن احتجاجات الحسيمة وجرادة وزاكورة احتجاجات على البطالة أو الماء أو المستشفى فقط، بل أيضاً على الموقع الذي تحتله هذه المناطق في الخريطة الرمزية للدولة.
ومن هذا المنظور، تكتسب عبارة «هناك أشعر أنني بنادم» قوة تفسيرية كبيرة. فهي لا تعبر عن حلم بالثراء، بل عن البحث عن مكان يشعر فيه الفرد بأن جهده معترف به، وأن القانون يحميه، وأن العمل يفتح له أفقاً للحياة. لذلك تمثل أوروبا، في مخيال كثير من الشباب، فضاءً للاعتراف بقدر ما تمثل فضاءً اقتصادياً أكثر ثراءً. وحتى عندما يصطدم هذا المخيال بواقع الهشاشة والعنصرية والعمل غير النظامي، فإنه يكشف أزمة أعمق في مجتمع الانطلاق أكثر مما يكشفها في مجتمع الوصول.
وفي النهاية، لا تكشف موجة سبتة عن فشل الاقتصاد المغربي في إنتاج الثروة بقدر ما تكشف محدودية قدرته على إنتاج شعور جماعي بالعدالة. فعندما يعيش جزء كبير من الشباب البطالة أو الهشاشة المهنية، ويبقى ملايين منهم خارج العمل والتعليم والتكوين، وتستمر الفوارق المجالية في توزيع الخدمات والفرص، تتحول التنمية إلى تجربة غير متكافئة. عندها لا يعود البحر مجرد حدود بين بلدين، بل يصبح فاصلاً بين فضاء يشعر فيه الفرد بأنه غير مرئي، وآخر يتخيل أنه قد يستعيد فيه إنسانيته. لذلك لا تُقرأ الهجرة بوصفها رفضاً للوطن، بل احتجاجاً صامتاً على طريقة توزيع فرص العيش والاعتراف داخله. إنها تعبير عن أزمة في العقد الاجتماعي المغربي، حيث لم تعد القضية الأساسية إنتاج النمو، بل إنتاج المساواة في الكرامة.
سبتة وحدود الإمبراطورية الجديدة
قبل انتقاد سياسات الحدود الأوروبية، يجدر قلب السؤال نفسه. فالمفارقة ليست أن أوروبا تمنع الهجرة، بل أنها لا تمنعها كلها. إنها لا ترفض حركة البشر من حيث المبدأ، وإنما تعيد تنظيمها وانتقاءها وفق حاجات اقتصادها. لذلك لا تكفي صورة «أوروبا الحصينة» لفهم سياساتها. فهي ليست حصناً مغلقاً، بل فضاء شديد الانتقائية، يفتح أبوابه لمن يحتاجهم ويغلقها أمام من لا يحتاجهم. لذلك تبدو سياسة الهجرة الأوروبية أقرب إلى سياسة فرز منها إلى سياسة منع.
ويتجلى ذلك بوضوح في الوقت الذي تشيد فيه الأسوار حول سبتة ومليلية المحتلتين، وتموّل أنظمة المراقبة في المغرب وتونس وموريتانيا، وتشدد إجراءات التأشيرة أمام شباب جنوب المتوسط، تطلق الحكومات الأوروبية برامج واسعة لاستقطاب الأطباء، والمهندسين، والباحثين، وخبراء الذكاء الاصطناعي، والممرضين، والعمال المهرة. فمع الشيخوخة السكانية وتراجع معدلات الخصوبة ونقص اليد العاملة، تحتاج أوروبا بصورة متزايدة إلى مهاجرين شباب للحفاظ على أسواق العمل وأنظمة التقاعد. وتشير توقعات المفوضية الأوروبية ودراسات ديموغرافية عدة إلى أن القارة ستحتاج خلال العقود المقبلة إلى ملايين العمال لتعويض النقص في السكان في سن العمل. لذلك يتعايش الخطاب الذي يربط الهجرة بالخطر الأمني مع سياسات رسمية تستهدف جذب الكفاءات الأجنبية.
وتكشف هذه المفارقة ازدواجية الاقتصاد السياسي للهجرة في أوروبا. فالليبرالية تدافع عن حرية السوق، وحرية انتقال رؤوس الأموال والسلع والخدمات، لكنها تتراجع عندما يتعلق الأمر بحرية الإنسان في التنقل، لتحل محلها لغة الأمن والسيادة والرقابة. فالشركة الأوروبية تستطيع نقل مصنعها إلى طنجة خلال أشهر، والمستثمر يستطيع تحويل ملايين اليوروهات عبر الحدود خلال ثوانٍ، بينما ينتظر شاب مغربي أشهراً، ويقدم ملفات معقدة، وقد ينتهي به الأمر إلى رفض طلب تأشيرة قصيرة الأجل.
لم يكن آلاف الشباب المغاربة، وهم يتجهون نحو سبتة، يطاردون حلماً اقتصادياً فقط، بل كانوا يختبرون نظاماً يمنح رأس المال حرية شبه مطلقة، ويجعل حرية الإنسان الامتياز الأكثر ندرة.
بهذا المعنى، لا يقوم النظام العالمي على حرية الحركة بصورة متساوية، بل يفتح حدوده للأموال أكثر مما يفتحها للأشخاص. لذلك لم تعد اللامساواة تقاس بالدخل أو الثروة فقط، وإنما أيضاً بالقدرة على عبور الحدود. فالجواز الأوروبي يمنح صاحبه حرية الوصول إلى معظم دول العالم، بينما يتحول جواز سفر شاب من جنوب المتوسط إلى وثيقة تضعه تحت منطق الشك منذ البداية. وهكذا أصبحت الجنسية رأسمالاً للحركة، وأصبح حق التنقل امتيازاً جيوسياسياً أكثر منه حقاً إنسانياً.
ومن هذا المنظور، تكشف أحداث سبتة مفارقة أعمق. فالشباب الذين اندفعوا نحو الحدود لم يطالبوا فقط بدخول أوروبا، بل بحق أصبح جزءاً من تعريف المواطنة في عصر العولمة: حق الحركة. ويختلف هذا الجيل عن أجيال الستينيات والسبعينيات التي انتقلت استجابة لحاجات أسواق العمل الأوروبية وفي إطار اتفاقيات تشغيل منظمة. أما شباب اليوم فقد تشكل وعيهم داخل فضاء رقمي بلا حدود رمزية؛ يتابعون الجامعات نفسها، والمنصات نفسها، والثقافة نفسها، وأنماط الحياة نفسها. إنهم يعيشون يومياً في عالم معولم، لكنهم يصطدمون عند أول معبر بحدود تذكرهم بأن العولمة ليست متاحة للجميع بالقدر نفسه.
لهذا لا تواجه أوروبا أزمة هجرة فقط، بل تواجه أيضاً أزمة اتساق أخلاقي. فهي تدافع عن حرية السوق باعتبارها قيمة كونية، لكنها لا تمنح حرية التنقل المكانة نفسها. وتنتقد القيود المفروضة على التجارة والاستثمار، فيما تبني أكثر أنظمة التأشيرات والرقابة الحدودية تعقيداً. كما تحتاج إلى شباب الجنوب لتعويض الشيخوخة السكانية، لكنها تختارهم وفق منطق المنفعة الاقتصادية لا وفق مبدأ المساواة في الحق في الحركة. وفي هذا التصور، تصبح الهجرة المقبولة مورداً تديره الدولة وفق احتياجاتها، لا حقاً يتمتع به الأفراد.
ولا يعني ذلك أن الدول ملزمة بفتح حدودها بلا قيود، فتنظيم الهجرة جزء من سيادتها. لكن المشكلة تبدأ عندما يُقدَّم هذا التنظيم بوصفه دفاعاً عن قيم عالمية، بينما يُمارس بمنطق انتقائي يميز بين البشر بحسب جوازات سفرهم وأصولهم وقيمتهم الاقتصادية. فعندما يُرحب بالطبيب القادم من الدار البيضاء لأنه يسد نقصاً في المستشفيات الأوروبية، ويُرفض الشاب القادم من الفنيدق لأنه لا يدخل ضمن قوائم «الهجرة المرغوبة»، يصبح معيار القبول القيمة الاقتصادية لا الكرامة الإنسانية.
بهذا المعنى، لا تكشف سبتة عن صدام بين مهاجرين وحرس حدود فحسب، بل عن تناقض داخل النظام الليبرالي المعاصر. فالعالم الذي يطالب بتحرير الأسواق لا يحرر الحركة الإنسانية بالقدر نفسه، والعالم الذي يحتفي بالعولمة حين تزيد الأرباح يتراجع عنها عندما يصبح المستفيد منها شاباً يريد عبور البحر. لذلك لم يعد البحر المتوسط مجرد حد جغرافي بين أفريقيا وأوروبا، بل الحد الفاصل بين ليبرالية اقتصادية كونية وسيادة حدودية انتقائية. وهنا تبرز إحدى مفارقات عصرنا: لم تعد اللامساواة تُقاس فقط بمن يملك الثروة، بل أيضاً بمن يملك حق الحركة. وربما لهذا السبب لم يكن آلاف الشباب المغاربة، وهم يتجهون نحو سبتة، يطاردون حلماً اقتصادياً فقط، بل كانوا يختبرون نظاماً يمنح رأس المال حرية شبه مطلقة، ويجعل حرية الإنسان الامتياز الأكثر ندرة.
ما بعد سبتة: شمال أفريقيا أمام أزمة مستقبل مشتركة
قد يكون الخطأ التحليلي الأكبر هو التعامل مع ما جرى في سبتة بوصفه أزمة مغربية استثنائية، أو اختزاله في إخفاق سياسات الهجرة أو في لحظة توتر حدودي عابرة. فما كشفته تلك الأحداث يتجاوز المغرب، لأنه يعكس تحولات بنيوية تعيد تشكيل مستقبل شمال أفريقيا والعالم العربي. فالمغرب ليس سوى أول مختبر ظهرت فيه بوضوح ديناميات مرشحة للتوسع في المنطقة: تباطؤ قدرة الاقتصادات على إدماج أجيال أكثر تعليماً واتصالاً بالعالم، وتصاعد آثار التغير المناخي، وتآكل الوعود التي رافقت الانتفاضات العربية، وتشدد سياسات الحدود الأوروبية.
ولا تنتج هذه التحولات أزمة هجرة فقط، بل ما يمكن تسميته أزمة مستقبل؛ أي أزمة تتعلق بقدرة الدولة والمجتمع على إقناع الأجيال الجديدة بأن المستقبل لا يزال ممكناً داخل أوطانها. وخلال العقد الأخير دخلت بلدان شمال أفريقيا مرحلة جديدة من تاريخها الاجتماعي. فلم تعد الهجرة تُفسر بالفوارق الاقتصادية بين الجنوب والشمال وحدها، بل أصبحت تعكس أزمة في العقد الاجتماعي نفسه. ففي المغرب، كما في تونس والجزائر ومصر، لا يهاجر كثير من الشباب لأنهم أفقر من الأوروبيين فقط، بل لأنهم يشعرون بأن الزمن يتحرك في مكان آخر. ولم تعد المشكلة تقتصر على ضعف الدخل، بل تمتد إلى ضعف القدرة على تخيل المستقبل. لذلك بات سؤال الهجرة متشابكاً مع أسئلة الثقة والعدالة والاعتراف، وأصبح مرآة للعلاقة المتوترة بين الدولة وأجيال تقيس حياتها بما تراه يومياً في الفضاء الرقمي العالمي أكثر مما تقيسها بماضي آبائها.
وتزداد هذه الأزمة تعقيداً بفعل التحولات المناخية. فشمال أفريقيا من أكثر مناطق العالم تعرضاً للإجهاد المائي، وارتفاع درجات الحرارة، والجفاف، وتراجع الموارد الزراعية. ولم يعد التغير المناخي قضية بيئية فحسب، بل أصبح عاملاً يعيد تشكيل الاقتصاد نفسه. فالقطاع الزراعي، الذي ما يزال يؤمن مصدر رزق لملايين السكان، يواجه تراجع التساقطات، واستنزاف المياه الجوفية، وارتفاع كلفة الإنتاج. ومع انخفاض مردودية الزراعة، تتزايد الهجرة الداخلية نحو المدن، فيما تصبح الهجرة الدولية امتداداً لمسار بدأ داخل الحدود الوطنية. لذلك لا ينتج التغير المناخي الهجرة بصورة مباشرة، لكنه يضعف قدرة الاقتصادات المحلية على خلق فرص مستقرة، ويزيد الضغط على المدن، ويعمق الإحساس بأن المجال الوطني لم يعد قادراً على احتضان تطلعات الأجيال الجديدة.
وفي الوقت نفسه، لم تنجح الاقتصادات المغاربية في بناء نموذج تنموي يستوعب التحول الديموغرافي الذي شهدته المنطقة. فقد توسع التعليم العالي، وارتفعت مستويات التمدرس، وظهرت أجيال أكثر تأهيلاً وانفتاحاً، بينما بقيت أسواق العمل عاجزة عن مواكبة هذا التحول. وهكذا نشأ تناقض بين مجتمع ينتج طموحات جديدة، واقتصاد لا يحولها إلى فرص فعلية. ولم يعد هذا الخلل يقتصر على البطالة، بل امتد إلى نوعية العمل، وإمكانات الصعود الاجتماعي، وإحساس الشباب بأن الكفاءة وحدها لم تعد تكفي لبناء حياة مستقرة. لذلك تعكس الهجرة الجديدة خللاً في العلاقة بين التعليم والعمل والمواطنة، بقدر ما تعكس اختلالاً اقتصادياً.
المغرب ليس سوى أول مختبر ظهرت فيه بوضوح ديناميات مرشحة للتوسع في المنطقة: تباطؤ قدرة الاقتصادات على إدماج أجيال أكثر تعليماً واتصالاً بالعالم، وتصاعد آثار التغير المناخي، وتآكل الوعود التي رافقت الانتفاضات العربية، وتشدد سياسات الحدود الأوروبية.
كما ينبغي قراءة هذه التحولات في ضوء الإرث السياسي الذي خلفته الانتفاضات العربية. فقد رفعت شعارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وخلقت لدى جيل كامل أفقاً جديداً من التوقعات، لكن كثيراً من هذه الوعود لم يتحول إلى مؤسسات أو سياسات أو عقود اجتماعية جديدة. واتسعت الفجوة بين ما انتظرته الأجيال الجديدة وما تحقق على أرض الواقع، من دون أن تختفي مطالبها. وإذا كانت انتفاضات 2011 قد طالبت بتغيير الدولة، فإن جزءاً من شباب اليوم بات يغيّر الجغرافيا نفسها، بحثاً عن مكان يعتقد أنه يوفر شروطاً أفضل لتحقيق الذات.
ويختلف هذا الجيل عن موجات الهجرة السابقة. فالمهاجرون في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي انتقلوا استجابة لحاجات أسواق العمل الأوروبية، أما شباب اليوم فقد تشكل وعيهم داخل عالم رقمي ومعولم، أصبحت فيه الحركة جزءاً من تعريف النجاح الاجتماعي. إنهم لا يبحثون عن وظيفة فقط، بل عن القدرة على الدراسة والتنقل وبناء مسار حياة عابر للحدود. وهكذا لم تعد الهجرة مجرد انتقال اقتصادي، بل مطالبة بحق المشاركة في عالم تُقدَّم فيه الحركة بوصفها رمزاً للحرية، بينما تُوزع عملياً بصورة غير متكافئة.
وفي هذا السياق، لا تقف أوروبا خارج هذه التحولات، بل تشكل جزءاً منها. فهي ترتبط باقتصادات شمال أفريقيا عبر التجارة والاستثمار وسلاسل الإنتاج، كما تعتمد ديموغرافياً على اليد العاملة الشابة، لكنها تدير علاقتها بجوارها الجنوبي بمنطق أمني يركز على احتواء الحركة أكثر من معالجة أسبابها. وهكذا تواجه أوروبا مفارقة واضحة: فهي تحتاج إلى شباب المنطقة لتعويض نقص العمالة، لكنها تختارهم وفق احتياجاتها الاقتصادية، بينما تترك الأغلبية تواجه حدوداً أكثر صلابة وتأشيرات أكثر تعقيداً ومسارات هجرة أكثر خطورة. لذلك لا تعكس أزمة الهجرة حدود النموذج التنموي في الجنوب فقط، بل تكشف أيضاً حدود النموذج الأوروبي في إدارة جواره المتوسطي.
إن ما حدث في سبتة ليس نهاية قصة مغربية، بل بداية مرحلة إقليمية جديدة. فالمؤشرات الديموغرافية والمناخية والاقتصادية كلها تشير إلى أن الضغوط على مجتمعات شمال أفريقيا ستزداد خلال العقود المقبلة، وأن سؤال الهجرة سيصبح أكثر حضوراً لا أقل. لذلك لن يؤدي التعامل معها بوصفها قضية أمنية، أو اعتبار الحدود وحدها حلاً، إلا إلى تجاهل التحولات البنيوية التي تعيد تشكيل المنطقة. ويبقى الرهان الحقيقي إعادة بناء شروط تجعل البقاء خياراً معقولاً. ومن دون عقد اجتماعي جديد، وتنمية أكثر عدالة، وسياسات قادرة على مواجهة آثار التغير المناخي، وعلاقة متوسطية تقوم على تقاسم المسؤولية بدل تصدير الحدود، قد تصبح مشاهد سبتة الصورة الأكثر تعبيراً عن مستقبل شمال أفريقيا.
المراجع:
المندوبية السامية للتخطيط (HCP)
Activité, emploi et chômage – Résultats annuels 2025
https://www.hcp.ma/Activite-emploi-et-chomage-resultats-annuels-2025_a4310.html
المندوبية السامية للتخطيط (HCP)
Jeunes NEET au Maroc : Profilage statistique au profit de l’action publique
https://www.hcp.ma/file/247671/
نظمة العمل الدولية (ILO)
Jeunes NEET au Maroc : Résultats du profilage et implications pour l’action publique
https://www.ilo.org/fr/resource/actualites/jeunes-neet-au-maroc-resultats-du-profilage-et-implications-pour-laction
لمندوبية السامية للتخطيط (HCP)
Cartographie de la pauvreté multidimensionnelle: paysage territorial et dynamique (2025)
https://www.hcp.ma/Synthese-Cartographie-de-la-pauvrete-multidimensionnelle-paysage-territorial-et-dynamique-Mai-2025_a4112.html
UNESCO – Global Education Monitoring (GEM) Report
Morocco Country Case Studies
https://www.unesco.org/gem-report/en/2026-gem-report-country-case-studies/morocco
World Bank Open Data – Morocco
https://data.worldbank.org/country/morocco
World Bank
Morocco Country Partnership Framework
https://documents1.worldbank.org/curated/en/782861555305070085/pdf/Morocco-Country-Partnership-Framework-for-the-Period-of-FY19-FY24.pdf
United Nations Development Programme (UNDP)
Human Development Report – Morocco
https://hdr.undp.org/data-center/specific-country-data#/countries/MAR
World Inequality Database (WID)
Morocco
https://wid.world/country/morocco/
World Bank
Morocco Country Climate and Development Report (CCDR)
https://www.worldbank.org/en/country/morocco/publication/morocco-country-climate-and-development-report
Food and Agriculture Organization (FAO)
FAOSTAT – Morocco
https://www.fao.org/faostat/en/#country/143
اقرأ أيضا

