سبتة 2026: مأساة هجرة جُعلت سلاحا جيوسياسيا ضد الحكومة الإسبانية اليسارية
بقلم؛ بستر غوستافو، جيرباو كارلوس
لم تكن أزمة سبتة من تدبير المغرب، كما أوحى قسم كبير من وسائل الإعلام والمعارضة الإسبانية. وقد كشفت هشاشة الملكية العلوية الهيكلية، التي واجهت في الصيف الماضي انتفاضة شبابية —مظاهرات جيل Z 212 حول الصحة والتعليم— ولم ترد عليها سوى بالقمع. وقد عاود هذا الإحباط الاجتماعي ظهوره في شكل أزمة هجرة، تزامنت — دون أن يكون الأمر مدبراً — مع احتفالات عيد العرش على بعد أربعين كيلومتراً من الحدود. كما فاجئت هذه الأزمة حكومة بيدرو سانشيز، التي كانت قد بنت سياستها إزاء الصحراء الغربية على أساس تحالف استراتيجي مع الرباط منذ العام 2021؛ فقام الحزب الشعبي (PP) وحزب فوكس (Vox) بتحويل أزمة إنسانية وهجرية إلى أزمة سيادة، ثم إلى أزمة جيوسياسية، جارين في ذلك إسرائيل وترامب وميلوني واليمين المتطرف الأوروبي. ومن شأن اقتناع متنام في الرأي العام الإسباني — مؤداه أن المغرب دبر الأزمة انتقاماً من تقارب إسبانيا مع الجزائر واعترافها بمطالبات الصحراويين بالجنسية — أن يرسخ مروية استعمارية جديدة ومعادية للأجانب، بعد عام من اعتداء جماعات يمينية متطرفة على مقيمين مغاربة في توري باتشيكو. تمثل الذاكرة المناهضة للاستعمار المتعلقة بالعلاقات التاريخية بين إسبانيا والمغرب، ولا سيما منطقة الحماية بالريف وحرب سيدي إفني، موردا ينبغي على اليسار البديل ألا يتجاهله.
محفز أزمة الهجرة
أسفرت أزمة الهجرة في سبتة، في غضون يومين، عن مقتل 72 شخصًا على الجانب الإسباني من الرصيف الذي يُستخدم حدودا و17 شخصًا على الجانب المغربي. ولا يزال انتشال الجثث من المياه مستمرا. ويُجهل عدد الأشخاص الذين دخلوا سبتة متجاوزين نقاط التفتيش الحدودية، لكن بعد مرور 24 ساعة، وبعد أن أمضوا الليل في شوارع مدينة مغلقة تمامًا ومنتزهاتها، دون أي إمكانية حصول على الماء أو الطعام، وتبدد آمالهم في الاستقبال والحصول على حياة أفضل، خرج 48 ألف شخص عبر شبكات السياجات، وهو رقم جرى تحديده بكاميرات. ولا يُعرف بدقة عدد الذين ما زالوا في سبتة؛ ويُقدَّر بعدة آلاف، منهم العديد من القاصرين أو القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء، الذين يعلمون أو سمعوا أنه لا يمكن ترحيلهم قسرًا، وما زالوا يأملون استقبالهم في مركز CETI [1]، الذي بلغ طاقته الاستيعابية القصوى.
سرعان ما أفسحت المأساة الإنسانية، التي ظهرت في الساعات الأولى في صور الإصابات التي وقعت على الرصيف والجثث التي جُرّت إلى شواطئ التراجال، في المجال لخطاب الخوف، وانتهاك الأمن، وانتهاك السيادة، ما حوّل الأنظار عن الضحايا — المهاجرين العزل، المستعملين وقود حرب من قبل النظام العلوي — نحو سكان سبتة، الذين حبسوا أنفسهم في منازلهم، بل وذهب بعضهم إلى رمي الباحثين عن ملاذ في المساحات الخضراء بالحجارة. وفي الرأي العام الإسباني، فرضت نفسها في النهاية ذكرى أزمة مايو 2021، التي أعادتها وسائل الإعلام إلى الأذهان، عندما استخدمت حكومة المغرب الهجرة غير الشرعية لفرض تغيير في الموقف من المفاوضات حول الصحراء الغربية التي جرت تحت رعاية الأمم المتحدة. هكذا انتقلنا من أزمة هجرة ومسألة إنسانية في المقام الأول إلى قراءة أزمة جيوسياسية مُغرضة، مع كل ما يترتب من عواقب.
برغم أنه لا يزال من المبكر جدًّا تكوين صورة واضحة عن الوقائع والأسباب، فقد انتشرت في ليلة 30 يوليو رسائل على نطاق واسع في شبكات التواصل الاجتماعي المغربية تعلن أن الحدود في سبتة قد فُتحت، وأن من يدخلون سيُستقبلون ويُنظر في طلبات لجوئهم. وكانت الأشهر السابقة قد شهدت زيادة في حالات الدخول غير النظامي إلى سبتة، حيث تضاعف العدد ليصل إلى 1400 شخص. وقد قضى قرار المحكمة العليا الإسبانية في 8 يوليو بأنه لا يجوز الإرجاع الفوري لأي شخص يدخل سباحةً، على عكس متسلقي الأسوار . أبرزت مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأحكام، إلى جانب انتهاء فترة تسوية أوضاع المهاجرين في 30 يونيو، بما هي دليل قاطع على أن إمكان دخول إسبانيا عبر سبتة لم تكن مجرد شائعة بل فرصة أخيرة.
وقد آمن آلاف الشباب من شمال المغرب، وكذا من سائر أنحاء البلد، بالإضافة إلى مهاجرين غير شرعيين من بلدان أخرى، بأن هذه هي الفرصة التي طال انتظارها — لأن هذا ما يرجونه أسبوعاً بعد أسبوع. ووفقًا لشهادات جمعتها منظمات مثل اللجنة الإسبانية لمساعدة اللاجئين (CEAR)، والصليب الأحمر الإسباني، والجمعية المغربية لحقوق الإنسان، نعرف أنهم صادفوا على الطريق المؤدي إلى التاراجال أكشاكًا تبيع أجنحة سباحة وعوامات، ورجال درك مغاربة يوجهونهم أثناء سفرهم في شاحنات، ومركبات كانت تتاجر بنقلهم إلى أقرب نقطة ممكنة.
في ظهر يوم الخميس 30 يوليو، وبينما كان الآلاف قد دخلوا عبر الرصيف، توقف الدرك المغربي عن محاولة احتواء القافلة المكونة من آلاف الأشخاص التي كانت تتجمع وتهدد بإثارة اندفاع جماهيري نحو الحواجز، كما حدث سابقا. وعلى بعد أربعين كيلومتراً من هناك، في تطوان، كانت تجري احتفالات عيد العرش، في الذكرى السابعة والعشرين لتنصيب محمد السادس.
يمثل عيد العرش أهم احتفال سنوي للنظام العلوي. ولا يزال دستوره، برغم إصلاحات عام 2011، ينص على مصدرين للسيادة -الشعب والملك-، حيث يحظى هذا الأخير أيضًا بالشرعية الدينية بصفته أمير المؤمنين. وقد بدا محمد السادس في هيئة تدل على تدهور بدني واضح، لكنه قدم حصيلة من النجاحات المتواصلة وأكد خلافة ابنه الصغير، مولاي حسن، عشية الانتخابات البرلمانية المقررة في 23 سبتمبر. وكانت الرسالة غاية في الوضوح: “أكثر ما يبعث على الفخر هو الأمن والاستقرار السائدان في المغرب، فضلاً عن أداء المؤسسات الفعال” [2].
ويستند هذا التأكيد إلى إدارة اقتصادية كلية سجلت معدلات نمو بين 4,5 و5,3 % في السنوات الثلاث الماضية، وخفض عجز الميزانية إلى 3 %، وهطول أمطار مواتية بشكل خاص في 2025-2026 -وهي فرصة سانحة للزراعة التصديرية- واستثمارات ضخمة في البنية التحتية العامة واستعدادًا لاستضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2030. بيد أن اقتصاد المغرب مزدوج، حيث يبلغ معامل جيني، وفقًا للبنك الدولي، 39,4، ويقترب، وفقًا لمؤسسات أخرى، من أكثر من 50، أي أنه في جميع الأحوال أعلى بكثير من المعامِلات المسجلة في بلدان شمال إفريقيا المطلة على البحر الأبيض المتوسط. هذا مع معدل بطالة عام يبلغ 13٪، ويصل المعدل إلى 37,2٪ بين الشباب في المناطق الحضرية و20٪ بين النساء الباحثات عن عمل.
فما يجب تفسيره أولاً هو أزمة الهجرة المتفجرة بمثل هذه الشدة يومي 30 و31 يوليو، هو أن أكثر من 50 ألف شخص، معظمهم من الشباب، يريدون مغادرة بلدهم في غضون ساعات قليلة ويصرحون أمام الكاميرات بأن لا أمل في المغرب، وأنهم يريدون العيش مثل أصدقائهم وأقاربهم في أوروبا والذين يعودون، في هذه الأيام بالذات، بالسيارة محملين بالهدايا في إطار عملية باسو ديل إستريتشو [3].
سابقة مظاهرات جيل Z في عام 2025
توالت التحذيرات، حتى وإن لم يُذكر بها في الخطاب الرسمي. ففي 27 سبتمبر 2025، استجابة لدعوة مجموعة «Discord GenZ 212» [4]، التي أُنشئت قبل أسبوع من ذلك، انتشرت التجمعات والمظاهرات في ساحات المدن الكبرى بالبلد، وبحلول 30 من ذلك الشهر، كانت قد غطت كامل أراضي المملكة. واستنادًا إلى وعود محمد السادس نفسه بالرخاء، كانت شعارات المظاهرات واضحة تمامًا: «نريد مستشفيات، لا ملاعب»، {استقالة أخنوش [5]” [6]. يبلغ عدد الأطباء في المغرب لكل 10 آلاف نسمة نصف عددهم في الجزائر (7,7 مقابل 16,6، في حين توصي منظمة الصحة العالمية بحد أدنى يبلغ 25) . وبرغم وقف المظاهرات مؤقتًا كإشارة احترام أثناء خطاب الملك الافتتاحي للبرلمان، ما كان للحصيلة العامة التي أعلنتها السلطات في الأول من أكتوبر أن تكون أشد قتامة: 409 حالة اعتقال، و193 شخصًا متهمين بالتخريب، و263 من أفراد الأمن مصابين، وهجمات على مراكز تجارية، وهجوم على مركز درك مدينة القليعة أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص بالرصاص.
لم يغير أي من ذلك نص أو نبرة خطب عيد العرش في عامي 2025 و 2026. وكان الرد الوحيد هو القمع، كما شهدت بذلك الجمعية المغربية لحقوق الإنسان [7]. كما ساد إحباط بين الشباب انتهى به الأمر إلى التعبير عن نفسه في أزمة الهجرة. تخشى حكومة أخنوش، كما أشار أحد المعلقين في صحيفة «اليوم»، إعطاء صورة خارجية بأنها “عاجزة عن إدارة حدودها” [8].
وعلى غرار الأحداث التي وقعت قبل عام، فاجأت أزمة الهجرة التي شملت أكثر من 50 ألف شخص النظام العلوي مرة أخرى. صحيح أنه كان على علم بارتفاع عدد عمليات العبور غير الشرعية إلى سبتة؛ وصحيح أنه كان على علم باستياء الشباب الكامن. لكنه يعتمد أساسا، لمواجهة ذلك، على القمع وعلى غياب البديل السياسي منذ هزيمة حزب العدالة والتنمية الإسلامي، في مواجهة يسار متشظٍ. في إطار نزعة وطنية ملكية مناهضة للاستعمار، أولويتها الرئيسة ضمُّ الصحراء الغربية بشكل نهائي بدعم من إدارة ترامب، تقع إدارة البلد في أيدي أحزاب المخزن [9] – القصر.
وبعيدًا عن أن تكون أزمة الهجرة ناجمة عن خطة ماكيافيلية، تكشف مأساة سبتة عن ضعف النظام العلوي. إن اقتحام الحدود مع سبتة، في نفس يوم عيد العرش، مع كل ما ينطوي عليه ذلك من ولاءات، على بعد 40 كيلومترًا من مكان الاحتفال، يضع موضع تساؤل جذري الفعالية المزعومة لدولة «آمنة» فوض إليها الاتحاد الأوروبي إدارة الهجرة القادمة من غرب إفريقيا، مقابل نظام تعاون لا مثيل له مع دول أخرى في المنطقة.
يحافظ المغرب على نظام تجاري يتيح له أن يكون أكبر مُصدِّر سيارات في أفريقيا، ويتحايل على الحصار الجزائري الذي يمنع وصوله إلى الغاز باستيراد الجزء الأكبر مما يستهلك من غاز مسال عبر البنى التحتية الإسبانية، في الوقت الذي يُعتبر فيه حليفاً متميزاً في مجالي الأمن والدفاع، ويحظى بدعم لمطالباته بشأن الصحراء الغربية.
وبعد اثنتي عشرة ساعة، في 31 يوليو — عقب زيارة بيدرو سانشيز إلى سبتة وإدارة الأزمة بشكل مباشر من قبل وزير الداخلية مارلاسكا، مع نشر 3000 جندي في الشوارع — وبغض النظر عن الشكوك السابقة، تغير كل شيء: فقد تعهد المغرب بفتح الحدود واستعادة جميع الأشخاص الذين دخلوا سبتة بشكل غير قانوني، ما سمح بتقليص حجم الأزمة في غضون 24 ساعة. وسط صمت تام من جانب الصحافة المغربية، التي كانت منشغلة بالاحتفالات الفخمة بعيد العرش، جاء التفسير الوحيد من السفيرة في مدريد، كريمة بنيعيش، التي أشارت، في حفل استقبال أقامته، إلى دور العصابات الإجرامية. وهو تفسير تبنّاه بيدرو سانشيز برغم لامعقوليته: عصابة زعانف السباحة والعوامات. لم يجرؤ سوى موقع «360» على اقتراح تفسير آخر وراء الحملة على شبكات التواصل الاجتماعي: الجزائر.
تدبير الحكومة التقدمية لأزمة الهجرة
يكشف تدبير أزمة الهجرة من قبل حكومة بيدرو سانشيز هو أيضا عن عنصر المفاجأة هذا. أقامت الحكومة، منذ سابقة العام 2021، علاقة متينة مع المغرب انطلاقاً من القبول المفترض للحل المغربي للصحراء الغربية – الذي أصبح الآن مبدأً رسمياً كإطار للتفاوض في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 [10]، الذي يمدد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) حتى 31 أكتوبر 2026.
تعد إسبانيا شريك المغرب التجاري الأول، حيث تمثل خُمس حجم التجارة الثنائية. كما أنها مورد الغاز المسال الرئيس عبر البنية التحتية لشركة إيناغاس. كما أن التعاون في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب والدفاع، بالإضافة إلى الهجرة، يعد أمراً أساسياً أيضاً. إن العلاقة مع إسبانيا هي ما يمنح المغرب هامشاً للتفاوض مع فرنسا والاتحاد الأوروبي.
ومع ذلك، وكما صرح مارلاسكا صراحةً، لم تصدر أي تقارير من أجهزة الاستخبارات بشأن خطر وشيك بحدوث أزمة هجرة، ناهيك عن التلاعب المتعمد بها من قبل النظام العلوي. وكان رئيس سبتة، خوان فيفاس، الذي يشغل منصبه منذ 25 عامًا، بما في ذلك إبان أزمة العام 2021، إلى جانب الحرس المدني، قد حذرا من ارتفاع أعداد الوافدين غير الشرعيين ومن الوضع في مركز استقبال ومأوى المهاجرين (CETI). لكن طلب توزيع القاصرين غير المصحوبين بين المجتمعات المستقلة الإسبانية تم عرقلته من قبل حزب فيفاس نفسه، أي الحزب الشعبي .
وبينما كانت شبه الجزيرة الأيبيرية تعيش أسوأ أزمة حرائق في تاريخها، بدت حالات الوصول الجديدة مرتبطة بالموسم أكثر من ارتباطها بالإعلان عن الأزمة القادمة. ولكي تمكن هذه الأزمة، انطلاقاً من المشكلة الهيكلية المتمثلة في الفقر والبطالة وإحباط الشباب، تضافرت جملة صدف كاملة محفزة: صدى عمليات تسوية الوضع القانوني في خضم «عملية باسو ديل إستريتشو» للهجرة المغربية النظامية إلى أوروبا، وحكم المحكمة العليا الصادر في 8 يوليو بشأن إعادة المهاجرين غير الشرعيين الذين دخلوا عبر البحر، واحتفالات عيد العرش في تطوان، والحرائق التي اندلعت في إسبانيا نفسها، والتي استحوذت على انتشار قوات الشرطة على جانبي الحدود.
المعارضة الديماغوجية من قبل الحزب الشعبي (PP) وحزب فوكس (Vox)، وظهور مجموعات يمين متطرف في شوارع سبتة، والتوتر المتزايد في ظل نقص الموارد اللازمة لرعاية المهاجرين، والخوف من اندلاع صراعات بينهم وبين سكان سبتة، مع ظهور صور لا تقتصر على جثث تُجر على الشاطئ فحسب بل تنتشر في المتنزهات أيضًا، ما أدى إلى تدخل قوات الأمن والجيش الحتمي، كل ذلك أجبر سانشيز ومارلاسكا على التوجه إلى سبتة. كما دفعهما إلى التفاوض مع الحكومة المغربية بشأن العودة الفورية عبر المعابر الحدودية المفتوحة، في الوقت الذي كانت فيه الدرك المغربي يحاول، في كاستيخوس-الفنيدق، منع الأشخاص الذين استمروا في الوصول من القفز في البحر. وقد أعربت الحكومة الإسبانية عن شكرها بشكل خاص لهذا التعاون، الذي أتاح نقل الأزمة إلى مسار آخر في غضون 24 ساعة. ويبقى الآن التعامل مع آلاف القاصرين وطالبي اللجوء والحماية، وفقًا للتشريعات الإسبانية والأوروبية. وينبغي عدم نسيان الأحكام الصادرة عن المحكمة العليا، وكذلك عزل المندوبة الحكومية السابقة ونائبة رئيس سبتة السابقة من مناصبهما لمدة تسع سنوات، اعتبارًا من سبتمبر 2025، بسبب ترحيل 51 قاصرًا.
اليمين المتطرف وتحويل الأمر إلى أزمة جيوسياسية
منذ أول لحظة، سعى الحزب الشعبي وفوكس، في مواجهة تدبير أزمة الهجرة بهذه الكيفية -التي انتقد بعض جوانبها مدير اللجنة الإسبانية للدفاع عن حق اللجوء (CEAR)، ماوريسيو فالينتي، لكونها أعطت الأولوية لإخراج المهاجرين من سبتة على حساب حقوقهم الفردية في اللجوء والحماية، إلى تحويلها إلى أزمة سيادة ناجمة عن حكومة غير فعالة، متساهلة مع عصابات الهجرة، وضعيفة في مواجهة ابتزاز النظام العلوي الذي يتهمونه بتدبير هذه الأزمة. كما سعيا إلى تحويل هذه الأزمة المزعومة المتعلقة بالسيادة إلى أزمة جيوسياسية، إلى جانب إسرائيل وترامب وحكومات اليمين المتطرف في الاتحاد الأوروبي، التي يوجهها استراتيجياً رئيس الحزب الشعبي الأوروبي مانفريد ويبر ورئيسة مجلس الوزراء الإيطالية ميلوني [11]، ضمن نفس كتلة التحالف الأوروبية التي يمثلها، في إسبانيا، الحزب الشعبي-فوكس.
أبرز تدبير الأزمة الجيوسياسية مدى عزلة الحكومة التقدمية في السياق الأوروبي، ومدى تحول سياسات الهجرة إلى خطوط تقاطب أيديولوجي. فقد تمكنت ميلوني وويبر من صياغة انتقاداتهما لسياسات الهجرة التي تنتهجها الحكومة التقدمية — لا سيما برنامج تسوية أوضاع المهاجرين ورفض مخيمات فرز المهاجرين في دول ثالثة [12]- في رسالة موقعة من 22 دولة عضو، في حين دعت إيطاليا وفنلندا والدنمارك إلى استبعاد إسبانيا مؤقتًا من منطقة شنغن، رغم أن سبتة ومليلية مستبعدتان منها بشكل خاص. وفي رسالة لاذعة نُشرت على X، أعرب سانشيز عن أسفه لعدم التضامن، وعدم احترام المعاهدات، والتلاعب بأرقام الدخول غير النظامي، التي تبلغ في إيطاليا ضعف ما هي عليه في إسبانيا. ثم طالب بعقد مؤتمر عاجل لوزراء الداخلية حول سياسات الهجرة لشرح أزمة سبتة في سياق الاتحاد الأوروبي.
استغلت إسرائيل والولايات المتحدة الوضع لتصفية حساباتهما. الأولى بإجراء مقارنات غير واردة بين الوضعين في غزة وسبتة، وكأن أزمة الهجرة والإبادة الجماعية أمران قابلان للمقارنة. أما ترامب، فقد حذر من أن أزمة هجرة على غرار ما حدث في سبتة قد تحدث في الولايات المتحدة إذا فاز الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. وبغض النظر عن الموقف الذي تضع فيه هذه التصريحات النظام العلوي، برغم الثناء الذي يحظى به بصفته حليفاً للسياسات الإمبريالية. لكن جلي أن الحكومة التقدمية تقع في مرمى نيران اليمين المتطرف الدولي، الذي سيبذل قصارى جهده للتحالف مع الحزب الشعبي وحزب فوكس (Vox) من أجل مضايقتها وإطاحتها. لا جديد في الأمر؛ إنه مجرد مظهر ظرفي لاستغلال أزمة الهجرة في سبتة لإسقاطها على التوترات الجيوسياسية القائمة أصلاً.
والأمر الأخطر، وذو العواقب الأكثر ديمومة، هو الاقتناع الذي يبدو أنه يترسخ في الرأي العام الإسباني بأن أزمة الهجرة في سبتة عام 2026 قد تم تدبيرها والتلاعب بها من قبل النظام العلوي انتقاماً من التطبيع الجزئي للعلاقات مع الجزائر، ومن قانون الجنسية للصحراويين المتحدرين من المستعمرة الإسبانية السابقة. باختصار، أن عام 2026 لم يكن سوى تكرارًا لما حدث في عام 2021، ما يضع موضع تساؤل سياسة حسن الجوار مع المغرب برمتها – وهو نظام دكتاتوري يُزعم أنه فرض بشكل خبيث، عن طريق الابتزاز، تغيير الموقف الإسباني الحيادي في حل قضية الصحراء الغربية.
يتعين على الحكومة تقديم تفسير مفصل لما حدث. فجزء أساسي من سياستها الخارجية أصبح موضع تساؤل من قبل ناخبيها أنفسهم، الذين لا يكتفون بفهم الأسباب الحقيقية لأزمة عام 2021 فهمًا خاطئًا فحسب، بل لا يفهمون أيضًا القرار اللاحق الذي اتخذه سانشيز ووزير الخارجية ألباريس بقبول المقترحات المغربية لحل نزاع الصحراء الغربية. والخطر، في حال عدم اتخاذ إجراءات، لا يكمن فقط في تآكل مكانة الحكومة، بل في ترك إرث من شأنه أن يعزز في نهاية المطاف الرواية الاستعمارية الجديدة والمعادية للأجانب بشأن المغرب والمغاربة التي يروجها الحزب الشعبي وحزب فوكس، لا سيما وأن أكثر من مليون شخص من أصل مغربي يعيشون بيننا وقد تعرضوا بالفعل لمذابح على يد اليمين المتطرف، كما حدث في توري باتشيكو [13] قبل عام. يجب عدم ترك هذه النافذة مفتوحة أمام أيديولوجية اليمين المتطرف التي تجعل من «الاسترداد» المزعوم والأسطوري أساس جوهرها، في مواجهة ما يُزعم أنه «إبدال كبير» جاري للسكان الأوروبيين بمسلمين، سواء كانوا معتدلين أو جذريين.
وفي هذا السياق، من الأفضل أن يتذكر اليسار البديل إرث النقاش المناهض للاستعمار، لا سيما فيما يتعلق بإخضاع المغرب ونهبه في القرنين التاسع عشر والعشرين في مناطق الحماية الإسبانية الشمالية والجنوبية، بما في ذلك استغلال سكانه في الحرب الأهلية الإسبانية من قبل جيش إفريقيا المتمرد، والحرب المنسية في سيدي إفني [14]. إن تذكر هذا الإطار التاريخي الاستعماري، وندوبها والتي لا تزال قائمة، قد يساعد ربما في فهم أزمات مثل أزمتي سبتة ومليلية بشكل أفضل. هذا على الأقل ما كان يعتقده، في عصره، أحد مؤسسي اليسار الإسباني، بابلو إغليسياس بوس [15]، الذي تستحق خطبه البرلمانية في العقد الأول من القرن العشرين إعادة قراءتها.
وتدعو الحركات الاجتماعية واليسار المغربي بالفعل إلى تنظيم تجمعات احتجاجية في 7 أغسطس في المدن الرئيسية للمملكة العلوية. وربما تكون أزمة سبتة حلقة أخرى في الدورة التي بدأها فشل مشروع التحديث النيوليبرالي والسلطوي للنظام العلوي، مع تداعيات لا مفر منها على الاتحاد الأوروبي وسياساته الاستعمارية الجديدة في شمال إفريقيا.
غوستافو بوستر، كارلوس جيرباو
ملاحظات[1] Centro de Estancia Temporal de Inmigrantes
مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين، مراكز استقبال تديرها إسبانيا في سبتة ومليلية للأشخاص الذين دخلوا بشكل غير قانوني وطالبي اللجوء.[2] الاقتباس الأصلي باللغة الإسبانية: «Lo que produce más orgullo es la seguridad y la estabilidad que reinan en Marruecos, así como el funcionamiento eficaz de las instituciones.»[3] «عملية عبور المضيق» (Operación Paso del Estrecho) هي العملية الصيفية السنوية التي تنسقها إسبانيا والمغرب، والتي تنظم عودة مئات الآلاف من المهاجرين المغاربة المقيمين في أوروبا إلى وطنهم، بالسيارات والعبّارات عبر الموانئ الإسبانية.
«GenZ 212» [4]هي مجموعة شبابية مجهولة الهوية وبدون قيادة ظهرت
على منصة «ديسكورد» في منتصف سبتمبر 2025، ونظمت مظاهرات في جميع أنحاء البلد مطالبة بتحسين الرعاية الصحية والتعليم، ووضع حد للفساد، واستقالة حكومة أخنوش، مع انتقاد الإنفاق العام المرتبط بكأس العالم 2030.[5] عزيز أخنوش، رجل أعمال ملياردير، هو رئيس وزراء المغرب منذ عام 2021.[6] الاقتباس الأصلي باللغة الإسبانية: «Queremos hospitales, no estadios»، «Dimisión de Ajanuch».[7] يؤكد بيان نشره في الأسبوع نفسه التيار التروتسكي المغربي «المناضل-ة» أن الهجرة القسرية وقمع نشطاء «حراك الريف» و«جيل 212» هما وجهان لنفس الأزمة الهيكلية، التي تغذيها الديون والتقشف، ويطرح مجموعة من المطالب، من بينها إنهاء تجريم الاحتجاج وإلغاء خصخصة قطاعي الصحة والتعليم. «المناضلة»، «بيان (المغرب-سبتة): شبابنا يغرقون بالعشرات في البحر. البديل الاجتماعي الشامل لم يعد ترفاً، بل ضرورة ملحة”، ESSF، 31 يوليو 2026. https://europe-solidaire.org/spip.php?article79595[8] الاقتباس الأصلي بالإسبانية: «ser incapaz de gestionar sus fronteras».[9] يشير مصطلح «المخزن» إلى شبكة السلطة غير الرسمية المحيطة بالملكية المغربية — البلاط الملكي، وأجهزة الأمن، والنخب الاقتصادية المتحالفة — والتي تعمل جنبًا إلى جنب مع المؤسسات الحكومية الرسمية، وغالبًا ما تكون فوقها.[10] القرار رقم 2797، الذي اعتمد في 31 أكتوبر 2025 بأغلبية 11 صوتًا مؤيدًا و3 أصوات ممتنعة (الصين وروسيا وباكستان)، مدد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (MINURSO) حتى 31 أكتوبر 2026، وعيّن، لأول مرة، اقتراح الحكم الذاتي المغربي كأساس للمفاوضات، دون الإشارة إلى استفتاء على تقرير المصير.[11] أما فيما يتعلق بسياسة ميلوني الخاصة بالهجرة، فيستعرض تحليل سابق صادر عن ESSF تجريم التنقل، وتفويض مراقبة الحدود إلى ليبيا وألبانيا، وإطالة فترات الاحتجاز في ظل حكومتها، ويرى أن ترحيب أوروبا بهذه الإجراءات يشير إلى تحول استبدادي أوسع نطاقاً. مارا هيلين، «الهجرة (إيطاليا) – سياسة جيورجيا ميلوني: «نموذج» لأوروبا؟»، ESSF، 31 أكتوبر 2024. https://europe-solidaire.org/spip.php?article72494[12] أطلقت إسبانيا عملية استثنائية لتسوية أوضاع المهاجرين في يناير 2026، في ختام حملة استمرت ست سنوات قادها المهاجرون أنفسهم؛ وفي مقابلة لاحقة، أكدت المتحدثة باسم هذه الحملة أن اليسار الإسباني، بما في ذلك الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE)، لم يتصدّ بعد للميثاق الأوروبي بشأن الهجرة واللجوء الذي ساهم في صياغته. كولومبا فيكي، لالانا سانتوس مارتن، «إسبانيا: كيف نجح تحرك قاده المهاجرون أنفسهم في كسر ست سنوات من الجمود البرلماني بشأن تسوية أوضاع المهاجرين»، ESSF، 31 يوليو 2026. https://europe-solidaire.org/spip.php?article79587[13] في يوليو 2025، شنت جماعات من اليمين المتطرف أعمال عنف منظمة استمرت عدة أيام ضد المقيمين المغاربة في توري باتشيكو، بمنطقة مورسيا، عقب اعتداء على أحد السكان المسنين نُسب زوراً عبر الإنترنت، وانتشر بشكل واسع، إلى مهاجرين من شمال إفريقيا.[14] كانت حرب سيدي إفني (1957-1958) صراعًا مسلحًا قصير الأمد بين إسبانيا وقوات غير نظامية مدعومة من المغرب، دارت رحاها حول جيب إفني الإسباني والأراضي الصحراوية المجاورة، وقد طغى عليها إلى حد كبير في الذاكرة التاريخية الإسبانية الصراع اللاحق حول الصحراء الغربية.[15] أسس بابلو إغليسياس بوس (1850-1925) الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE) في عام 1879 والنقابة العامة للعمال (UGT) في عام 1888. ولا ينبغي الخلط بينه وبين السياسي الإسباني الأحدث الذي يحمل الاسم نفسه.
المصدر : https://www.europe-solidaire.org/spip.php?article796 ترجمة : جريدة المناضل-ة
اقرأ أيضا

