ذكرى تأسيس الأممية: إخفاقات الستالينية تؤكد صحة نقد تروتسكي

الأممية3 سبتمبر، 2026

بقلم؛ ليفيو مايتان

بمناسبة الذكرى 88 لتأسيس الأممية الرابعة، نعيد نشر مقال كتبته ليفيو مايتان[*] في عام 1988.

في 3 سبتمبر 1938، وتحت تهديد القتلة الستالينيين، أسس مندوبون من اثني عشر بلدًا الأممية الرابعة في اجتماع عُقد في منزل ألفريد روزمر في بيريني، إحدى ضواحي باريس.

في سنوات 1930، كان الذين رفضوا اللجوء إلى الشتائم على النمط الستاليني يؤاخذون المعارضة اليسارية أولا، ثم الأممية الرابعة، بجريرة افتقاد الواقعية. وكانوا يقولون إنه لا يمكن الموافقة على جميع قرارات ستالين، وإن بناء الاشتراكية في بلد واحد ينطوي على تناقضات. لكنهم كانوا يزعمون أنه لم يكن ثمة في ذلك السياق بديل، وأن واجب كل ثوري هو الدفاع اللامشروط عن القيادة السوفيتية. وعندما أسهم الاتحاد السوفيتي بعد ذلك بنحو أساسي في هزم الإمبريالية الفاشية في الحرب العالمية الثانية، بدا أن الحجة «الواقعية» قد تعززت بشكل كبير. وبعد ذلك، جرى الاستشهاد بإعادة إعمار الاتحاد السوفيتي على أنقاض الحرب ومعدلات نموه الاقتصادي طوال تلك الحقبة دليلا إضافيا على صحة الاختيار الذي اُتبِع في متم سنوات 1920. واعتُبر ذلك إدانة إضافية للذين انتقدوه، وبالتالي استحقوا الهزيمة التي مُنوا بها.

بات ممكنا اليوم، بعد مضي ستين عامًا، إجراء تقييم شامل مغاير تمامًا، بناء على انتقادات واعترافات قيادة غورباتشوف داخل البيروقراطية السوفيتية (كان ممكنا وضع حصيلة أولية قبل ثلاثين عامًا، انطلاقًا من مؤتمر الحزب الشيوعي السوفيتي العشرين وانتقادات خروتشوف لـ«عبادة الشخصية»). جوهر الأمر — معذرة على هذا الملخص التخطيطي —أن ما بُني في الاتحاد السوفيتي لم يكن مجتمعًا اشتراكيًا، حتى ضمن حدود دولة واحدة، بل مجتمعًا ليس له سوى علاقة ضئيلة جدا بالاشتراكية كما تصورها ماركس ولينين وقادة ثورة أكتوبر والأممية الشيوعية عند تأسيسها.

بالتأكيد، لم تحدث أي عودة للرأسمالية، وبهذا المعنى لم يتم الغاء بعض مكاسب الثورة الأساسية. لكن السلطة في أيدي فئة بيروقراطية تحظى بامتيازات هائلة، وتشكل عائقًا متزايد الخطورة أمام تطور قوى الإنتاج. وأبرز مثال على ذلك، في المجال الاقتصادي، الزراعة، التي لم تتغلب بعد على عواقب التجميع القسري الكارثية في مطلع سنوات 1930. وبشكل أعم، حالت الهياكل والإدارة البيروقراطية دون انطلاق إمكانات الشغيلة الإبداعية، ما أدى إلى تشوهات واختناقات وتناقضات مُشلّة من كل نوع.

كما أنه لا داعي للتذكير بأن ستالين يتحمل المسؤولية الرئيسة عن الإخفاقات العسكرية المأساوية في سنة الحرب الأولى، التي أوصلت الاتحاد السوفيتي إلى حافة الهزيمة. فقد قطع رأس الجيش الأحمر، وشلّ تنظيمه بعمليات التطهير الدموية. كما أنه بنى سياسته حتى آخر اليوم على افتراض احترام هتلر لمعاهدة عدم الاعتداء الموقعة في أغسطس 1939. ولم يتسن قلب الوضع إلا بعد أن أدرك شعب الاتحاد السوفيتي، وفي مقدمته الفلاحون، ما تعنيه الإمبريالية النازية، ووجه كل قواه نحو الهجوم المضاد الظافر.

وقد ثبت أن انتقادات تروتسكي والمعارضة اليسارية في مجال السياسة الدولية لم تكن أقل صحة. وقد تم تناول هذا الموضوع في مقالات أخرى في هذا العدد الخاص. ويكفي أن نذكر هنا النقد الموجه للسياسة العصبوية وغير المسؤولة التي اتبعتها الكومنترن الستاليني والحزب الشيوعي الألماني في المرحلة الحاسمة من النضال ضد هتلر.

كان ذلك أحد العوامل الأساسية في هزيمة تاريخية لم تنهض منها البروليتاريا الألمانية بعد، من حيث الوعي السياسي المناهض للرأسمالية.

معارك هذه العقود

لم يكتفِ تروتسكي والمعارضة اليسارية والأممية الرابعة بالاعتراض بتأكيدات برنامجية عامة على الخيارات السياسية الستالينية. يمكن لأي شخص يرغب في ذلك أن يتحقق من أنه منذ العامين 1923-1924 فصاعدًا، وفي كل لحظة تطرح قضايا ذات أهمية حاسمة مطروحة على الطاولة، قدمت المعارضة بدائل بصيغ سياسية ملموسة. ولم تهمل الإطار الظرفي والمتطلبات التكتيكية. كان ذلك، على سبيل التمثيل، إبان المعارك ضد تبقرط الحزب، ومن أجل اتباع نهج صحيح تجاه مشاكل التصنيع، وحول السياسة في الريف. وينطبق الأمر عينه على خياراتها الدولية. والأهم من ذلك، أن حركتنا لم تقتصر أبدًا على النقد والفضح، بل أسهمت بنحو مباشر في النضالات، على الرغم من الضربات القاسية التي تعرضت لها واضطهاد مناضليها.

لقد هُزمنا، بمعنى أن ستالين نجح في فرض نفسه سواء في الاتحاد السوفيتي أو في الحركة الشيوعية العالمية. لكننا لم نُهزم وحدنا. لقد هُزمت الجماهير السوفيتية: انتُزعت منها ممارسة السلطة السياسية، ودفعت، بشكل مأساوي وبكل معنى الكلمة، ثمن الستالينية. كما هُزم الشغيلة والفلاحون في جميع تلك البلدان التي فرضت عليها القيادة الستالينية سياسة وشكلاً من أشكال التنظيم أدى إلى هزائم كارثية. أما بالنسبة لـ«المنتصرين»، فلم يبقَ الكثير ممن لا يزالون يهتمون بتبني بعض «الانتصارات».

الواقع أنه، من منظور تاريخي عام، لا تزال المعارك الكبرى التي بدأت في أعقاب الحرب العالمية الأولى على أشدها. ومن سيكون المنتصر في النهاية ليس أمراً محدداً سلفاً بأي حال من الأحوال. لكن الماركسيين الثوريين يمكنهم، في ضوء التجربة، تأكيد صحة نقدهم الجوهرية. فبغض النظر عن كل الأخطاء وجميع التناقضات، خيضت معركتهم في الاتجاه الصحيح. ولهذا السبب نحن مصممون على مواصلتها.

ويطرح السؤال الآن حول السياق الذي يقع فيه بناء حركة عمالية أممية اليوم. يجب، دون تجاهل ما يحدث في مناطق أخرى من العالم، أن نؤكد أن الحدث الأهم في الأشهر الأخيرة هو الأزمة التي تهز الاتحاد السوفيتي من القمة إلى القاعدة — ذلك المجتمع البيروقراطي الذي بدا أنه أصبح أكثر عُقمًا على يد طبقة كبار السن الذين سيطروا عليه.

إمكانيات جديدة في بلدان الشرق

لطالما كنا مقتنعين بأن «العصر الجليدي» في الاتحاد السوفيتي لن يدوم إلى الأبد، لأننا نؤمن بالحقيقة الجوهرية التي مؤداها أن دينامية القوى الاجتماعية أقوى، في التحليل النهائي، من جميع الهياكل والأجهزة السياسية، بل وأقوى حتى من القمع البوليسي الأكثر منهجية. ونحن أنفسنا مندهشون من:

  • عمق الموجة التي هزت الاتحاد السوفيتي في وقت وجيز جدًا
  • اتساع نطاق الوعي ومستواه لدى فئات واسعة من السكان
  • الشجاعة الفكرية والسياسية للمجموعات الطليعية التي تتشكل الآن
  • قوة بعض التحركات الجماهيرية.

لقد انطلقت فعليًا مرحلة تاريخية جديدة، مع دينامية ثورة مناهضة للبيروقراطية. لكن هذه الثورة لن يكمّلها غورباتشوف، ولا أي مجموعة قيادية بيروقراطية. وقد أوضحت صحافتنا الدولية الأسباب بشكل وافٍ، ولن نعود إليها هنا.

يقترح غورباتشوف في الواقع نسخة جديدة من التعايش السلمي. وبشكل أدق، يتحدث عن «مفهوم سلمي يتطلب بالضرورة التعاون». من وجهة نظره، «يقع على عاتق التاريخ الحكم على مزايا كل نظام على حدة. التاريخ هو الذي سيحدد الخيار. فلتقرر كل أمة بنفسها أفضل نظام وأفضل أيديولوجية». الفكرة الكامنة وراء ذلك هي أنه لا تزال أمام الرأسمالية مرحلة تاريخية كاملة، وبالتالي يجب الانتظار بصبر حتى يصدر حكم التاريخ.

من هذا المنطلق، لا يمكن إلا التخلي عن أي منظور لإطاحة الرأسمالية، وبالتالي عن النضال الثوري على نطاق عالمي.

وفي الآن ذاته، يؤدي بنا الأمر إلى التغاضي عن الخيارات التاريخية للحركة العمالية العالمية. وبالتالي، تُجبر الأحزاب الشيوعية، أو ما تبقى منها، على المضي في مسارها الإصلاحي الجديد حتى النهاية، ولا يُطرح السؤال المتعلق بإعادة إطلاق أي منظمة عالمية. وقد فهم الحزب الشيوعي الإيطالي الرسالة جيدًا، ويُعد قادته من بين أكثر المؤيدين حماسًا لغورباتشوف.

كل هذا يشير إلى أن المعركة من أجل الأممية وبناء أممية ثورية ستظل صعبة للغاية في الاتحاد السوفيتي. ولن تكون أقل صعوبة في بلدان أوروبا الشرقية، حيث ظل البيروقراطيون لعقود يعرضون خضوعهم للبيروقراطية في موسكو على أنه «أممية»، وحيث لا يزال الارتباك السياسي بعيدًا عن أن يُتغلب عليه. أما أولئك الذين يملكون فهمًا حقيقيًّا لمعنى الأممية، ولضرورة إضفاء إطارٍ أممي على الحركة العمالية، فلا يتجاوز عددهم نواةً صغيرة جدًّا.

الأممية في البلدان الرأسمالية والتابعة

كما أن المعركة الأممية صعبة جدًّا في البلدان الرأسمالية في أوروبا الغربية، بل وأشد صعوبة في أمريكا الشمالية واليابان. أدت الأحداث الدرامية التي شهدها العقد الماضي — الحرب الصينية-الفيتنامية والغزو السوفييتي لأفغانستان — إلى خيبة أمل عميقة وإحباط شديد، في المقام الأول في تلك القطاعات من الحركة العمالية والأممية التي التزمت بالتضامن مع فيتنام. وقد أحدثت حملة الهجوم الشرسة من وسائل الإعلام البرجوازية، التي تسعى إلى إعادة إحياء قيم المجتمع الرأسمالي، دمارًا حقيقيًّا. غالبًا ما استسلم بيروقراطيو الحركة العمالية أمام هذا الهجوم، الذي ترافق مع هجمات على مستويات المعيشة ومكاسب الشغيلة وحقوقهم. وعندما يتم التخلي عن أي منظور لإسقاط الرأسمالية، ويتم قبول فكرة أنها ستدوم إلى الأبد، لا يتبقى مجال كبير للأممية، ويبدو أي مشروع للتنظيم البروليتاري العالمي وكأنه بقايا عصر مضى.

تبدو الصورة أكثر تشجيعًا في مناطق أخرى من العالم. في أمريكا اللاتينية، تخوض الثورات المنتصرة في كوبا ونيكاراغوا نضالاً شجاعاً ضد الإمبريالية، بينما تهز حركات ثورية أخرى الأنظمة الاستعمارية في بلدانها. ولا تزال الأفكار الأممية تحتفظ بقوتها الجاذبة، وتحتفظ الأممية نفسها بمعنى حقيقي.

وقد قدمت كوبا ونيكاراغوا أمثلة ساطعة على ذلك. لكن حتى قادة هذين البلدين لا يشتركان في المفهوم، الذي نعتبره أساسياً، المتمثل في ديالكتيك قطاعات الثورة العالمية الثلاثة. ورغم أنهما ساعدا ولا يزالان يساعدان الحركات الثورية في بلدان أخرى، لم يطرحا، ولا يطرحان، مسألة بناء منظمة أممية. وبشكل أكثر تحديداً، يستلهم القادة الكوبيون إلى حد كبير مفهوم «المعسكر» الذي قادهم إلى مواقف غير مقبولة، مثل الموافقة على التدخل السوفيتي في تشيكوسلوفاكيا ودعم البيروقراطية البولندية ضد حركة تضامن (Solidarność) وانتفاضة الجماهير العاملة.

ما هو الدور الذي تؤديه المنظمة الأممية اليوم؟

في هذا السياق، أصبحت معركتنا من أجل المبادئ الأممية التي كانت في أصل حركتنا، ومن أجل بناء منظمة أممية جماهيرية، ضرورية أكثر من أي وقت مضى، وسنواصلها مهما كانت الصعوبات.

هل يعني هذا تمسكنا بمفهوم ذاتي وضيق للمنظمة الأممية، كما ادعى خصومنا ومنتقدونا قبل خمسين عامًا وكما لا يزال البعض يؤكد اليوم؟ لم يكن قرار تأسيس الأممية الرابعة نابعًا من اهتمام ذاتي مجرد ولا من اعتبارات أو منظورات ظرفية. بل كان نابعًا من الاقتناع — القائم على تجارب عديدة — بضرورة تقديم إجابة برنامجية وسياسية لأزمة الحركة العمالية وللمشكلات التي طرحتها تلك الأزمة. لقد كان هذا القرار نابعاً من الاقتناع بأن الإطار التنظيمي الأممي وحده، مهما كان محدوداً، هو الذي سيتيح:

  • الحفاظ على الروابط التي لا غنى عنها بين المجموعات الثورية القائمة،
  • ضمان استمرارية الماركسية واللينينية
  • مواجهة المشاكل الجديدة التي ستنشأ
  • و— وهو الأهم — خرط القوى التي تم حشدها بهذه الطريقة لمعارك الحركة العمالية في مختلف مناطق العالم.

كانت هذه مهمة تاريخية ضرورية، وقد أنجزناها، في جوهرها.

في الختام: لم ندّعِ قط أن الأممية الثورية الجماهيرية ستُبنى بقوانا وحدنا. فقد أكدنا صراحةً، منذ مناقشات سنوات 1930 إلى قرارات المؤتمر العالمي الأخير في عام 1985، أن هذه الأممية ستنشأ من التقاء التيارات والحركات الثورية المختلفة. لم يكن مشروعنا هو النمو الخطي للمنظمات التي انضمت أولاً إلى المعارضة اليسارية ثم إلى الأممية الرابعة. واليوم، أصبح هذا النهج أكثر صحة من أي وقت مضى. وإذا كنا ندافع عن الأممية القائمة بأقصى درجات العزيمة، ونكافح من أجل تعزيزها، فذلك بالضبط لأنها تمثل أداة لا غنى عنها للمضي قدماً نحو تشكيل أممية أرقى نوعيا: الأممية الثورية الجماهيرية.

*********************************

  • ليفيو مايتان Livio Maitan: قائد تاريخي للحركة الماركسية الثورية في إيطاليا 1923-2004. مؤلف كتاب

Pour une histoire de la Quatrième Internationale – itinéraire d’un communiste critiqueEditions La Brèche – IIRE, Paris 2020.]

المصدر: https://anticapitalistresistance.org/stalinisms-failures-vindicate-trotskys-critique/

ترجمة جريدة المناضل-ة

شارك المقالة

اقرأ أيضا