من يقتل العمال في مناجم جبل عوام؟ وما العمل؟

أخبار عمالية30 سبتمبر، 2026

بقلم؛ مصطفى البحري

فقد شغيلة مناجم شركة تويسيت بتيغزة (قرب مدينة مريرت، إقليم خنيفرة) ثلاثة من رفاقهم في الكدح ومكابدة القهر والاستغلال والقمع. توفي العمال الثلاثة يوم 25 سبتمبر 2026 بعد أن مزقت متفجرات أجسادهم.
محمد النجمي: يبلغ من العمر 29 سنة، يتحدر من جماعة أم الربيع (مريرت)، وكان عازبًا (توفي في عين المكان).
عبد الله بنخلدون: يبلغ من العمر 40 سنة، يتحدر من جماعة الحمام (مريرت)، وهو متزوج وأب لطفلتين (توفي في عين المكان).
إسماعيل ضرضور: يبلغ من العمر 45 سنة، ينحدر من جماعة لهرى (إقليم خنيفرة)، وهو متزوج وأب لطفلتين (توفي أثناء نقله إلى المستشفى).

وكما جرت العادة، أعادت الصحافة نفس الكلام حول تردي ظروف العمل، والتضحية بصحة الشغيلة وحياتهم، ووجوب القيام بتحقيق، وتطبيق المقتضيات القانونية الكثيرة والمتنوعة الخاصة بالسلامة والصحة في أماكن العمل. وبعد مواراة جثامين الضحايا التراب، تواصل الآلة الجهنمية المشتغلة بعرق العمال ودمهم إنتاج الأرباح.
يوم 28 سبتمبر، بعد يومين من المصيبة، نشرت الشركة المنجمية لتويست، المستغلة لمنجم إغرم أوسار، مكان وفاة العمال الثلاثة، بلاغًا صحافيًا عن نتائجها المحققة في 30 يونيو 2026 (أربع صفحات من الجداول والتفاصيل بالعدد 7346 من جريدة ليكونومست).
المختصر المفيد أن أرباح الشركة النهائية التي تؤول إلى المساهمين، وهي ما يسمى صافي الربح الموحد، قد بلغت 187.2 مليون درهم (18,7 مليار سنتيم) في نصف سنة: من بداية يناير إلى نهاية يونيو 2026. وكان الربح 75.2 مليون درهم في نفس الفترة من العام 2025؛ نسبة ارتفاع = 149%+.
بلغ هامش الربح الصافي للشركة المنجمية لتويسيت في النصف الأول من 2026 نسبة 31.4%.
هذا يعني أنه من بين كل 100 درهم تدخل إلى الشركة كمبيعات، يتبقى 31.4 درهم كربح صافي نهائي لمالكي الأسهم.
بفضل استغلال 1100 عامل حققت الشركة هذه الأرباح؛ لولا الشغيلة لبقي المعدن في باطن الأرض، فمهما بلغت أدوات العمل من دقة تكنولوجية، لا بد لها من يد عاملة.
ولم تبلغ هذه الأرباح هذا المستوى المرتفع سوى بتشديد الاستغلال، وأول طرق هذا التشديد تشغيل أغلبية العمال بواسطة شركات مناولة: 750 عاملًا.
تشديد الاستغلال يجري أيضًا بقمع العمل النقابي، حيث اكتسبت إدارة الشركة مهارة كبيرة في أساليب الترهيب وتشتيت الصف العمالي، وذلك على امتداد النضالات الضارية التي خاضها شغيلة المناجم. فإلى جانب الإدارة يقف دومًا مكتب نقابي من النوع المعروف عالميًا بالنقابة الصفراء، اتضح من جديد دوره التخريبي للصف العمالي في التزام الصمت بعد مقتل العمال الثلاثة يوم 25 سبتمبر الجاري: لا بيان تنديد بسياسة الإدارة فيما يخص شروط الصحة والسلامة المهنيتين، ولا تعزية لأسرة الضحايا ولرفاقهم في الكدح، ولا مشاركة في المسيرة العمالية يوم 28 سبتمبر.
وهذا ما يبرز خواء الدعوة إلى توحيد العمل النقابي التي ترد أحيانًا في بيانات تضامن، يبدو أن أصحابها لا علم لهم بما يجري في الشركة منذ عقود.
تضخيم الأرباح بالتشغيل الهش وقمع العمل النقابي الحقيقي هو الذي يقتل العمال في مناجم جبل عوام؛ يقتلهم جميعًا ببطء، قطرة قطرة، باستنزاف صحتهم وإصابتهم بالأمراض المهنية، ويقتل بعضهم بنحو عنيف في حوادث الشغل، من انفجارات وانهيارات وغيرها.

من أجل وقف نزيف حوادث الشغل والأمراض المهنية
فضلًا عن الحوادث المتواترة، مخلفة قتلى ومعطوبين وأسرًا بلا مورد عيش، تفتك الأمراض المهنية بالعمال وسط تعتيم وطمس يساعد عليهما ضعف التنظيم العمالي. فلا تقارير تُنشر عن حصيلة الحوادث والأمراض، ولا عمل إعلامي يظهر حجم الكارثة. التنظيم العمالي مطالب بوضع سجل بأسماء المقتولين في مكان العمل، وصورهم، ومدة اشتغالهم وسنة وفاتهم، وإقامة نصب تذكاري لشهداء الاستغلال والقهر في المنجم في قرية تيغزى.
إن مناشدة الإدارة والسلطات لا تجدي نفعًا، لأن المسألة فيها ملايير الدراهم من الأرباح التي يجب أن تستمر في الارتفاع. ولا شك أن لن ينقذ الشغيلة غير وحدتهم وكفاحهم، أي تنظيمهم. التحسيس بالمخاطر المهنية والوقاية منها، وتدقيق الملف المطلبي في هذا الصدد.
مطالب أساسية فيما يخص السلامة والصحة المهنيتين بقطاع المناجم:
1 – تطبيق الاتفاقية الدولية 176 الخاصة بالصحة والسلامة في المناجم التي صادقت عليها دولة المغرب منذ 2015. فمادتها الثالثة تنص على وجوب أن تضع الدولة، وتراجع دوريًا، وتطبق سياسة متسقة للصحة والسلامة في المناجم، وتحدد بوجه خاص تدابير تنفيذ الاتفاقية.
2 – خفض ساعات العمل بالمناجم، استخراجًا وتصنيعًا، لأنه شاق ومرهق ويرفع احتمال الإصابة بالحوادث…
3 – التطبيق السليم لقرار وزير التشغيل 93.08 (6) نوفمبر (2008) الخاص بتدابير تطبيق مواد مدونة الشغل 281 إلى 291 الخاصة بحفظ صحة الأجراء وسلامتهم.
4 – إلغاء إسناد أشغال العمل في المناجم إلى المقاولات من الباطن (المناولة)، وترسيم جميع عمالها، لأن المناولة طريقة للتهرب من المسؤولية في المخاطر المهنية، والمقاولات من الباطن تفرط في الاستغلال في ظروف انعدام السلامة المهنية.
5 – تحيين جداول الأمراض المهنية لتلائم التطورات الحاصلة في عالم الشغل، سواء على صعيد التكنولوجيا أو تنظيم العمل.
6 – تنظيم حملات توعية بالمخاطر المهنية وسبل الوقاية منها، تمولها الشركات المستغلة للمناجم.
7 – منح صلاحيات فعلية فعالة للجان السلامة وحفظ الصحة، وللمصالح الطبية للشغل، واستقلالهما عن رب العمل، وزيادة عدد مندوبي السلامة في القانون المنجمي [ظهير 24 ديسمبر 1960] ، ونشر تقاريرهم السنوية المرفوعة كل سنة في شهر يناير إلى المصلحة الإقليمية للمناجم بصدد التدابير الواجب اتخاذها فيما يخص السلامة.
8 – التطبيق الدقيق لمرسوم 18 يناير 2019 المحدد لكيفيات ممارسة مفتش الشغل مراقبة تطبيق قانون التعويض عن حوادث الشغل والأمراض المهنية، وتقوية جهاز تفتيش الشغل، بصلاحيات معززة، وبالعدد الكافي من العاملين وبالميزانية الكافية. وكذلك فيما يخص مفتشي الضمان الاجتماعي ومراقبيه.
9 – إسناد التعويض عن حوادث الشغل وأمراضه للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ربحًا لوقت التقاضي وتفاديًا لتكاليف أتعاب المحامين.
10 – تجهيز مستشفيات بالمناطق المنجمية باللازم من معدات وأطر للتكفل بالحالات الحرجة، بدلًا من نقل المرضى إلى مدن بعيدة.
11 – فحص طبي دقيق لكافة شغيلة المناجم والمتقاعدين والمعطوبين، ومتابعة وضعهم الصحي بانتظام.
إنها مطالب تستدعي تنسيقًا وطنيًا بين النقابات المناضلة في مختلف مناجم المغرب، وكذلك تعاونًا من طرف القوى المعارضة للاستغلال والقهر، من أحزاب وجمعيات مناضلة. وهي لا تنفصل عن مطالب الجماهير الشعبية في إقليم خنيفرة، مطالب إتاحة فرص العمل للشباب، والخدمات الاجتماعية من تعليم وصحة وسكن لائق، وبنيات تحتية في المناطق القروية. ومن هنا ضرورة بناء حركة نضالية متعددة المشارب تجمع المتدخلين في مختلف جبهات النضال من أجل حق المقهورين والمقهورات في حياة لائقة.
خارج منطق التعبئة وبناء التنظيم العمالي، ستظل كل الإجراءات المتخذة اليوم، تحت ضغط وقع الفاجعة، مجرد تدابير آنية لامتصاص الغضب، وتستمر آلة الاستغلال تطحن الشغيلة ببطء وتقتل بعضهم على الفور في حوادث صاعقة.

شارك المقالة

اقرأ أيضا