بعد عام؛ جيل زد المغربي: من انفجار السخط إلى سؤال بناء قوة اجتماعية قادرة على التغيير
بقلم؛ الرفيق، سين
مرّ عام على اندلاع احتجاجات جيل زد في المغرب، وهي الاحتجاجات التي انطلقت في أواخر شتنبر 2025 وانتشرت في عدد من المدن، ورفعت مطالب تتعلق أساساً بالصحة والتعليم والشغل ومحاربة الفساد، وبكيفية توزيع أموال الدولة وتحديد أولوياتها في الإنفاق والمشاريع.
ظهرت الحركة في البداية باعتبارها حركة شبابية جديدة، انتشرت بسرعة وشملت مناطق مختلفة، واعتمدت بدرجة كبيرة على شبكات التواصل الاجتماعي، من دون ارتباط تنظيمي مباشر بالأحزاب أو النقابات التقليدية. لكن مرور عام على هذه التجربة يفرض علينا تجاوز السؤال المباشر حول حجم الاحتجاجات وعدد المشاركين فيها، والانتقال إلى سؤال أعمق: ماذا بقي من هذه التجربة؟ وماذا تكشف عن طبيعة المجتمع المغربي؟ ولماذا يصعب على الاحتجاج، في كثير من الأحيان، أن يتحول إلى قوة اجتماعية قادرة على الاستمرار وتحقيق تغييرات متراكمة؟
عبر جيل زد، لحظة ظهوره عن مشاكل وتناقضات اجتماعية واقتصادية وسياسية تراكمت على مدى سنوات، وانفجرت في لحظة معينة حول قضايا ملموسة تمس الحياة اليومية للمواطنين. فالمطالبة بتحسين الصحة والتعليم ليست مطالبة بتطوير قطاعين من القطاعات العمومية فقط ، كما أن الاعتراض على حجم الإنفاق على المشاريع الرياضية والبنيات التحتية الكبرى لم يكن في جوهره رفضاً للرياضة أو لهذه المشاريع نفسها. بل كان السؤال الأعمق يتعلق بكيفية توزيع أموال الدولة، وبالأولويات التي توجه قراراتها، وبالفارق بين قدرة الدولة على توفير الأموال لإنجاز المشاريع الكبرى وبين الظروف التي يعيشها المواطنون داخل المستشفيات والمدارس وفي سوق الشغل.
أظهرت الاحتجاجات أن الخدمات العمومية، مثل الصحة والتعليم ترتبط بكيفية توزيع الثروة والفرص، وبالطريقة التي تتوزع بها أعباء مظالم الدولة الرأسمالية بين فئات المجتمع. وقد ربطت تقارير تناولت الاحتجاجات بين مطالب الشباب وبين تدهور الصحة والتعليم، والبطالة، وعدم التوازن في توزيع الأموال العمومية بين القطاعات المختلفة.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن فهم جيل زد من دون النظر إلى التحولات التي عرفها الاقتصاد المغربي إبان العقود الأخيرة، خاصة مع توسع النظام الاقتصادي القائم على الاستثمار والمنافسة وتحقيق الأرباح. فلم يعد المغرب يشبه المجتمع الذي كان يعتمد فيه تشغيل العمال أساساً على المناجم والمصانع الكبرى والقطاعات العمومية التقليدية. فقد توسعت قطاعات الخدمات والنقل والتخزين والتوزيع والسياحة والبناء والتجارة والصناعات التي تنتج السلع الموجهة إلى الخارج، إلى جانب العمل المؤقت والعمل الموسمي والعمل لدى شركات أخرى تنفذ جزءاً من مهام الشركات الكبرى.
كما أصبحت هذه الأنشطة مرتبطة بدرجات مختلفة بالإنتاج والتجارة على المستوى العالمي، حيث تتوزع مراحل إنتاج السلع والخدمات بين شركات وبلدان متعددة.
وفي الوقت نفسه، ما زالت فئات واسعة من السكان تعيش في ظروف غير مستقرة، سواء تعلق الأمر بالعمال الذين يتقاضون أجوراً محدودة، أو بالعمال المؤقتين والموسميين، أو بالعاطلين عن العمل، أو بصغار الفلاحين والحرفيين والتجار، أو بالأسر التي تعتمد بدرجة كبيرة على العمل المنزلي غير المؤدى عنه. وهكذا، لم تؤد التحولات الاقتصادية إلى اختفاء المشاكل الاجتماعية، بل غيّرت أشكالها ووزعتها بطرق جديدة، وأنتجت أوضاعاً مختلفة من الفقر والهشاشة وعدم الاستقرار.
ويكشف هذا الواقع أيضاً حدود التعامل مع مفهوم «جيل زد» باعتباره فئة اجتماعية متشابهة من الداخل. فجيل زد مفهوم يتعلق بالعمر والثقافة والتجارب المشتركة بين الشباب، لكنه لا يمثل طبقة اجتماعية واحدة. فهو يضم شباباً ينحدرون من أسر غنية وأخرى فقيرة، ومن المدن والقرى، ومن فئات اجتماعية تختلف مصالحها وظروفها. لذلك لا يمكن اعتبار جميع الشباب طبقة اجتماعية مستقلة لمجرد أنهم ينتمون إلى الجيل العمري نفسه.
لكن هذا لا يعني أن استعمال مفهوم جيل زد لا فائدة منه. فالتجارب المشتركة التي يعيشها عدد كبير من الشباب تكشف عن مشاكل واضحة، تتعلق بالانتقال من الدراسة إلى العمل، والحصول على وظيفة مستقرة، والاستقلال المادي عن الأسرة، والقدرة على توفير السكن وتكوين أسرة، والاستفادة من خدمات عمومية جيدة، وبناء مستقبل يمكن التخطيط له داخل البلاد. وبهذا المعنى، يكشف جيل زد عن أزمة حقيقية يعيشها جيل من الشباب، لكنها ليست منفصلة عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي أنتجتها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عند الحديث عن البطالة. فلا ينبغي اختزال بطالة الشباب في كونها «مشكلة تخص الشباب» بالمعنى الإداري الضيق، لأنها ترتبط أيضاً بطبيعة الاقتصاد وقدرته على توفير فرص عمل مستقرة ومناسبة. فالشاب الذي ينهي دراسته ثم يقضي سنوات في انتظار العمل، أو يضطر إلى قبول وظائف مؤقتة وغير مستقرة، لا يواجه مشكلة شخصية فقط، بل يصطدم أيضاً بحدود اقتصاد لا يستطيع توفير فرص كافية للأجيال الجديدة لبدء حياتها المهنية والاجتماعية.
وهكذا، تصبح المرحلة التي تفصل بين الدراسة والحصول على عمل مستقر طويلة وغير مضمونة. ويؤثر ذلك في قدرة الشباب على الاستقلال المادي، والحصول على السكن، وتكوين أسرة، واتخاذ قرار الهجرة، وبناء علاقة مستقرة مع المؤسسات والمستقبل.
لذلك، فإن مطلب الشغل الذي رفعته احتجاجات جيل زد يتجاوز بكثير المطالبة بزيادة عدد الوظائف. فهو يطرح أسئلة حول طبيعة النمو الاقتصادي الذي ينتج هذه الوظائف، ومستوى الأجور التي توفرها، والحقوق والحماية الاجتماعية التي تضمنها، ومدى استقرارها، والمكانة التي يحتلها العمل في المجتمع.
ومن هنا تظهر أهمية استعمال مفهوم أوسع للطبقة العاملة عند تحليل تطور الاقتصاد المغربي والتحولات الاجتماعية التي عرفها. فالطبقة العاملة لا تقتصر على العامل الصناعي التقليدي الذي يعمل داخل مصنع كبير، بل تشمل مختلف الأشخاص الذين يعتمدون على بيع عملهم مقابل أجر من أجل العيش، سواء كانوا يعملون في الصناعة أو البناء أو النقل أو التخزين والتوزيع أو الفنادق والمطاعم أو التجارة أو الخدمات أو الزراعة، وسواء كان عملهم دائماً أو مؤقتاً أو موسمياً أو يجري عن طريق شركات أخرى تتولى تنفيذ بعض المهام.
وينبغي أن يشمل هذا الفهم أيضاً أشكال العمل غير المنظم وغير المستقر، لأن غياب عقد عمل واضح أو الحماية القانونية لا يغيّر حقيقة أن هؤلاء الأشخاص يعتمدون على العمل لتوفير حاجاتهم الأساسية، وأنهم قد يكونون عرضة للاستغلال وفقدان الأجر.
وفي المقابل، لا يصبح صغار الفلاحين والحرفيين والتجار والمنتجين المستقلين جزءاً من الطبقة العاملة بالمعنى الدقيق لمجرد أنهم يواجهون ظروفاً صعبة. لكنهم قد يتعرضون لضغوط قريبة من تلك التي يواجهها العمال، بسبب الديون والمنافسة وارتفاع الأسعار واعتمادهم على الوسطاء والأسواق التي لا يتحكمون فيها.
وهذه المصالح المشتركة بين فئات مختلفة هي التي تجعل التعاون بينها ممكناً، وبناء قوة اجتماعية واسعة أمراً قابلاً للتحقق، من دون تجاهل الاختلافات الموجودة بينها في المصالح والظروف.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل العمل الذي تقوم به النساء داخل المجتمع، سواء كان عملاً مأجوراً أو عملاً منزلياً غير مأجور. فجزء كبير من الحياة اليومية واستمرار المجتمع يعتمد على الرعاية والتربية والتنظيف وإعالة الأطفال والمرضى وكبار السن، وهي أعمال تتحمل النساء قسماً كبيراً منها، ولا تظهر دائماً في الحسابات الاقتصادية التقليدية. كما تواجه النساء أشكالاً خاصة من الصعوبات والتمييز في سوق الشغل، وفي الوصول إلى الخدمات، وفي توزيع المسؤوليات المنزلية وأعباء الرعاية.
لذلك، فإن الدفاع عن الصحة والتعليم والنقل والسكن والماء والحماية الاجتماعية ليس دفاع عن خدمات يحتاج إليها الجميع، بل أيضاً عن الشروط التي تسمح لأفراد المجتمع بمواصلة حياتهم، وعن الوقت والجهد والموارد التي تتحمل النساء جزءاً كبيراً من تكلفتها.
ومن الخطأ، لذلك، فهم الاحتجاجات انطلاقاً من الشعارات المباشرة وحدها. فعندما يحتج شاب بسبب مستشفى لا يقدم له العلاج المناسب، أو مدرسة لا توفر تعليماً جيداً، أو بطالة تمنعه من بناء حياته، فإنه لا يحتاج بالضرورة إلى استعمال مصطلحات نظرية عن طبيعة الاقتصاد أو كيفية توزيع الأرباح حتى يعبّر عن المشكلة التي يعيشها. فهو يواجه في حياته اليومية نتائج طريقة عمل الاقتصاد والمجتمع، حتى إن لم يعبّر عنها بلغة سياسية أو اقتصادية متخصصة. وكذلك، عندما تقارن فئات اجتماعية بين الأموال التي تُخصص للمشاريع الكبرى وبين وضع الخدمات الأساسية، فإنها تطرح، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أسئلة حول دور الدولة، وطبيعة التنمية التي تسعى إليها، والأولويات التي توجه قراراتها. ولهذا، ينبغي ألا نفصل المطالب اليومية والمباشرة عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تؤدي إلى ظهورها.
وينطبق الأمر نفسه على النقاش حول المشاريع الكبرى والاستعدادات المرتبطة بالمواعيد الرياضية الدولية. فلا يوجد ما يستدعي رفض استثمار المغرب في الملاعب والطرق والمطارات والبنيات السياحية لمجرد أنها مشاريع كبرى. لكن السؤال هو: هل تساعد هذه الاستثمارات على بناء اقتصاد قوي ومتكامل لصالح الشعب؟
كما يتطلب الحديث عن الاقتصاد المغربي في سياق سلاسل الإنتاج المعولمة تجاوز النظرة التي تختزل التنمية في حجم الاستثمارات أو عدد المصانع المنشأة داخل المغرب. فوجود أنشطة صناعية بالمغرب لا يعني بالضرورة امتلاك البلاد لصناعة وطنية متكاملة أو قدرة حقيقية على التحكم في مراحل الإنتاج الأكثر خلقًا للقيمة.
ينطوي النموذج المعتمد على الانفتاح على سلاسل الإنتاج العالمية على تناقض بنيوي: فهو يتيح للمغرب الاندماج في التجارة الدولية واستقطاب رؤوس الأموال، لكنه قد يُبقيه في مواقع أدنى وأقل ربحية داخل هذه السلاسل. فقد تشارك شركات مغربية في تجميع مكونات أو تصنيع منتجات موجهة للأسواق العالمية، بينما تبقى القرارات المتعلقة بالبحث والتطوير، والتكنولوجيا، والتصميم، والتمويل، والتسويق، وتوزيع الأرباح، غالبًا في يد شركات متعددة الجنسيات أو مقار رئيسية تقع خارج البلاد.
لذلك، ينبغي أن يُسائل هذا النموذج عن مدى مساهمته الفعلية في تطوير التكنولوجيا الوطنية، والمهارات، والهندسة، والبحث العلمي، وفي تمكين الشركات المغربية من الصعود في سلاسل القيمة نحو أنشطة أكثر تعقيدًا وربحية. كما ينبغي تقييم أثره الاجتماعي: هل يرفع الأجور ويوفر وظائف مستقرة ويحسن ظروف العمل والمعيشة، أم يظل مرتبطًا بتنفيذ مشاريع محددة دون أن يبني اقتصادًا أكثر استقلالًا وقدرة على التحكم في المعرفة والتكنولوجيا؟
إن المسألة، في جوهرها، لا تتعلق بمجرد “الإنتاج داخل المغرب”، بل بموقع البلاد داخل التقسيم الدولي للعمل: هل هي فاعل يشارك في صناعة القيمة وتوجيهها، أم حلقة تنفيذية ضمن سلاسل إنتاج تُدار من الخارج؟ ومن هنا، لا ينبغي أن يقتصر النقاش حول تطوير الاقتصاد المغربي على حجم الاستثمارات وعدد المشاريع، بل يجب أن يشمل طبيعتها، ومدى فائدتها للاقتصاد الوطني، وقدرتها على تحويل الانفتاح إلى أداة لبناء قدرات وطنية بدلًا من ترسيخ أشكال الاعتماد.
غير أن الجديد الذي كشفته احتجاجات جيل زد لا يتمثل في أن الشباب المغربي اكتشف الاحتجاج للمرة الأولى. فقد عرف المغرب، على امتداد عقود، احتجاجات عمالية وطلابية واجتماعية وحقوقية، كما شهد انتفاضات وحراكات محلية وجهوية واسعة. ومن بين هذه التجارب حركة 20 فبراير، ثم احتجاجات الريف وجرادة، وغيرها من التحركات التي أعادت طرح أسئلة العدالة والكرامة والحقوق والخدمات العمومية وتوزيع الثروة والفرص بين المناطق.
لذلك، فإن فصل جيل زد عن هذا التاريخ يعطي صورة غير مكتملة عن الاحتجاجات في المغرب .وفي الوقت نفسه، فإن اعتباره مجرد تكرار للتجارب السابقة يتجاهل الجوانب الجديدة التي حملها.
ويتمثل الجديد في اجتماع ظروف اجتماعية واقتصادية جديدة مع انتشار وسائل التواصل الرقمي، إلى جانب تراجع ثقة عدد من الشباب في الأشكال التقليدية التي تمثل المواطنين وتدافع عن مصالحهم، مثل الأحزاب والنقابات. كما أصبحت إمكانية الانتقال بسرعة من تداول المعلومات إلى الدعوة إلى فعل جماعي أكبر مما كانت عليه في الماضي.
لقد أثبتت الشبكات الرقمية قدرتها على جمع الناس بسرعة، وتجاوز المسافات الجغرافية والحدود التي تفرضها المؤسسات التقليدية. وكانت احتجاجات جيل زد مثالاً واضحاً على ذلك، إذ اعتمدت في بدايتها على فضاءات رقمية وشبكات تواصل سمحت بتبادل المعلومات والتنسيق والمشاركة في بعض القرارات، من دون الاعتماد بالضرورة على الهياكل التنظيمية المعروفة. لكن قدرة وسائل التواصل على جمع الناس بسرعة لا تعني أنها تستطيع وحدها القيام بكل المهام التي تقوم بها التنظيمات الاجتماعية المستمرة.
فقد تبدأ التعبئة في غضون أيام قليلة، بينما يحتاج بناء الثقة بين الناس إلى وقت طويل. وقد ينتشر شعار بسرعة كبيرة، لكن بناء ذاكرة مشتركة والاستفادة من التجارب السابقة يحتاجان إلى الاستمرار. ويمكن لآلاف الأشخاص أن يتفاعلوا عبر الإنترنت، لكن ذلك لا يحل تلقائياً مشاكل اتخاذ القرارات، ومحاسبة المسؤولين، وتوزيع المهام، ونقل الخبرة إلى أشخاص جدد، ومواصلة العمل أثناء الفترات التي يتراجع فيها الاحتجاج.
وهنا تظهر واحدة من أهم القضايا التي كشفت عنها تجربة جيل زد: الفرق بين جمع الناس للاحتجاج وبين بناء تنظيم قادر على الاستمرار.فقد يكون الاحتجاج واسعاً وسريعاً ومؤثراً، لكنه قد يتراجع بالسرعة نفسها إذا لم يتحول إلى علاقات وتعاون أكثر استقراراً بين المشاركين.
أما التنظيم، بمعناه الديمقراطي، فلا يعني بالضرورة إنشاء حزب أو نقابة بالطريقة القديمة، ولا يعني فرض قيادة على الحركة من الأعلى. بل يعني امتلاك الناس قدرة جماعية على اتخاذ القرارات، وحفظ تجاربهم، وتوزيع المسؤوليات، وإعداد أشخاص قادرين على تحمل المهام، وربط النضالات المختلفة، ومواصلة العمل خلال فترات التراجع.
لذلك، ليست المشكلة في أن جيل زد اعتمد على التواصل المباشر بين المشاركين، أو ابتعد عن القيادة التقليدية، أو لم يرتبط بمؤسسة واحدة. بل إن السؤال هو كيف يمكن تحويل هذه الأشكال الجديدة من التواصل إلى قدرة جماعية مستمرة، مع الحفاظ على الديمقراطية والمرونة واستقلالية المشاركين.
كما أن ابتعاد الشباب عن الأحزاب والنقابات والمؤسسات التقليدية لا ينبغي تفسيره ببساطة على أنه عدم اهتمام بالسياسة أو لامبالاة بالشأن العام. فقد يكون هذا الابتعاد تعبيراً عن عدم رضى عن الطريقة التقليدية في تمثيل المواطنين والدفاع عن مصالحهم. فعندما يشعر جيل كامل بأن المؤسسات التي يفترض أن تتحدث باسمه لا تعبّر عن مشاكله وتطلعاته، فإنه يبحث عن وسائل أخرى للتعبير والمشاركة.
لكن رفض الأشكال القديمة من التنظيم لا يلغي الحاجة إلى التنظيم نفسه. كما أن انتقاد البيروقراطية، أي تحكم المسؤولين داخل المؤسسات في القرارات بطريقة معقدة ومغلقة، لا يعني أن المجتمع يستطيع الاستغناء عن قواعد اتخاذ القرار والمحاسبة والتنسيق. السؤال الحقيقي هو كيف يمكن بناء أشكال جديدة من التنظيم تكون ديمقراطية، وتسمح بتجدد المسؤولين والمشاركين، وتستفيد من إمكانات وسائل التواصل الرقمي، من دون أن تظل معتمدة عليها وحدها. وتزداد أهمية هذا السؤال عندما يتعلق الأمر ببناء قوة اجتماعية واسعة.
فالغضب الموجود في المجتمع لا يتحول تلقائياً إلى تعاون بين الناس. والعامل الذي يطالب بتحسين أجره وظروف عمله، والطالب الذي يدافع عن التعليم، والشاب العاطل الذي يبحث عن وظيفة، والمرأة التي تتحمل أعباء الرعاية، والفلاح الصغير الذي يعاني من الديون وارتفاع تكاليف الإنتاج، وسكان منطقة تعاني من ضعف الخدمات، قد يجدون أن لديهم مشاكل مشتركة، لكن هذا لا يعني أنهم سيتعاونون بصورة تلقائية.
إن بناء هذا التعاون يحتاج إلى عمل سياسي واجتماعي وتنظيمي طويل، وإلى الثقة المتبادلة، وإلى التعرف على المصالح المشتركة، وإلى إيجاد مطالب ووسائل عمل تجمع بين هذه الفئات.
ومن هنا، فإن الحديث عن «الكتلة الاجتماعية العمالية- الشعبية» ليس مجموعة جاهزة من الناس تنتظر من يجمعها، بل هو تعاون يجري بناؤه تدريجياً عبر النضالات المشتركة وتبادل الخبرات، والقدرة على صياغة مطالب مشتركة، وفتح مجالات للعمل الجماعي، مع احترام الاختلافات بين مكونات المجتمع وعدم التعامل معها كما لو كانت متطابقة في كل شيء.
وتحتل الفوارق بين مناطق المغرب مكانة أساسية في هذا الموضوع. فالتفاوت بين المدن والمناطق، وبين المراكز الحضرية والمناطق البعيدة عنها، وبين المجالات التي تستفيد أكثر من الاستثمارات والبنيات الكبرى وتلك التي تعاني ضعف الخدمات وفرص العمل، ليس مجرد تفاوت إداري، بل يرتبط أيضاً بكيفية توزيع الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية وفرص الشغل والخدمات بين مناطق البلاد.
ولذلك، فإن بناء قوة اجتماعية قادرة على الاستمرار لا يمكن أن يظل محصوراً في المدن الكبرى، بل يحتاج إلى الربط بين تجارب الناس في المناطق المختلفة، وإلى إدماج المطالب المحلية والجهوية في تصور أوسع للعدالة الاجتماعية، أي تحسين ظروف عيش المواطنين، والعدالة بين المناطق، أي ضمان توزيع أكثر توازناً للخدمات والفرص والاستثمارات.
الدولة جهاز إكراه طبقي، تستخدم القوة والاعتقال ووسائل القمع لإخضاع الاحتجاجات وضبط التعبئة الاجتماعية. لكنها لا تكتفي بهذه الوظيفة القمعية، بل تسعى أيضًا إلى إعادة إنتاج شروط استمرار النظام الاجتماعي والسياسي القائم عبر وسائل أكثر تعقيدًا. فالدولة تنظم الحياة العامة، وتوزع جزءًا من الموارد، وتطلق إصلاحات، وتتدخل لحل بعض الأزمات، وتفتح قنوات للمشاركة والتفاوض. وهذه الأدوار لا تناقض طبيعتها الإكراهية، بل تكملها؛ إذ تمكّنها من احتواء الاحتجاجات، واستيعاب جزء من مطالبها، والحد من اتساع راديكالية التعبئة، مع الحفاظ على البنية العامة للعلاقات القائمة بين الطبقات والفئات الاجتماعية.
وقد شهدت السنة الأخيرة، في أعقاب احتجاجات جيل زد، إجراءات وإعلانات تتعلق بزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم، وبمحاولة معالجة بعض مظاهر الأزمة الاجتماعية وتعزيز مشاركة الشباب. وأعلنت الدولة المغربية عن رفع المخصصات المالية للصحة والتعليم في ميزانية 2026 إلى نحو 140 مليار درهم، في سياق جاء بعد موجة الاحتجاجات الشبابية.
لكن وجود إصلاحات أو زيادة في الميزانية لا يحسم وحده ما إذا كان هناك تغيير حقيقي ومستمر. فالسؤال الأساسي هو ما إذا كانت هذه الإجراءات ستؤدي إلى تحسين ملموس في جودة الخدمات، وتوزيع أكثر عدلاً للثروات، وزيادة قدرة المواطنين على المشاركة في القرارات التي تؤثر في حياتهم، أم أنها ستظل استجابات محدودة تساعد على تخفيف الضغط من دون معالجة الأسباب الأساسية للمشاكل.
وهذا يقود إلى ضرورة التمييز بين تحقيق مطلب جزئي وإحداث تغيير عميق ومستمر.
فقد تنجح الاحتجاجات في دفع الدولة إلى الاستجابة لمطلب معين، أو تسريع مشروع، أو تغيير خطاب رسمي، أو فتح نقاش عام حول قضية كانت مهمشة. وهذه نتائج يمكن أن تكون مهمة، ولا ينبغي التقليل من قيمتها. لكن نجاح الاحتجاج في تحقيق مطلب محدد لا يعني بالضرورة أن قدرة أفراد المجتمع على التأثير في القرارات قد أصبحت أقوى بصورة دائمة.
يُقاس التغيير أيضاً بما يبقى بعد انتهاء الاحتجاج: هل أصبحت قدرة الناس على التنظيم والتعاون أكبر؟ هل نشأت روابط جديدة بين مختلف النضالات؟ هل انتقلت الخبرة إلى أجيال أخرى؟ هل ازدادت الثقة بين المشاركين؟ هل أصبحت المطالب أوضح وأكثر قدرة على الربط بين القضايا المختلفة؟ أم أن المجتمع يعود إلى حالة التفرق نفسها التي كان عليها قبل الاحتجاج؟
وبعد عام، تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً. فقد واجهت الحركة الاعتقالات والمحاكمات، وأصبح ملف المعتقلين جزءاً أساسياً من استمرار النقاش حول آثار الاحتجاجات. وتفيد تقارير صحفية بأن آلاف الأشخاص أوقفوا أثناء احتجاجات 2025 وما تلاها، وأن مئات ظلوا رهن الاعتقال بعد مرور عام، بينما انتقل جزء من النشاط المرتبط بالحركة إلى المطالبة بالإفراج عن المعتقلين.
ولا ينبغي النظر إلى هذا المسار فقط باعتباره نهاية لحركة احتجاجية، بل يجب أيضاً فهم أثر الاعتقالات والقمع في قدرة الناس على التنظيم، وفي شعورهم بالخوف من المشاركة، وفي العلاقات التي تكونت في فترة الاحتجاج. وفي الوقت نفسه، فإن استمرار النقاش حول المعتقلين يدل على أن آثار الاحتجاجات لا تختفي بمجرد تراجع المظاهرات في الشوارع.
ومن هنا، فإن تقييم تجربة جيل زد بعد عام لا ينبغي أن يقتصر على وصفها بالنجاح أو الفشل. فالحراكات الاجتماعية لا تُقاس فقط بالمدة التي تستمر فيها أو بعدد المشاركين فيها، بل أيضاً بما تتركه من معرفة وخبرة وعلاقات وقدرة على الفعل الجماعي.
تنتهي موجة احتجاجية، لكن التجربة التي تركتها يمكن أن تنتقل إلى حراكات أخرى، ويمكن أن تستفيد منها أجيال لاحقة. وقد تختفي بعض أشكالها من دون أن تختفي المشاكل الاجتماعية التي أدت إلى ظهورها. وفي المقابل، قد تكون التعبئة واسعة جداً، لكنها لا تترك وراءها سوى الذكريات إذا لم تنشأ علاقات وتنظيمات مستقلة تستطيع مواصلة العمل بعد انتهاء الاحتجاج. وهنا نصل إلى مسألة أساسية يكشف عنها جيل زد بوضوح: الفرق بين وجود الغضب الاجتماعي وامتلاك القدرة الجماعية على تحويله إلى تغيير مستمر.
فالمغرب لا يعاني من نقص في أسباب الغضب، ولا من غياب الاحتجاجات. فقد شهد المجتمع، لعقود، تحركات متكررة للمطالبة بتحسين ظروف العمل والأجور والخدمات العمومية، ومواجهة ارتفاع الأسعار، والدفاع عن الكرامة والحقوق والحريات، وتحقيق توزيع أكثر عدلاً للثروة والفرص بين المناطق. لكن ما ظل ضعيفاً هو القدرة على تحويل هذه التجارب المتعددة إلى عمل مستمر يتراكم مع مرور الوقت، وعلى الانتقال من احتجاجات متفرقة إلى قوة اجتماعية تمتلك الذاكرة والتنظيم والتنسيق والاستقلالية والقدرة على مواصلة العمل رغم الصعوبات. وتكمن المشكلة، لذلك، في الحلقة المفقودة بين لحظة انفجار الغضب وبين تراكم القدرة على التغيير.
يمكن أن تبدأ العملية بالشعور بالظلم، ثم تتحول إلى احتجاج، ثم إلى تجمع واسع للناس حول مطالب مشتركة. لكن لكي يتحول هذا المسار إلى قوة اجتماعية مستمرة، لا بد من بناء الثقة والتضامن والتنظيم والتنسيق، والاستفادة من التجارب السابقة. فالغضب وحده لا يكفي، والتعبئة وحدها لا تكفي، وحتى تحقيق بعض المطالب لا يكفي إذا لم يساعد ذلك على زيادة قدرة المجتمع على التحرك والتأثير في المستقبل. إن القوة الاجتماعية لا تتشكل في لحظة واحدة، بل تُبنى تدريجياً عبر النضالات الصغيرة والكبيرة، والتعلم من النجاحات والإخفاقات، وتطوير العلاقات التي تتجاوز فترة الاحتجاج نفسها.
ولذلك، لا ينبغي تقديم جيل زد باعتباره الجيل الذي سيغير المغرب بمفرده، كما لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد موجة احتجاجية رقمية. إنه جزء من المجتمع المغربي، ويعكس في داخله الاختلافات والمشاكل الاجتماعية الموجودة فيه، لكنه كشف بوضوح عن مشاكل خاصة بجيل نشأ في ظروف اقتصادية وثقافية ورقمية مختلفة عن الأجيال السابقة. وتكمن أهميته المحتملة في أنه أضاف تجربة جديدة إلى تاريخ طويل من الاحتجاجات المغربية، وأعاد طرح سؤال لم يجد المجتمع المغربي جواباً نهائياً عنه بعد: كيف يمكن الانتقال من ردود الفعل المتكررة على الأزمات إلى بناء قدرة جماعية على معالجة أسبابها ومنع تكرارها؟
إن الدرس الأهم من مرور عام على احتجاجات جيل زد ليس أن الشباب يستطيعون الاحتجاج بسرعة بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، فهذا أصبح واضحاً، ولا أن الأحزاب والنقابات فقدت كل دور لها، فهذا بدوره تبسيط للمشكلة. بل إن الدرس هو أن المجتمع يحتاج إلى الجمع بين القدرة الجديدة على جمع الناس وتحريكهم، التي توفرها الشبكات الرقمية، وبين العلاقات الاجتماعية المستقرة التي تسمح بمواصلة العمل؛ وبين حرية المبادرة من جهة، ووجود قواعد ديمقراطية لاتخاذ القرارات ومحاسبة المسؤولين من جهة أخرى؛ وبين المطالب المحلية والقضايا الوطنية؛ وبين قضايا العمل والخدمات والحقوق وتحقيق العدالة بين مناطق البلاد.
والأهم من ذلك كله هو بناء علاقات مستمرة بين مختلف مكونات الشعب الكادح، حتى لا تبقى كل فئة محصورة في مطلبها الخاص، ولا تبقى كل موجة احتجاجية منفصلة عن التجارب التي سبقتها أو التي قد تأتي بعدها.
فإذا كانت احتجاجات جيل زد قد كشفت مرة أخرى عن اتساع الفجوة بين ما يطمح إليه جزء كبير من المجتمع وما توفره المؤسسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية القائمة، فإن السؤال الذي يبقى مفتوحاً بعد عام ليس فقط: هل يمكن أن تعود الاحتجاجات؟ فالاحتجاجات يمكن أن تعود ما دامت أسبابها قائمة أو ظهرت أسباب جديدة. ماذا سيحدث عندما تعود؟
هل ستبدأ دورة جديدة من الغضب والتعبئة، ثم يتراجع الاحتجاج من دون أن يترك وراءه قدرة أكبر على العمل؟ أم ستكون هناك قدرة اجتماعية أوسع على الاستفادة من التجارب السابقة وتحويلها إلى تنظيم وتنسيق وفهم مشترك للمشاكل؟
وهل يستطيع المجتمع المغربي أن ينتقل تدريجياً من حالة تتكرر فيها موجات الاحتجاج إلى حالة تتراكم فيها قدرة الناس على التعاون والتأثير في القرارات وتغيير الظروف التي يعيشون فيها؟
إن مستقبل التغيير الاجتماعي لا يتحدد فقط بحجم الغضب الموجود داخل المجتمع، بل أيضاً بقدرة الناس على تحويل هذا الغضب إلى عمل جماعي منظم وديمقراطي ومستقل، يحفظ التجارب السابقة، ويطور الفهم المشترك للمشاكل، ويوسع العلاقات بين الفئات المختلفة، ويسمح بمواصلة العمل على المدى الطويل.
ومن هذه الزاوية، قد لا يكون أهم ما تركته احتجاجات جيل زد هو الشعارات التي رُفعت أثناء أسابيع الاحتجاج، بل السؤال الذي أعادته إلى قلب النقاش العام: كيف يمكن تحويل الغضب المتكرر إلى قوة اجتماعية تتراكم مع الوقت، وكيف يمكن أن تتحول لحظة الاحتجاج من انفجار مؤقت إلى خطوة ضمن مسار طويل يهدف إلى تغيير الظروف التي يعيش فيها الناس؟
اقرأ أيضا

