لماذا سترفض الدولة المغربية تطبيق صيغتها المقترحة لـ”الحكم الذاتي” في الصحراء الغربية؟
بقلم، علي أموزاي
بعد رفض صيغتي الولايات المتحدة وروسيا لقرار حول تمديد مهمة بعثة المينورسو، أصدر الديوان الملكي بلاغا يوم 30 أكتوبر 2026 معتبرا عدم توصل مجلس الأمن لقرار حول الأمر “تطورا هاما وخطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة”. واعتبر بلاغُ الديوان الملكي “تواجد هذه البعثة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، لاسيما من خلال طواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي في الأيام المقبلة”.
يفهَم من البلاغ بوضوح أن المسار الأممي ليس إلا وسيلة (تكتيك) لتحقيق الهدف الاستراتيجي للدولة المغربية في الإقليم محط النزاع: السيادة المطلقة على الإقليم. وليست هذه التطورات سوى تتويجا لأخرى سالفة امتدت على مدى العقدين السابقين، وبلغت ذروتها مع اعتراف الولايات المتحدة (رئاسة ترامب الأولى) بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية في مقايضة مع توقيع الدولة المغربية على اتفاقيات أبراهام والتطبيع العلني والسافر مع الكيان الصهيوني في ديسمبر 2020.
هكذا تبدو الأمور وكأنها معَدَّة للتراجع عن كل الخطط السابقة المطروحة للتسوية، وعلى رأسها مقترح الدولة المغربية بشأن “حكم ذاتي في إطار السيادة المغربية” نفسه، الذي نص عليه قرار مجلس الأمن رقم 2797، المعتمد في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، والذي دعا إلى “إجراء مفاوضات على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي، بهدف التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف، مع التأكيد على أن الحل النهائي ينبغي أن ينسجم مع ميثاق الأمم المتحدة، وأن يتيح تقرير المصير”.
مسار تراجعي لصالح الدولة المغربية وفي غير صالح جبهة البوليساريو
منذ بداية العقد الأول من الألفية الثالثة بدأت مؤشرات موازين القوى تتغير لصالح الدولة المغربية على حساب جبهة البوليساريو. ففي تقرير الأمين العام للأمم المتحدة (كوفي عنان) ومبعوثه الشخصي (جيمس بيكر) المؤرخ 23 أبريل 2004، ورد: “لا أكاد أعرف أي بلد في العالم يعترف بمطالبة المغرب بالصحراء الغربية من حيث القانون الدولي أو الاعتراف الدولي… لن يحظى المغرب بموافقة الشرعية الدولية لاحتلاله الإقليم ما لم يتوصل إلى ترتيب من الترتيبات بمباركة المجتمع الدولي”، مؤكِّدا أن “مسألة السيادة هي، بطبيعة الحال، المسألة الأساسية التي أحدثت الانقسام بين الطرفين خلال هذه المدة كلها”. [1]. ورفض الأمين العام آنذاك مقترح الدولة المغربية (حكم ذاتي للصحراء الغربية) في إطار السيادة المغربية”، بدلا من صيغة التسوية القديمة (استفتاء تقرير المصير)، وعلل رفضه بقول: “في ذلك آثار غير مواتية بالنسبة لتقرير المصير، كما دعا إلى ذلك قرار مجلس الأمن 1429 سنة 2002”. [2]
وبعد عقدين تغيرت اللغة تماما. وضع قرار مجلس الأمن رقم 2797 الخطة المغربية للحكم الذاتي في صلب المفاوضات الرامية إلى تسوية النزاع حول الصحراء الغربية. قرار وصفه دي ميستورا (المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة) بأنه “«مهم» لأنه أظهر زخماً دولياً متجدداً لحل النزاع. ورحب بالمشاركة النشطة للولايات المتحدة بصفتها حاملة القلم في مجلس الأمن، مشيراً إلى أن القرار «يوفر إطاراً للمفاوضات، لكنه لا يفرض نتيجة محددة»”. [3]
وعلى خلاف تقرير 23 أبريل 2004 [انظر أعلاه] تضمن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة (1 أكتوبر 2026) إشارة دالة على تغير السياق الدولي، إذ جرَدَ لائحة الدول الداعمة لخطة الدولة المغربية باعتبارها “أساساً ذا مصداقية للمفاوضات” (السويد وسويسرا ومدغشقر وكندا واليابان)، وأخرى للدول التي علقت اعترافها بالجمهورية العربية الصحرواية أو التي علقت علاقاتها الدبلوماسية معها (مالي وهندوراس وبوليفيا).
من جهتها، اعتبرت جبهة البوليساريو أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 (2005) يتضمن بعض العناصر التي تشكل “تراجعا خطيراً وغير مسبوق عن الأساس الذي عالج مجلس الأمن قضية الصحراء الغربية على أساسه، بما يتماشى مع المبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة”.
أقل من حكم ذاتي وأكثر من جهوية موسَّعة
ينبني مقترح الدولة المغربية بخصوص “حكم ذاتي في إطار السيادة المغربية” على المقترح الذي قدَّمَته سنة 2007، تحت عنوان “نص مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية”.
من قراءة رسالة التقديم التي قرأها سفير المغرب لدى الأمم المتحدة، يبدو أكيدا أن المقترح موجَّه لاسترضاء المنتظم الدولي، أكثر منه مبادرة فعلية لحل النزاع: “تتيح هذه المبادرة تجسيد مبدأ تقرير المصير، من خلال تعبير حر ديمقراطي وعصري، بشأن نظام الحكم الذاتي. وهي بذلك مطابقة للشرعية الدولية، مستوعبة للقواعد والمعايير العالمية المعمول بها في مجال الحكم الذاتي، فضلا عن كونها تكفل احترام حقوق الإنسان وتعزيزها، كما عو متعارَف عليها عالميا، ويكرسها دستور المملكة”.
لكن تقديم السفير يقف على النقيض تماما من تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك (كوفي عنان) ومبعوثه الشخصي (جيمس بيكر) اللذين حمَّلا المسؤولية كاملة للدولة المغربية في تقويض وعرقلة مسار خطة التسوية المقترحة منذ سنة 1991، والقاضية بتنظيم استفتاء في إقليم الصحراء الغربية ينتهي بموافقة الصحراويين إما على الاستقلال (الانفصال) أو الاندماج. اكتفى السفير المغربي بعبارات تقريرية مثل: “أمام استحالة تطبيق المقترحات السابقة، الهادفة إلى حل هذا الخلاف، أصبح هذا الملف في طريق مسدود”. واستغلت الدولة المغربية هذا المآل لتقديم رؤيتها الخاصة بالنزاع، كما ورد في الرسالة: “مما حدا بمجلس الأمن منذ 2004، للدعوة إلى تجاوزه، بغية التوصل إلى حل سياسي مقبول من جميع الأطراف”.
مضمون المذكرة كما ورد في رسالة التقديم هو: “المبادرة المغربية للتفاوض بشأن نظام للحكم الذاتي لجهة الصحراء”، وذلك في إطار سيادة المملكة ووحدتها الوطنية الترابية”. لكن النظر بتمعن في بنود الوثيقة تُظهر أنها بعيدة تماما عن “حكم ذاتي حقيقي لشعب الصحراء الغربية”، وهو المفهوم الوارد في التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش (1 أكتوبر 2026).
يتضمن مقترح المغرب (2007) بنودا كثيرة حول اختصاصات الإقليم المتنازَع عليه، وقد أصر نص المقترح على تسميتها “جهة الصحراء”، إشارة إلى أنها جهة ضمن جهات المغرب الأخرى. وضمن ما نص عليه مقترح المغرب (النقطة 29): “مراجعة الدستور المغربي وإدراج نظام الحكم الذاتي فيه، ضمانا لاستقرار هذا النظام وإحلاله المكانة الخاصة اللائقة به داخل المنظومة القانونية للمملكة”. وفي سنة 2011، وبعد رفض الملك مراجعة الدستور لسنوات، اضطر تحت ضغط تظاهرات حراك العشرين من فبراير، إلى مراجعة دستورية وإصدار صيغة 2011 من الدستور، التي لم تتضمن أي إشارة إلى الحكم الذاتي لـ”جهة الصحراء”، واقتصر على الحديث على “الجهوية الموسعة”.
ما يميز مقترحات مبادرة 2007 بشأن “الحكم الذاتي لجهة الصحراء” عن “الجهوية الموسعة” هو “برلمان الحكم الذاتي للصحراء” و”رئيس حكومة منتخَبة ينتخبه البرلمان الجهوي”… لكن حتى هذين الأخيرين يمكن أن يخضعا لتأويل يجعلهما مجردَ ما هو موجود في الدستور، حيث يتحول “البرلمان الجهوي” إلى “مجلس الجهة” و”رئيس حكومة منتخبة” إلى “رئيس مجلس الجهة” كما هو منصوص عليه في دستور 2011.
أبعدُ كثيرا إذن عن “حكم ذاتي حقيقي لشعب الصحراء الغربية” (حسب مفهوم الأمين العام للأمم المتحدة). فالحكم الذاتي الحقيقي يتطلب “دولة راغبة في تقاسم جزء من سلطاتها وسيادتها بسبب ظروف وسياقات مختلفة (الإرث التاريخي أو المنطق الجيوسياسي، أو المخاوف الأمنية، أو الالتزام بالإنصاف والعدالة، أو الحفاظ على التنوع) مع كيان أو أكثر من الكيانات الفرعية للدولة. وينشأ الكيان الفرعي للدولة غالبا بسبب التعبئة السياسية أو التحريض على الانفصال لجزء من سكان الدولة المهتمين بالحفاظ على الخصائص العرقية أو اللغوية أو الدينية أو الثقافية أو القانونية أو الإقليمية التي تميزيهم… والنتيجة المترتبة على هذا النظام برمته هي إنشاء مجتمع سياسي جديد بالدولة، من أجل محاولة التوفيق بين الديمقراطية والتنوع عبر عدم احتكار مبدأ تقرير المصير من طرف الفئات المطالبة بالاعتراف بها ككيان فريد ومختلف”. [4].
المبادرة المغربية، سواء صيغتها الأولى (2007) أو المحدثة (2026)، تسير على العكس من ذلك. وليس أكثر دلالة على هذا ما ورد في صيغة 2007، التي ربطت مقترح الحكم الذاتي بـ”الأحكام الدستورية المعمول بها في الدول القريبة من المغرب جغرافيا وثقافيا”، وليس بصيغ الحكم الذاتي الحقيقية في دول العالم الأخرى.
في سنة 2007 قدمت البوليساريو مقترحها الخاص ردا على مبادرة المغرب. أصر مقترح البوليساريو على التمسك بمطلبي “السيادة والاستقلال” المفترض أن ينتجا عن الاستفتاء مع التأكيد على قبولها بـ”نتائج الاستفتاء مهما كانت، وإذا أدى الاستفتاء إلى الاستقلال”، والإشارة إلى التزامها بالتفاوض مع المملكة المغربية برعاية الأمم المتحدة.
السياسة الخارجية الوجه الآخر للسياسة الداخلية
إن رفض المَلكية للاستفتاء ليس إلا الوجه الخارجي لسياستها الداخلية. فمنذ الاستقلال السياسي (1956)، ورغم وعد الملك محمد الخامس بإجراء انتخابات جمعية تأسيسية لصياغة دستور يفضي إلى ملكية دستورية، ناورت الملكية ورفضت أي انتخابات بهذا الخصوص. وفي سنة 1962، مرر الحسن الثاني أول دستور بأساليب التزوير السافر والقمع الشرس للمطالبين بجمعية تأسيسية (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية). إن تخوف المَلكية من المبادرة الشعبية وما يمكن أن تؤدي إليه هو ما كان وراء رفضها لأي مقترح بهذا الخصوص. وإذا كانت المَلكية متوجسة من جمعية تأسيسية تصوغ دستورا يُعرض لاستفتاء “شعبها الوفي”، فكيف يكون الأمر عندما يتعلق باستفتاء “شعب” تعتبر الهيئة الناطقة باسمه (البوليساريو) تواجد الدولة المغربية في الصحراء الغربية احتلالا.
هذا ما أكده جيمس بيكر، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، سنة 2004: “كلما اقتربنا من تنفيذ خطة التسوية… إلا وزاد، في اعتقادي، قلق المغاربة بشأن إمكانية عدم الفوز في الاستفتاء…”، مستنتجا أن الدولة المغربية “لا تريد حتى المغامرة بتصويت في ظل هذه الظروف”. [5]
ويُظهر نص المبادرة المغربية حول الحكم الذاتي لسنة 2007، استمرارا نسقيا لنفس ما هو موجود في السياسة الداخلية، إذ تأتي “الاختصاصات الحصرية لجهة الصحراء” في المرتبة الثانية مقارنة باختصاصات الدولة/ الملك. فرئيس حكومة جهة الصحراء “ينصبه الملك”. كما أن مقتضيات انتخاب البرلمان الصحراوي معقدة، وتتيح غلبة ممثلي الملك على ممثلي السكان. إذ ينص نص المبادرة على انتخابات من طبقتين: “أعضاء منتخَبين من طرف مختلف القبائل الصحراوية، وكذا من أعضاء منتخَبين بالاقتراع العام المباشر من طرف مجموع سكان الجهة”. والجميع يُدرك أن أعيان الصحراء (كما هم أعيان باقي البلد) هم القاعدة الاجتماعية للمَلكية.
لماذا لن تطبق الدولة المغربية الحكم الذاتي حتى بهذه الصيغة؟
حتى إذا قبلت البوليساريو الصيغة الرسمية للحكم الذاتي الذي تقدمت به الدولة المغربية، فإن هذه الأخيرة لن تطبقها. لماذا؟ لأن الحكم الذاتي في أي صيغة كانت، يكون دوما درجة نحو تحقيق الاستقلال التام، خصوصا في حالات الاضطهاد والاستبداد اللذين تمارسهما الدولة الأقوى أو الأمة الأقوى. لا يكون الحكم الذاتي خطوة نحو الاندماج التام إلا في حالة الديمقراطية الفعلية، حيث يُمنح سكان الأمة المضطهَدة الحق الحصري في تقرير ما يريدون: اندماجا أو انفصالا، وهو ما يغيب في حالة الدولة المغربية.
إن الحكم الذاتي، بوصفه إصلاحا، يمتاز، من حيث الأساس، عن حرية الانفصال التي هي تدبير ثوري. ذلك أكيد، ولكن لأن الإصلاح- كما يعرف الجميع- ليس في الواقع، وفي غالب الأحيان، سوى خطوة نحو الثورة، فإن الحكم الذاتي بالضبط هو الذي يتيح للأمة المحصورة بالقوة ضمن حدود دولة من الدول، أن تتشكل نهائيا في أمة، أن تجمع قواها، أن تتعلم معرفة قواها وتنظيمها، أن تختار خير لحظة للإعلان… نحن المجلس المستقل ذاتيا في هذه الأمة أو في هذا الإقليم [6].
هذا هو ما تتخوف منه الدولة المغربية. لذلك لن تغامر بمنح الصحراء الغربية حكما ذاتيا، سواء “حقيقيا” كما يتمناه الأمين العام للأمم المتحدة، أو ناقصا ومزيفا كما هو وارد في مبادرة 2007.
كل ما تسعى إليه الدولة المغربية هو ربح الوقت واستمالة “المنتظم الدولي”، وهو ما تنجح فيه لحدود اللحظة. وفي نفس الآن فإنها تناور كي تتمكن من عدم تنفيذ ما تلتزم به أمام هذا المنتظم الدولي. ولها في هذا سوابق تاريخية.
ففي سنة 2003، وعقب خطة التسوية المقترحة من طرف الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك (كوفي عنان) قبلت جبهة البوليساريو بمقترحات الخطة، رغم أن هذه الأخيرة تضمنت- باعتراف الجبهة- “عناصر تخالف بوضوح خطة التسوية الأصلية”، إلا أن الدولة المغربية رفضت نهائيا تلك الخطة. وهو ما انطبق على كل خطط التسوية السابقة منذ أولها سنة 1991 مرورا باتفاقات هيوستن بين الدولة المغربية والبوليساريو سنة 1997… والحبل على الجرار.
المنتظم الدولي: سراب الصحراء الغربية
منذ اتفاق وقف إطلاق النار سنة 1991 تعلقت جبهة البوليساريو بالقرارات الأممية وكأنها البديل عن الكفاح المسلح. فوتت البوليساريو فرصة توقيع ذلك الاتفاق لاشتراط عودة الصحراويين من مخيمات تندوف (الواقعة في التراب الجزائري) إلى إقليم الصحراء الغربية والاشتغلال كحزب سياسي للنضال من أجل أي صيغة من صيغ تقرير المصير التي سيتيحها ميزان القوى (المحلي والدولي). لكن البقاء في مخيمات تندوف جعلها تتحول من منظمة تحرير إلى جهاز دولة متضخم (دواوين وزارية وشرطة وجيش وسلك دبلوماسي) يعتاش على المساعدات الدولية وأكثر ارتباطا بالدولة الجزائرية وعسكرها اللذين يستضيفانها على أرض الجزائر.
لا تقدم جبهة البوليساريو أي نموذج مغاير لما يوجد في المغرب. فدستورها يقر أن الحريات الديمقراطية وحق تأسيس الأحزاب معلَّق إلى ما بعد تحقيق الاستقلال، متحولة بذلك إلى صورة مصغرة لحكم جبهة التحرير الوطني الجزائرية تحت حكم العسكر. ومن الناحية الاقتصادية- الاجتماعية، أعلن محمد خداد كبير مفاوضي البوليساريو مع قوات الأمم المتحدة، في حوار مع موقع الجزيرة- نت: “البوليساريو لم تكن يوما شيوعية… فلسفتها احترام المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، واتباع اقتصاد السوق”. وهو نوع من التملق للمعسكر الغربي (الرأسمالي) سعيا وراء استمالته، وفي نفس الوقت شكل البرنامج الفعلي لحركة تحرر وطني تحولت إلى جهاز دولة مرتبطة بالمصالح الجيوسياسية للدولة الداعمة لها.
في التحديد الأخير، الأمر يتعلق بميزان القوى على الأرض والصراعات الجيوسياسية ومصالح القوى العظمى. فالولايات المتحدة ترى إلى الدولة المغربية كامتداد لاستراتيجيتها في القارة الأفريقية والشرق الأوسط، وارتباطها باتفاقيات التطبيع مع إسرائيل يتيح لها أن تستفيد من الدعم الأمريكي المطلق. أما روسيا، التي طبقت حق الفيتو في مجلس الأمن ضد مشروع الولايات المتحدة لتقليص مدة وإعادة هيكلة مهام بعثة المينورسو، فلا ثقة فيها، إذ هي ذاتها تضطهد شعبا آخر (أوكرانيا).
كما كتب علي الشامي: “تتحول القرارات الدولية إلى أضغاث أحلام، وإلى محاولات استهلاكية لضرورات الضغط وكسب الجولات الدبلوماسية، بينما حافظ منطق الأمر الواقع على غلبته. وعندما تحسم موازين القوى القائمة على أرض الصراع تناقضات الصراع نفسه، فإن فاعلية القرارات الدولية لا تتجاوز حدود كونها جانبا من جوانب الصراع فلا تشكل في بنيته العامة العامل الحاسم، وإنما يحدد الطرف القوي وحده العامل الحاسم الذي يستطيع بدوره إنهاء الإشكالات ووضع القرارات الدولية غير الملائمة على الهامش التاريخي لقضية تملك «وثائقها» الشعوب المعنية أولا وقبل كل شيء”. [7]
قبل سنة من الآن، كتبتُ في مقال بعنوان: “ليس شعب الصحراء الغربية من انهزم، ولا الشعب المغربي من انتصر”: “سيضمن التحرر من أنظمة الاستبداد، للشعبين المغربي والصحراوي تقرير مصيريهما بكل حرية، بما فيها ما ورد في مقرر مجلس الأمن (27 يونيو 1990): ‘تمكين شعب الصحراء الغربية من ممارسة حقه في تقرير المصير، والاختيار بين الاستقلال أو الاندماج مع المغرب’، مع تحبيذنا للاندماج، فلا يمكن مواجهة المعضلات الكبرى المطروحة على البشرية حاليا (الأزمة المناخية، التنمية الاقتصادية والاجتماعية، القطع مع التبعية…)، إلا في اقتصادات حجم كبير. وسيكون الإطار المغاربي الإطار الأفضل لتحرّر شعوب المنطقة، بدل التقوقع داخل الحدود القومية الضيقة”. ولا أزال أؤمن بأن هذا وحده هو ما سيضمن التحرر الشامل.
============
إحالات
[1]- مجلس الأمن (30-08-2004)، “رسالة موجهة إلى الأمين العام من الممثل الدائم لناميبيا لدى الأمم المتحدة”.
[2]- مجلس الأمن (30-08-2004)، “رسالة موجهة إلى الأمين العام من الممثل الدائم لناميبيا لدى الأمم المتحدة”.
[3]- تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الحالة المتعلقة بالصحراء “الغربية”، 1 أكتوبر 2026.
[4]- هشام إسماعيلي (2025)، “الحكم الذاتي: المفاهيم والنماذج والتحديات”، International Journal of Civilizations Studies & Tolerance Science، https://doi.org/10.54878/x3vs9d21
[5]- مجلس الأمن (30-08-2004)، “رسالة موجهة إلى الأمين العام من الممثل الدائم لناميبيا لدى الأمم المتحدة”.
[6]- ف. لينين، “ خلاصة المناقشة حول حق الأمم في تقرير مصيرها”، “المختارات، المجلد 6″، ترجمة إلياس شاهين، دار التقدم، موسكو- موسكو، 1978، ص 120.
[7]- علي الشامي (1980)، “الصحراء الغربية، عقدة التجزئة في المغرب العربي”، دار الكلمة للنشر، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى.
اقرأ أيضا

