أسئلة حول ثورة أكتوبر

                                               بقلم دانيال بنسعيد، تعريب جريدة المناضل-ة

 

هل كانت الثورة الروسية انقلابا ومحكومة بالفشل وسابقة لأوانها؟

إن عودة نقدية إلى الثورة الروسية، بمناسبة وبسبب ذكرى تشرين الأول/أكتوبر الثمانين، تثير أسئلة كثيرة، ذات طبيعة تاريخية وبرمجية على حد سواء. الرهان كبير. ونفس الشيء أيضا بالنسبة لفهم القرن الذي يقترب من نهايته، وقدرتنا على انقاذ الماضي من النسيان حفاظا على مستقبل مفتوح على النضال الثوري.

لكن حتى قبل الاطلاع على ركام الوثائق الجديدة التي يمكن الوصول إليها بسبب فتح الأرشيف السوفييتي (سيتيح دون شك بروز وجهات نظر جديدة وتجدد الخلافات)، يصطدم النقاش بالأفكار الجاهزة للايديولوجية السائدة، التي كان تأثيرها جليا، مؤخرا، في كلمات تأبين الراحل فرنسوا فوري التي حظيت باجماع. ليس من المدهش، في مثل هذه المراحل من الإصلاح المضاد والرجعية، أن يجري تحاشي ذكر إسمي لينين وتروتسكي كما كان مصير إسمي روبسبير أو سان-جوست أثناء اعادة الملكية. وللتوضيح، يتعين إذن تناول ثلاثة أفكار واسعة الانتشار حاليا:

أولا: في ما يتعلق بالثورة، لا يشكل تشرين الأول/أكتوبر سوى الإسم  الرمزي لمؤامرة أو إنقلاب أقلية فرضت منذ البداية، ومن أعلى، تصورها الإستبدادي عن التنظيم الإجتماعي لصالح نخبة جديدة.

 

ثانيا: إن تطور الثورة الروسية برمته ومغامراتها الاستبدادية السيئة موجودة أصلا، في الفكرة الثورية (أو “العاطفة” وفق تعبير فوري)، بفعل شكل من أشكال الخطيئة الأصلية : وبالتالي يجري إختزال التاريخ في أصل تلك الفكرة الفاسدة وتطبيقها، دون مراعاة الإضطرابات الحقيقية الكبيرة، والأحداث العارمة والمصير المجهول للنضال.

 

أخيرا: قد جرى الحكم على الثورة الروسية بالتشوه نتيجة ولادة تاريخية «سابقة لأوانها»، وبسبب محاولة تحريف مجراها وتسريع وتيرتها، بينما لم تكن «الشروط الموضوعية» متوفرة قصد تجاوز الرأسمالية: بدل امتلاك القادة البلاشفة حكمة «فرض قيود ذاتية» على مشروعهم، كانوا الفاعلين النشيطين في هذا الحدث الطارئ. 

 

І. ثورة أم إنقلاب سياسي؟

 

 

لا تمثل الثورة الروسية نتاج مؤامرة، بل هي إنفجار التناقضات التي راكمتها نزعة النظام القيصري المحافظة والاستبدادية. كانت روسيا في بداية القرن العشرين مجتمعا جامدا، وحالة مثالية من حالات «التطور المتفاوت والمركب»، وبلدا خاضعا وتابعا، يجمع بين سمات الإقطاع بقرى جرى رسميا إلغاء القنانة فيها منذ أقل من نصف قرن وسمات الرأسمالية الصناعية الحضرية الأكثر تركزا. ورغم كونها قوة عظمى، إلا أنها تابعة تكنلوجيا وماليا (الديون).

 

تعد قائمة الشكاوى، التي رفعها  الكاهن الأرثدوكسي جابون خلال ثورة  عام 1905، سجلا حقيقيا للبؤس السائد في بلد القياصرة. وبسرعة شهدت محاولات الإصلاح تجميدا بسبب الأوليغارشية المحافظة، وتصلب القيصر المستبد، وعدم تماسك برجوازية تعاني بالفعل من ضغط حركة عمالية فتية. على هذا النحو تعود مهام الثورة  الديموقراطية إلى شكل من أشكال الطبقة الثالثة، تمثل داخلها البروليتارية الحديثة بالفعل الطليعة النشيطة رغم أقليتها،  بخلاف الثورة الفرنسية.

 

 في هذا السياق، يمكن أن تمثل «روسيا المقدسة» «الحلقة الضعيفة» في سلسلة الإمبريالية. على هذا النحو أضرم امتحان الحرب النار في برميل البارود هذا.

 

يبين تطور سيرورة الثورة بين شباط/فبراير وتشرين الأول/أكتوبر عام 1917، بوضوح، أن الأمر لا يتعلق بمؤامرة أقلية من المحرضين المحترفين، بل بتسارع إستيعاب تجربة سياسية واسعة النطاق، وتطور في أشكال الوعي، وتحول مستمر في موازين القوى.

 

يحلل تروتسكي بدقة في مؤلفه الرائع؛ تاريخ الثورة الروسية، ذاك التجذر في صفوف العمال والجنود والفلاحين، من إنتخاب نقابي إلى إنتخاب نقابي، ومن إنتخاب مجالس بلدية إلى إنتخاب مجالس بلدية. وبينما لم يكن البلاشفة يمثلون سوى نسبة 13% من المندوبين في مؤتمر سوفييتات حزيران/يونيو، تغيرت الأمور بسرعة بعد أيام تموز/يوليوز ومحاولة كورلينوف الإنقلابية: باتوا يمثلون ما بين نسبة 45% ونسبة 60% في تشرين الأول/أكتوبر.

 

إن الإنتفاضة بعيدة عن كونها هجوما مفاجئا ظافرا، وبالتالي فهي نتيجة وخاتمة مؤقتة لإمتحان قوى نضج طوال السنة، كانت الحالة الذهنية للجماهير الشعبية خلالها قائمة دوما على يسار الأحزاب وقيادتها، ليس قيادة الإشتراكييين الثوريين وحسب، بل أيضا قيادة الحزب البلشفي أو قسما من قيادته (بما في ذلك  قرار الإنتفاضة).

 

ذلك ما يفسر أن إنتفاضة تشرين الأول/أكتوبر كانت أقل عنفا وأقل تكلفة من حيث الضحايا البشرية، مقارنة بأشكال العنف الذي شهدناها منذ ذلك الحين، يكفي الحرص على إظهار الفرق بين عدد الضحايا الذين سقطوا في تشرين الأول/أكتوبر بكل ما في الكلمة من معنى (من الجهتين) وعدد ضحايا الحرب الأهلية بدءا من  عام 1918، بدعم القوى الأجنبية، وفي مقدمتها فرنسا وبريطانيا.

 

إذا اعتبرنا الثورات وثبة تغيير آتية من أسفل، ومن طموحات الشعب العميقة،  وليس نتيجة خطة عسكرية معينة تصورتها نخبة مثقفة، فأكيد أن الثورة الروسية كانت إحدى تلك الثورات بكل ما في الكلمة من دلالة. يكفي مراجعة التدابير التشريعية التي سنها النظام الجديد خلال الأشهر الأولى  من السنة الأولى لإدراك أن الأمر يتعلق بتحول جذري في علاقات الملكية والسلطة، أحيانا أسرع من المتوقع والمراد، وأحيانا أبعد حتى من المرغوب فيه، تحت ضغط الظروف.

 

تشهد كتب عديدة على هذا الشرخ في النظام العالمي (انظر جون ريد في كتابه «عشرة أيام هزت العالم» طبعة جديدة، دار النشر سوي 1996) وعلى تأثيراته المباشرة في العالم (انظر «ثورة تشرين الأول/أكتوبر والحركة العمالية الأوربية» دار النشر كوليكتيف عام 1967).

 

 ويشير مارك فيرو (خاصة في كتابه «ثورة عام 1917»، وألبين مشيل عام 1997، و«ولادة النظام الشيوعي بروسيا وإنهياره»، دار نشر: ليفر دو بوش عام 1997)، إلى أن عدد الذين ندموا على زوال نظام القيصر وذروفوا الدموع على نهاية المستبد الأخير لم يكن كبيرا في البداية. لكنه شدد بالعكس على تغير العالم الذي تميز  بثورة أصيلة جدا حتى في تفاصيل الحياة اليومية: في أوديسا، يفرض الطلبة على الأساتذة منهاجا جديدا للتاريخ، وفي بتروغراد، يرغم العمال أرباب عملهم على تعلم «قانون الشغل الجديد»،  وفي الجيش يدعو الجنود القسيس إلى حضور لقاءاتهم لمنح دلالة جديدة لحياته. وفي بعض المدارس يطالب الصغار بحق تعلم الملاكمة لإجبار الكبار على إحترامهم والإصغاء إليهم…

 

كان لهذا الزخم الثوري الأولي وقع طوال سنوات العشرينات، ورغم الفاقة والتخلف الثقافي، كانت هناك تحولات رائدة في جبهة تغيير نمط الحياة: إصلاحات تعليمية وبيداغوجية، وتشريع أسري، ويوتوبيا حضرية، وإبداع تخطيطي (تصوير، كِتابة، طِبَاعة، الخ.) وسينمائي. وهو الذي سمح أيضا بتفسير تناقضات وغموض التحول الكبير الذي طرأ وسط المعانات خلال فترة ما بين الحربين، حيث ظل الرعب والقمع البيروقراطي مقترنا بقوة الأمل الثوري. ما شهد أي بلد في العالم بأي وجه تحولا عنيفا على ذلك النحو، تحت سطوة بيروقراطية فرعونية: بين عام 1926 وعام 1939، ستيزيد عدد سكان المدن 30 مليون نسمة، وستنتقل حصة مجموع سكانها  من نسبة 18% إلى نسبة 33%؛ وخلال أول خطة خماسية، بلغ معدل نموها نسبة 44%، أي عمليا مثل ما بين عام 1897 وعام 1926؛ وزادت قوة العمل المأجور بأكثر من الضعف (انتقلت من 10 نسمة إلى 22 مليون نسمة)؛ ما يعني «ترييف» المدن على نطاق واسع، ومجهود جبار في محو الأمية واالتعليم، وسير حثيث نحو فرض الانضباط في العمل. ترافقت هذا التغيير الكبير مع انبعاث النزعة القومية، وتعاظم نزعة الترقي المهني، وبروز امتثالية (1) بيروقراطية جديدة. في هذه الفوضى الكبيرة، على حد تعبير موشي لوين بلهجة ساخرة، كان المجتمع إلى حد ما «دون طبقات» لأن جميع الطبقات كانت بلا شكل محدود، وفي اندماج (موشي لوين، تشكل الاتحاد السوفياتي، غاليمار عام 1985).    

 

 

П. الرغبة في السلطة أم ثورة مضادة بيروقراطية؟

 

لاشك أن مصير الثورة الإشتراكية الأولى، وانتصار الستالينية وجرائم البيروقراطية الشمولية، تشكل حدثا واحدا من أهم أحداث القرن. وتكتسي مفاتيح تفسيرها أهمية بالغة جدا. هكذا يرى البعض أن أصل الشر كامن في جوهر الطبيعية الانسانية السيء، والرغبة الجامحة في السلطة التي يمكن أن تظهر وراء أقنعة مختلفة، بما في ذلك قناع إدعاء تحقيق سعادة الشعوب رغما عنهم، وإخضاعهم لمخططات مدينة فاضلة معدة مسبقا.

 

ينبغي علينا بالعكس أن نفهم في التنظيم الاجتماعي والقوى التي تتشكل وتتصارع فيه، الجذور والدوافع العميقة لما يسمى أحيانا «الظاهرة الستالينية». إن الستالينية، في ظروف تاريخية ملموسة، ناجمة عن الميل الأعم نحو التبقرط القائم في المجتمعات الحديثة برمتها. ويتغذى التبقرط أساسا من تطور التقسيم الإجتماعي للعمل (خاصة بين العمل اليدوي والذهني)، ومن «الأخطار المهنية للسلطة» المتأصلة فيه.

 

كانت تلك الدينامية في الإتحاد السوفياتي أقوى وأسرع بقدرما حدث التبقرط على قاعدة دمار وفاقة وثقافة عتيقة في غياب تقاليد ديموقراطية. ومنذ البداية، كانت القاعدة الإجتماعية للثورة في الوقت نفسه واسعة وضيقة. واسعة بقدرما ما كانت ترتكز على التحالف بين العمال والفلاحين الذين يشكلون الأغلبية الإجتماعية الساحقة. وضيقة بقدر ما سرعان ما تقلص مكونها العمالي الذي يمثل أقلية، بفعل أضرار الحرب وخسائر الحرب الأهلية. كان الجنود، الذين لعبت السوفياتات دورا أساسيا وسطهم عام 1917، يتشكلون أساسا من فلاحين منجذبين بفكرة السلم والعودة إلى المنزل.

 

في تلك الظروف، كانت ظاهرة الهرم المقلوب جلية جدا قبل الأوان. لم يعد من هم في أسفل يوجهون ويقودون من هم في القمة، بل إرادة من هم في القمة هي التي كانت تسعى جاهدة إلى قيادة من هم في أسفل. من هنا أتت آلية الإستبدال: يحل الحزب محل الشعب، والبيروقراطية محل الحزب، والرجل المناسب محل الجميع. لكن هذا البناء لا يفرضه تشكل بيروقراطية جديدة  ناتجة عن إرث النظام القديم وارتقاء اجتماعي متسارع لقادة جدد. ومن الناحية الرمزية، وسط أعضاء الحزب بعد الاستقطاب الكثيف لـ«فوج لينين»، لن يكتسي تأثير بضعة آلاف من مناضلي ثورة تشرين الأول/أكتوبر، حجما كبيرا مقارنة مع مئات الآلاف من البلاشفة الجدد، منهم وصوليون جاؤوا للمساعدة بعد الانتصار  وعناصر الإدارة القديمة التي جرى اعادة توظيفها.

 

كانت وصية لينين، وهو على فراش الموت، شاهدة إثبات على هذا الوعي بالمشكلة البالغ التأثير. في حين أن الثورة هي مسألة شعوب وجماهير، اقتصر لينين، وهو يحتضر، مستشرفا المستقبل، على تدقيق النظر في عيوب وفضائل حفنة من قادة بات يبدو كل شيء تقريبا متوقفا عليهم.

 

إذا كانت العوامل الإجتماعية والظروف التاريخية تضطلع بدور حاسم في صعود البيروقراطية الستالينية بقوة، فذلك لايعني أن الأفكار والنظريات لم تكن تتتحمل أية مسؤولية في بروزها. مما لاشك فيه بوجه خاص، أن الخلط القائم، منذ الإستيلاء على السلطة، بين الدولة والحزب والطبقة العاملة، باسم الاضمحلال السريع للدولة وانتهاء التناقضات وسط الشعب، سهل بشكل كبير دولنة المجتمع (إخضاع المجتمع للدولة-المترجم) وليس تشريك وظائف الدولة.

 

إن تعلم الديمقراطية مسألة طويلة وصعبة لا تواكب وتيرة مراسيم الاصلاح الاقتصادي. إنها تستغرق وقتا وتتطلب طاقة. هكذا فإن الحل السهل يتمثل في إخضاع هيئات السلطة الشعبية، مجالس وسوفياتيات، لرقابة وصي مستنير: الحزب. عمليا يتعلق الأمر أيضا بالاستعاضة عن مبدأ انتخاب ورقابة المسؤولين بتعيينهم عبر اقتراح من الحزب. منذ عام  1918 في بعض الحالات. أفضى هذا المنطق في النهاية إلى منع التعددية السياسية وحرية التعبير الضروريتين في الحياة الديموقراطية، بالاضافة الى خضوع القانون بشكل منهجي للقوة.

 

كان التداخل شديدا بقدر ما  لا يقوم التبقرط فقط أو أساسا بمناورة من فوق. لكنه أيضا يستجيب في بعض الأحيان لطلب معين قادم من أسفل، ورغبة في إرساء النظام والهدوء نتيجة اليأس من الحرب والحرب الأهلية، والحرمان والانهاك. إن النقاشات الديموقراطية والاضطراب السياسي، والدعوة المستمرة إلى المساءلة تحول دون استباب النظام والهدوء.

 

أشار مارك فيرو بإسهاب بالغ في مؤلفاته إلى هذه الجدلية الرهيبة. وهكذا يؤكد أن «بؤرتين، واحدة ديمقراطية-استبدادية في أسفل، وأخرى مركزية-استبدادية  في أعلى» كانتا موجودتين تماما، في بداية الثورة، بينما «لم تكن قائمة سوى واحدة في عام 1939». لكنه رأى انتهاء المسألة عمليا خلال بضعة أشهر، منذ عام 1918 أو عام 1919، مع تفكك لجان الأحياء والمعامل أو إخضاعها (راجع. مارك فيرو”السوفييتات في روسيا”، دار النشر أرشيف). أما الفيلسوف لاكو-لابرت باتباعه مقاربة مماثلة، فكان صريحا للغاية باقراره قيام البلشفية «المضادة للثورة إبتداء من 1920-1921» (أي قبل إنتفاضة كرونشتاد، انظر مجلة Lignes عدد 31 أيار/مايو عام 1997).

 

المسألة بالغة الأهمية. لا ينبغي بدقة، وبشكل مانوي (2)، معارضة أسطورة «اللينينية في ظل لينين» بـاللينينة في ظل ستالين، وسنوات العشرينات المنيرة بسنوات الثلاثينات المظلمة، كأن شيئا لم يكن بعد قد بدأ يتعفن في بلد السوفييتات.  طبعا، كان التبقرط قائما منذ البداية تقريبا، وأكيد أن النشاط البوليسي للتشيكا كان له منطقه الخاص، وبالطبع جرى فتح السجن السياسي بجزر سولوفكي بعد نهاية الحرب الأهلية، ومنع تعدد الأحزاب بالفعل، وتقييد حرية التعبير والحقوق الديموقراطية في الحزب البلشفي نفسه منذ المؤتمر العاشر عام 1921.

 

إن سيرورة ما نسميها الثورة المضادة البيروقراطية ليست حدثا بسيطا، يمكن تحديد تاريخه، ومماثلته مع انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر. إنها لم تحدث في يوم واحد. بل شهدت خيارات ومواجهات وأحداث. لم يتوقف الأشخاص الفاعلون هم بالذات عن النقاش حول تحقيبها (3)، لا بهدف الدقة التاريخية، بل سعيا لاستخلاص المهام السياسية منها. إن شهودا مثل روسمير وإستمان وسوفارين وإستراتي وبينجامين وزاناتين وبولكَاكوف (في رسائله إلى ستالين)، وشعر ميكوفسكي وأعمال ماندلستان أو تسفيتاييفا ومذكرات بابيل، إلخ… من شأنها المساهمة في إلقاء الضوء على أوجه عديدة من الظاهرة وعلى تطورها وتقدمها. 

 

مع ذلك يوجد تباين وقطيعة فعلية في السياسية الداخلية كما في السياسة الدولية، بين بداية سنوات العشرينات وسنوات الثلاثينات الرهيبة. نحن لا ننكر أن الميول الإستبدادية كانت قد بدأت بسط هيمنتها قبل فترة طويلة، لأن القادة البلاشفة بعد أن أصبحوا مهووسين بهاجس «العدو الرئيسي» (الحقيقي بالفعل مع ذلك) الذي يعني الهجوم الامبريالي واعادة ارساء الرأسمالية، كانوا قد بدأوا يتجاهلون أو يقللون من شأن «العدو الثانوي» المتمثل في البيروقراطية التي كانت تقوضهم من الداخل وانتهت بتدميرهم.

 

كان هذا السيناريو غير مسبوق في تلك المرحلة، ومن الصعب تصوره. وتتطلب فهمه وتفسيره وإستخلاص النتائج منه بعض الوقت. وبالتالي، إذا كان لينين دون شك قد فهم جيدا ناقوس الخطر الذي شكلته أزمة كرونشتاد، إلى درجة الحاحه على اعتماد توجه سياسي عميق، فلم يتمكن تروتسكي، سوى لا حقا، في كتابه «الثورة المغدورة»، من بلورة التعددية السياسية مبدئيا على أساس عدم تجانس البروليتاريا بالذات، حتى بعد الاستيلاء على السلطة.

 

إن معظم الشهادات الكبرى والدراسات حول الإتحاد السوفياتي أو حول الحزب البلشفي نفسه (انظر كتاب روسمر «موسكو في ظل لينين»، كتاب مارسيل ليبمان «اللينينية في ظل لينين»، كتاب بيار برويه «ترايخ الحزب البلشفي»، كتاب سوفارين «ستالين»، وكتب تروتسكي «ستالين»، وأعمال ادوارد هاليت كار، وتوني كليف وموشي لوين ودافيد روسيه) لا تسمح، في إطار الجدلية الضيقة بين القطيعة والإستمرارية، بتجاهل الإنعطاف الكبير في سنوات الثلاثينات. كانت القطيعة هي السمة السائدة تماما، وهذا ما أكده ملايين الموتى جوعا والمنفيون وضحايا عمليات التطهير. وإذا كان انفجار مثل هذا العنف ضروريا للتمكن من عقد «مؤتمر الظافرين» في عام 1934 وتعزيز سلطة البيروقراطية، فلأن إرث الثورة كان ينبغي أن يكون قويا وراسخا ولم يكن من السهل القضاء عليه.  

 

وهذا ما نسميه ثورة مضادة. لقد كانت واسعة النطاق وجلية ومؤلمة أكثر بكثير مما اتخذ خلال الحرب الأهلية من تدابير استبدادية، مهما كانت مقلقة. كانت تأثيرات هذه الثورة المضادة بارزا في كل المجالات، سواء في مجال السياسية الإقتصادية (تجميع قسري وتطور معسكرات الاعتقال (الغولاع) على نطاق واسع)، أو مجال السياسة الدولية (في الصين وألمانيا وإسبانيا)، أو حتى مجال السياسة الثقافية أو الحياة اليومية، مع «الترميدور في الأسرة» على حد تعبير تروتسكي.

 

 

Ш. ثورة سابقة لأوانها

 

منذ إنهيار الإتحاد السوفياتي، استعادت أطروحة نشاطها ضمن المدافعين عن الماركسية، خاصة في البلدان الأنغلوسكسونية: ترى هذه الأطروحة أن الثورة كانت منذ البداية مغامرة محكومة بالفشل لأنها سابقة لأوانها. وفي الواقع، تستمد هذه الأطروحة جذورها منذ مدة طويلة، من نقاشات المناشفة الروس بالذات، ومن تحاليل كاوتسكي، منذ عام 1921: وعلى حد قول هذا الأخير، «لو أن البلاشفة كانوا يمتلكون حس المناشفة في فرض حدود ذاتية على ما يمكن الوصول إليه، وفي كيفية كشف سمات القائد،  لجرى تفادي الكثير من الدماء والدموع  والدمار».

 

إن العبارات دالة على نحو مدهش. إليكم شخص ينتقد فكرة حزب طليعي بحدة، لكنه يتصور بالمقابل حزبا قائدا ومربيا ومعلما قادرا حسب رغبته على تنظيم مجرى التاريخ ووتيرته. كما لو أن النضالات والثورات لم يكن لها منطقها الخاص. أما الرغبة في فرض حدود ذاتية عليها عندما تتندلع، سرعان ما ستؤدي إلى الانضمام إلى النظام القائم. لا يتعلق الأمر إذا «بفرض حدود ذاتية» على أهداف الحزب، لكن بفرض حدود على طموحات الجماهير على نحو صريح. وبهذا المعنى،  يتميز أنصار إبرت ونوسك بما هم عباقرة فكرة «فرض حدود ذاتية»، بإغتياليهم روزا لوكسمبورغ وتدمير سوفييتات بافييير.

 

في الحقيقة، يقود هذا المنطق حتما إلى فكرة تاريخ منظم ومضبوط بإحكام مثل ساعة حائطية، حيث كل شيء يحل في أوانه، وفي الوقت المناسب. يعود ذلك إلى  تفاهات حتمية تاريخية دقيقة منسوبة في أغلب الأحيان إلى ماركسيين، حيث تعمل حالة البنية التحتية بشكل وثيق على تحديد البنية الفوقية المطابقة. وينفي بكل بساطة واقع أن التاريخ، الذي لا يتوفر على قوة القدر، زاخر بالأحداث التي تفتح مجموعة احتمالات، غير مؤكدة برمتها. ولكن أفقا محددا من الاحتمالات.

 

لم يعتبر الفاعلون الحقيقيون في الثورة الروسية أن هذه الأخيرة مغامرة منعزلة، بل بما هي العنصر الأول من عناصر ثورة أوروبية وعالمية. إن فشل الثورة الألمانية أو إخفاقات الحرب الأهلية الإسبانية، وتطورات الثورة الصينية، وإنتصار الفاشية بإيطاليا وألمانيا لم تكن مكتوبة مسبقا. إن الكلام في هذه الحالة عن ثورة سابقة لأوانها يعني اصدار قرار من محكمة تاريخية بدل اعتماد وجهة نظر المنطق الداخلي للصراع والسياسات التي  تتصادم أثناءه. من وجهة النظر هذه، لا تمثل الهزائم  دلائل ارتكاب أخطاء أو أضرار، كما لا تشكل الانتصارات برهان حقيقة. فليس ثمة حكم نهائي. المهم هو ما جرى التخطيط له خطوة خطوة، بمناسبة كل خيار عظيم، وكل مفرق طرق كبير (النيب والتجميع القسري والإتفاقية الألمانية السوفياتية وإنتصار النازية) والمهم مسار سياسة أخرى ممكنة. هذا ما يحافظ على فهم الماضي ويتيح استخلاص دروس منه لاستشراف المستقبل.

 

قد تكون هناك جوانب أخرى تستدعي نقاشا بمناسبة هذه الذكرى. لكن اكتفينا بـ«ثلاثة أسئلة حول تشرين الأول/أكتوبر» وهي حاسمة اليوم في النقاش. بيد أن موضوع «دروس تشرين/ أكتوبر» من منظور إستراتيجي (أزمة ثورية، ازدواجية السلطة، علاقات بين أحزاب وجماهير ومؤسسات ومسائل الإقتصاد الإنتقالي)، وراهنيتها وحدودها حاسم أيضا بالطبع. وضد التشويهات الساعية إلى إرجاع كل أشكال بؤس القرن إلى الثورة، يتعين أيضا توضيح أن الإتحاد السوفياتي يشكل طبعا البلد الذي شهد، خلال حوالي ثلاثين عاما، أكبر عدد من القتلى نتيجة أعمال عنف في منطقة محدودة، ولكن لا يمكن بشكل عشوائي، ضمن هؤلاء العشرات من ملايين القتلى، أن نعزو إلى الثورة من سقطوا في الحرب العالمية الأولى، أو التدخل الأجنبي أو الحرب الأهلية أو الحرب العالمية الثانية. وكما كان الحال، في الذكرى المئوية للثورة الفرنسية، من المستحيل ارجاع المعانات الناجمة عن تدخل الأنظمة الملكية أو الحروب النابوليونية إلى الثورة.

 

 في مرحلة اعادة الرأسمالية هذه، قد يكون من المناسب في الختام ذكر هذه التعابير الرائعة التي كتبها كانط Kant عام 1795 ، في أوج الرجعية الترميدورية: «إن ظاهرة كهذه في تاريخ الإنسانية لا تنسى إطلاقا، لأنها كشفت في الطبيعة الإنسانية استعدادا وقدرة على التقدم إلى درجة أن سياسة لا تستطيع، بدقتها البالغة، ابعادها عن مجرى الأحداث السابق: إن الطبيعة والحرية وحدهما، مجتمعتان في الجنس البشري، كانتا قادرتين على ابرازها، خلال مدة زمنية، ولو بطريقة غير محددة وكحدث  طارئ. لكن حتى لو لم يكن هدف هذا الحدث قد تحقق اليوم، وحتى لو فشلت في الأخير ثورة شعب أو إصلاح دستوره، أو إذا كان كل شيء رجع إلى عاداته القديمة (كما يتوقعه اليوم بعض السياسيين)، فإن هذه النبوءة الفلسفية لا تفقد مع ذلك أي شيء من قوتها. لأن هذا الحدث مهم للغاية، وأشد إرتباطا بمصالح الإنسانية وله تأثير واسع للغاية في ربوع العالم لكي لا يكون من الضروري تذكير الشعوب بها خلال الظروف الملائمة وإستحضارها أثناء إتخاذ مبادرات جديدية من هذا النوع [4]».

 

 ما من شيء قادر بأي وجه على محو ما هز العالم خلال 10 أيام.

 

 12 تشرين الأول/أكتوبر عام 1997

 

مداخلة دانيال بنسعيد

 

احالات من وضع المترجم

(1)  مانوية: مذهب ماني الفارسي صاحب عقيدة الصراع بين النور والظلام

(2)  تقسيم حقبة تاريخية طويلة إلى فترات صغيرة لدرس تطورها وشرحها

(3)  نزعة التقيد بالأعراف المقررة

احالة الكاتب

[4] كانط، فلسفة التاريخ، «صراع القدرات»، دار النشر، غونثير، مكتبة ميدياسيون، عام 1965، VII، صفحة 173.

Print Friendly, PDF & Email