النساء يُطلقن شرارة ثورة فبراير 1917 الروسية*

النساء9 مارس، 2026

[*مقتطف من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، الجزء الأول، ليون تروتسكي ترجمة أكرم ديري والهيثم الأيوبي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر]

كان يوم 23 فبراير (شباط) “يوم المرأة العالمي” وكانت دوائر الحزب الاشتراكي – الديموقراطي ترسم خططها ليكون لهذا الموسم دلالته بالوسائل الشائعة: المؤتمرات، والخطب، والمنشورات. وفي مساء هذا اليوم لم يكن يخطر على بال أحد أن يكون “يوم المرأة” فاتحة للثورة؛ وذلك لأن أي تنظيم من التنظيمات لم يوجه الدعوة إلى الإضراب في هذا اليوم. وفضلاً عن هذا فقد نصحت لجنة دائرة فيبورغ العمالية بعدم القيام بأي إضراب، رغم أنها تنظيم من أكثر التنظيمات البلشفية كفاحًا ونضالاً. وكانت حالة الجماهير الفكرية متوترة جدًا بحسب شهادة كييوروف، أحد القادة العماليين في دائرة فيبورغ. وكان كل إضراب يهدد بالتحول إلى صدام مكشوف بين العمال والسلطات. ولكن نظرًا لأن هذه اللجنة كانت تقدر أن لحظة الصدام لم تحن بعد -لأن الحزب ليس قويًا حتى الآن، كما أن الالتحام بين العمال والجنود غير كافٍ- فقد قررت أن لا تدعو إلى الإضراب، وأن تستعد للعمل الثوري في تاريخ غير محدد. هذا هو خط السلوك الذي دعت لجنة فيبورغ إلى اتباعه في مساء 23، ويبدو أن جميع التنظيمات تبنته وأقرته. ولكن في صباح اليوم التالي، رغم كافة التوجيهات الصادرة عن اللجنة امتنعت عاملات النسيج عن العمل في عدة مصانع، وأرسلن مندوبات عنهن إلى عمال المعادن يطلبوهم دعم الإضراب. وقد كتب كييوروف عن هذه الفترة يقول: بأن البلاشفة ساروا “على كُره منهم”، وتبعهم العمال المناشفة، والاشتراكيون – الثوريون. ولكن عندما يقع إضراب جماهيري، لا بُدَّ من جر كل الناس إلى الاشتراك به، ودفعهم للنزول إلى الشارع، وذلك من أجل أن يتزعم البلاشفة الحركة. هذا هو القرار الذي اقترحه كييوروف بعد حدوث إضراب العاملات. ووجدت لجنة فيبورغ نفسها مضطرة للموافقة عليه. ويستطرد كييوروف قائلاً: “كانت فكرة التظاهر تنضج منذ وقت طويل في أوساط العمال، ولكن في هذه اللحظة لم يكن أحد قد توصل إلى تصور ما سينتج عنها”. هذه هي الشهادة التي أدَّلى بها أحد المشتركين الهامين جدًا. ويجب علينا أن نمعن النظر فيها لكي نفهم آليَّة الأحداث القادمة.

وكان الجميع يعتقدون مسبقًا أن القطعات العسكرية ستخرج حتمًا من الثكنات عند وقوع المظاهرات، وستتصدى للعمال. فما الذي حدث؟ نحن في حالة حرب، والسلطات غير مستعدة للمزاح. وليس الجندي “الاحتياطي” في تلك الأيام هو الجندي الذي عرفناه في الماضي في ملاكات “الجيش العامل”؛ إذ لم يكن جنديًّا مخيفًا حقًا! وكانت الدوائر الثورية تُمعن النظر وتُفكر في هذا الموضوع الحساس وتُحاكمه، ولكن محاكماتها كانت تجريديَّة، لأنه لم يكن أحد ليفكر -وبوسعنا أن نؤكد ذلك بصورة قاطعة استنادًا إلى كل الوثائق الملتقطة- أن يوم 23 فبراير (شباط) سيكون بداية هجوم حاسم ضد الحكم المطلق المستبد. فلم تكن المسألة سوى مظاهرة محدودة جدًا ما زالت أبعادها غير واضحة.

ونتيجة لهذا كله فقد أصبح بحكم المقرر أن القواعد التي تغلبت على معارضة تنظيماتها الثورية الخاصة هي التي شنت ثورة فبراير (شباط) وأن شريحة البروليتاريا المستغلة والمضطهدة أكثر من غيرها من الشرائح هي التي اتخذت المبادرة الثورية بصورة عفوية -عاملات النسيج، اللواتي يوجد بينهن عدد لا بأس به من زوجات الجنود- وقد جاء الزخم الأخير ولا شك نتيجة لوقفات الانتظار التي لا تنتهي أمام أبواب المخابز. وكان عدد المشتركين في الإضراب خلال هذا اليوم، من نساء ورجال، حوالي 90.000 شخص. وترجمت التدابير النضالية إلى مظاهرات، واجتماعات، ومعارك مع الشرطة. وتطورت الحركة بادئ الأمر في دائرة فيبورغ؛ حيث تتمركز المشروعات الضخمة، ثم شملت فيما بعد الضاحية المسماة “بطرسبورغ”. أما في الأجزاء الأخرى من المدينة، فلم تقع إضرابات أو مظاهرات، طِبقًا لتقارير إدارة الأمن. وقد دعمت قوات الشرطة في هذا اليوم بمفارز صغيرة العدد ظاهريًّا انتُدبت من القطعات العسكرية، ولكن لم تقع أية صدامات. وتوجهت مجموعة من النساء، لم تكن كلها من العاملات إلى دوما البلدية للمطالبة بتوفير الخبز، ولكنها كانت كمن يطلب الحليب من تيس. وظهرت الأعلام الحمراء في أحياء متفرقة تحمل لافتات تقول بأن العمال يطالبون بالخبز، ويرفضون الحكم المستبد، كما أنهم لا يريدون الحرب. وقد نجح “يوم المرأة” وكان حافلاً بالحيوية، ولم تقع فيه أية ضحايا. ولكن أحدًا لم يكن ليستطيع أن يقدر ما سيحمله مساء هذا اليوم من أحداث.

شارك المقالة

اقرأ أيضا