نسف نظام الوظيفة العمومية: هجمات قاتلة قادمة

سياسة2 أبريل، 2019

  

نظامُ الوظيفة العمومية هو مجموع المساطر والقوانين التي تحدّد المسار المهني للموظّفين، من التّوظيف إلى الإحالة على التقاعد. ويشملُ النظام الأساسي كل جوانب مسار الأجراء المهني؛ التوظيف والتقييم والترقية والتكوين والحركية ونظام الأجور والحماية الاجتماعية..

نشأت الوظيفة العمومية، عبر العالم، في سيرورة طويلة ارتبطت باضطلاع الدولة، بشكل متزايد، بدور اجتماعي، يتمثل في تقديم الخدمات الاجتماعية الأساسية لمواطنيها، باعتبارها حقوقا لهم، يتم تمويلها من الثروة الوطنية المنتجة من قبل الأجراء، سواء عبر الميزانيات المباشرة الناتجة عن سيطرة الدولة على الاقتصاد أو عن طريق العائدات الضريبية المفروضة على رأس المال وأرباحه. هدفت الوظيفة العمومية إلى تأمين ومأسسة التضامن بين مكونات المجتمع، باعتبارها شكلا من أشكال توزيع الثروة.

  • إيديولوجية فائقة الليبرالية

  يهدف إصلاح الوظيفة العمومية للقضاء على الدور الاجتماعي للدولة وتكريس دورها القمعي، ويندرج ضمن المنطق الليبرالي، القائم على منظور شامل للمجتمع، منظور يسعى للفردانية على كل الأصعدة. وتكريس منطق لينفذ كل بجلده.

في هذا السياق الأيديولوجي، تجري إعادة النظر في كل ما يتعلق بالتضامن والمبادئ الجماعية. وهذا ما يجعل المرافق العمومية والوظيفة العمومية مستهدفة، باعتبارهما أساسا لإعادة توزيع الثروة.

 في المنظور الليبرالي، الأجراء والأجيرات مُجرد موارد في خدمة الزبائن، أو رأسمالا يجب تثميره. هذا التدبير المطبق في البدء في الشركات متعددة الجنسيات أصبح أيديولوجية سائدة، وتقتحم كل الأنشطة الإنسانية، لا سيما تلك المنفلتة من منطق السوق، مثل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية… عبر  تطبيق طُرق تدبير القطاع الخاص في الإدارات والوظائف العمومية على أساس مقاربة الزبون، والتنافس، والتسيير بالأهداف، والمحاسبة التحليلية، وتدبير الموارد البشرية، والترقية بالمردودية، ومقاربة الوظيفة بالكفاءة.. ويُغطَّى كل ذلك بكلام ذي طبيعة إيديولوجية صرفة عن الفعالية وتحسين الأداء، في حين أن الهدف الأساسي هو خلق المناخ الملائم ليزيد رأسالمال معدلات ربحه.

  • التدرج في الهجوم على الوظيفة العمومية

 انطلق تفكيك الوظيفة العمومية منذ عُقود، وإن لم يستهدف نظام الوظيفة في شموليته، فإنه مس جوانبه الجوهرية، بمنطق متدرج، لتفادي استثارة رد الأجراء الجماعي. لكن هذا الهجوم بلغ اليوم طورا عميقا، عبر إعادة النظر جذريا في كل جوانب الوظيفة العمومية. بتحويل عالم الشُّغل برمته في اتجاه مرونة قُصوى، بما يمكن من تكثيف استغلال الأجراء والأجيرات، والتخلي عن مكاسبهم التاريخية المنتزعة بنضالهم.

في هذا السياق أكدأرنود فاكدا” Arnaud Vagda الخبير البلجيكي في مجال تدبير الموارد البشرية في إطار مناظرة تفكيك الوظيفة العمومية بالصخيرات،  على ضرورة “مراعاة مرحلة انتقالية كافية، تسمح بالمرور التدريجي من النظام الجاري به العمل إلى النظام المنشود، بكل  سلاسة ومرونة لتفادي أي عراقيل أو مطبات قد تعترض تحقيق أهداف هذا الإصلاح الجوهري”.

  • البنك العالمي ينسف الوظيفة العمومية

 خلافا لدعاية الدولة الرسمية التي تدعي أن إصلاح/تدمير الوظيفة العمومية مرتبطٌ ب “مصالح وأهداف محلية كالحكامة والنزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص”، تُمثّل إملاءات البنك العالمي مرجعا رئيسيا لتفكيك الوظيفة العمومية، وكل الجوانب التي سيطالها الهجوم متضمنة في اتفاقات الديون والشراكة التي وقعها المغرب مع هذه المؤسسة الاستعمارية. حيث تستند سلسلة قروض التنمية الحالية إلى السلسلة السابقة من قروض إصلاح الإدارة العمومية التي ساندت بشكل ملحوظ تحديث الإدارة العمومية وإصلاح الوظيفة العمومية”.

   القروض الأربعة التي تلقاها المغرب المندرجة في إطار برنامج “إصلاح الإدارة العمومية” حتى حدود 2011، فُرض بموجبها منظورُ هذا البنك للوظيفة العمومية، حيث تستعرض تقارير هذه القروض الجوانب التي سيشملها الإصلاح ومنهجيته.

يرى البنك العالمي انطلاقا “من التجارب الدولية، أن إصلاحات القطاع العمومي والميزانية تُعتبر بكل تأكيد عملية طويلة ومعقدة”. مُؤكدا على ضرورة “إصلاح الوظيفة العمومية، ودعم لامركزية الإدارة العمومية بغرض ضمان أن تؤدي عملية الإصلاح الطويلة في نهاية المطاف إلى تحقيق آثار ملموسة”. مشدّدا على أنه “رغم شروع الحكومة المغربية في هذه العملية منذ عام 2002 وتحقيق إنجازات لا يمكن إنكارها، لا يزال أمامها شوط طويل ينبغي عليها قطعه”. المقصود طبعا حربٌ طويلة يجب خوضها ضد مكاسب الأجراء والأجيرات التاريخية في الوظيفة العمومية.

تمثل أيضا الشراكة الاستراتيجية بين المغرب والبنك العالمي الممتدة بين 2019-2024  (“الاستثمار في رأس المال البشري والتحوُّل الاقتصادي”) أحد المراجع الراهنة لتفكيك الوظيفة العمومية. فمقابل قروض ومساعدات مالية تبلغ قيمتها 611.3 مليون يورو (ما يعادل 700 مليون دولار). ستقوم الدولة المغربية في السنوات الست القادمة، بتطبيق منظور البنك العالمي للوظيفة والإدارة العموميتين.

  تنهل هذه الإملاءات من الدروس المكتسبة من كل الاتفاقيات الاستعمارية الجديدة التي جمعت الدولة المغربية بالبنك العالمي. وتنبني على ثلاث ركائز استراتيجية وهي “تعزيز جهود القطاع الخاص لخلق فرص الشغل”، و“تقوية رأس المال البشري”، و“تعزيز التنمية الجهوية الشاملة القادرة على مجابهة الصدمات”. أي “إطلاق العنان لجهود القطاع الخاص لخلق فرص الشغل”. و“اتباع حلول القطاع الخاص التي تكفل تحقيق أعلى جودة بأقل تكلفة”. و“الحفاظ على الموارد المالية العمومية المحدودة وتوجيهها حيثما لا تكون مشاركة القطاع الخاص متاحة أو لا تشكل أفضل خيار”.

إن لهذه التوجهات، انعكاسات خطيرة على حجم النفقات العمومية، وتأثير مُتعاظم على الوضعية الاجتماعية للأجراء والأجيرات، وأيضا على مستوى جودة الخدمات العمومية. فكلما تبنت الدولة هذه التوجهات الليبرالية، كلما تم سحق حق الأغلبية الشعبية التي لا تملك سوى قوة عملها، والإجهاز على حقها في الشغل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، وعلى حقها في التنظيم والدفاع عن مصالحها. وهي توجيهات وإملاءات تكشفُ بوضوح مصدر السياسات والقوانين والإصلاحات التي تتفانى الدولة في تطبيقها.

  • حصيلة سابقة للهجوم على الإدارة والوظيفة العموميتين

      منذُ نهاية التسعينيات من القرن العشرين، بدأ إدخال تعديلات على الإدارة، بدءا بميثاق حُسن التسيير لسنة 1998 ثم مخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية 2000-2004. الذي وضع مشاريع “إصلاح الإدارة وتدبير الموارد البشرية” في إطار زمني. تلته مناظرة الرباط سنة 2002 حول “الإدارة المغربية وتحديات 2010 ،”تم خلالها اقتراح 162 تدبيرا مجمعة في سبع ورشات من أجل “تحديث الإدارة”، وخلال سنة 2003، بدأت بلورة إجراءات مستمدة من المبادرات السابقة في إطار “برنامج دعم إصلاح الإدارة العمومية” الذي أملتهُ المؤسسات المالية، وهي البنك الإفريقي للتنمية والبنك العالمي والاتحاد الأوروبي. وقد امتد لست سنوات.

  تتجلى أبرز أهداف الدولة من كل الإجراءات السابقة، في تهشيش ظروف عمل الموظفين، بمبرر “تغيير طُرق تدبير الموارد البشرية”، بدءا بالتحكم في كتلة الأجور، وتهشيش التوظيف، و”اللاتمركز” الإداري، والتكوين المستمر..

– سياق النظام الأساسي للوظيفة العمومية

 صدر النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية في السنوات الأولى بعد الاستقلال الشكلي للمغرب، بتاريخ 24 فبراير 1958 (بموجب ظهير 1.85.008.) ويحمل مكاسب هامة، بفضل ميزان القوى القائم آنداك على الصعيد العالمي، بين قوى الشغيلة وحلفائها من حركات التحرر الوطني من جهة، وقوى الرأسمالية من جهة أخرى. وهو أيضا مكسب نضال الحركة العمالية المغربية التي كانت في فجر الإستقلال في أوجه قوتها .

لكن تأزّم النظام الرأسمالي العالمي ودخوله في مرحلة ركود مديدة منذ سنوات السبعينيات إلى اليوم، جعلت الأنظمة البورجوازية في المراكز الإمبريالية، كما في البلدان التابعة تشن هجوما كاسحا على مكاسب أنظمة الوظيفة العمومية.

  يسري هذا النظام على موظفي الإدارات المركزية للدولة ومصالحها اللاممركزة، وموظفو الجماعات الترابية، وموظفو بعض المؤسسات العمومية. ويستثني القضاة، وقضاة المجلس الأعلى للحسابات والعسكريين والولاة والعمال، ومتصرفي وزارة الداخلية.

يخضع 70 بالمئة من موظفي الدولة المدنيين لأنظمة أساسية خاصة، وينتمون إلى وزارة العدل، ووزارة الداخلية ووزارة الشؤون الخارجية والتعاون، وقطاع التعليم العالي وقطاع التربية الوطنية ووزارة الاقتصاد والمالية. و3 بالمئة من الموظفين يخضعون لأنظمة خصوصية كقضاة العدل وقضاة المحاكم المالية ومتصرفي الداخلية، ورجال السلطة وموظفي مجلس النواب ومجلس المستشارين.

  ويشكل الموظفون المنتمون للأنظمة الأساسية المشتركة بين الوزارات 27 بالمئة من مجموع موظفي الدولة المدنيين. وينتمون إلى الهيئات التالية: المتصرفون والمهندسون والأطباء والممرضون والتقنيون والمحررون والمساعدون الإداريون والمساعدون التقنيون.

– تدابير تمهيدية: التحكم في كتلة الأجور

  تتجلى هذه التدابير أساسا في إطلاق عملية المغادرة الطوعية سنة 2005، وتوقيف التوظيف في الدرجات الخاصة بالأعوان، بالإضافة إلى إهداء وظائف الصيانة والحراسة والطبخ والبستنة… للقطاع الخاص.

  كانت عملية المغادرة الطوعية إحدى أبرز التعديات على الوظيفة العمومية، حيث مكنت من تخفيض أعداد الموظفين وبالتالي كتلة الأجور، فقد خفضت كتلة الأجور ب8.5 بالمئة، حيث بلغ عدد المغادرين 38763 ألف موظف-ة.

 مكنت هذه العملية الدولة من تسريع الهجمات على الأجراء ومكاسبهم، بمبرر “العقلنة والتدبير الأمثل“. عبر التّخلص من قاعدة الوظيفة العمومية القديمة، المُراكمة لمكاسب تاريخية، والتَّفرُّغ للهجوم على الأجيال الراهنة والمستقبلية.

– النظام الأساسي للوظيفة العمومية: تعديلات متناسقة

لم يعرف النظام الأساسي للوظيفة العمومية منذ تاريخ اعتماده تغييرات جوهرية، حيث انصبت أغلب التعديلات (15 تعديلا حتى الآن) على إحداث أنظمة أساسية استثنائية لفائدة بعض فئات الموظفين أو تحديد كيفيات تطبيق بعض مقتضيات هذا النظام. لكن بالرغم من ذلك، تبقى تعديلات ناظمة، ممهدة لما بعدها.

 طُرح تعديل النظام الأساسي للوظيفة العمومية على جدول أعمال الدولة بحدة منذ سنة 2005، عبر تدابير جزئية متدرجة. من بينها قانون رقم 50.05 المتعلق بتعميم المباراة كسبيل وحيد للتوظيف في الوظيفة العمومية، عوض التوظيفات المباشرة، وهو ضرب للتوظيف المباشر لحاملي الشهادات العليا، من خلال فرض “المباراة” كآلية وحيدة لولوج الوظائف العمومية وإلغاء التوظيف بناء على الشهادات في السلم 11.

يندرج مرسوم “نقل الموظفين”، المنتمين إلى الهيئات المشتركة بين الوزارات (المتصرفون، المهندسون، التقنيون، المساعدون الإداريون والمساعدون التقنيون…) في إطار تفكيك نظام الوظيفة العمومية. يبلغ عدد المعنيين بهذا المرسوم حوالي 120 ألف موظف. أي 24 بالمئة من مجموع موظفي الوظيفة العمومية المدنيين. وهو مرسوم يُشرعِن مرونة تنقيل الموظفين بين الوزارات، وضرب استقرارهم الوظيفي.  

 فضلا عن اعتماد “التعاقد” في الإدارة العمومية، وإجراءات أخرى كإصدار مراسيم تطبيقية همت ترسيم جميع الأعوان وتوقيف التوظيف في الدرجات الدنيا (2001 إلى 2010). أي حذف الدرجات النظامية الدنيا (السلالم من 1 إلى 4) وإدماج الموظفين المنتمين إلى هذه الدرجات في السلم 5 حتى حدود 2010. حيث قامت الدولة بترسيم 42.000 عون، وأدمجت 115.500 في الدرجات المرتبة في السلم 5. وقلصت عدد الدرجات والأطر من 400 درجة إلى 245 درجة (حذف 155 درجة). وطبعا ترسيم آلاف الأعوان بعد إلغاء التشغيل في درجاتهم أو نقلهم إلى السلم الخامس، هو تنازل طفيف لتفادي رد فعل المعنيين.

إن حذف السلالم الدنيا من 1 إلى 5 هو فقدان ما يزيد على 115.000 منصب شغل قار ودائم في إدارات الدولة والجماعات الترابية، تم تعويضه بإهداء تشغيل الشباب، في طبق من ذهب، لشركات المناولة. بعقود شغل كارثية وبدون أدنى حقوق.

– لماذا تفكيك الوظيفة العمومية اليوم؟

   إضافة إلى دور عملية المغادرة الطوعية في التخلص من جزء من قاعدة الوظيفة العمومية المراكمة للمكاسب، تُبرز البنية الديموغرافية لموظفي الدولة تزايد أعداد الموظفين الذين سيحالون على التّقاعد، حيث أن 59% من الموظفين تتراوح أعمارهم ما بين 41 و60 سنة. وتُشكل هذه الوضعية فرصة ثمينة للدولة لتغيير نظام الوظيفة العمومية تغييرا عميقا. أي “تدبير الموارد البشرية بتكوين قاعدة جديدة لكفاءات وأعداد الموظفين بما يتناسب مع احتياجات إدارة الغد”.  يُتوقع أن يغادر الوظيفة العمومية في أفق سنة 2020، حوالي 60.864 موظفا وموظفة، أي ما يناهز 11.5 % من أعداد الموظفين وحوالي 134.961 موظفا وموظفة (25%) في غضون العشر سنوات المقبلة.

  تفكيك النظام الأساسي للوظيفة العمومية اليوم، الغاية منه أيضا فرض التساوي في الهجوم على الحقوق بين من هم نظاميين ومن فرض عليهم التعاقد، عبر التراجع عن كل المكاسب التاريخية.

  • ذرائع مخادعة لتبرير الهجوم

المبرر الرئيسي لتفكيك الوظيفة العمومية هو “إكراهات الميزانية وتوازنها”، وتقل “كُتلة الأجور على خزينة الدولة”. ولا حل في نظر الدولة لتحقيق توازن الميزانية غير تقليص النفقات الاجتماعية وقضم مكاسب الأجراء، والأمران على حساب الطبقة العاملة والطبقات الشعبية الكادحة.

لا حديث عن إثقال الميزانية بالمخصصات لرأس المال مثل المزايا الضريبية، والعقار والبنية التحتية المسماة أوراش كبرى،

والمديونية، وتهريب الأموال، والتهرٌّب والغش الضريبيين… تخصص أموال طائلة لرأس المال دون أن يساهم في امتصاص البطالة والنسبة الكبيرة لمناصب الشغل الشحيحة التي يوفرها هشة وبلا عقود عمل ولا حماية اجتماعية…

أبرز الهجمات على النظام الأساسي للوظيفة العمومية

  • تقليص عدد الأنظمة الخاصة

 قلصت تعديلات النظام الأساسي للوظيفة العمومية عدد الأنظمة الأساسية (2011) من 58 إلى 41 نظام أساسي.، من خلال تجميع الدرجات المتشابهة من حيث شروط الولوج والمسار المهني والمهام. أُسوة بنظام الوظيفة العمومية الفرنسي الذي قلص أنظمة الوظيفة العمومية إلى حدود 30 نظاما أساسيا.

نتج عن تقليص الأنظمة الأساسية لقطاعات الوظيفة العمومية منذ سنة 2010، إلغاء ما يزيد عن 145.000 ألف منصب شغل قار ودائم مفترض، وهذا توجه سبق لفرنسا أن سلكته منذ تسعينيات القرن الماضي بتقليص عدد درجات التوظيف من 1500 درجة إلى زهاء 300 درجة في عهد حكومة ساركوزي .

  وفي إطار تنفيذ توصيات الإتحاد الأوروبي عرض “جون فرونسوا فرينديير” المدير العام للإدارة والوظيفة العمومية الفرنسية سنة 2013 التجربة الفرنسية في مناظرة الصخيرات لتعديل نظام الوظيفة العمومية المغربي، مقترحا تقليص عدد الأنظمة الأساسية، وتبني مرونة نقل الموظفين، واعتماد التشغيل بالتعاقد المحدد المدة في الوظيفة العمومية…

هذا التقليص الغاية منه، إلغاء المكاسب الفئوية التي تتمتع بها عشرات الفئات من الموظفين، وجمعها في نظام واحد. من خلال إلغاء الامتيازات في الأجور والتعويضات والترقيات بين مختلف الإدارات.  

  • ربط ترقية الموظفين بأدائهم

تُشكل شروط الترقية في مسار أجراء الوظيفة العمومية مكسبا تاريخيا، يمكنهم من تحسين الدخل باستمرار  مع تقدم سنوات العمل. وقد انطلق الهجوم على هذا الصعيد بضرب حق الموظفين في الترقية بناء على الشهادة التي كانت تتيح للموظفين تحسين وضعهم المادي والاجتماعي.

يعتمد نظام الترقية في الوظيفة العمومية على التنقيط، ويرتبط عموما بسقف أقدمية. بالاعتماد على آليتين اثنتين للترقي:  أولا امتحان الكفاءة المهنية، من اختبارات كتابية وشفوية لتقييم المؤهلات المهنية للموظف. وثانيا الاختيار حسب الاستحقاق باعتماد معايير موضوعية مبنية على تقييم أداء الموظف تقوم به السلطة الرئاسية في الإدارة.

ترى الدولة أن الترقية السريعة هي زيادة مكلفة في الأجور. لذلك ستعوضه بنظام ترقي بطئ غير مكلف للمالية العمومية. يأخذ نظام الترقي سنويا 4 بالمئة من كتلة الأجور، ما يناھز 3.6 مليار درھم سنويا، حيث تتم ترقية 40.000 موظفا في السنة.  (النظام الأساسي للوظيفة العمومية: الوضعية الراهنة وآفاق الإصلاح، وزارة الاقتصاد والمالية، مديرية الميزانية، 2013).

  الهدف من “إجراءات تحديث الترقي”، هو الاعتماد على معايير مرنة يمكن تطويعها بحسب الإمكانيات المالية الممكن رصدها للترقي عوض التنقيط والتقييم والأقدمية، بناء على “مراجعة جذرية لمنظومة التنقيط وتقييم الأداء” من خلال: “حذف التنقيط بذريعة “الاستعمال العشوائي وغير الموضوعي“. واعتماد تقييم سنوي للموظف يستند على العناصر التالية: إعداد الموظف لتقرير سنوي للأعمال المنجزة، وإجراء مقابلة في ضوء التقرير المعد مع أحد رؤسائه المتسلسلين، يتضمن ملاحظات عامة مع ترتيب الموظف باعتماد سلم تراتبي يضم ثلاث مستويات: (أ و ب و ج).

يجب رفض أي تفكيك لنظام الترقية المعتمد على التنقيط والأقدمية، والمطالبة بتحسينه. ورفض اقحام المنطق الإنتاجوي في الإدارة والوظيفة، وكل تسليع للوظائف.

  • تفكيك منظومة أجور الوظيفة العمومية

 يسعى هذا الهجوم على الوظيفة العمومية لإلغاء تعدد الأنظمة الأساسية، لأنه تعدد يأخذ خصوصيات كل فئة على حدة، ويمنح كل فئة تعويضات اجتماعية تقع على عاتق الدولة كمشغل.

يبلغ حاليا حجم التعويضات المتعلقة بالدرجة حوالي 76 بالمائة في المتوسط من الراتب الشهري الخام. كما سيطال الهجوم الراتب الأساسي القائم على نظام الرقم الاستدلالي. فالموظفون في نفس القطاع يزاولون نفس الوظائف لكن بأجور متباينة، وذلك بسبب  تعويضات الرتب والدرجات، فكلما كان الموظف اقدم تزداد تعويضات درجاته.

وراتب الموظف-ة بالنسبة للدولة بهذا المعنى “لا يتيح استعماله كآلية للتدبير. ونظرا لوزنه على المالية العمومية وارتباطه الوثيق بمشاريع إصلاح تدبير الموارد البشرية، فإن إصلاح نظام الأجور يصبح أمرا ملحا لأنه يرهن نجاح الإصلاحات الأخرى”.

تمثل نفقات موظفي الدولة أهم المكونات الأساسية للنفقات العمومية حيث تمثل لوحدها أكثر من 33 بالمئة من نفقات الميزانية العامة. والزيادات المترتبة عن الترقية في الدرجة والسلم تستلزم سنويا مبالغ مهمة، حيث بلغ الغلاف المالي لهذه الزيادات 3.56 مليار درهم سنة 2015 مثلا.

والحالة هذه تسعى الدولة لتعويض نظام الترقيات في الدرجة والسلم، ب“التحفيز على المردودية والفعالية”: عبر تخصيص هامش من الأجر لهذا الغرض. الشيئ الذي سيخلق حالة من اللامساوة بين فئات الأجراء وقطاعات الوظيفة العمومية،  وبين النساء والرجال، فضلا عن التعسفات التي ستزداد حدتها.

ولأن أجور الوظيفة العمومية مستقرة، لأنها مرتبطة بالسلم أو الإطار، فإن الدولة تسعى لقضمها وتقليصها، عبر ربطها بالعمل الممارس، أي المردودية والكفاءة. الشيئ الذي سيضرب استقرار الأجر، ومن ثمة تهشيش أوضاع الأجراء، فضلا عن تقليص تعويضات الأجر، بمبرر  احتلالها “حيزا كبير من الأجرة”.

  • ضرب الاستقرار المهني للموظفين: الحركية وإعادة الانتشار

مرسوم “نقل الموظفين”، المنتمين إلى الهيئات المشتركة بين الوزارات (المتصرفون، المهندسون، التقنيون، المساعدون الإداريون والمساعدون التقنيون…) مجرد بداية على صعيد حركية الموظفين، فالغاية تحريك مجموع موظفي الوظيفة العمومية عند الحاجة. حيث سيجري الربط بين الترقية والحركية من أجل إجبار الموظفين على تغيير أماكن عملهم باستمرار.

 الحركية وإعادة الانتشار والتفييض… هي تنقيل إجباري (عقاب) يضرب استقرار الشغل. فلتغطية الخصاص وتعويض المتقاعدين يجب زيادة الموظفين عبر التوظيف، وليس استهداف استقرارهم المهني، كما أن هذا الهجوم سيترافق مع تجميد وإلغاء الحركة الانتقالية الاختيارية، بشتى أنواعها.

  • تهشيش التوظيف في الإدارات العمومية عبر التعاقد

  بعد النجاح في تعميم العمل الهش في القطاع الخاص، وما ترتب عنه من فرط استغلال وقهر، وشبه قضاء على العمل النقابي، ها هي الدولة تُقدم على خطوة إضافية لتنفيذ نفس الخطة بقطاع الوظيفة العمومية.

لقد دخل نسف استقرار العمل إلى قطاع الوظيفة العمومية من باب التفويض لشركات المناولة (حراسة، نظافة، مطعمة، بستنة…) دون أن يلقى أي اعتراض من طرف بيروقرتطيات النقابات. وهذا طبعا ما يشجع الدولة على المزيد من الهشاشة.

تسعى الدولة لتخفيض نفقات الموظفين من 11.5 بالمئة إلى أقل من 10 بالمئة من الناتج الداخلي الخام. والحل السحري طبعا هو التوظيف عبر العقود، ليتسنى لها التخلص من الموظفين كلما استدعت الضرورة، يعني أقصى مرونة في التوظيف.

برسم سنة 2018 بلغ عدد الموظفين 568.655 موظفا مدنيا. أزيد من نصف الموظفين بوزارة التربية الوطنية والتعليم العالي: 287089 أي 51 بالمئة. والداخلية 23 بالمئة، والصحة 9 بالمئة، والعدل 3 بالمئة، والاقتصاد والمالية 3 بالمئة، وقطاعات أخرى 11 بالمئة. وحجم الموظفين بالتربية الوطنية الكبير جعل شغيلتها الأوائل المستهدفون بالتشغيل بالتعاقد.

  يسعى هذا الهجوم لتغيير نظام التوظيف في الوظيفة العمومية ككل، عبر اعتماد “تقنيات تدبير الموارد البشرية التي أثبتت نجاحها في القطاع الخاص وفي بلدان أخرى” [تقرير موضوعاتي للمجلس الأعلى للحسابات حول نظام الوظيفة العمومية بالمغرب]. أي العمل بنظام العقدة المحددة المدة، عوض الترسيم. ولكي تَكون لدى الدولة القدرة على تطبيق ذلك، يقترح المجلس الأعلى للحسابات على السلطات العمومية التدابير التحضيرية التالية:

  • مواصلة جهود تقليص عدد الأنظمة الأساسية الخاصة بنظام الوظيفة العمومية.
  • العمل على إضفاء المهنية على عمليات التوظيف ولاسيما من خلال مراجعة وزن الشروط الأكاديمية وذلك بتقليصه لفائدة اعتبارات أخرى تتعلق بالخبرة والكفاءات الشخصية التي يتطلبها المنصب المراد شغله؛
  • تطوير الشروط الضرورية لإنجاح سياسة التوظيف عن طريق التعاقد لا سيما من خلال الإرساء المتدرج للعناصر الضرورية من “نظام الوظيفة”؛
  • رفع الحواجز بين القطاعين العام والخاص من خلال اعتبار التجارب المهنية في القطاعين أثناء التوظيف ووضع آليات الالتقائية أنظمة التقاعد في القطاعين.

التوظيف بالعقدة جريمةٌ ستنال من استقرار أوضاع الشغل بالوظيفة العمومية لأول مرة في تاريخها، وسيكون لهذا التوظيف انعكاساتٌ خطيرةٌ على أوضاع أجراء وأجيرات الوظيفة العمومية، بحيث ستكون أكثر هشاشة، وستدمر ما تبقى من حقوقهم، وستمس استقرار حياتهم.

تظل غاية الدولة هي التخلص من معايير التوظيف الوطنية والموحدة، لأنها تُكسب أجراء الوظيفة العمومية قوة تفاوضية جماعية على المستوى الوطني. بمعنى تدمير وحدة الشغيلة عبر ما يسمى بالتوظيف الجهوي، وتعميم الهشاشة وفرط الاستغلال، وفي نفس الوقت التحكم في كتلة أجور أجراء الوظيفة العمومية من خلال تقليص أكلافها بـ”ربط الأجور والحقوق الاجتماعية بالمردودية”.

  • تفكيك منظومة التقييم وربط الترقية بالمردودية

يسعى الإصلاح/التخريب إلى التخلص نهائيا من مكسب الترقي التلقائي بناء على الأقدمية وسنوات العمل. وتعويضه بنظام المردودية والاستحقاق. بما فيه إمكانية القهقرة في الدرجة بالنسبة للموظفين ذوي “الأداء الضعيف“. حيث “ينبغي أن يروم الإصلاح تحقيق هدف القطع مع نهج الترقية التلقائية وحث الموظفين على أداء مهامهم بالجدية والاستقامة المطلوبتين.” وتتجلى الخطوط العريضة لهذا الهجوم على نظام الترقي في:

  • وضع معايير محددة للتقييم، على مستوى كل إدارة، تمكن من قياس أداء كل موظف على أساس المهام المسندة إليه؛
  • القطع مع نهج الترقية التلقائية وتشجيع الموظفين على تطوير روح المبادرة والابتكار وتطوير معارفهم خلال مساراتهم المهنية، وذلك بتضمين نظام التقييم والترقية إمكانية القهقرى في الدرجة بالنسبة للموظفين ذوي الأداء الضعيف؛
  • اعتماد تدابير وإجراءات تجعل من الأداء الجيد والاستثنائي للموظف محط تشجيع وتحفيز، عن طريق إحداث نظام للمكافأة يمكن الموظف المجد، استثناء، من الاستفادة من تعويضات درجة أعلى.

ليس أجراء الوظيفة العمومية الآلات أو سلعا، لقياس مردوديتهم. يجب أن يختار الموظفون مسارهم المهني بحرية، حسب اختيارهم، على أساس تكوين أولي صلب، وتكوين مستمر مفتوح على آفاق رحبة بدل إجبارهم على التكيف مع الإصلاحات.

  • ربط التكوين المستمر بالأجور ونظام التقييم والترقية…

سيكون التكوين ملزما للموظفين، بل شرطا من الشروط الأساسية للوظيفة العمومية النيوليبرالية، حيث سيُعتمد في مختلف مراحل المسار المهني للموظف. بدءا من اعتماده كمعيار للترقية وتقييم الأداء واجتياز المباريات وامتحانات الكفاءة المهنية، وولوج المناصب العليا ومناصب المسؤولية والتعويضات في الأجور. كما سيتم اعتماده في إعادة الانتشار كأداة للترهيب والانتقام..

التكوين المستمر” بهذا المعنى لا يقصد به معارف الموظفين الأكاديمية، بل آلية للتنافس والتطاحن، والجري وراء والتكوينات سواء منها الرسمية وغير الرسمية، قصد تجاوز الموظفين لبعضهم البعض في مراكمة شهادات التكوينات المستمرة، لكسب السبق في تسلق سلم الترقية أو لتفادي قرار جائر في حقهم كإعادة الانتشار.

سيكون هذا التكوين على حساب أوقات راحة الموظفين، الشيء الذي سيثقل كاهلهم بساعات إضافية غير مؤدى عنها، وإغراقهم في دوامة استلاب وحشي للعمل تُسحق فيه إنسانية الإنسان، ليصبحوا عبيد الإدارة. كما أن تقنين هذه التكوينات واعتبارها أحد مقاييس الأداء، سيستبعد أي نقد أو رفض لها.

“يجب أن يلبي التكوين المستمر حاجات الإدارة ورغباتها انطلاقا من التطورات”، بهذا المعنى هي تكوينات خارج حاجات الموظفين، وسيتحولون إلى فئران لتجريب بعض النظريات النيوليبرالية في مجال الإدارة والوظيفة. يمكن اختصار جوانب الهجوم على صعيد التكوين على التالي:

  • أخذ التكوين المستمر التأهيلي بعين الاعتبار عند ولوج المناصب العليا أو مناصب المسؤولية؛
  • إدماج التكوين ومجهود تطوير الكفاءات في إطار مسلسل تقييم الموظفين؛
  • توجيه التكوين ليساير أهداف إعادة الانتشار والحركية مما يقتضي إعادة تأهيل الموظفين كلما تطلب الأمر ذلك؛
  • ربط التكوين بالترقية من خلال تنظيم دورات تكوينية تمهيدية للمباريات والإمتحانات لولوج الوظائف المناسبة؛

تبحث الدولة عن تكوين متلائم مع منطقها، وليس تكوينا يستجيب لرغبات وطموحات الموظفين.

الهجوم على الحماية الاجتماعية ومكاسب التقاعد

الهجوم على نظام المعاشات المدنية المسير من قبل الصندوق المغربي للتقاعد منذ 2016، ليس إلا خطوة أولية في اتجاه تجميع جميع أنظمة التقاعد، وضرب كل مكاسب الموظفين على هذا الصعيد.  إجراءات 2016 سعت لتقريب نظام المعاشات المدنية والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، والمرحلة الثانية ستتضمن “إصلاحا عميقا” لمنظومة التقاعد.

   تنطوي هذه التعديلات على مزيد من التراجعات الخطيرة التي ستنال من مكاسب الموظفين في مجال التقاعد.

  • زيادة عدد ساعات العمل

أحد مداخل تقليص الوظائف، في إصلاح/تخريب نظام الوظيفة العمومية، هو فرض ساعات عمل أطول، بدءا بالتشديد على الالتزام بساعات العمل الفعلية للموظف، وزيادة زمن العمل الإداري فيما بعد، من خلال:

  • وضع آليات للتحقق من الوقت الفعلي للعمل في إطار المدة المحددة في النصوص التنظيمية.
  • الرفع من زمن العمل الإداري الفعلي لتوفير هامش من الإمكانيات التي تعادل أعدادا معينة من الموظفين بما يمكن من تلبية الاحتياجات من الموارد البشرية الناجمة عن تقاعد الموظفين، وبالتالي تقليص التوظيفات إلى أقصى حد.
  • تقليص رخص التغيب للموظفين.

لشرعنة زيادة ساعات العمل لجأت الدولة كالعادة لعشرات الذرائع، كغياب الموظفين على سبيل المثال:  “فقد قطاع التربية الوطنية سنة 2016 ما مجموعه 890 406 يوم عمل… أما في قطاع الصحة العمومية، تشير الدراسات إلى أن حوالي 46 بالمائة في المتوسط من الوقت المخصص للعمل لا يتم استغلاله نتيجة غيابات الأطباء. أما في الإدارات الأخرى، فإن مدة العمل الأسبوعية المحددة في 37.5 ساعة لا يتم احترامها بشكل صارم. وهو ما يمثل هامشا كبيرا لضبط هذا الزمن.”

المقصود من هذه الذرائع هو تحميل أجراء وأجيرات الوظيفة العمومية مسؤولية تردي الخدمات التي يؤدونها، حيث أن الخصاص الذي تشهده الإدارات العمومية نتيجة للتغيبات وليس لشح التوظيفات.. وبذلك تعفي الدولة نفسها: خفض ميزانية القطاعات الاجتماعية ووقف التشغيل، وعدم تعويض المتقاعدين. بل ورفع ساعات العمل على حساب أوقات راحة الموظفين.

  • استهداف التنظيم النقابي

تقارير مؤسسات الدولة تشدد على أن إكراهات إصلاح/تدمير النظام الأساسي للوظيفة العمومية يتمثل في التنظيم النقابي لأجراء الوظيفة العمومية. حيث أن “الثقل الذي تمثله التكتلات الفئوية (النقابات) يحد من مختلف المبادرات”.

 الهجوم على نظام الوظيفة العمومية، لكي يأخذ مجراه، ستُوسع الدولة من استهداف الحرية النقابية، الشيء الذي سيجعل أوضاع التنظيم النقابي في ظل هذا الهجوم الجذري على الوظيفة العمومية بالغة الخطورة. فضرب العمل القار والدائم، سيهدد وحدة الموظفين (مرسمين ومشتغلين بالعقدة)، وسيضرب على المدى المتوسط والبعيد إمكانات التنظيم النقابي للموظفين، مضعفا النقابات العمالية في قطاعات الوظيفة العمومية. وستُستعمل في هذه الحرب على التنظيم النقابي ما يجري إعداده من تشريعات مكبلة للحريات النقابية، كقانون الإضراب وقانون النقابات المهنية.

  • اللاتمركز إداري: وعاء تفكيك الوظيفة العمومية

  ربط نظام الوظيفة العمومية، باللاتمركز الإداري، أي ما يسمى “بالجهوية المتقدمة”، ليس إلا نوعا من الخداع، لأنه يحجب الغايات الحقيقية لواضعيه. اللاتمركز الإداري مقترح للبنك الدولي في إطار  نقل خبرته للدولة المغربية. ينادي خبراء هذا البنك بتعميق “لامركزية الإدارة العمومية بغرض ضمان أن تؤدي عملية الإصلاح الطويلة في نهاية المطاف إلى تحقيق آثار ملموسة“.

وبعد أن تضمنته اتفاقات الديون الأخيرة، سارعت الدولة لوضع إطار قانوني للاتمركز الإداري، وهو الوعاء التنظيمي الذي سيشرف على كل الهجمات التي أشرنا إليها. يتعلق الأمر بمرسوم رقم 2.17.618 صادر في 18 من ربيع الآخر 1440 (26 ديسمبر 2018) بمثابة “ميثاق وطني للاتمركز الإداري”.

اللاتمركز الإداري في أجندة البنك الدولي والدولة المغربية، في الحقيقة، هو  تمركز عميق، حيث أن السياسات التي ستطبق في الجهات، لن يتم وضعها على صعيد الإدارات الجهوية، ولا في الرباط، بل في المراكز الإمبريالية (صندوق النقد الدولي، البنك العالمي، المنظمة العالمية للتجارة..). إنها سياسات بالغة التمركز.

الغاية إذن هي ضرب تضامن أجراء وأجيرات الوظيفة العمومية، حيث سيسهل مباشرة هذه الهجمات على صعيد الجهات بتشتيت وحدة الأجراء. ستناوشُ شغيلة كل قطاع أو كل إدارة دون تضامن رفاقهم بباقي الجهات والعمالات. هذا فضلا عن تعميم التوظيف بالعقود على صعيد الجهات، وإعادة انتشار الموظفين…

ويمكن إبراز الغايات الحقيقية لما يسمى باللاتمركز  الإداري كما يلي:

  • لمباشرة الهجمات على الوظيفة العمومية في المستويات الجهوية، سيتم نقل السلط والوسائل وتخويل الإعتمادات لفائدة المصالح الجهوية.
  • تضخيم دور والي الجهة، باعتباره ممثلا للسلطة المركزية على المستوى الجهوي فهو  يسهر على تنسيق الهجمات على الإدارات الجهوية، ومراقبتها.
  • التنزيل الصارم للتوجهات العامة لسياسة الدولة في مجال إعادة تنظيم الوظيفة والإدارة على مستوى الجهة والعمالة والإقليم.
  • إعادة انتشار الموظفين بين الإدارات المركزية والمصالح اللاممركزة من خلال تشجيع الحركية الادارية.
  • التقشف في النفقات العمومية من خلال اعتماد مبدأ التعاضد في الوسائل المادية والبشرية.
  • تخويل رؤساء المصالح اللاممركزة على الصعيد الجهوي، صفة آمرين بالصرف جهويين.
  • تمكين رؤساء المصالح بالجهات من صلاحيات تدبير المسار المهني للموارد البشرية الخاضعة لسلطتهم على الصعيد الجهوي والإقليمي.
  • يشرف والي الجهة أو عامل العمالة أو الإقليم، على رؤساء المصالح اللاممركزة للدولة ومختلف العاملين تحت إمرتهم.
  • يشرف الولاة والعمال على تحضير البرامج والمشاريع المقررة من قبل السلطات العمومية المركزية. كما يعهد اليهم اتخاذ جميع التدابير اللازمة لتنفيذ المصالح اللاممركزة للدولة لمهامها وللالتزامات الملقاة على عاتقها.

تضخيم الإجراءات التأديبية

للضغط على الموظفين لتقبل هذا التهشيش لظروف عملهم، وإجبارهم على التخلي عن مكاسبهم، ثم مراجعة نظام العقوبات في اتجاه تضخيم استعمال مساطر التأديب والعقاب. وتشتيت وحدة الموظفين سيصب في هذا الاتجاه. باستعمال شتى الذرائع والمبررات ك”تغيير العقليات واجراء قطيعة مع بعض السلوكات المشينة التي تسيء للإدارة، كعدم الانضباط في أداء العمل“.

وإذا كانت اللجان المتساوية الأعضاء في النظام الأساسي الجاري هي التي تتداول في الإجراءات التأديبية، فإن سيرورة التخلي عن طفيف اختصاصاتها قد بدأت منذ مدة بوضعها بيد الرؤساء المباشرين على صعيد البنيات التدبيرية الإقليمية أو الجهوية.

لا لتفكيك الوظيفة العمومية

يجب الدفاع عن الوظيفة العمومية والمرافق العمومية باعتبارها ثروة جماعية لا غنى عنها للجميع، لكونها تحد من اللامساواة.  ويجب التصدي الجماعي لهذه الإصلاحات الكارثية والمدمرة للوظيفة العمومية، ولمكاسب الموظفين، وللخدمات العمومية.

رفض تفكيك مكاسب أجراء وأجيرات الوظيفة العمومية، عبر  الإجراءات التي تم اتخاذها سابقا أو التي سيتم الإعلان عنها في اطار ما يسمى الآن بالوظيفة العمومية الجهوية ذات المضامين النيوليبرالية المشار إليها،  يتعلق أساسا برفض منطق السوق الجشع والأناني والفرداني. لأننا نريد تغييرا اجتماعيا لكي يصبح المجتمع أكثر عدالة وأكثر ديمقراطية وأكثر تضامنا. تضامنٌ تعبر عنه الخدمات العمومية، لأنها عامل رئيسي في إعادة توزيع الثروات، فعبر الخدمات العمومية يتحقق ولوج الجميع للمدرسة والتعليم والصحة والنقل ومختلف الخدمات الإدارية…

هذه الهجمات التي عرضناها ليست “إصلاحا”، بل هي تدميرٌ لمكاسب نضالات عقود من الزمن. لذلك لا يجب المطالبة بتصويب أخطائها، بل بتوحيد النضالات لأجل التصدي لها.

بقلم، م.م.

مراجع:

  • بيان البنك الدولي 19 فبراير 2019.
  • الخطة الوطنية لإصلاح الإدارة 2018-2021.
  • النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية من الإصلاح الجزئي إلى المراجعة الشاملة.
  • قانون المالية 2019-تقرير حول الموارد البشرية.
  • نظام الوظيفة العمومية-خلاصة- المجلس الأعلى للحسابات 2017.
  • انطلاقة، دراسة تتعلق بتقييم عملية المغادرة الطوعية للوظيفة العمومية، ملخص لتقرير الدراسة.2006.
  • وثيقة للبنك الدولي، القرض الثاني لسياسات التنمية من أجل دعم الشفافية والمساءلة 22 سبتمبر 2015.
  • المغرب ـ القرض الرابع لمشروع دعم إصلاح الإدارة العمومية 24 يناير 2010.
  • قرار للوزير المنتدب لدى الوزير الأول المكلف بتحديث القطاعات العامة 7 يوليوز 2009 بتحديد استراتيجية التكوين المستمر.
  • مرسوم رقم 2.17.618 صادر في 18 من ربيع الآخر 1440 (26 ديسمبر 2018) بمثابة ميثاق وطني للاتمركز الإداري.
  • النظام الأساسي للوظيفة العمومية: الوضعية الراهنة وآفاق الإصلاح، وزارة الاقتصاد والمالية، مديرية الميزانية، 2013.
  • كراس حول تفكيك الوظيفة العمومية بموقع جريدة المناضل-ة.

شارك المقالة

اقرأ أيضا