الصراعات الطبقية بالمغرب منذ الاستقلال، إصدار جديد ضمن منشورات الأفق الديمقراطي

 

 

 

 

 

صدر ضمن منشورات الأفق الديمقراطي كتاب الصراعات الطبقية بالمغرب منذ الاستقلال، الصادر عام 1987 بتوقيع مجدي ماجد عن منشورات حوار بهولندا. كتب أبراهام السرفاتي القسم الأول من هذا الكتاب وأعاد نشره ضمن كتاب له بعنوان ” في سجون الملك”. في حين أن الجزء الثاني هو من تأليف المناضل عبد الله الحريف.
تعريفا بهذا الإصدار لدى الشباب المناضل بخاصة، ولدى قراء العربية عموما، يعيد موقع المناضل-ة نشر تمهيد الكتاب ومقدمته اللذان سبق ونشرا على الرابط التالي: الصراعات الطبقية في المغرب منذ الاستقلال
==============================================

الصراعات الطبقية بالمغرب من 1955 إلى 1983
ابراهام السرفاتي
إلى ذكرى زروال وسعيدة و ورحال وكرينة وكل شهداء الشعب المغربي
إلى أسر المعتقلين السياسيين الشجاعة
تمهيد

أرى من المفيد إعطاء القارئ تدقيقات منهجية متعلقة بالنص التالي:
انطلاقا من تصور للتاريخ بما هو سيرورة تشمل مجمل مناحي المجتمع، بذلت قصارى جهدي لعرض هذه الحركة الإجمالية. وإن ارتقاء هذه الحركة ذاتها، كما صورها لينين و جرى التحقق منها بالتفكير العميق في سنوات الصراع الثمانية والعشرين الأخيرة، على شكل مروحة، ستجعل القارئ يتبين، من خلال كل حقبة أن هذا التاريخ يبرز مكونات تلك الحركة، من طبقات اجتماعية، وقوى سياسية، وسيرورات اقتصادية، وحركة أفكار و ثقافة، لكن كل مرة في طور جديد من تطورها، ومن صراعاتها، ومن تحولاتها في صلب تلك الصراعات. و نأمل ألا يحصل لدى القارئ من جراء ذلك انطباع بوجود تكرار ظاهري في العرض، ولا في الوقائع.
بينت من خلال هذا النص تحليلا في النهاية حول هذا الضعف الجوهري المميز للصراع الطبقي بالمغرب، بالأقل منذ سنوات 1960، أي ضعف الفلاحين. و أدركت، عند بلوغ متم هذا العرض، أنه من الأفضل ترك هكذا تحليل مفتوحا، هذا الذي سيتحقق حتما في الممارسة (البراكسيس) الثورية الجماعية والمنظمة، من أجل تجاوز هذا الضعف بالذات. و يبدو لي أن النص يحتوي، على نحو تركيبي جدا طبعا، عددا من المعطيات التي قد تتيح تفكيرا نقديا، متجها نحو الفعل، حول هذه المسألة الحاسمة، ومن ثمة يؤول إلى المناضلين المنظمين أمر مواصلة هذا التفكير إلى مدى أبعد في ممارستهم ذاتها.
سعيت إلى تقديم عرض موضوعي و علمي قدر الإمكان لصراع الطبقات بالمغرب في السنوات الثمانية و العشرين الأخيرة. لكني تجنبت إثقال القراءة بما ُيفترض عادة أن يصاحبها من جهاز توثيق و إحصاء. قد يكون هذا موضوع أعمال أخرى، قد يضطلع بها آخرون غير هذا الكاتب.
لكني أود مع ذلك توضيح أن الوقائع و المعطيات الواردة هنا تستند إلى وثائق و /أو شهادات أمكن إسنادها بفعل دمجها في السيرورة التاريخية المستخلصة هنا.
هذا لأن ما بدا لي أساسيا في آخر المطاف هو أن تُستخلص من كتلة الوقائع و الوثائق المتاحة دينامية صراع الطبقات بالمغرب من أجل تمكين المناضلين، عبر معرفة أفضل بهذه السيرورة، من تسلح أفضل من أجل النضال الثوري.
إذا تجلت حقيقة هذه السيرورة على نحو أوضح سيكون هذا العرض قد حقق هدفه.
14 ديسمبر 1983

arton2054

أبراهام السرفاتي

عبد الله الحريف

عبد الله الحريف

 

مقدمة

الإطار التاريخي لاتفاقية لاسيل سان كلو – نوفمبر 1955
تشكل بالمغرب من القرن 16 إلى القرن19 نظام حكم (يسمى المخزن) قائم على تحالف البرجوازية التجارية الكبيرة بالمدن و الإقطاعية في طور التشكل داخل القبائل المخضعة للسلطة المركزية انطلاقا من اوليغارشياتها : كان الرباط الإيديولوجي و السياسي لنظام الحكم هذا متمثلا في الملكية حامية الإسلام، فيما الجهاز الإيديولوجي بحصر المعنى مكونا من العلماء و امتدادهم في القرى المتمثل في الشرفاء و رؤساء الزوايا التي باتت خاضعة للسلطة المركزية. وكما هو معلوم، لم يكن لبنية الحكم هذه غير مدى ترابي محدود إلى غاية السيطرة الاستعمارية بفعل المقاومة المسلحة للجماهير الفلاحية المنظمة في القبائل و التي كانت ترمي إلى الدفاع عن البنيات الجماعية القديمة.
كان هذا النظام، المطبوع منذ البدء بضرورة التحالف مع الرأسمالية الصاعدة بأوربا، و مع انتقال هذا الأخير إلى الطور الامبريالي، المــُـدخل الطبيعي للتغلغل الاستعماري حتى في طوره الأعلى أي التغلغل العسكري الذي أفضى إلى عقد الحماية في 30 مارس 1912.
كانت تلك حرب الاحتلال، التي شنت بلا انقطاع من 1907 إلى 1934 من طرف الجيوش الاستعمارية الفرنسية و الاسبانية ضد القبائل المنتفضة، و التي حطمت بنية الدفاع الذاتي التي عمرت قرونا لدى الجماهير القروية المغربية من أجل تعميم الاضطهاد الإقطاعي- المخزني، الذي كان ذاته مكملا للاستغلال الاستعماري.
لكن القوة الاستعمارية ارتكبت بدءا من سنوات 1920، بضغط من المصالح الآنية للرأسمالية الفرنسية، الخطأ الاستراتيجي بقطع التحالف الأصلي مع الجناح المديني من الطبقات السائدة المخزنية القديمة، البرجوازية التجارية الكبيرة، مع الاستناد العميق على الجناح القروي للإقطاعيين و القواد. وقد حدا الإخلال بنظام التوازن هذا، المعمر قرونا بين الطبقات السائدة المغربية، و صعود الحركة السياسية للمقاومة بالمدن بدءا من سنوات 1930، بالملكية بدءا من العام 1943 إلى التحالف مع الحركة الوطنية المغربية بقيادة البرجوازية الوطنية التي انضمت إليها آنذاك البرجوازية الكبيرة.
لكن دخول الطبقة العاملة إلى الحلبة، بدءا من العام 1945،مسنودة بالفئات الأشد راديكالية من البرجوازية الصغيرة المدينية، هو ما مد الحركة الوطنية بكامل مداها و جذريتها، معززة بالأشكال الأولى لمقاومة سياسية للقرى، و أفضى إلى نمو المقاومة المسلحة بدءا من لعام 1953. وعندما بلغ هذا النمو بالقرى، في العام 1955، قوة لم يعد الجيش الاستعماري قادرا على التحكم بها، كان ذلك نهاية نظام الحماية. لم يبق للامبريالية الفرنسية من مخرج ، للحفاظ على الأساسي من علاقات السيطرة التي صنعها خلال ثلاث أرباع قرن، سوى العودة إلى تحالفات المرحلة السابقة للاستعمار، مع دفع ثمن التنازلات الضرورية للبرجوازية المغربية الكبيرة. وقد كانت حاجتها إلى ذلك المخرج ماسة بقدر ما كان يتوجب عليها تركيز قواها ضد الشعب الجزائري. هذا كان جوهر المساومة المبلورة مسبقا في ايكس ليبان في أغسطس 1955. لكن دخول جيش التحرير بالريف إلى الحلبة، في أكتوبر، أجبر الحكومة الفرنسية على الذهاب حتى نهاية المساومة، أي التعامل مع السلطان ذاته الذي كانت تسعى قبل عامين إلى طرده. أما الإقطاعية فلم يكن لها خيار غير الانضمام إلى هذا التحالف لإنقاذ ما يمكن من سيطرتها السابقة في القرى. وقد ختم انضمام الباشا الكلاوي إلى محمد الخامس، وعفو هذا الأخير عليه، واتفاقية لاسيل سان كلو يوم 6 نوفمبر 1966 حول الاستقلال في إطار ترابط l’interdépendance تلك المساومة. لكن كان بقي الأمر الأصعب، أي إعادة تشكيل بنيات سيطرة جديدة تتيح التحكم من جديد بالجماهير الكادحة بالمدن والقرى.
هكذا كان رهان الصراع الطبقي الذي خاضه بالمغرب بدءا من نوفمبر 1955 العدو الامبريالي-الكمبرادوري، رهان كانت الجماهير الكادحة، المجردة بسرعة من سلاحها العسكري والسياسي رغم نضالات بطولية- سنقف على سبب ذلك- تواجهه منذ 15 سنة في سيرورة عميقة من النضالات الجماهيرية و تبلور مديد (على نطاق إنساني) وصعب و
مضطرب، لكنه محتوم، لقواها الثورية. نوضح على الفور أن إطار هذا الصراع الطبقي لم يعد إطار القرن 19، و لا يمكن أن يكون كذلك. يتمثل الرهان، من جانب الطبقات السائدة، سواء وعيت ذلك أو لم تعيه، وكما من جانب الامبريالية، في تطور الرأسمالية التابعة بالمغرب، أي أشكال نمط الإنتاج الرأسمالي الخاصة بالتشكيلات الاجتماعية المخضعة للسيطرة، سياسيا واقتصاديا و ثقافيا من طرف المراكز السياسية لسلطة الاحتكارات الدولية ( ما يدعى الشركات متعددة الجنسية).
ويتمثل الرهان، من جانب الجماهير الكادحة المضطهدة، رغم أن وعيه لها جنيني، في مسألة مركزية، مسألة التحرر، التحرر الوطني والاجتماعي، تحرر الطاقات الإنسانية للشعب المغربي، التي أنكرتها بنيات السيطرة و الاضطهاد تلك، و تحرير أرضه المنتزعة من الفلاحين بقصد دفعهم إلى الصفوف البائسة لجيش الاحتياط الصناعي للرأسمال الاحتكاري الدولي، فيما تلك الأرض ذاتها مفرغة من قوامها من طرف مصاصي الطبقات المحلية المسيطرة شريكة ذلك الرأسمال.
نميز إذن حقبتين كبيرتين:
I- 1955-1965: تفكيك عسكري وسياسي للقوى الشعبية المتحدرة من المقاومة، ونميز فيها:
أ‌- 1955-1959. نجاح التفكيك العسكري و أولى أوجه التفكيك السياسي. ب‌-
ت‌- 1960-1965. استكمال التفكيك السياسي للقوى الشعبية و توطيد بنيات اضطهاد دولانية (*) جديدة.
II-1965-1983: الهيكلة الاجتماعية- السياسية للسيطرة الجديدة و الأشكال و التطورات الجدية لصراع الطبقات، ونميز داخل هذه الحقبة :
أ‌- 1966 -1973: من العصر الذهبي للمعمرين الجدد إلى أولى أزمات النظام.
ب‌- 1974- 1983: هروب إلى أمام وإعادة هيكلة، و تطورات الصراع الطبقي و صعود المآزق.
====
(*) – دولانية: نسبة إلى الدولة [م]

Print Friendly, PDF & Email