التكنولوجيا الرقمية والتحولات البنيوية في المجتمعات المعاصرة
بقلم: س.ج
أحدثت التكنولوجيا الرقمية تحوّلًا بنيويًا في المجتمعات المعاصرة، إذ لم تعد مجرد أداة تقنية، بل أصبحت قوة مادية–أيديولوجية أعادت تنظيم الاقتصاد والمعرفة وأشكال السيطرة. نحن أمام انقلاب ناعم في نمط الإنتاج، انقلاب لا يقطع مع الرأسمالية، بل يعمّق منطقها عبر نقل مركز الاستغلال من الطبيعة والعمل الجسدي إلى الحياة الإنسانية ذاتها.
فإذا كانت الرأسمالية، في أطوارها الأولى، قد هددت الطبيعة البيئية عبر الاستنزاف، فإن طورها الخوارزمي الراهن يهدد الطبيعة البيئية والبشرية معًا. لم تعد وسائل الإنتاج محصورة في المصنع والآلة، بل توسعت لتشمل وسائل تعديل السلوك التي غدت في العصر الرقمي المحرّك المركزي للثروة والسلطة. بعد استنفاد الموارد الطبيعية، انتقلت الرأسمالية إلى استنزاف باطن الإنسان: من استغلال العمل إلى استغلال التجربة، ومن السيطرة على الجسد إلى السيطرة على الوعي والانتباه.
لم تعد الجغرافيا ساحة الصراع الأساسية، ولم يعد النفط هو الذهب الذي تُخاض من أجله الحروب. فـ الانتباه هو الذهب الجديد. في العصر الخوارزمي، لا يُستخرج فائض القيمة من باطن الأرض، بل من باطن الذات. تُحوَّل كل ممارسة إنسانية—لمسة، بحث، تفاعل—إلى بيانات خام مجردة من سياقها الاجتماعي، تُوظَّف تجاريًا، ويُغلَّف هذا الاستخراج بخطاب يُنتج القبول بوصفه اختيارًا، محققًا الهيمنة دون إكراه.
هكذا يُعاد تعريف فائض القيمة: لم يعد ناتجًا حصريًا عن جهد اليد والجسد، بل عن الأثر السلوكي وأثر الإصبع على الشاشة. فالبيانات، كما تشير شوشانا زوبوف، لم تعد منتجًا ثانويًا، بل أصبحت المادة الخام للرأسمالية في طورها الراهن، تستمد قيمتها من القدرة على التنبؤ بالسلوك البشري وتوجيهه.
ولا يقتصر هذا التحول على بنية القيمة، بل يمتد إلى البنية الطبقية. فالذكاء الاصطناعي لا يغير طبيعة العمل فحسب، بل يعيد توزيعه عالميًا. تظهر عمالة غير مرئية تُغذّي الخوارزميات من وراء الشاشات في الجنوب العالمي، بأجور هشة ودون حماية، فيما يحتكر الشمال الخوارزميات ورأس المال. هكذا يُعاد إنتاج ما وصفه ماركس بالجيش الصناعي الاحتياطي، ولكن بصيغة رقمية موزعة، تُنتج بروليتاريا خفية بلا مصنع ولا نقابة، تتحمل أعباء الاقتصاد الرقمي وتراكم أرباحه في المركز.
أمام هذا التحول البنيوي، تطرح الرأسمالية الرقمية تحديات جديدة تتعلق بالعدالة الاجتماعية، ومستقبل الخصوصية، وتشكّل الهويات، وصناعة الرغبات. وهنا يكتسب مفهوم الهيمنة، كما صاغه أنطونيو غرامشي، راهنيته القصوى، إذ تتخذ الهيمنة في العصر الخوارزمي شكلًا أكثر شمولية، تعمل من داخل البنية التقنية ذاتها، ويتجدد معها التمركز الرأسمالي الغربي واستشراقه، لا كخطاب ثقافي فحسب، بل كمنظومة رقمية.
من هذا المنطلق، يطرح هذا المقال سؤاله المركزي:
كيف تطور مفهوم الهيمنة من غرامشي إلى العصر الخوارزمي؟
وكيف تعيد الخوارزميات الأورو–أمريكية إنتاج الاستشراق في صيغته الرقمية الجديدة؟
تاريخيًا، قام الاستعمار على الاستيلاء على الأرض والموارد الطبيعية والعمل الجسدي. لكن اليوم، ومع ما تشهده التقنية من تطورات هائلة، أصبح الاستعمار يتخطى ما كان عليه تاريخيًا إلى ما يسمى بالاستعمار البياني، الذي يتحقق عن طريق الإخضاع الناعم والاستيلاء على حياة البشر ذاتها كمورد للاستخراج.
فالشركات التكنولوجية الكبرى أغلبها متمركزة في أمريكا والصين، وتتعامل مع باقي العالم كمنجم بيانات مفتوح وسوق خصبة. لم يعد استنزاف الطبيعة والبيئة كافيًا لتلبية سادية هذا النظام، بل تعداه إلى استنزاف الطبيعة البشرية نفسها. ومن الأَرض إلى البيانات، يتزايد الأمر وحشية عند الحديث عن دول الجنوب، إذ تتدفق البيانات من الجنوب إلى خوادم الشمال حيث تُعالج وتُحوَّل إلى منتجات ذكاء صناعي عالية القيمة، ثم تُعاد بيعها للجنوب في شكل خدمات وتبعية تكنولوجية.
هذا يعيد إنتاج نظرية التبادل غير المتكافئ في سياق رقمي، لتصبح دول الجنوب تابعة بنيويًا للبنية التحتية الرقمية الغربية، لا تملك أي سيادة على بيانات مواطنيها. وهذه التبعية تجعل من الصعب تشكيل أدوات فعالة للتصدي لما يمكن تسميته بـ”الهيمنة المضادة”.في القرن العشرين، ومن داخل زنازين الفاشية، صاغ أنطونيو غرامشي مفاهيم ثورية حول الهيمنة، محاولًا فهم لغز استعصاء الثورة البروليتارية في الغرب الرأسمالي. لم يكن يعلم أن تلك المفاهيم ستصبح الركيزة الأساسية لفهم أكثر أشكال الرأسمالية تطورًا وغموضًا بعد قرن من الزمن: الرأسمالية في العصر الخوارزمي، التي تتميز اليوم بمنصات البيانات والعمل غير المادي، إلى جانب أشكالها الأولى المتمثلة في المصنع والعمالة الجسدية.ولفهم الهيمنة في الحاضر الرقمي، علينا العودة إلى الفهم الغرامشي والاستناد إليه. فقد قدّم لنا غرامشي مفهوم الهيمنة الثقافية، واعتبرها ليست مجرد أداة سيطرة بالقوة، بل قيادة فكرية وأخلاقية تمارسها الطبقة الحاكمة لضمان قبول الطبقات التابعة لرؤيتها للعالم بوصفها أمرًا طبيعيًا وحتميًا.
هذه العملية سياسية وثقافية في آنٍ واحد، إذ تسمح للطبقة الحاكمة بفرض سيطرتها من خلال تشكيل الأفكار والمعتقدات التي تحدد السلوك الاجتماعي والسياسي. تستخدم الأخيرة ذلك لتحقيق مصالحها الخاصة عبر خلق توافق عام حول منظومتها الفكرية والقيم التي تضمن استمرارية هيمنتها.ويرى كلٌّ من لو ألتوسير وستيوارت هول أن الهيمنة في سياق العولمة والتحولات الثقافية تتجلى في القدرة على تشكيل الخطاب السياسي والثقافي، من خلال السيطرة على وسائل الإعلام والتعليم والثقافة، مع التركيز على دور الأيديولوجيا في تشكيل العلاقات الاجتماعية والسياسية وكيفية استثمارها لتحقيق السيطرة.لقد صيغ مفهوم الهيمنة داخل أسوار السجن في دفاتر السجن، أما اليوم فقد أصبح في أقفاص الخوارزميات. فالهيمنة تتكون من جدلية مركَّبة بين المجتمع السياسي (الدولة والشرطة والجيش) الذي يمارس القسر، والمجتمع المدني (النقابات، المدارس، الأحزاب…) الذي يصنع الموافقة. لكن في الحاضر الرقمي حدث انزياح بنيوي هائل؛ إذ لم تعد مؤسسات المجتمع المدني منفصلة بوضوح عن آليات السوق، بل اندمجت داخل منصات مملوكة لشركات خاصة. أصبح المجتمع المدني الرقمي هو الساحة التي تتشكل فيها الأيديولوجيا، لكنها ساحة غير محايدة، مصممة خوارزميًا لخدمة مصالح رأس المال.ويرى الأستاذ منير الحجوجي في كتابه القوات المسلحة الأيديولوجية أن الهيمنة الثقافية أداة قوية تستخدمها السلطة لتوجيه أفكار الناس ورغباتهم الثورية نحو الذوبان في تجييش فكري يخدم مصالحها.
ويشير إلى ما يسميه بـ”القوات المسلحة الأيديولوجية”، وهم مجموعة من الأشخاص (رجال الدين، إعلاميون، مثقفون…) يعملون على تثبيت الوضع القائم وقمع أي إمكانية للتغيير.أما العلاقة بين الرأسمالية والذكاء الصناعي فتتجلى في القدرة على توجيه الوعي عبر الخوارزميات. فالشركات الكبرى تخصص المحتوى والإعلانات بناءً على البيانات الشخصية، مما يخلق تجارب مخصصة لكل مستخدم فيما يعرف بـ”التخصيص الخوارزمي”.
تُستخدم هذه العملية على نطاق واسع في التجارة الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، إذ تستغل الخوارزميات بيانات المستهلكين وسلوكهم وحتى حالتهم العاطفية، لتوجيه انتباههم نحو منتجات وأفكار وعادات معينة، وهو ما يؤثر على قراراتهم الشرائية ورغباتهم.
بهذا، تخلق التقنية شكلاً جديدًا من الاستعمار والهيمنة، حيث يتم استعمار العقول نفسها، وتُحدّد خيارات الأفراد مسبقًا، مما يهدد حتى مفهوم الحرية وحرية الاختيار في عصر التقنية.وفي إفريقيا تحديدًا، تشكّل القارة إحدى أكثر الساحات خصوبة لصناعة الهويات والعادات والأفكار، خاصة مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية.
فالخوارزميات تصمم توصيات مخصصة، حتى نجد فتاة في المغرب مشبعة بالثقافة الكورية والدراما الآسيوية، ليس حبًا فطريًا فيها، بل لأن الخوارزميات وجهتها لذلك بناءً على بيانات سابقة. في النهاية، نتحصل على استهلاك موجّه نحو منتجات وثقافات بعيدة عن السياق المحلي، مما يؤثر في الهوية والوعي الذاتي.تقوم الرأسمالية على استخراج فائض القيمة من العمال الذين ينتجون سلعًا تتجاوز قيمتها ما يتقاضونه كأجور. وفي عصر الذكاء الصناعي، يتوسع هذا المفهوم ليشمل استخراج البيانات الشخصية والرغبات كأشكال جديدة لفائض القيمة.
هذا ما يناقشه الباحث الماركسي مايكل هاردت، الذي يرى أن الرأسمالية المعاصرة تتجاوز استغلال العمل المادي إلى استغلال العمل غير المادي، حيث تُعد الرغبات والتفصيلات الشخصية سلعًا قابلة للاستخراج والاستغلال.ولا يحدث ذلك إلا عبر الخضوع والقبول الناعم، إذ إن أخطر أنواع السلطة هي التي لا تُمارس بالقمع، بل بالإقناع والإغراء. فالهيمنة اليوم تتجاوز الحدود الجغرافية، وتُمارَس بشكل ناعم عبر أدوات الاتصال والتقنية. لم تعد المعركة على الأرض، بل على حدود الوعي والإدراك.في كل مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية، كانت السيطرة تُعاد تشكيلها وفقًا للمورد الأهم والنادر.
حين كان الفحم هو الطاقة السائدة، شُيّدت عليه إمبراطوريات السكك الحديدية.
وحين أصبح النفط “الذهب الأسود”، شُنّت بسببه حروب مدمرة.
أما اليوم، فقد صار الانتباه هو المورد الأندر والأكثر قدرة على تشكيل العالم.
فبحسب المفكر سامورِه، فإن اقتصاد الانتباه لا يسرق الوقت فقط، بل يعيد تشكيل الإنسان ذاته. لقد أصبح السلوك البشري موردًا خامًا يُعاد تدويره لصناعة السلوك المقبل.الهيمنة في العصر الخوارزمي لا تعتمد على القمع المباشر، بل على الإغراء المغلف براحة المستخدم. تقدم المنصات نفسها كفضاء للترفيه والتواصل والمعرفة، بينما تخفي وراءها نموذجًا اقتصاديًا قائمًا على استخراج البيانات وتسليع الانتباه.
هذا الاستعمار بالإغراء يخلق تبعية طوعية يصعب كسرها، وهي ليست مجرد تهديد تقني، بل تهديد لذات الإنسان نفسها.وكما أشرنا سابقًا، فإن الهيمنة في الماضي كانت ذات حدود جغرافية يمارسها مسيطرون محليون، أما اليوم فقد أصبحت أكثر شمولية، تتحكم فيها أقلية تملك التكنولوجيا. وقد عبّر عن هذا التحول بوضوح مشهد تنصيب دونالد ترامب، حيث كان حضور مديري الشركات التكنولوجية لافتًا مقابل غياب ممثلي الصناعات التقليدية، ما يدل على أن مراكز الرأسمالية انتقلت إلى النخب التكنولوجية بدل النخب التقليدية.
مما سبق نستخلص ان: الرأسمالية الرقمية حولت التكنولوجيا إلى قوة هيمنية تعيد تنظيم الاقتصاد والوعي، مستنزفةً البيانات والانتباه كـ”ذهب جديد” بعد استنزاف الطبيعة. يركز المقال على تطور مفهوم الهيمنة الغرامشية في العصر الخوارزمي، حيث تندمج السيطرة القسرية مع الموافقة الناعمة عبر المنصات، مما يعمق الاستغلال العالمي والاستشراق الرقمي لدول الجنوب
اقرأ أيضا


