أصول إثراء البرجوازية المغربية وسلوكها السياسي
(دراسة لعبد اللطيف زروال)
بقلم: علي أموزاي
أصدر عبد اللطيف زروال، الباحث في السوسيولوجيا والاقتصاد السياسي، دراسة باللغة الفرنسية تحمل عنوان “الثروات المغربية في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية مباشرة (1946-1948): الثراء والقومية والإصلاحية الاستعمارية” (*). تتناول الدراسة بالبحث التاريخي والوثائقي مرحلة من تاريخ المغرب الحديث، حيث بدأت التحولات الاجتماعية/ الطبقية تفعل فعلها في المجتمع المغربي، تحت الامتداد الرأسمالي الاستعماري.
تلقي الدراسة أضواء كاشفة عن موضوع كان في متناول الباحثين الأكاديميين والمناضلين السياسيين، في مرحلة من مراحل التاريخ السياسي بالبلد، مرحلة كانت مطبوعة بالصراع على السلطة (وبالتالي على النموذج الإنمائي) بين المَلكية وشتى صنوف المعارضات الوطنية الشعبوية واليسارية (الليبرالية منها والجذرية). ويتعلق الموضوع بطبيعة برجوازية البلد وأصول إثرائها وما يُستنتج من ذلك من سلوكها السياسي، وبالتالي دورها الطبقي في ما كان ينفتح في وجه المجتمع المغربي من تطورات اجتماعية واقتصادية.
تقتصر دراسة زروال على مرحلة الحرب العالمية الثانية، كونها شكلت محورَ تغير كبير، سواء على المستوى المحلي: اغتناء طبقات مستفيدة من ظروف الحرب تلك وتحوُّلها إلى بذور ما سيصيح “برجوازيات” المغرب في ما بعد؛ وعالمية: هزيمة فرنسا أمام النازية وصعود قوة الولايات المتحدة وما فتحه ذلك من آفاق أمام حركة وطنية برجوازية انتقلت من المطالبة بالإصلاحات في إطار نظام الحماية، إلى المطالبة بإلغاء هذه الأخيرة وبالاستقلال.
تعتمد دراسة زروال على أرشيف توثيقي غني صادر عن سلطات الحماية ذاتها، فضلا عن وثائق الوطنيين، وهو ما يتيح تتبع أصول إثراء البرجوازية المغربية، بكل شرائحها، وضمنها طبعا قسمها الحاكم أي المَلكية.
كما تتيح الدراسة استكشاف طبيعة تلك البرجوازية واستثماراتها بناء على القطاعات التي كانت متاحة أمامها في ظل احتكار استعماري يُغلق الباب أمام “قانون التنافس الرأسمالي الشريف”، وضعف شديد لقاعدة تطور الرأسمال ذي الأصل المحلي/ المغربي، فحسب تقرير اعتمده زروال عن منطقة الرباط إن “إجمالي رأس مال الشركات المساهمة أو ذات المسؤولية المحدودة يبلغ 1638 مليونًا، 1٪ فقط منه غير أوروبي”.
حكم هذا الواقع على أسلاف البرجوازية المغربية الحالية، حسب زروال، على “استثمار المبالغ المتراكمة بعد الحرب في شراء أسهم في شركات حديثة الإنشاء أو قائمة بالفعل. وهذا هو الحال بالنسبة لـ 16 شركة (شركة ذات مسؤولية محدودة أو شركة مساهمة) أنشئت في فاس في عامي 1946 و1947، في مجالات النقل والمنسوجات والجلود والزراعة وتجارة الحبوب والأغذية الزراعية… والإعلام والسينما والتجارة والنشر”. أي التخصص في قطاعات لا تحتاج إلى رأسمال كبير وذات إمكان لدر ربح سريع، وهي سمات ظلت تطبع البرجوازية المغربية لحدود الساعة.
كل الانتقادات التي تصدر حاليا حول البرجوازية المغربية توجد في الخبر الوراثي لأسلاف هذه البرجوازية في تلك المرحلة من تاريخ البلد، وليس خاصةً بالرأسماليين المغاربة الحاليين “الاحتكاريين والمفضلين للريع” والمتهربين من “الاستثمارات المنتِجة”، وهي تدين بإثرائها إلى تراكم بدائي مستقى، في قسم مهم منه، مما أسماه تقرير اعتمده زروال في دراسته: “ توفر رؤوس أموال ذات أصل مضاربي أو تضخمي”.
يسفه هذا التراكم البدائي تلك الأساطير عن رجال أعمال انتقلوا من الصفر (من بيع البيض حسب الحكايات الشعبية)، لتثبت التقارير التي اعتمدتها دراسة زروال أن ذلك الإثراء كان لصالح طبقة على حساب طبقات أخرى: “ربما يكون هناك انتقال للثروات من داخل المجتمع المسلم نفسه، حيث جرى تعويض إثراء البعض إلى حد كبير بإفقار الآخرين”؛ “أدت الحرب إلى ‘ازدهار تجاري استفاد منه في البداية جميع السكان. ثم مع مرور السنين، يبدو أن الثراء قد اقتصر تدريجياً على نسبة ضئيلة من سكان فاس'”.
تلقي الدراسة الضوء على سلوك البرجوازية المغربي الاقتصادي المحكوم بسياق ولادة الرأسمالية المغربية ذاتها: ولادة من فوق وليس من تحت، أي برجوازية تجارية تقليدية أثْرَت مستفيدة من ظروف أحدثتها الحرب العالمية الثانية ومن العلاقات مع جهاز الحماية الإداري وفي نفس الوقت مع الهوامش التي يتيحها الاقتصاد الاستعماري. هذا السلوك الاقتصادي هو ما وصفه زروال عند حديثه عن نموذجين من البرجوازية المغربية في تلك الفترة: “السبتي والمرنيسي هما نموذجان أساسيان للرأسمالي المغربي الناشئ: التاجر الماكر والمضارب المؤثر ذو العلاقات الواسعة”.
ولأن ضيق القاعدة الاقتصادية كان تحكم على الرأسماليين المغاربة بذلك السلوك الاقتصادي وذاك النمط من الاستثمارات، فإن القطاع العام/ الدولة كانت في ما بعد المحضن الذي ستتحول فيه تلك الشرائح من البرجوازية التجارية التقليدية إلى برجوازية حديثة، شأنها شأن كبار الملاك العقاريين الذين سيستفيدون من المجهود الاستثماري للدولة من أجل عصرنة استثماراتهم. وهذا النموذج من التراكم الرأسمالي الذي ستعتمده الدولة بدءا من ستيتنيات القرن العشرين كان مطروحا في الأدبيات الاستعمارية ذاتها، كما ورد في تصريح للمقيم العام إريك لابون (أورده زروال في دراسته): “دور الدولة هو النظر في الاحتياجات الأساسية لاقتصاد البلد وتحديدها. وهو معرفة الإمكانات الكامنة والقدرات غير المستغَلة للبلد. وهو العمل والتحرك حيثما تكون المبادرات الخاصة غائبة أو عاجزة أو غير كافية أو حديثة العهد”. بعد الاستقلال السياسي استعادت الدولة هذا النهج التدخلي في الاقتصاد، رغم تبنيها الليبرالية الاقتصادية، وقامت بالحلول محل قطاع خاص “غائب” أو ضعيف، من أجل تزويد البلد ببنية تحتية اقتصادية، ستستولي عليها البرجوازية المغربية، أو قسمها الكبير في ما بعد عبر سياسة الخوصصة. وكان القطاع العام، بذلك، أحد وجه التراكم البدائي للرأسمال المغربي.
يذكرنا ما أوده زروال هنا بنموذج آخر للرأسمالي المغربي تحدث عنه ريمي لوفو في كتابه “الفلاح المغربي المدافع عن العرش”، وهو مبارك الجديدي: “من رجال الصناعة… وباعتباره رجلا يتصف بالجسارة والمبادرة إلى حد بعيد، فقد انطلق في تكوين ثروته بطنجة، قبل الحرب العالمية الثانية، وذلك من خلال دخوله شريكا في معاملات شركة باطا… ثم إنه قد ظل معروفا لمدة طويلة بصفته محميا من لدن السلطات الإسبانية، وذلك بصفته وسيطا في إطار بعض المعاملات التجارية الأوروبية عبر مناطق الشمال… وباعتباره كان عضوا بالغرفة التجارية، انطلاقا من 1960، فقد استمر استقراره بتطوان لفترة طويلة، وأصبحت بالتالي أنشطته الصناعية والتجارية متعددة في عين المكان. وكان يهتم بتجارة الفلين وبالصناعات الفندقية والنسيج. إذ إنه كان يسيِّر إحدى مؤسسات النسيج في الوقت الذي تقدم بترشيحه للانتخابات، والمعروف عنه أن أعماله قد ظلت في كل مرة تَعرف التطور بفضل حماية الدولة له ومساعدتها إياه. وكيفما كان الحال، فالجديد يُعتبر بمثابة رجل الصناعة الذي لا يمكنه أن ينطلق في مشروع ما، من خلال الاعتماد على نفسه وحسب، وذلك في غياب رؤوس الأموال وانعدام القروض الفردية المفيدة في مجال الاستثمار في الأعمال الكبرى…”. [1]
أصل نشوء البرجوازية المغربية هذا جعلها، إلى الآن، تفضل أن تكون وكيلا للرأسمال العالمي، على أن تنخرط في مغامرة تصنيعٍ للبلد يقف في مواجهة حصةٍ من قسمة عملٍ دولية محدَّدة إمبرياليا. لذلك فإن وزن المورِّدين الكبار حاليا في الاقتصاد المغربي، يمد جذوره في لحظة التأسيس تلك، كما أوردها تقرير اعتمده زروال في دراسته: “من خلال توزيع مكافآت الحضور على شخصية بارزة، غالبًا ما تكون مرتبطة بالسياسة الداخلية، لم نكن نفعل سوى وضع علامة مغربية على بضاعة أجنبية”. ويصدق هذا حاليا على ما يُطلق عليه “المهن العالمية للمغرب”، وعلى رأسها قطاع السيارات الذي يُرفع عاليا كدلالة على التحول الهيكلي للاقتصاد المغربي.
ومن سمات البرجوازية المغربية انطلاقا من أصول إثرائها، كما تناولتها الدراسة، هو التمازج بين تلك البرجوازية الوليدة وبين الملاك العقاريين. فالبرجوازيون استعلموا المبالغ الضخمة التي اكتسبوها أثناء الحرب في “توسيع ملكياتهم العقارية”، وفي الاتجاه المعاكس دأب الفلاحون الأغنياء وكبار الملاك العقاريين إلى تنويع أنشطتهم لتشمل، حسب ريمي لوفو، “قطاعات النقل والتجارة وامتلاك المنازل بالمدينة”. [2]
تشير دراسة زروال إلى نقطة أخرى بالغة الأهمية، وهي موقع المَلكية من الاقتصاد وعلاقتها مع البرجوازية كطبقة، والسلوك السياسي لهذه الإخيرة إزاء المَلكية كنظام حكم وكطرف اقتصادي. لم يكن القصر/ السلطان بعيدا عن ديناميات الإثراء تلك، هذا إذا لم يكن في مقدمتها، كما أشار زروال في دراسته: “السلطان وعائلته لم يكونا بعيدين عن هذه الديناميكية. قام محمد بن يوسف ببناء صالة سينما (سينما مالكي/رويال) وعهد بإدارتها إلى شركة فرنسية. شقيقه حسن بن يوسف، خليفة في تزنيت، كان مديرًا في شركة تصنيع الأحذية المملوكة لأحمد لوكاش، وهو وطني من طنجة كان أيضًا، وفقًا للتقرير، ”مدير مصالح العقارات“ للسلطان في الدار البيضاء”… ومع خروج الاستعمار رسميا من البلاد، كان الملك، كما كتب جيل بيرو في كتابه “صديقنا الملك”: أكبر ملاك عقاري وأول مستثمِر رأسمالي بالبلد.
ولأن الملكية تمكنت من حسم الصراع السياسي على السلطة، فقد كانت المشرفة على عملية إنماء رأسمالية محلية محترِمة لحصتها من قسمة العمل الدولية كما أرساها الاستعمار. لذلك كان الرأسماليون وكبار الفلاحين الراغبون في عصرنة فلاحاتهم، مضطرين إلى أن يشكلوا قاعدتها الاجتماعية، إن أرادوا فعلا أن يستفيدوا من المجهود الإنمائي الذي تقوده الدولة التي تسطير عليها المَلكية. وبإمكاننا حاليا أن نعدِّل عنوا كتاب ريمي لوفو من “الفلاح المغربي المدافع عن العرش” إلى صيغة أصدق وأكثر واقعية: “البرجوازي المغربي المدافع عن العرش”… تستعمل المَلكية موقعها السياسي وتحكمها في ديناميات القرار الاقتصادي كي ترسخ موقعها كأكبر رأسماليي البلد، أي في التحديد الأخير ذلك القسم من البرجوازية الذي يحكم نيابة وأصالة عن باقي أقسام نفس الطبقة.
هذا هو السلوك السياسي للبرجوازية المغربية ليس حصرا على تلك الفترة، بل حاليا أيضان فتلك البرجوازية بشرائحها المتنافسة والمتضاربة، وحتى تلك المستاءة من احتكار المَلكية لفرص الاغتناء الاقتصادي الكبيرة، تعتبر المَلكية حارسَ المِلكية الخاصة، أو كما قال عنها المؤرخ الماركسي البارز إريك هوبسباوم: الرأس المتوَّج للطبقات السائدة، الذي يمسك قرون الشعب بينما تحلبه البرجوازية. لذلك لا يمكن أن تكون البرجوازية المغربية، بكل شرائحها، قاعدة اجتماعية للنضال من أجل الديمقراطية في البلد، فهي محتاجة كي يعمل قانون السوق بنجاح، أي “اليد الخفية”، إلى العقب الحديدية للدولة.
تحرص البرجوازية، بكل أقسامها، على بقاء الملكية، وتستعمل أسلوب التسويات السياسية/ الاقتصادية، كي تنال حصتها من فرص الاغتناء الاقتصادي. وكنه التسوية هو ما تحدث عنه نجيب أقصبي في كتابه “الاقتصاد المغربي تحت سقف من زجاج”، بالصيغة التالية: “وبالتالي، فإن هذه ‘البرجوازية’ سوف تتأقلم مع الوضع وتجد ‘الترتيبات المؤسساتية’ القادرة على السماح لها بالاستمرار في الازدهار في ظل النظام القائم. والحقيقة أن عقودا من التجربة أظهرت أنه، من منظور هذه ‘النخبة’، يمكن صياغة منطق هذه ‘التسوية’ على النحو التالي: الحد الأقصى من الامتيازات والحد الأدنى من المخاطر… أجل، متفقون أننا لن نمارس السياسة، لكننا سنمارس المال والأعمال! وكما أن كل شيء يترتب حسب المنطق التالي: إذا كانت الأشياء على ما هي عليه، فما علينا إلا الحصول على أقصى ‘ربح’ بأقل ‘تكلفة’… لذلك سنستثمر فقط أقل قدر ممكن، مع تفضيل القطاعات الأكثر ربحية على المدى القصير والأقل خطورة! سنقوم بتوظيف ‘اليد العاملة’ اللازمة لربحية رأس المال، ولكن في كثير من الأحيان، لن ننشغل بشأن ضمان حصولها على الأجرة أو الحماية الاجتماعية التي ينص عليها القانون، سندعم توجهات السلطة بصوت قوي عال، ولكن على أرض الواقع، لن نفعل الكثير لإنجاحها. وقبل كل شيء، لن نتوقف أبدا عن المطالبة بالمزيد من المزايا الضريبية والإعانات وتخفيض ‘الرسوم’ والتسهيلات والحوافز من جميع الأنواع، وذلك مع التشكي دائما من عدم وجود ما يكفي”. [3]
إن هذه الطبقة العاملة التي لن “ينشغل الرأسماليون المغاربة بضمان حصولها على الأجرة أو الحماية الاجتماعية التي ينص عليها القانون”، هي القوة الوحيدة القادرة (مع حلفائها من مفقري البلد بالقرى والمدن) على الإتيان بما تعجز عنه تلك البرجوازية: إنماء البلد تنمية تفك أواصر التبعية وتضمن العيش الكريم وتحفظ البيئة… هذه هي القوة التي يتوجب التوجه إليها من أجل إنهاضها سياسيا، وهي الطبقة التي يجب أن تقرأ بشغف دراسة عبد اللطيف زروال، وغيرها من دراسات الاقتصاد وعلوم الاجتماع والسياسة.
=============
إحالات
(*)-Abdellatif Zeroual, «Les fortunes marocaines dans l’immédiat après-deuxième mondiale (1946-1948): Enrichissement, nationalisme et réformisme colonial»
[1]- ريمي لوفو (2011)، “الفلاح المغربي المدافع عن العرش”، ترجمة محمد بن الشيخ، منشورات وجهة نظر (2)، الطبعة الأولى، ص 113.
[2]- نفسه، 123.
[3]- نجيب أقصبي (أبريل 2024)، “الاقتصاد المغربي تحت سقف من زجاج، من البدايات إلى أزمة كوليد- 19″، ترجمة نور الدين سعودي، المجلة المغربية للعلوم السياسية والاجتماعية- عدد 36، سلا- المغرب، ص 255- 256.
اقرأ أيضا


