الهيكلة البرجوازية للمدن بالمغرب،  والعلاقة باحتجاجات جيل زد، مقابلة مع الباحث خالد مدحي

الحوار منشور في العدد 62 من أسبوعية جريدة المناضل- ة

في كتابه  “إعادة هيكلة المدن والسلطة والرأسمالية في المدن السياحية: المناطق المتنازع عليها في مراكش”، يفتح الباحث خالد مدحي نقاشًا نقديًا حول ما يحدث خلف واجهة مراكش السياحية. فمدينة مراكش ليست مجرد فضاء للجذب والترفيه، بل مجال تتقاطع فيه السلطة والمال مع حياة  السكان اليومية، بما تحمله من إقصاء وتفاوتات، وأيضًا من أشكال مقاومة صامتة. من هذا المنطلق، نحاوره حول دوافعه، وأسئلته، وما تكشفه تجربة مراكش عن تحولات المدينة المغربية اليوم.

مرحبا استاذ خالد. يشرفنا في جريدة المناضل –ة محاورتك.

  • صدر لك في العام 2019 كتاب بعنوان:Urban Restructuring, Power and Capitalism in the Tourist City Contested Terrains of Marrakesh” غير مترجم للعربية، هلا حدثنا عن جوهر أفكاره؟

شكرا لجريدة المناضل –ة على هذه الفرصة. دعني أقترح ترجمة سياقية لعنوان الكتاب لعلها تفيد القارئ: “إعادة الهيكلة الحضرية، القوة والرأسمالية في سياق المدينة السياحية: مراكش كميدان متنازع عليه”. يركز الكتاب على علاقات القوة و الإقتصاد السياسي الناتجة عن تسليع المدينة و سكانها و أنماط العيش بها من أجل الإستهلاك السياحي. كما هو معلوم، قد أُخضِعت المدينة خلال العقود الأخيرة لسياسات تسليع و تسويح و استطباق حضري ناتج عن تحالف السلطة السياسة مع النخب الإقتصادية الهادفة إلى التراكم الرأسمالي كأولوية. ولهذا، يسجل الكتاب الممارسات المكانية للنخب المهيمِنة إضافة إلى ثلة من المواقف المناهضة الطبقة العاملة التي تواجه كل أشكال الإزدراء الطبقي الممنهج.

تندرج هذه الممارسات في سياق مركزية الدولة، حيث تخلق هذه الأخيرة بيئة سياسية تحفز و تتوسط من خلالها في تغيير مكاني واجتماعي مقابل استمرارية “الوضع الراهن” القانوني و الإقتصادي. هنا أنتهج مقاربة السيرورة التاريخية معتمدا على ما سماه ماركس “بالخدعة القضائية” في تفكيكه للعلاقة بين الدولة و القانون من جهة و الملكية من جهة أخرى (الإيديولوجة الألمانية). تشكك أطروحة “الخدعة القضائية” في اختزال القانون (قانون الملكية) في خانة الإرادة –شعبية كانت أو سيادية— التي منها تنبثق “إرادة” المتعاقدين في تحويل الملكية، دون اعتبار الشروط المادية و التاريخية المؤسِّسة للرأسمال الحديث.

  • كيف تشتغل الدولة في إعادة هيكلة المدن اليوم؟ وإلى أي حد تُستعمل هذه السياسات الحضرية كآليات للهيمنة وإعادة إنتاج الضبط الاجتماعي، سواء من خلال التخطيط العمراني، أو السياسات الاقتصادية، أو إعادة توزيع الفضاءات الحضرية بما يخدم مصالح الرأسمال؟

لم أكتف في تحليلي بالإطار الكلي للنقد الإقتصادي-السياسي فحسب، بل انشغلت كذلك  بالعمليات الدقيقة للطبقة البورجوازية في هيكلة المدينة. فصياغات السياسة العمومية التي نجد في الوثائق المنظِمة للمدينة (كمخطط توجيه التهيئة العمرانية) لا يمكن إطلاقا اعتبارها حلولا “تقنية” فحسب، بل هي تنطوي داخل (كما تطوي داخلها) حمولة إديولوجية مهيمِنة. يمكن القول إذن أن (سياسة) المدينة عبارة عن مختبر للإديولوجية البورجوازية. إذا عدنا إلى تاريخ الوكالة الحضرية التي أنشأها ظهير 1994 (2-93-888)، نجد أن مهمتها كانت التعامل مع الأزمات الحضرية من خلال الهندسة الديموغرافية و المكانية. تم بعد ذلك تدريجيا إقحام المزيد من ممثلي الدولة المركزية لتوجيه مخطط التهيئة العمرانية. بينما يختزل دور المنتخبين في ختم التصديق الروتيني.

حسب مخطط 2008، هنالك “ظرفية تاريخية” تفرض “سياسة حضرية عصرية” و تتمثل في الجهود للإلتحاق بركب عصرنة البنى الإقتصادية “كاختيار استراتيجي” على المستوى الوطني. و عليه، أًعطيت مدينة مراكش “هوية” و “وظيفة أولى… كوجهة سياحية من حيث الجوهر”. طبعا تقع هذه الممارسات و الخطابات المطبعة لها على حساب الساكنة. للتوضيح، عندما تقوم النخبة السياسية في المدينة بتطبيع “الضرورة الاقتصادية” ملبّية إملاءات خارجية عنها –سواء كانت الدولة الوطنية أو البنك الدولي أو القطاع الخاص– وكل ذلك بينما تقوض الطبقة العاملة في الدور الاجتماعي كمنتوج سياحي، فإنها تؤجج للتضارب الوضيفي للمدينة و مرافقها من “قيمة الإستعمال” المتعلقة بالساكنة إلى “قيمة المقايضة” التي تثمنها  النخب الراسمالية.

لا أدّعي أن “النخبة” مجموعة متجانسة أو أحادية البعد، لهذا أدى المحوران الوثائقي و الإثنوغرافي في البحث إلى تحديد مجموعات أربع، منها: العناصر التكنوقراطية داخل الأجهزة السياسية للدولة. الذراع الإداري للدولة على المستوى المحلي كالوكالة الحضرية وغيرها و محترفو تخطيط المدن من المهن الحرة (المهندسون المعماريون، الطبوغرافيون…). و كذا، الراسمال الحليف للدولة (الشركات العقارية الكبرى). كل من هذه المجموعات يحدد “إشكالية مراكش” من وجهة نظر مختلفة معللا “ضرورة التدخل” على أسس تقنية أو سياسية أو ربحية أو نفعية محدودة قلما انسجمت بينها. و عليه تتحول ازدواجية “مشاكل-حلول” إلى “مشاكل1-حلول- مشاكل2” نتيجة التفاوت في علاقات القوة بين هذه المجموعات.  و بالتالي، تصبح المنظومة الحضرية عبارة عن حزمة من التناقضات الهيكلية تبرر التدخل المستمر للدولة المركزية.

  • ركزتَ في كتابك على مدينة مراكش، فكيف ترى التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها مدن أخرى مثل الدار البيضاء وطنجة والرباط؟ وهل تعتقد أن لكل مدينة خصوصياتها واختلافاتها التي تميز مسار تطورها؟

لم أدرس حالات الدار البيضاء و طنجة و الرباط، لكن يمكن القول بأن الإشكالات التي أشرتُ إليها (أي تقاطع الرأسمال و السلطة و احتكار الدولة لإدارة التناقضات دون حلّها بالضرورة) تحيل إلى مسار تاريخي يصعب تفاديه. خصوصا في خضم الإستعدادات لوسم و تسويق هذه المدن (بل المملكة ككل) تجاريا كمحفل لمنافسات كرة القدم العالمية.

  • تخصصك هو الدراسات الحضرية، كيف تقيّم وضع هذا المجال الأكاديمي في المغرب من حيث تطوره، إشكالاته، وحدود حضوره داخل الجامعة ومراكز البحث؟ وإلى أي حد يساهم هذا الحقل المعرفي في توجيه الاهتمام نحو ضرورة إنتاج دراسات نقدية بديلة، تتجاوز المقاربات السائدة في فهم التحولات الحضرية، وتفكك علاقاتها بالبنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟

هناك أعمال متميزة لعلماء اجتماع و مؤرخين مغاربة و التي كان لها أثر على طريقة تعاملي مع الموضوع. أخص بالذكر-من جهة-  أعمال الأساتذة عبد العزيز بلال و عبد الجليل أكرّام وپول پاسكون اللذين أرّخوا للتواجد الرأسمالي في المغرب. و من جهة أخرى نجد أعمال محمد السبتي و محمد الفايز اللذان يعتبران مرجعين أساسيين في كل ما يتعلق بمراكش ثم علي سيدجاري و محمد الظريف في مجال دراسات المدينة عموما. لكن لا تزال فجوة في الإنتاج المعرفي النقدي (باللغة العربية) الذي يعتمد أدوات تحليل الإقتصاد السياسي في تجلياتة المكانية (السكن و النقل مثلا) و على مستوى سوق الشغل.

  • شهدت مدن مغربية عديدة، مع نهاية سنة 2025، احتجاجات قادها جيل زيد، في سياق حضري يتسم بتوسع السياسات النيوليبرالية وتسليع الفضاءات الحضرية، خاصة في المدن السياحية وشبه السياحية. كيف تقرأ هذه الاحتجاجات في علاقتها بنموذج التنمية الحضرية القائم، الذي يركز على الجاذبية والاستثمار على حساب الحاجات الاجتماعية؟ وهل يمكن اعتبار مطالب هذا الجيل تعبيرًا عن رفض لتحويل المدينة إلى سلعة، ولما ينتج عن ذلك من هشاشة، وتفاوتات، وانسداد آفاق الاندماج داخل الفضاء الحضري؟

منذ 2019 انتشرت نزعة الانتفاضات التي يقودها أفراد هذا الجيل عبر القارات الخمس، معتمدين رموزا و تكتيكات مشتركة، و معبرين عن مظالم تتجاوز السياقات المحلية. أكيد أن جيل-زد-212 هذا تفرد بخصوصيات ذاتية و سياقية دون الأجيال السابقة. بل حتى تسميته لنفسه تُمركِز التجربة و الفهم الأمريكيين لتسلسل الأجيال و الإختلافات في روحها الجماعية و مظوماتها القيمية –عقب الحرب العالمية الثانية. و لقد تمت عولمة للظاهرة خلال السنين الأخيرة حيث لم تعد تنحصر في دول الشمال بحكم تفشي التكنولوجية الرقمية و “دمقرطة” المهارات في استخدامها و تسخيرها في تداول معلومات (أقول معلومات فحسب) عن البيئة و جدلية الحق في حمل السلاح (في أمريكا خصوصا) و إشكاليات الهوية و الجندر و العنصرية. و تم توسيع دائرة “النضال الرقمي” لتشمل مسائلة الإمبريالية و المنادات بحقوق الشعوب المقهورة. من الملاحظ أن كل هذه المواضيع تتقاطع في نقاط شتى: أولا، كونها “مكانية” حيث تحيل إلى ديناميات حضرية، أي إلى المدينة كحيّز مركزي لها. ثانيا، يركز هذا الجيل على فكرة “التقاطعية” –أي تشابك قضايا العنصرية و عدم المساوات و التدهور البيئي و عنف الدولة… في سياق واحد، مما يستدعي التحالف بين الأوساط الحركية عبر القضايا و أحيازها الموضوعية و الجغرافية. للتوضيح، أرى أن استعارة “تازة قبل غزة” هي النقيض الرجعي لشعار “من فيرغوسن إلى فلسطين” الذي أشاعه المناهضات السود للعنف البوليسي في المدن الأمريكية. ثالثا، السياق الذي تتقاطع فيه كل هذه القضايا (و إن اختُلِف في تحديده) هو، كما يعنينا هنا، السياسات النيوليبرالية و تسليع الحياة بكل مناحيها و انزلاق المنظومة الدولية نحو الفاشية. الحالة المغربية (و أعتذر عن الإدلاء بقراءتي عن بعد) تختلف شيئا ما عن تجارب أخرى في دول الجنوب، حيث أن “الشرارة الأولى” إن صح التعبير تختلف من حالة لأخرى. كذلك هناك تفاوت على مستوى مدى نجاح الحركة في تحقيق مطالبها: أذكر هنا بنغلاديش و نيبال، حيث تم الإطاحة برئيسة وزراء و إرغام الأحزاب على إعادة النظر في دورها السياسي طبيعة المواطنة  التمثيل و الوساطة الديمقراطية. تحرك جيل-زد-212 رداً على ظروف يمكن اختصارها في هشاشة سوق الشغل وما يترتب عنها من غلاء للمعيشة و تفاقم الخدمات الإجتماعية. و لهذا، فقد مر حراكه بمرحلتين: مرحلة المطالبة بتحسين الظروف الإجتماعية و الإقتصادية ثم مرحلة المطالبة بالحريات المدنية. فالرد العنيف لأجهزة الدولة وسّع نطاق “الشروط المادية” للطبقة العاملة إلى “الإدماج السياسي”. على العموم، تنطوي خطابات جيل-زد في إطار “الولاء النقدي” القائم على ضرورة الإصلاح ضمن المنظومة القائمة. ما أراه شخصيا كبقعة عمياء في حراك الجيل هو اكتفاؤها بتكتيك رقمي لامركزي بتجليات “جمالية” على ارض الواقع مستوحات من ثقافة “كوسموبوليتية” (كنوع اللباس و الأيقونات المعتمدة مثلا). و مع ذلك، يبقى وعيها (الجيلي) “عاجزا أمام العفوية” (إن اعتمدنا تحليلا لينينيا للظاهرة): العفوية في بعدها النظري (حيث لا حركة بدون نظرية و وعي طبقيين) و التنظيمي (حيث نرى حلقة “جيل” بأكمله لا تربطه أي صلة بمناضلي الحركات السابقة، سواء جيل الربيع العربي أو مناضلو-ات الأحزاب السياسية وإن انتمت هذه الأخيرة إلى الصنف الأحفوري). في ضل هذه التحولات، تبقى الدولة و أجهزتها مشتغلة بتقسيم المدينة و أحياءها إلى ما اصطلحت عليه في كتابي “بالتضاريس الرمزية”: إضافة إلى مجالات تسليع الذاكرة و مجالات الوصم الإجتماعي (سيدي يوسف بن علي و كاريان سنطرال) تنصب الدولة في تخصيص مناطق استراتيجية للتدخل السريع قصد التأديب و الضبط الإجتماعي. ارى أن هذه الممارسات لن تستمر فحسب بل و ستزيد حدة إثر تحالفات الدولة مع المنظومة التقنو-فاشية و استبداد الحكامة الخوارزمية في مختلف مدن العالم.

شارك المقالة

اقرأ أيضا