سيرة ماركس والعمل النظري. حوار مع ميخائيل هاينريخ 

تنشر المناضل-ة ترجمة لمقابلة أجراها ميخائيل هاينريخ في عام 20181، عند نشر الجزء الأول من السيرة الذاتية المرجعية التي كرسها لماركس باللغة الألمانية: كارل ماركس وولادة المجتمع الحديث، حياة ماركس وتطور أعماله الجزء الأول 1818-1841 .  (صدرت الترجمة العربية عن دار المدى سنة 2021،  من إنجاز ثامر الصفار. في الهامش رابط تحميل الكتاب.) 

في هذه المقابلة، يشرح ميخائيل هاينريخ الأسباب التي حدت به إلى كتابة سيرة جديدة لكارل ماركس، ولا سيما محدودية السير الذاتية الموجودة. ويستعرض أساليب عمله وطرق بحثه التاريخية واللغوية. ويعود بوجه خاص إلى بعض إسهامات الكتاب – تحول الشاب ماركس إلى فلسفة هيغل، وعلاقته بالهيغليين الشباب، وقراءته للفلاسفة القدماء، وما إلى ذلك – وكذا إلى الفرضيات الجديدة لقراءة أعمال ماركس التي يفتحها.

 يُسهم ميخائيل هاينريخ، بصفته مؤلف العديد من الكتب عن أعمال ماركس، في التجديد الحديث لقراءة نصوص مؤلف كتاب رأس المال3. كما أنه شريك في مشروع نشر الطبعة الكاملة للمخطوطات المعروفة لماركس وإنجلز في Marx-Engels-Gesamtausgabe (MEGA) – وهو مشروع له نظيره الفرنسي في جمعية Grande Éditions Marx et Engels (GEME)، التي تروم بنحو أساسي إلى نشر ترجمات جديدة باللغة الفرنسية لأعمال ماركس وإنجلز استنادًا إلى الطبعة الألمانية المرجعية لـ MEGA.

  • ما هي الأسباب النظرية التي حدت بك إلى كتابة سيرة؟ تؤدي السيرة، بنظرك، دورًا أساسيًا في فهم عمل ماركس النظري. طوال القرن العشرين، يبدو أن النقاشات حول النظرية الماركسية كانت أيضًا نقاشات حول سيرة ماركس وتطوره الفكري بحد ذاته. كيف ينعكس ذلك في عملك؟

كان لدي عدة أسباب لكتابة هذه السيرة. أولها نابع من أعمالي النظرية السابقة. عندما كتبت Die Wissenschaft vom Wert [علوم القيمة]، لم أكتفِ بعرض نقد ماركس للاقتصاد السياسي، بل سائلتُ تطور ماركس الفكري. ما الذي دفع ماركس، في تطوره الفكري، إلى نقد الاقتصاد السياسي؟ كان هذا الاعتبار لتطور فكر ماركس حاضراً في أعمالي. وكان علي، للقيام بذلك، أن أستعين – إلى حد ما – بسيرة ماركس. على سبيل المثال، اضطررت إلى استخدام رسائل ماركس للإجابة على أسئلة نظرية. لكن الرسالة تختلف كثيرًا عن النص المنشور. فيما يخص الرسالة، يجب دوما التساؤل: إلى من وُجهت هذه الرسالة؟ هل كان ماركس حرًا في التعبير عن آرائه الحقيقية؟ هل كان يسعى فقط إلى إقناع ناشر بمشروع ما أم كان يتحدث إلى رفيق؟ نحتاج بالفعل إلى السياق ضمن السيرة للإجابة على هذه الأسئلة حول الرسائل. لذلك كان السياق ضمن السيرة الاتية حاضراً دائماً في عملي، لكنني لم أكن أدرك ذلك تماماً آنذاك.

جرى، في السنوات الأخيرة، كتابة سير جديدة لماركس. للوهلة الأولى، تقدم هذه السير ماركس بطريقة محايدة. إبان الحرب الباردة، كان من السهل جدًا ملاحظة وجود سير مناهضة للماركسية تلعن ماركس الشخص، وسير تقديسية تضعه في منزلة التمجيد. وقد ظهرت، منذ سنوات 1990، سير تعلن بشكل أو بآخر: ”بالتأكيد، كان ماركس شخصية مهمة، وسنحاول إلقاء نظرة على حياته وربما يمكننا أيضًا أن نتعلم منها شيئًا عن عمله“. تدعي هذه السير أنها محايدة في حين أنها ليست كذلك بتاتا. فهي لا تزال متحيزة، لكنها تقدم الأمور بطريقة أكثر دقة.

إن لكتابة سيرة عن ماركس دورًا سياسيًا أعظم أهمية اليوم مما كانت في حقبة الحرب الباردة: كما قلت، كانت الأمور واضحة إبان الحرب الباردة، ولكنها لم تعد كذلك الآن. سأذكر ثلاث سير ذاتية حديثة: سيرة فرانسيس وين، وجوناثان سبيربر، وغاريث ستيدمان جونز4.

كتاب فرانسيس وين جيد الكتابة ويحاول عرض حياة ماركس الخاصة. بيد أنه يختلق أجزاء كبيرة منها. يحكي عددًا من التفاهات تكشف تحيزا كبيرا. أما السيرة التي كتبها جوناثان سبيربر، فقد بدت، بالنظر إلى وفرة الوثائق المستخدمة، السيرة الأكثر صلابة لحظة صدورها. ولأنه مؤرخ، يستعمل الكثير من الحواشي السفلية. لذا يُعتقد أن كل تفصيل صغير مدعوم بمصادر، ولكن نجد، عند التحقق من مصادره، أن الأمر ليس كذلك دائمًا. إذ لا تثبت دائمًا ما يقول. ثمة أيضًا بعض التحيز. ومع ذلك، أرى أنه من الجدير بالثناء أن سبيربر يوضح بجلاء ما ينوي فعله في مقدمته. يعرض وجهة نظره، مؤداها أن ماركس كان شخصية من القرن التاسع عشر، ليس لديه ما يعلمنا إياه عن العالم الراهن. وبرغم أنني لا أشاطر هذا الرأي، أقدر وضوح منهجه. وليس غاريث ستيدمان جونز واضحًا بالقدر نفسه في هذا الصدد، لكنني أعتقد أنه يفعل شيئًا شبيها، إذ يريد أيضا إعادة ماركس إلى القرن التاسع عشر.

إن سيرا من هذا القبيل أشد فعالية من نصوص نظرية.

عادة ما يقرأ النصوص النظرية مجموعة صغيرة من المتخصصين فقط. ويناقشونها في أوساط ضيقة. لكن السير يمكن أن تصل إلى جمهور أوسع بكثير، وتنقل رسائلها على نطاق عريض. وهذا سبب آخر دفعني إلى كتابة سيرة، حيث كان مهما إعادة الحقيقة إلى نصابها في مواجهة بعض الأخطاء وإزالة العقبات للتمكن من مناقشة نصوص ماركس سياسياً. ولا أعني بذلك النصوص المهمة التي نعرفها جميعًا وحسب، بل حتى النصوص الصحفية ومذكراته الأقل شهرة، وكذلك مناقشة نشاطه السياسي.

  *بالتأكيد، تشهد مواقف كاتبي السير مثل سبيربر، الذين يدعون أن ماركس ديناصور ينتمي إلى القرن التاسع عشر، على عدم فهم لتفسيراته للديناميات الهيكلية للرأسمالية. بمعنى ما، لا يعتبرون سوى الأمثلة والتوضيحات دون أن يأخذوا في الحسبان وصف الديناميات الهيكلية لنمط الإنتاج الرأسمالي. يعتبرون أن أعمال ماركس ليست وجيهة سوى لفهم إنجلترا في القرن التاسع عشر، فيما لا تؤدي هذه الأخيرة سوى دور توضيحي لنظرياته، كما كتب في مقدمة الطبعة الألمانية الأولى من رأس المال5.

لن أستعجل في الحكم! يمكننا القول، تمسكا بهذه المقدمة، إن ماركس كان يروم شيئا آخر غير مجرد تحليل الرأسمالية البريطانية. كان يسعى إلى عرض عمله بما هو صياغة نظرية (بخلاف وصف للتطور التاريخي للرأسمالية). أحبذ دوما الاستشهاد بما ورد في مخطوطة الكتاب الثالث من «رأس المال»، حيث كتب ماركس أنه يريد فقط دراسة «التنظيم الداخلي لنمط الإنتاج الرأسمالي، في شكله المثالي المتوسط»6. لكن هذا ما يؤكده ماركس نفسه! يمكننا مناقشة مدى نجاحه في ذلك. ربما كان يريد أن يفعل ذلك، لكنه وجد نفسه عالقًا في الرأسمالية البريطانية. حتى لو كان الأمر كذلك، يجب علينا أن ندرس بالتفصيل ما كان يفعل.

أود أن أقول إن سبيربر وستيدمان جونز يتعاملان مع رأس المال بطريقة سطحية إلى حد ما. موقف سبيربر هو أن نظرية ماركس هي ببساطة نظرية ريكاردو وقد أضاف إليها الديالكتيك الهيغلي. هذا حكم مسبق قديم. كانت هذه الحجة رائجة في مطلع القرن العشرين. مذاك، أصبح لدينا المزيد من نصوص ماركس والمزيد من المناقشات حول نقده للاقتصاد السياسي، حيث يتم تناول معنى النقد ومعنى القيم، الخ. يتجاهل سبيربر كل هذا تقريبًا، وكذلك فعل ستيدمان جونز.

يسارع ستيدمان جونز إلى القول إن رأس المال لماركس عمل فاشل. لماذا فاشل؟ يحاول ستيدمان جونز إثبات أن ماركس سعى بكتابه «رأس المال» إلى عرض نظرية جامعة، لكنه أخفق. ومع ذلك، يعتمد ستيدمان جونز، حين ينسب هذا المشروع إلى ماركس، على الغرندريسة أكثر من اعتماده على كتاب «رأس المال”.

علينا أن نتوخى الحذر هنا. هل كان هذا حقًا هدف ماركس؟ ما الذي تغير في فكر ماركس؟ يرى ستيدمان جونز أن  الغرندريسة و«رأس المال» هما في الأساس نفس الكتاب، بحيث يمكن أحيانًا الاستشهاد بأحدهما دون الآخر بلا تمييز.  أقول، من جانبي، أولا إن ثمة فرقًا ابستيمولوجيا بين الغرندريسة و«رأس المال». إن تحديد فحوى ما قال ماركس فعليًا بعباراته الخاصة بشأن طابع النظرية  الجامع، إلى هذا الحد أو ذاك، هو بالفعل مسألة صعبة. يجب مناقشة هذا الأمر، وينبغي عدم اعتبار الإجابة أمرًا مفروغًا منه بهذه السهولة.

  • لنتحدث قليلاً عن MEGA. هناك فارق كبير في العالم الناطق باللغة الإنجليزية بين Marx and Engels Collected Works (MECW) – التي تضم خمسين مجلداً مزوداً بتعليقات دقيقة للغاية من الناحية العلمية (على عكس فرنسا، حيث  لا يوجود حتى الآن لهكذا مجموعة) – وما يحدث حالياً في العالم الألماني مع منشورات MEGA. تفتح النشر الحالي لـ MEGA مجالًا جديدًا للنقاش، وأرى أن سيرة ماركس التي اعددتَ وسيلة للتموقع في المناقشات التي ستظهر حول هذه المنشورات، أو بالأقل للتموقع مسبقًا ضمن هذه المنشورات. هل نحن على أعتاب مناقشات جديدة حول ماركس؟ تتعارض هذه النظرة تمامًا مع الفكرة الشائعة بأن كل شيء قد كُتب عن ماركس، وأنه لا جديد تحت الشمس.

هذه الفكرة الأخيرة مسلية حقًا. إنها متكررة. لا تزال هناك أمثلة على أشخاص – منذ سنوات 1920! – يريدون كتابة أطروحة عن ماركس فيقول لهم الأستاذ: ”أوه، أطروحة عن ماركس؟ لكن كل شيء قد كُتب عن ماركس! اختر موضوعًا آخر“. هذا مع أن كتابات ماركس نفسه لم تكن معروفة بالكامل. في القرن العشرين، عرف كل جيل ماركس مختلفًا، لأن مختلف المخطوطات لم تنشر إلا مع امتداد الوقت.

عندما نُشرت كتابات ماركس الشاب في متم سنوات 1920 ومستهل سنوات 1930، قيل: «الآن نحن نعرف كل شيء عن ماركس! ماركس العجوز وماركس الشاب». ثم نُشرت الغرندريسة إبان الحرب العالمية الثانية. ولم تحظ هذه المخطوطات بتناول أوسع إلا في سنوات 1960 و1970 ، وعندها قيل مرة أخرى: ”آه، لدينا الآن الحلقة الوسيطة بين ماركس الشاب وماركس العجوز! لذا، بات لدينا أخيرا، مع الغرندريسة، ماركس بأكمله“.

ولكن ماذا حدث مع MEGA؟ باقتصار الإشارة على كتاباته عن الاقتصاد، تم في متم سنوات 1970 نشر مخطوطات 1861-1863 الكاملة (التي تشكل النظريات حول فائض القيمة جزءًا منها فقط)، ثم  نُشرت في سنوات 1990 المخطوطة الأصلية للكتاب الثالث من رأس المال، وبعد خمسة عشر عامًا، المخطوطات الأصلية للكتاب الثاني. والآن، مع النشر التدريجي لدفاتره، سنكتشف مجالات جديدة في عملية البحث لدى ماركس.

ثمة نقطة أخرى مهمة. تنشر MEGA النصوص في شكلها الأصلي، وهو ما لم يحدث   قط تقريبًا من قبل. خذوا  مثلا المخطوطات الاقتصادية-الفلسفية، والفصل الشهير عن نقد فلسفة هيغل والديالكتيك الهيغلي. هذا الفصل لم يوجد قط في المخطوطة الأصلية! كان عبارة عن جملة فقرات تتناول هيغل، جمعها محررو النص في شكل فصل. لم يكن ماركس ذاته من جمعها.

عندما تكتمل MEGA بالكامل – ما سيستغرق ما لا يقل عن خمسة عشر عامًا أخرى – سيمكن القول: ” الآن لدينا لأول مرة ماركس كاملا حقًا، بمعنى أننا نملك كل ما تركه وراءه”. ومع ذلك، ليس هذا ماركس الكامل، لأنه ليس كل ما كتب. هناك ثغرات كبيرة، إذ ينقصنا الكثير من الرسائل، وينقصنا عدد من المسودات. لكنها ستكون مع ذلك كاملة قدر الإمكان في الوقت الراهن. بعد ذلك، ستبدأ مناقشة جديدة حول رأس المال، لا سيما بسبب الدفاتر الاقتصادية، التي كان ماركس يعد فيها لإعادة كتابة رأس المال، التي نوى في سنوات 1870. لا يتيح رأس المال – كما نقرأه منذ أكثر من مائة عام – صورة كاملة عن فكر ماركس. الكتاب الثالث، على سبيل المثال، يستند إلى مخطوطة كُتبت في 1864-1865. لكن ماركس واصل أبحاثه حول الائتمان والأزمة ومعدل الربح بعد 1865، وهذه الأبحاث غير مدرجة في النص الذي نقرأه اليوم.

  • ثمة صراع، ضمن الكيفيات التي يُعرض بها ماركس، بين رؤية غائية لتطوره الفكري وأخرى تركز على اكتشافاته النظرية بارتباط بما خاض من معارك سياسية. ما هو موقفك من هذه القراءات الغائية لماركس (التي لا تزال قوية الحضور)؟

الغائية في السير هي دائمًا بناء لاحق ضعيف إلى حد ما، يتجاهل الظروف الخاصة بحياة كل فرد. هدف بحثي مغاير. أولاً، يجب وضع النظريات والكتابات الماركسية في سياقها. عادةً ما يُقرأ كتاب «رأس المال» ككتاب معاصر. الكتاب مهم بالطبع في العصر الحالي. لكنه ليس كتابًا معاصرًا. في أجزاء عديدة من كتاب «رأس المال»، المندرج في سياق سياسي فريد، يهاجم ماركس معاصريه بشكل مباشر. على سبيل المثال، في تحليله لشكل القيمة والنقود، في الفصول الثلاثة الأولى من الكتاب الأول من «رأس المال»، يعرض ماركس نظرية مناهضة بوضوح لبرودون. كان ماركس قد فعل ذلك للمرة الأولى في عام 1859، في «مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي”7.

لكن ماركس أدرك، في مستهل سنوات 1860، بعد قراءة نقد بيلي لريكاردو، ضعف مقاربته الأولى. وبالتالي، فإن تحليله لشكل القيمة والنقود في بداية كتاب «رأس المال» يقع في تقاطع ثلاث جبهات: نقد ريكاردو، والدفاع ضد بيلي، والهجوم على برودون. بالطبع، يريد ماركس تحليل القيمة والنقود في الرأسمالية، لكنه يفعل ذلك في إطار محدد، وهو إطار النقاشات العلمية والسياسية الخاصة بعصره، أو بشكل أكثر تحديدًا النقاشات التي كان يعتبرها جادة في ذلك الوقت. لذا، فإن هدفي الأول هو دراسة السياق من أجل فهم تحليل ماركس بنحو أفضل.

ثانياً، علينا أن ننظر إلى ماركس بما هو شخص، بكل معاني الكلمة. عندما نقرأ نصوصه، نراه منظّرا، إذ نركز عادة على منطق تفكيره النظري. لكن ماركس عمل أيضاً صحفيا طيلة عقود. نشر مئات المقالات في الصحف. وكان أيضًا مناضلا سياسيًا، مناضلا نشيطا بتفاوت حسب مراحل حياته: كان بالغ النشاط في بعض الأوقات، بينما كان  بالأحرى في أوقات أخرى، عندما كانت الفرص محدودة، أكثر تحفظًا. لكن العمل النضالي كان دائمًا حاضرًا لديه. يجب أن نجمع بين هذه الأبعاد الثلاثة: ماركس المنظر، وماركس الصحفي، وماركس المناضل. كان هذا هدفي الرئيسي، أي الإسهام في رسم صورة جديدة لماركس تؤلف هذه الأبعاد الثلاثة.

  • أخبرنا بما جئت به من جديد لفهم ماركس. ماذا اكتشفت بنفسك، على سبيل المثال فيما يتعلق بالصلة بين تطورات ماركس الأولى وفلسفة هيغل؟

أعتقد أن هناك جوانب جديدة مثيرة للاهتمام حقًا في كتابات ماركس الأولى.

هذه الجوانب الجديدة التي أعرضها في الكتاب تشكك في ما يُقال عادةً عن العلاقة بين هيغل وماركس. أعتقد أن هذه العلاقة أشد تعقيدًا مما يُعتقد عادةً، ليس فقط عندما نهتم بماركس، ولكن أيضًا عندما نهتم بهيغل. إن الصورة التي طالما كوّنها معظم الماركسيين عن هيغل هي صورة مختزلة للغاية. والحال أن تبسيط أحد الطرفين إلى أقصى حد في أي علاقة، لن يتيح أبدًا فهم مجمل العلاقة. لذلك، كان عليّ أن أهتم بشكل خاص بهيغل وبالمصادر الأخرى التي استند إليها ماركس.

  • هل يسعك، من فضلك، شرح هذه النقطة قليلاً وتوضيحها ببعض الأمثلة؟

صورة هيغل التقليدية في الماركسية صورة فيلسوف مثالي، أحد الممثلين الرئيسيين لما يسمى بالمثالية الألمانية. لكن هناك مقال جميل لـ والتر يايشكي Walter Jaeschke ، نُشر في العام 2000،  حيث يتساءل فيه عن ظهور تسمية «المثالية الألمانية». جوابه: كان ذلك في سنوات 1860! يافطة صاغها تاريخ الفلسفة الألمانية!8 استعملت، في إطار عملي البيوغرافي، موسوعتين من سنوات 1840: كلاهما يؤكد أن كانط وفيشت كانا مثاليين، في حين أن هيغل وشيلينغ لم يكونا كذلك. علينا حقًا إعادة النظر في هذه العلاقة بين المادية والمثالية، التي طالما اعتُبرت أمرًا مفروغًا منه.

أتناول في الجزء الأول من كتابي، أطروحة الدكتوراه التي كتبها ماركس. شهد الماضي جدلا كثيرا حول ما إذا كانت هذه الأطروحة لا تزال مثالية أم أنها باتت مادية. يفترض طرح السؤال بهذه الطريقة، في رأيي، فكرة عن العلاقة بين المادية والمثالية تستند إلى استعارة جغرافية. كأن المرء إزاء مدينتين، مدينة المثالية ومدينة المادية، ينتقل من مدينة إلى أخرى ويتساءل باستمرار أين وصل. أود أن أتساءل عن الطريقة التي تُستخدم بها عادة فكرتي المادية والمثالية.

  • ما دور العلاقة بين الدين والفلسفة في أعمال هيغل، وفي تلقي الهيغليين الشباب لها، ثم في تدخلات ماركس وعلاقته ببرونو باور؟

كانت العلاقة بين الدين والفلسفة موضوع نقاش على نطاق واسع في سنوات 1830. وفي هذا الوسط، تطور ماركس الطالب، وطور آراءه الخاصة. وقد كانت المناقشات حول الدين والفلسفة سياسية الجوهر. وهذا أمر مهم للغاية. نقرأ أحيانًا أن المناقشات حول الدين إنما  كانت ذريعة لمناقشة السياسة؛ فبقدر انعدام جرأة على توجيه نقد سياسي، كان الناس يبدؤون بنقد الدين.

لكن هذا الرأي خاطئ كليا. إذ كانت انتقادات الدين بحد ذاتها مسألة سياسية في دولة تعرّف نفسها بكونها دولة مسيحية، ليس بالمعنى الثقافي العام، بل بالمعنى البروتستانتي للمسيحية، الذي كان منظمًا من قبل الدولة: كان الكهنة موظفين في الدولة. كانت الانتقادات السياسية في سنوات 1840 نتيجة لفشل هذه النقاشات بشأن الدين.

في الأصل، كان الهيغليون الشباب يعتقدون أنه يجب عليهم دعم الدولة البروسية، حيث كانوا يعتبرونها دولة تقدمية. لكن الدولة البروسية لم تقبل مساعدتهم، بل أصبحت على العكس من ذلك حليفة للفصائل الدينية الرجعية. وتعلم الشباب الهيغليون، من خلال هذه التجربة، شيئًا عن طبيعة الدولة، مفاده أن ثمة علاقة وثيقة جدًا بين الدين والسياسة، وعلى مستويات مختلفة. المناقشات حول الدين سياسية في حد ذاتها. كان هذا هو المستوى الأول. ويمثل الدرس الذي تعلمه الهيغليون الشباب من خلال هذه المناقشات مستوى آخر.

هذه المسألة مثيرة للاهتمام بوجه خاص عند هيغل. ما دور الدين في فلسفته؟ يؤكد في أعماله الفلسفية الرئيسة، مثل كتاب المنطق، أو ظاهريات الروح، أن للفلسفة والدين نفس المحتوى، وأن اختلافهما لا يكمن سوى في شكل العرض. من حقنا أن نشكك في هذا الحجة لأن هيغل كان بوضوح منظراً للشكل: الاختلافات في الشكل حاسمة بالنسبة لهيغل. لكنه يقول لنا هنا: «أوه، إنه مجرد اختلاف في الشكل!”

  • ماذا يعني ذلك؟

اتهم المحافظون هيغل – في سنوات 1830 – بأنه عدو سري للدين، لم يجرؤ على الإعلان عن ذلك صراحة: فوفقًا لهم، كان قد أذاب الدين في الفلسفة. ومن جهة أخرى، اتُهم هيغل بأنه قدم تنازلات أكثر من اللازم للدين، وأنه حوّل الفلسفة إلى دين. ثم – وهذا سيُناقش في الجزء الثاني من سيرة ماركس التي أُعد – يأتي برونو باور، الذي نشر مخطوطات هيغل عن فلسفة الدين، وادعى أن تصرف هيغل كان نوعًا من التستر المزدوج: يقدم هيغل نفسه أولاً على أنه مؤمن متخف بوحدة الوجود [*]panthéiste – ما يتيح تأويلات مختلفة – ولكن هيغل كان في أعماقه، وفقًا لبوير، ملحدًا. في بعض النواحي، كان بوير يتفق مع المحافظين، ولكن ما اعتبروه انتقادًا لهيغل، كان بنظر بوير أحد مزايا هيغل.

  • ماذا عن نقد هيجل للتقليد الرومانسي، ونقد الروح الجميلة كما تظهر في كتاب ظاهريات الروح، وتحوّل [Übergang] ماركس إلى فلسفة هيغل؟ هل يمكنك توضيح هذه النقطة بالذات لأنني لا أعتقد أنه تم غالبا الربط بين النقد المحدد الذي وجهه هيغل إلى الروح الجميلة وتبني ماركس لأفكار هيغل؟

تحول ماركس إلى فلسفة هيغل مسألة صعبة، إذ لا توجد أي وثيقة تقريبًا تشهد على ذلك. لدينا قصائد ماركس ورسالة إلى والده، حيث يكتب أنه من ناحية تخلى عن محاولاته الشعرية، ومن ناحية أخرى اقترب من هيغل. لا نملك أي وثائق أخرى لماركس حول هذه المسألة، لا رسائل ولا مذكرات، ولا وثائق من طرف ثالث. لذا يجب أن نتوخى الحذر الشديد.

ما أعنيه هو أن المروية المعتادة، التي أشاعها فرانز ميرينغ (في سيرة ماركس التي كتب9)، ومؤداها أن ماركس تخلى عن محاولاته الشعرية وفكرة أن يصبح شاعراً لأنه أدرك افتقاره إلى موهبة كافية، هي مروية خاطئة بجلاء. لم يتحدث ماركس البتة عن الموهبة، بل تحدث عن مثالية قصائده، بمعنى أنها تقابل «الوجود» السيئ [Sein] بـ«كينونة واجبة» أفضل [Sollen].لم يرغب في الاستمرار في هذا الاتجاه. وقد صاغ نقدًا فلسفيًا لقصائده.

في الحقبة ذاتها –ربيع العام 1837 وصيفه– قرأ ماركس هيغل. في البداية لم يكن يحب هيغل، وأراد أن يرفضه بمساعدة أفكار شيلينغ وحاول صياغة بديل. لكن في النهاية، لم يستطع ماركس الإفلات من هيغل.

إذن، ثمة أولاً تزامن بين هذين الحدثين، قد يكون عارضاً تماماً. لكن هناك تزامن ثانٍ: انتقد ماركس التناقض الواضح في قصائده بين «الوجود» السيئ و«الكينونة الواجبة». والحال أن  هذا يمثل جزءاً مهماً من نقد هيغل للرومانسيين. مرة أخرى، قد يكون هذا عارضاً. ومع ذلك، أفترض أن ماركس قد قرأ نقد هيغل جيدًا، وطبق هذا النقد على تصوراته الشعرية الخاصة. أقتبس بعض المقاطع، لا سيما من كتاب ظاهريات الروح، التي تبدو لي مطابقة تمامًا للشاعر الشاب ماركس في تلك الفترة. لا يمكنني إثبات أنه قرأ فعلا هذه المقاطع ثم استخدم نقد الروح الشعرية الجميلة ضد نفسه،إلخ . ولكن يبدو لي معقولا أنه استخدم نقد هيغل هذا. التخلي عن التصورات الشعرية والانحياز إلى فلسفة هيغل لحظتان يبدو أنهما تنتميان إلى نفس الحركة: سأحاول شرح السبب. لكن قد لا يكون الأمر سوى فرضية، لأننا لا نملك أي وثيقة إثبات لذلك.

  • إنها أساس قوي لفرضية…

نعم، ولكنها تظل فرضية، وربما يكون لدى شخص آخر حجج قوية أخرى لشرح كل ذلك بطريقة أخرى. لا يزعجني ذلك، وسأكون سعيدًا بإجراء مثل هذه المناقشة. كما يفعل ماركس في نهاية مقدمته لكتاب «رأس المال»، أقول أيضًا إن أي نقد علمي مرحب به.

  • بصدد برونو باور، تبدو مسألة ”وعي الذات“ مركزية بالنظر إلى دورها في عمله وفي أطروحة دكتوراه ماركس. يمكننا أيضًا الحديث عن دور فيورباخ، ونقده للمسيحية وعلاقته بهيجل. ماذا كانت علاقة ماركس بفيورباخ في تلك الفترة؟

سأتناول العلاقة بين ماركس وفيورباخ في الجزء الثاني من السيرة. ركزت أكثر، في الجزء الأول، على العلاقة بين ماركس وباور. لكنني فعلت شيئًا مختلفًا تمامًا عن المعتاد في سير ماركس:. فقد جرت العادة على تقديم لمحة عامة عن فيورباخ أو باور في وقت مبكر من السرد. تعرض هذه السير تقريبًا كامل المسار الفكري لأحدهما أو الآخر، قبل أن تطرح مسألة علاقاتهما بماركس.

يؤدي اتباع هذه الطريقة الى فقدان تفاصيل مهمة جدًا. من جهتي، ركزت على ماركس وعلى ما كان متاحًا له في وقت معين. ينتهي الجزء الأول من السيرة بأطروحة دكتوراه ماركس، وقد أوليت اهتمامًا كبيرًا لما استخدمه لكتابة هذا العمل. في هذا الجزء الأول، لم أحلل كتاب جوهر المسيحية لفيورباخ، لأن الكتاب لم يصدر إلا في صيف العام 1841، في حين أن ماركس كان قد سلم أطروحة دكتوراه في ربيع العام عينه، لذا لم يكن ممكنا أن يتأثر بهذا العمل الشهير. فقط مقالات فيورباخ المنشورة  في حوليات Annales  أرنولد روج هي التي كان من الممكن أن تؤثر على ماركس في تلك الفترة. وبالتالي، فإنني لا أناقش سوى هذه المقالات. وينطبق الأمر ذاته على برونو باور، الذي كتب كتابه الشهير La Trompette du Jugement dernier contre Hegel, l’athée et l’Antéchrist (بوق يوم القيامة ضد هيغل، الملحد والمسيح الدجال) في أغسطس 1841، أي بعد أطروحة ماركس.

سأتناول، في الجزء الثاني، إقامة ماركس في بون، حيث اقترب من صحيفة La Gazette rhénane. في تلك الفترة، حقق فيورباخ وباور تقدمًا نظريًا مهمًا، وسأناقش تأثيرهما. تغيرت العلاقة بين ماركس وباور كثيرًا. كان باور وماركس، قبل بداية العام 1842، مرتبطين بشدة ولديهما مشاريع مشتركة، ولكن في نهاية العام نفسه، حدث انفصال: انفصال سياسي، وانفصال علمي، ولكن أيضًا انفصال شخصي. اقترب ماركس أكثر من روج وفويرباخ. لماذا؟ ما الذي يمكن أن يفسر ذلك؟ سأتحدث عن ذلك في الجزء الثاني.

  • ولكن في أطروحة ماركس، في قراءته للرواقيين وفلاسفة العصور القديمة المتأخرة، ماذا عن مفهوم وعي الذات؟ ما علاقة ماركس هنا بكتاب هيغل، تاريخ الفلسفة ؟

كان كتاب هيغل “دروس في تاريخ الفلسفة” نقطة انطلاق مهمة لأطروحة ماركس، لكن تقديره الكبير لأبيقور كان بحد ذاته انتقادًا لأفكار هيغل.

فكرة وعي الذات [Selbstbewusstsein] مهمة جدًا، لكنها قد تعني أشياء مختلفة جدًا – أحيانًا لدى نفس المفكر – في فترات مختلفة. نجدها عند هيغل، في ظاهريات الروح وفي الموسوعة، حيث لا تعتبر فكرة مهمة للغاية. في كتاب دروس في فلسفة الدين، أصبحت أكثر أهمية بكثير، وبما أن هذا الجانب من فلسفة هيغل كان محوريًا في النقاشات في سنوات 1830، انتشرت الفكرة. ثم استخدمها باور وغيره من الهيغليين الشباب. وعند باور، تطورت فكرة وعي الذات بشكل خاص وأصبحت مفهومًا أوسع وأشمل بكثير.

هناك أيضًا جدل حول تأثير باور المحتمل على ماركس: هل استخدما نفس فكرة وعي الذات؟ مهما يكن من أمر، لم تكن هذه الفكرة هي نفسها على مر الزمن عند باور. فبينما استخدم ماركس هذه الفكرة بحذر في أطروحته، كان باور يعززها مرارًا وتكرارًا. وعند ماركس، باتت هذه الفكرة أقل أهمية بعد الأطروحة، وهو ما قد يكون أحد أسباب انفصالهما. لكن كان ثمة انفصال متعدد المستويات، ولهذا الانفصال أسباب مختلفة.

  • وماذا عن نقد روج في أطروحة ماركس؟

كان ذلك نقدًا لفكرة أن هيغل أضعف فلسفته وفقا للضغوط وللظروف السياسية. ويرى ماركس أن هذه تهمة سطحية للغاية. يجب أن نأخذ هذا المنطق إلى أبعد من ذلك: المهم، بنظره، هو ما يجعل الفلسفة عرضة لهكذا إضعاف. من هذا المنظور، يُظهر ماركس الشاب جدًا في فترة أطروحة دكتوراه مقدرات تحليلية تفوق في بعض النواحي قدرات أرنولد روج، الذي كان أكبر منه سنًا وأعظم خبرة. ومع ذلك، كان هذا جدلا نظرياً وليس خلافاً كبيراً. أعتقد أن روج كان سيتفق مع ماركس لو أتيحت له فرصة قراءة نقده – وهو ما لم يُتح له أبداً لأن النقد لم يُنشر إبان حياته. على الصعيد السياسي، اقترب ماركس وروج من بعضهما البعض وأسسا معًا  الحوليات الفرنسية الألمانيةAnnales franco-allemandes.

  • ماذا عن البعد السياسي لأطروحة ماركس، على سبيل المثال عندما يتحدث عن الليبراليين من جهة، والفلسفة الإيجابية من جهة أخرى؟ أليس هذا إشارة إلى الهيغليين الشباب والانقسامات التي تلت ذلك؟

هذه نقطة بالغة الأهمية. لا يميز ماركس بين الهيغليين الشباب والهيغليين الشيوخ – وهو فرق أضعه أيضًا موضع سؤال في الجزء الأول. ربما نجد في صميم هذا التمييز بناءً كان قد تم تطويره في عصر ماركس بالعبارات التي كانت مستخدمة آنذاك. لكن الأمور ليست واضحة بتاتا. عندما يتحدث ماركس عن الليبراليين، أعتقد أن من يُسمون بالهيغليين الشباب مشمولون في هذا الحزب الليبرالي. هذا الحزب يضم أكثر بكثير من الهيغليين الشباب وحدهم، وبعض من يُسمون بالهيغليين الشيوخ كانوا أيضاً ليبراليين بمعنى ما. كانت «الفلسفة الإيجابية» – القطب الآخر الذي انتقده ماركس – تعبيرًا استخدمه فيورباخ في مقال شهير: وهي تشير إلى الفلاسفة الذين حاولوا استخدام بعض المقولات الهيغيلية، ولكنهم حاولوا أيضًا دمجها مع شكل تقليدي جدًا من أشكال التفكير الديني. كان ماركس ينظر إلى هادين الاتجاهين على أنهما الاتجاهان المتعارضان الرئيسيان في النقاشات في عصره، وقد انتقدهما كليهما. ويمكننا أن نرى في ذلك أيضًا دليلًا على أن ماركس لم يكن يعتبر نفسه من الهيغليين الشباب: أعتقد أنه كان يحاول إظهار أن هناك بالفعل مسافة بينه وبين الهيغليين الشباب في تلك السنوات.

  • هل يتعارض هذا مع العديد من الفرضيات التي طرحها مؤرخو ماركس قبلك؟

نعم، كان هذا هو الرأي السائد، وأعترف أنني كنت أؤيده لفترة طويلة. يدافع الرأي السائد عن فكرة أن ماركس أصبح، عندما كان طالبًا في برلين، من الهيغليين الشباب، ثم، طور ربما في عام 1843 تحت تأثير فيورباخ، نقدًا للهيغليين الشباب. كما هو الحال في كثير من الحالات الأخرى، إذا نظرنا عن كثب وبمزيد من التفصيل إلى الوثائق التي تعود إلى تلك الفترة، نرى أن هذا الموقف مبسط للغاية. هذا هو الدرس الذي تعلمته مرات عديدة خلال عملي.

  • يا له من أمر سقراطي! كان الدرس هو أن تعرف أنك لا تعرف…

العديد من الأقاويل اختزالية. يجب أن نتعلم كيف نضعها موضع تساؤل.

  • بخصوص ابتعاد ماركس عن الهيغليين الشباب، ماذا يستتبع، على الصعيد السياسي، رفض هذه الرؤية التقليدية؟ كيف يغير ذلك فهمنا لماركس اليوم؟

أعتقد أن النتيجة هي أن نرى أن ماركس لم ينضم إلى الهيغليين الشباب ”النموذجيين“. كانت ثمة خلافات بين مجموعة Freien في برلين وما كان يفعله ماركس في جريدة الجريدة الرينانية  Gazette rhénane. من الأيسر بكثير فهم هذه الخلافات عندما نعلم أن ماركس لم يكن ، حتى في عام 1841، شاباً هيغلياً بالكامل، وأنه كان قد اتخذ بالفعل مسافة سياسية بينه وبينهم. لذلك، لا غرابة في اتساع هذه المسافة. إذا انطلقنا من فرضية أنه كان شاباً هيغلياً، فإننا نضطر إلى التساؤل: ”حسناً، ولكن لماذا كان خطابه في عام 1842 مختلفاً عن خطاب العديد من الهيغليين الشباب الآخرين؟“ عادة ما يُبرر ذلك بقول: ”كان مشغولاً بالسياسة، ولم يكن يحب هذه التكهنات الجوفاء“. برغم أن هذه الحجة غير مرضية على الإطلاق، نجدها في العديد من الخطابات الماركسية! نعترف أن ثمة شيئاً ما يحدث. ولكن لماذا يحدث ذلك؟ الإجابة المعتادة هي: لأن ماركس كان منشغلاً بالسياسة ورأى بوضوح أن المفاهيم غير ناجعة! هذا ليس تفسيرًا، إنه مشكلة. ما الذي اعتبره غير ناجع؟ ولماذا؟ لماذا لم يرَ الآخرون ذلك؟ كانوا هم أيضًا على اتصال بالسياسة. آمل أن يساعد عملي في توضيح الأمور قليلاً.

  • الصورة التي نُـــــكوّن عن ماركس صورة مفكر مستقل بضراوة. ولكن لماذا؟ يبدو أن جوانب أخرى من فكره، مثل تكوينه القانوني، قد تم بخس شأنها في الماضي.

غالبًا ما يجري بخس شأن تكوين ماركس القانوني. هذا أحد آثار الصورة الذاتية التي نجدها في مقدمة العام 1859، عندما يعرض ماركس لقرائه نبذة سيرة ذاتية بالغة الايجاز. يقول إنه درس القانون، لكنه يضيف أنه لم يكن مهتمًا حقًا سوى بالفلسفة، لذا قد يعتقد الناس أنه لم يدرس القانون بجدية. ومع ذلك، عندما ننظر إلى الدروس التي تابعها ، نرى أنه كان يأخذ القانون على محمل الجد؛ علاوة على ذلك، تشهد مقالاته في الجريدة الراينانية في عام 1842، وغيرها من المقالات اللاحقة، على تكوينه في مجال القانون. وتُظهر الأساليب الحجاجية التي يستخدم أنه كان على معرفة جيدة بالقانون، وأنه كان قادرًا على استخدامه بنحو جيد. حتى أن ماركس ترافع مرتين أمام المحكمة في عام 1848 إبان الثورة. فقد اتُهم شخصياً مرة واحدة، واتُهمت صحيفة Nouvelle Gazette rhénane مرة أخرى، بتقويض سلطة الدولة: وبذكاء شديد، جمع ماركس بين الحجج القانونية والحجج السياسية لإثبات أن الاتهام الذي وجهته الدولة لا يتوافق مع الإطار القانوني نفسه. فاز ماركس في القضيتين: وبذلك يكون معدل نجاحه كمحامٍ 100%!

  • ما أهمية الظروف المحيطة ببداياته – العالم حيث وُلد ماركس، راينلاند بعد الثورة الفرنسية، والسياق الاجتماعي والاقتصادي – في تفسير سبب تحول ماركس إلى ماركس؟

يجب الاعتراف بأننا لا نملك في الواقع أي وثائق توضح كيف استوعب ماركس تأثيراته الأولى. لدينا العديد من الدراسات عن راينلاند، والعديد من الوثائق عن أنشطة والده ومعلميه في المدرسة. لكن لا توجد مذكرات أو رسائل يصف فيها ماركس نفسه ما أثر عليه، وما رآه، وما شكل بشكل حاسم سنواته الأولى. علينا أن نتوخى الحذر.

فكروا في الأمر: عندما ننظر إلى مسار حياتنا، وما أثر علينا، ولماذا أصبحنا ما أصبحنا عليه، ولماذا أصبحنا يساريين…، غالبًا ما نجد في طفولتنا أحداثًا يمكن أن تفسر الأمر.

عندما كنتَ شابًا، ربما كان ثمة مدرس أو صديق أثر عليك، أو فتح عينيك على شيء ما، أو كتاب ألهمك. كل هذا يحدث في ظل ظروف اجتماعية معينة وضمن إطار خطابي معين، لا ندركه عادة إلا بعد وقت طويل. ربما كان هذا حال ماركس. ما حاولت القيام به هو جمع كل المعلومات عن بيئته، ولا سيما السياق الخاص براينلاند، التي أصبحت آنذاك مقاطعة بروسية جديدة بعد أن حكمها الفرنسيون لمدة عشرين عامًا. كانت هذه المقاطعة ليبرالية نسبياً، وتضمن تساوي المواطنين القانوني، في حين كان سائر بروسيا شديد المحافظة، بل وشبه إقطاعي. لو كان ماركس قد وُلد في نفس العائلة ولكن في برلين، لكان لذلك آثار مختلفة تماماً.

بخصوص أصل ماركس اليهودي، أود أن أقول، على عكس ما يرى مؤرخون آخرون، أنه لم يكن له تأثير حاسم عليه. تجدر الإشارة إلى أن والد ماركس كان قد ابتعد عن اليهودية، وكان ليبرالياً ومؤيداً لفكر التنوير، وقد أثرت آراؤه على الشاب كارل. كما أن معظم معلميه كانوا متأثرين بمُثُل عصر التنوير. عندما كان ماركس تلميذاً، زار لودفيغ فون ويستفالن (والد من ستكون زوجته) لأول مرة، لأنه كان أفضل صديق لابنه إدغار؛ والحال أن لودفيغ فون ويستفالن أيضاً كان من أنصار فكر التنوير. يمكننا أن نجد أول آثار لهذا التأثير في نصوص ماركس في المدرسة الثانوية.

ومع ذلك، أتناول وضع اليهود، لأن تحول العائلة إلى المسيحية هو موضوع مركزي في جزء من الأدبيات الموجودة، ولكن غالبًا ما يتم تجاهل الظروف الاجتماعية التي أعطت معنى للتعميد اللوثري في عصر ماركس. سأطور مسألة الثقافة اليهودية ومعاداة السامية في الجزء الثاني من السيرة ، عندما سأتناول مقال ماركس ”حول المسألة اليهودية“، الذي غالبًا ما يُفسر على أنه نص معاد للسامية. في الجزء الأول، أحاول أن أقول ما هو أساسي، أي أن أركز بشكل خاص على التمييز بين معاداة اليهود في العصور الوسطى وأوائل العصر الحديث ومعاداة السامية في القرن التاسع عشر، وكذلك على التمييز بين معاداة السامية القومية [völkisch] ومعاداة السامية العنصرية. أود أن أظهر أنه يمكن العثور على ملاحظات ونماذج نمطية معادية لليهودية في كتابات ماركس، في رسائله على سبيل المثال، ولكن ليس في ”المسألة اليهودية“.

  • أنت تعمل على سيرة رجل قال إنه  ينبغي الحكم  ليس على ما يعتقده الناس عن أنفسهم، بل تحليل ما هم عليه: هل هناك أمثلة على هكذا تباين بين ما قاله ماركس عن نفسه وما كان عليه؟

هذه مسألة صعبة لأنه لا يمكننا التسليم بما يقول ماركس عن نفسه. يجب أن نضع في اعتبارنا دائمًا إلى من يتحدث وماذا يقول. فهو لا يقول الشيء ذاته إلى ناشر أو رفيق يثق به، أو إلى شخص يعتبره حليفًا ولكنه لا يثق به حقًا. يتوقف ما يقوله عن نفسه على الوضع. يجب أيضًا أن نضع في اعتبارنا أن ماركس درس كثيرًا، طوال حياته كان يدرس ويتعلم باستمرار: لذلك كان بإمكانه أيضًا التخلص من الآراء القديمة التي لم يعد يؤمن بها. عندما يتعلم شيئًا جديدًا، يمكنه أن يقول: ”هذا وجه جديد لم أكن أعرفه، لم يكن في ذهني، لذا لا يمكنني أن أؤكد ما كتبته عن هذا الموضوع من قبل“. إنه ينتقد نفسه. لذا فإن ما قاله من قبل عن نفسه وعن مواقفه لم يعد صالحًا. ولا يتعلق الأمر بتغيير موقفه بشأن مسألة واحدة، بل هناك الكثير من المسائل. في المجلد الثالث على سبيل المثال، سأتطرق إلى مشكلة المركزية اللأوربية لدى ماركس: يمكن أن نجد في كتابات ماركس في سنوات 1850 – كما في كتاباته ومقالاته لصحيفة نيويورك ديلي تريبيون، حول السياسة البريطانية في الهند – موقفًا مركزيًا أوربيا واضحًا. ومع ذلك، تطور هذا الموقف تدريجيًا مع خبرات جديدة وكتابات جديدة. لم يوضح موقفه كثيرًا، ولكن عندما نحلل ما يقوله، لا بد من الاعتراف بأن موقفه قد تطور.

  • ماذا عن الحركات السياسية في ألمانيا؟ لقد وجدت المقاطع التي تتحدث فيها عن ”Gesellschaft für Menschenrecht“ [جمعية حقوق الإنسان]، وكتابات جورج بوشنر التي تبدو وكأنها تعلن عن البيان الشيوعي، مثيرة للاهتمام…

برغم وفاته المبكرة، جورج بوشنر من بين الشخصيات التي ستظهر أيضًا في بقية السيرة، عندما أتطرق إلى البيان الشيوعي. سأقارن البيان الشيوعي بكتاب بوشنر “رسول هيس”، الذي كُتب في عام 1834. صدر هذا الكتاب قبل البيان الشيوعي بثلاثة عشر عامًا فقط، لكن ماركس لم يقرأه على الأرجح. أعتقد أنه من المفيد مقارنة النصين لفهم ما كان من الممكن قوله بالفعل، من أجل تقييم مدى الجدة التي أدخلها ماركس مع البيان الشيوعي. هذا هو أحد المبادئ الأساسية لعملي. لا يمكن فهم هذه النصوص إذا تناولناها في ضوء معرفتنا ووعينا الحاليين فقط: يجب أن نأخذ في الاعتبار بعض معالم تلك الحقبة لفهم ما كان نموذجياً فيها، وبالتالي تمييز ما كان جديداً. كان جورج بوشنر، المشهور اليوم كشاعر سابق لعصره، ثورياً ذكياً للغاية (وهو ما لا يمكن أن نقوله عن جميع الثوريين) وملاحظاً دقيقاً للغاية وخالياً من الأوهام، كما يتضح بشكل خاص من مراسلاته. وهو بذلك يمثل معلمًا ممتازًا.

كانت الحركات السياسية الراديكالية في تلك الحقبة معزولة إلى حد ما في جميع أنحاء ألمانيا. ومع ذلك كانت ثمة، قبل ثورة 1848، حركات وصراعات مستمرة، قمعتها الدول الألمانية بشدة. لا غرابة، بالنظر إلى هذه الحركات وتزايد استياء السكان، أن تنتشر ثورة 1848 بهذه السرعة. ومع ذلك، بعد هزيمة الثورة، تغير الوضع، سواء من الناحية السياسية أو من ناحية الخطاب. أصبحت بروسيا، بفضل نزعتها العسكرية، القوة المهيمنة، وبدأ العديد من الثوريين السابقين في دعم عملية توحيد ألمانيا بقيادة بروسيا. واضطر ثوريون آخرون، مثل ماركس وإنجلز، الذين رفضوا التسليم بالدول الألمانية الرجعية، إلى المنفى. كان فشل ثورة 1848 نقطة تحول حاسمة في تاريخ ألمانيا، وكذلك في سيرة ماركس. لكنني لن أتطرق إلى هذه القصص إلا في الجزء الثالث من هذا العمل!

رابط تحميل الجزء الأول من سيرة ماركس:

كارل ماركس وولادة المجتمع الحديث، حياة ماركس وتطور أعماله الجزء الأول 1818-1841

https://book-shadow.com/files/fhrst14/1029.pdf

هوامش

1نُشرت المقابلة الأصلية، التي أجراها دارين روسو، باللغة الإنجليزية على موقع Historical Materialism: http://www.historicalmaterialism.org/interviews/interview-with-michael-heinrich

2مايكل هاينريش، كارل ماركس وولادة المجتمع الحديث، الجزء 1: 1818-1841،

باريس، Les Éditions sociales، مجموعة « Les Éclairées »، 2019، 560 صفحة، 25 يورو. على الإنترنت: https://editionssociales.fr/index.php/2019/09/06/michael-heinrich-karl-marx-et-la-naissance-de-la-societe-moderne/.

3انظر باللغة الفرنسية، Michael Heinrich، Comment lire Le Capital de Marx ? Introduction à la lecture et commentaire du début du Capital، تولوز، Smolny، 2015، 318 صفحة، 20 يورو؛ وMichael Heinrich، Bouffard Alix، Féron Alexandre و Fondu Guillaume، Ce qu’est Le Capital de Marx، باريس، Les Éditions sociales، مجموعة « Les parallèles »، 2017، 152 صفحة، 11 يورو.

4السير الثلاث المذكورة هي سيرة فرانسيس وين، كارل ماركس. سيرة غير متوقعة، ترجمة رولان ديسني، باريس، كالمان-ليفي، 2003 [1999]؛ وجوناثان سبيربر، كارل ماركس. رجل القرن التاسع عشر، باريس، بيرانا، 2017 [2013]؛ وغاريث ستيدمان جونز، كارل ماركس. العظمة والوهم، لندن، ألين لين، 2016.

5« في هذا الكتاب، موضوع بحثي هو نمط الإنتاج الرأسماليةوعلاقات الإنتاج والتبادل المرتبطة به. حتى الآن، موقعها الكلاسيكي هو إنجلترا. ولهذا السبب، فإن هذا البلد هو المثال الرئيسي الذي أستخدمه في كل تطوري النظري.”، “مقدمة الطبعة الألمانية الأولى لعام 1867” في كارل ماركس، رأس المال، باريس، Les éditions sociales، coll. “GEME”، 2016، ص. 4.

6كارل ماركس، رأس المال، الكتاب الثالث، المجلد الثالث، باريس، Éditions sociales، 1974، الفصل XLVIII « الصيغة الثالوثية »، ص. 208.

7ماركس كارل، مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي، مقدمة عام 1857، ترجمة غيوم فوندو وجان كيتييه، باريس، Les Éditions sociales، « GEME »، 2014.

8والتر يايشكي، «Zur Genealogie des Deutschen Idealismus: Konstitutionsgeschichtliche Bemerkungen in methodologischer Absicht»، في أندرياس أرندت ووالتر يايشكي (تحرير)، Materialismus und Spiritualismus: Philosophie und Wissenschaften nach 1848، هامبورغ، مينر، 2000، ص. 219-234.

9 Franz Mehring، Vie de Karl Marx، 2 أجزاء، ترجمة  Gérard Bloch، باريس/لوزان، Syllepse/Page 2، مجموعة « Utopie critique »، 2018.

شارك المقالة

اقرأ أيضا