هل تحتاج البيئة إلى ماركس؟
المقال منشور في العدد رقم 87 من جريدة المناضل-ة
بقلم مارثا إ. جيمينيز
تتكون هذه المساهمة من مقتطفات من خاتمة مقال يحمل نفس العنوان نُشر في Organization & Environment، المجلد 13، العدد 3 (سبتمبر 2000)، 292-304، ويُعاد نشره هنا بإذن من المؤلفة.Organization & Environment هي مجلة فصلية تصدر عن Sage Publications. يستند المقال إلى محاضرة ألقيت في مؤتمر العلماء الاشتراكيين، Borough of Manhattan Community College، City University of New York، مارس 2000.
هل تحتاج البيئة إلى ماركس؟ أتساءل، في هذه المرحلة، ما هي البيئة، لأنها تبدو مصطلحًا عامًا، مثل التمييز الجنسي أو العنصري، يغطي مجموعة متنوعة من الظواهر على نطاق واسع وصغير ناتجة عن أسباب مختلفة وتسمح بتطوير مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأيديولوجيات والأطر النظرية المتناقضة. أُحبذ إعادة صياغة السؤال على النحو التالي: هل ماركس والماركسية أمران عرَضيان أم أساسيان في النضال ضد تدهور البيئة وجميع أشكال الاستغلال والقمع؟ رغم أنهما قد يبدوان غير ذي صلة بالنسبة للمناضلين البيئيين في سياق نضالاتهم اليومية، فإن الحاجة إلى نظرية شاملة قادرة على إلقاء الضوء على الروابط الضرورية بين قضايا تبدو منفصلة ستصبح واضحة مع مرور الوقت، حيث سيتعلم المناضلون من تجاربهم أن هناك عوائق رأسمالية هيكلية تعوق فعالية تغييراتهم الفردية في السلوك ونجاحاتهم القانونية والسياسية. لهذا السبب من المهم ألا يقتصر الماركسيون على النقد النظري. يجب أن يشاركوا في نضالات محددة، وأن يستفيدوا من تجاربهم، وأن يشاركوا معارفهم مع أولئك الذين قد تختلف آراؤهم ولكن أهدافهم السياسية قد تكون هي نفسها. لكن هذا لا يعني أن العمل النظري يجب أن يكون ثانويًا بالنسبة للانخراط السياسي. على العكس، مع تزايد وضوح طبيعة النظام الرأسمالي العالمي، فإن تسارع حركة رأس المال واليد العاملة يخلقان ظروفاً مواتية لبروز منظمات إقليمية عابرة للحدود وحركات للطبقة العاملة. وفي الوقت نفسه، يتزايد استغلال الطبيعة وتداول النفايات والملوثات والفيروسات والأمراض المعدية والطفيليات والأمراض النباتية والحيوانية، فضلاً عن النباتات والحيوانات السليمة التي يجري انتزاعها عمداً أو عن غير قصد من بيئتها الطبيعية، ما يسلط الضوء على الطابع العالمي لمعظم المشاكل البيئية. مع تفاقم الوضع على المستويات المحلية والإقليمية والوطنية والعالمية، سيكون من الضروري اللجوء إلى التحليل الماركسي التاريخي لظروف وجودها وإعادة إنتاجها على مر الزمن، وإنشاء هيئات تنظيمية وتخطيطية. ستصبح المساهمات الماركسية في علم البيئة، التي على الرغم من أهميتها وراهنتيها، إلا أنها اليوم مقتصرة إلى حد كبير على الأكاديميين، أكثر أهمية حينها.
تكشف القراءة المتأنية لأعمال ماركس وإنجلز أن اقتصادهما السياسي، الراسخ في فرضيات مادية، يحتوي على مقولات نظرية وتوجهات منهجية مهمة للتحليل النظري للعوامل المحددة للوضع البيئي الحالي ولتطوير إيكولوجيا ماركسية تستند إلى المبادئ البيئية التي تشكل جوهر النظرية الماركسية. إن مفهوم التطور المشترك للطبيعة والمجتمع متأصل في مبادئ المادية التاريخية. تفترض التنمية البشرية، وتحقيق الإمكانات البشرية، وظهور احتياجات ومواهب جديدة، إنتاج وإعادة انتاج الحياة وسبل العيش المادية، وهي عمليات يتحول من خلالها البشر والطبيعة ويدعمان بعضهما البعض. يفترض ماركس وجود عملية تبادل أيضي اجتماعي (*) بين البشرية والطبيعة، ويحدد، في ظل الرأسمالية، وجود صدع أيضي (**) ناجم عن الممارسات الزراعية والتجارية التي تستنزف الأرض دون تجديد مواردها وتحرم مناطق بأكملها من ظروفها الطبيعية للإنتاج. يرفض ماركس وإنجلز التقسيم الجذري بين الطبيعة والمجتمع الذي يقترحه علم البيئة، والذي يرى أن المجتمعات تواجه حدودًا طبيعية لا يمكن تجاوزها، ويقترحان نظرية مادية وديالكتيكية للعلاقة بين البشر والطبيعة. إن للتنظيم الاجتماعي والبشر حدودا طبيعية مادية وملزمة معا، بينما تعمل من خلال الظروف الاجتماعية التي يحددها مستوى تطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج القائمة. بعبارة أخرى، في مواجهة المادية المجردة الكامنة في المنظورات البيئية السائدة، التي تجمع، بسبب وجهة نظرها غير الديالكتيكية، بين فهم مثالي لأسباب المشاكل البيئية وما يعادل فهمًا ماديًا مبتذلًا للحدود الطبيعية، تطرح الماركسية نهجًا ديالكتيكيًا يحافظ على الجانب المادي للطبيعة وقوانينها مع الاعتراف بقدرة البشرية على صنع التاريخ.
قال ماركس إن العائق أمام تراكم رأس المال هو رأس المال نفسه، الذي يتجلى في أزمات دورية من الإفراط في الإنتاج ونقص الاستهلاك، وتدهور ظروف الانتاج التدريجي، وتقلبات الصراعات الطبقية، والتراجع، والتقدم، والجمود. كلما زادت آثار السوق الحرة المدمرة على الطبيعة أصبحت الحاجة إلى نقيضها (أي الوقاية والتنظيم والتخطيط) أكثر وضوحًا. كتب أبتون سينكلير Upton Sinclair رواية «الغاب» (1905) لتسليط الضوء على الظروف غير الإنسانية التي كان يعمل ويعيش فيها عمال المسالخ. ومع ذلك، كما قال هو نفسه، بدلاً من أن يمس قلوب الأمريكيين، نجح في أن يمس مَعداتهم، وهكذا ولدت إدارة الغذاء والدواء. من الممكن أن ينجح المناضلون البيئيون، الذين يناضلون ضد استغلال الطبيعة ويدعون إلى تغيير نوعي في علاقتنا بالبيئة وأشكال الحياة الأخرى، رغم شكوكهم الحالية تجاه ماركس والماركسية، إلى تحرير الطاقة الجماعية اللازمة لزعزعة عبادة السوق الحرة والمنافسة والنمو الاقتصادي اللامتناهي في الوعي العام، ما يمهد الطريق لتغييرات اجتماعية تهدف إلى إنهاء استغلال الطبيعة، وكذلك استغلال العمل. رغم ذلك، فإن مثل هذه التغييرات لا تَحدث تلقائيًا؛ ففي غياب حوار أحمر- أخضر شامل معمم وقائم على المبادئ، فإن أفضل ما يمكن أن نأمله هو تحسن ظروف المحظوظين البيئية. هل تحتاج البيئة إلى ماركس؟ هل هناك شك في ذلك؟
https://monthlyreview.org/articles/does-ecology-need-marx/
(*)- التبادل الأيضي: يُقصَد به التبادل المادي والطاقي الأساسي بين المجتمع البشري والطبيعة. (المترجم)
(**)- الصدع الأيضي: هو عملية الانقطاع التي تقع في التبادل الأيضي. (المترجم)
مارثا إ. جيمينيز http://csf.colorado.edu/martha/
أستاذة مشاركة في علم الاجتماع بجامعة كولورادو Colorado في بولدر Boulder. وهي مؤلفة العديد من المقالات والفصول في الكتب حول النظرية الديموغرافية والنظرية النسوية الماركسية والسياسة الأمريكية في مجال الاحصاء العرقي/الإثني. وهي رئيسة التحرير المؤسسة لشبكة Progressive Sociologist Network (PSN) http://csf.colorado.edu/psn/ وشبكة Progressive Population Network (PPN) http://csf.colorado.edu/ppn/.
اقرأ أيضا


