من التعبئة الجماهيرية إلى صناعة الكراهية: كيف أُعيدَ توجيه الغضب الاجتماعي بعد كأس إفريقيا 2025؟
بقلم: أكوليز
لم تكن كأس الأمم الأفريقية 2025 مجرد بطولة كرة قدم عابرة، بل شكلت لحظة اجتماعية وسياسية مكثفة، كاشفة لتحولات عميقة في علاقة الجماهير الأفريقية – والمغاربية خصوصًا – بالرياضة، وبالدولة، وبالاقتصاد السياسي الذي بات يحكم اللعبة. فما بدا على السطح احتفالًا كرويًا قاريًا، انكشف سريعًا بوصفه فضاءً لإعادة إنتاج الإقصاء، وتوجيه الإحباطات الاجتماعية، وصناعة أشكال جديدة من الكراهية.
من إرث التحرر إلى واقع الاستلاب التجاري
دخلت كرة القدم إلى أفريقيا في سياق الهيمنة الاستعمارية، حيث استُخدمت في بداياتها أداةً للإقصاء والسيطرة، مقتصرة على المستوطنين الأوروبيين، ومُشبعة بخطاب عنصري قسّم المجتمعات وكرّس دونية الأفارقة. غير أنّ هذه اللعبة لم تبقَ حكرًا على المستعمِر؛ إذ استولى عليها السكان المحليون، خصوصًا بين الحربين العالميتين، وحوّلوها تدريجيًا إلى أداة للمقاومة والتعبير السياسي.
بلغ هذا المسار ذروته مع تأسيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم عام 1957، وإطلاق كأس الأمم الأفريقية كرمز للوحدة القارية ومناهضة الاستعمار، وتجسيدًا للفكرة البان- أفريقية panafraicaine التي تبنتها دول مثل مصر في عهد جمال عبد الناصر. كانت الكرة آنذاك لغة سياسية، وهوية جامعة، ومساحة لتمثيل الذات الأفريقية في عالم غير متكافئ.
لكن هذا الإرث التحرري تآكل مع الزمن. فقد خضعت البطولة لمنطق السوق، وضغوط الفيفا، وهيمنة النخب المحلية، لتتحول تدريجيًا من فضاء شعبي إلى منتج تجاري، وتفقد بعدها السياسي والثقافي، وتبتعد عن الجماهير التي منحتها معناها الأصلي.
بطولة تُقصي جماهيرها
في نسخة 2025، بدا هذا التحول أكثر وضوحًا. فقد أصبحت كأس الأمم الأفريقية بعيدة عن جماهيرها الطبيعية بفعل ارتفاع أسعار التذاكر، وحصر البث في القنوات المدفوعة، وفرض إجراءات تنظيمية مثل نظام Fan ID، الذي حوّل المشجع إلى “ملف أمني” أكثر منه فاعلًا شعبيًا. هكذا جرى إقصاء قطاعات واسعة من الجماهير المحلية، مقابل تسويق البطولة بوصفها حدثًا دوليًا موجهًا للرعاة والشركات والأسواق الخارجية.
لم تعد البطولة تُنظَّم وفق حاجات التطوير المحلي لكرة القدم الأفريقية، بل وفق إيقاع البطولات الأوروبية ومصالح رأس المال الرياضي العالمي. ومع كل خطوة في هذا الاتجاه، تراجعت قدرة الجماهير على الشعور بالانتماء، وازداد الإحساس بالاستبعاد، لا من الرياضة فقط، بل من المجال العام نفسه.
حين يتحول الإقصاء إلى شوفينية صريحة
هذا الإقصاء لم يختفِ، بل أعيد توجيهه. بعد نهاية “كان 2025” في المغرب، برزت موجات من الخطاب العدائي والعنصري، خاصة ضد المهاجرين الأفارقة من دول جنوب الصحراء، على مواقع التواصل الاجتماعي. لم تكن هذه الانفجارات مجرد انفعالات عاطفية بعد خسارة أو فوز، بل تعبيرًا عن إحباطات اجتماعية عميقة: بطالة متفشية، خدمات عامة متدهورة، وتراجع في القدرة المعيشية.
في ظل غياب نقاش حقيقي حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية، جرى توجيه الغضب نحو “الآخر” الأضعف: المهاجر، الخصم الخارجي، أو الجماعة المهمشة. هنا تلعب كرة القدم دورًا مزدوجًا: فهي أولًا مساحة لتفريغ المشاعر، لكنها تصبح أيضًا أداة لإعادة تشكيل هذا التفريغ في اتجاهات تخدم النظام القائم.
الإعلام واللعب على حافة الكراهية
أسهم الإعلام السائد في تأجيج هذه النزعات عبر معالجات سطحية أو منحازة، حوّلت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية البنيوية إلى صراعات ثقافية أو عرقية مفتعلة. وبهذا جرى استدعاء “الوطنية” ، أو بالأحرى الشوفينية في شكل انفعالي هستيري، وإعادة إنتاج خطاب ثنائي قائم على “نحن” في مواجهة “هم”، في آلية معروفة تاريخيًا لتنفيس التوتر الاجتماعي وتوجيهه بعيدًا عن جذوره الحقيقية. ويحدث ذلك مع تعمّد إغفال حقيقة أن الرأسمال المحلي يراكم أرباحه على حساب الكادحين، سواء من خلال استثمار أموالهم واستغلال الطبقة العاملة في بلدان أفريقية أخرى، أو عبر ممارسات مماثلة داخل البلاد، خصوصًا في الضيعات الكبرى التي تقوم على تشغيل اليد العاملة المهاجرة بأجور زهيدة، ما يضاعف الضغط على الطبقة العاملة المحلية. وفي هذا الإطار، لا يُقدَّم المهاجرون بوصفهم أناسا لهم حقوق، بل يُستعمل حضورهم سياسيًا كأداة للترهيب الرمزي، حيث يُلوَّح بهم لتخويف المجتمع من عواقب أي نضال من أجل التحرر والديمقراطية. ويجري استحضار سيناريوهات الفوضى والانهيار والعنف بوصفها مصيرًا حتميًا لأي حراك اجتماعي أو سياسي، على غرار ما رُوِّج له في الحالة السورية، وذلك بهدف نزع الشرعية عن المطالب الشعبية، وتحويل الخوف إلى أداة لضبط المجتمع، وإبقاء الأوضاع القائمة بمنأى عن أي مساءلة حقيقية.
تظل تجربة ما بعد مباراة مصر والجزائر عام 2009 مثالًا واضحًا: انفجار كراهية سريع، تعبئة إعلامية مكثفة، ثم اختفاء شبه كامل لهذه العداوات عند تغير السياق السياسي، كما حدث مع ثورة يناير 2011. ما يؤكد أن كرة القدم لم تكن سبب الصراع، بل مجرد قناة مؤقتة لتصريف الغضب.
المغرب: الهيبة الرياضية وحدود القوة الناعمة
في هذا السياق، تندرج الاستراتيجية الرياضية للمغرب بين 2025 و2030، من استضافة كأس الأمم الأفريقية إلى المشاركة في تنظيم كأس العالم. تسعى الدولة إلى توظيف الرياضة كأداة للقوة الناعمة، وتعزيز الهيبة الدولية، وتكريس صورة بلد منظم وقادر على لعب أدوار إقليمية ودولية.
لا شك أن هذه الاستراتيجية حققت للحكام نجاحات تنظيمية ورمزية، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن تناقضات حادة. فالإنفاق الضخم على الملاعب والبنية التحتية يتزامن مع استمرار البطالة، وتراجع الخدمات الأساسية، واتساع الفوارق الاجتماعية. هنا يظهر التوتر بين الفخر الوطني الرمزي والواقع اليومي للمواطنين، خاصة الشباب.
شعارات مثل تلك التي رفعها احتجاج الشباب تعبّر بوضوح عن هذا التناقض: كرة القدم تُستخدم لتلميع الصورة، بينما تبقى حقوق من قبيل : الصحة والتعليم وحرية التعبير… مؤجلة. في هذا الإطار، تصبح كرة القدم لعبة في أيدي الحكام، لا أداة لتحرير الجماهير.
من الوحدة إلى الانقسام
تُظهر تجربة “كان 2025” أن كرة القدم، حين تُفرغ من بعدها الشعبي الحقيقي، تتوقف عن كونها أداة تجمع الجماهير وتوحدها، لتصبح بدلاً من ذلك منصة لإعادة إنتاج الانقسامات. فبدل أن تركز الجماهير على مطالب مشتركة أو قضايا عامة، تُوظَّف لتوجيه الغضب نحو صراعات ثانوية، عرقية أو ثقافية، بما يخدم مصالح السوق .
المشكلة إذًا ليست في اللعبة نفسها، بل في السياق الذي تُدار فيه. كرة القدم التي كانت يومًا مساحة للتحرر وبناء الهوية، تحولت اليوم إلى أداة سياسية واقتصادية تتحكم بالمشاعر الجماهيرية، تعيد توجيه الغضب، وتخفي وراء إثارتها القضايا الحقيقية دون حل.
وهنا يكمن التحدي الأساسي: هل يمكن استعادة كرة القدم كفضاء شعبي نقدي يعبّر عن مصالح الجماهير ويطرح الأسئلة الجوهرية، أم ستبقى مجرد وسيلة لإخفاء الأزمات وإعادة إنتاج الانقسامات والكراهية العابرة التي تُبقي الواقع على حاله؟
اقرأ أيضا


