رواية 1984  كتبها اشتراكي

الشباب و الطلبة22 يناير، 2026

بقلم، تشاندلر داندريدج

كان جورج أورويل يعلن اشتراكيته صراحةً، غير أنّ القراءات التي يقدّمها اليمين لأعماله مثل مزرعة الحيوان و1984  لا تمتّ إلى جوهر مشروعه الفكري بصلة، بقدر ما تعكس أجندات محافظة قديمة تُسقَط على نصوصه.

الأدب تراث مشترك بين الجميع؛ فالكتب ومؤلفوها لا ينتمون إلى فئة أو شخص بعينه، بل يحق لكل إنسان قراءتهم والاستمتاع بهم. ومع ذلك، يدرك كل قارئ شغوف معنى أن يشعر بارتباط خاص بعمل أدبي أو تيار فكري، ثم بالإحباط والنفور حين يرى الآخرين يستولون عليه أو يسيئون توظيفه. وبالنسبة لليسار، قلّة من الكتّاب تثير هذا الشعور كما يفعل جورج أورويل؛ ذلك الاشتراكي الصريح الذي كثيرًا ما تُستَخدم أعماله لتقويض الرؤية السياسية نفسها التي كرس حياته للدفاع عنها.

أن تكون يساريًا ومحبًّا لأعمال جورج أورويل يعني أن تتعايش باستمرار مع محاولات انتهازية لتوظيف إرثه الفكري في خدمة مشاريع رجعية. فعلى مدى خمسة وسبعين عامًا، دأب اليمين على استثمار أعمال أحد أبرز كتّاب اليسار بما يتعارض مع روحه ومقاصده. ومع ذلك، يصعب تلقّي الأمر دون قدر من الغضب حين يُدرج اسم أورويل في قوائم قراءة أعدّها بن شابيرو Ben Shapiro  أو مؤسسات مثل جامعة براغر Prager، على سبيل المثال.

بالطبع، لا يُعدّ جورج أورويل شخصية محلّ إجماع داخل الأوساط الاشتراكية. فمعارضته للستالينية كانت موقفًا يُحسب له، غير أنّه، قبيل وفاته، أعدّ قائمة لصالح وزارة الإعلام البريطانية ضمّت كتّابًا ومثقفين رأى أنهم متساهلون مع الشيوعية إلى حدّ لا يؤهّلهم للتعاون مع الوزارة. وفي العام نفسه، كتب من على فراش الموت رسالة إلى الصحافة الأميركية يدافع فيها عن روايته الأخيرة 1984 ضد محاولات توظيفها من قبل دعاة الحرب الباردة الناشئة، الذين قرأوها بوصفها هجومًا على الاشتراكية ذاتها. ولو امتدّ به العمر بعد السادسة والأربعين، لكان من الممكن أن يسهم دفاعه الحازم عن الرواية وتمسّكه الثابت بالاشتراكية الديمقراطية في إعادة تشكيل إرثه الفكري على نحو مختلف.

غير أنّ نقاش نادي القراءة في جامعة براغر حول رواية 1984  يجعل حصة الصف العاشر في المدرسة الحكومية التي قرأتُ فيها الكتاب للمرة الأولى تبدو، بالمقارنة، على مستوى حوار بين ميشيل فوكو ونعوم تشومسكي. إذ يقدّم ديف روبن Dave Rubin  ومايكل نولز Michael Knowles قراءات سطحية ومبتذلة، يثنيان فيها على وضوح تفكير أورويل وأسلوبه، من دون أن يُظهرا أي اهتمام جدي بالأسس الفكرية التي انطلق منها. وبالنسبة لطلاب براغر، تختزل 1984  في حديث عام عن الحرية و«معنى أن تكون إنسانًا». وهذا صحيح من حيث المبدأ، لكن أورويل لم يكن قط، كما يدّعون، «فردانيًا» بالمعنى التحرري للكلمة. وهنا تكمن عقدة عجز اليمين عن استيعاب أورويل كاملًا: فرغم أن أعماله تناقش تحرر الفرد ومحاولات المجتمع كبحه، فإنه ظلّ يؤكد، في كل مناسبة وبعبارات لا تحتمل التأويل، التزامه بالاشتراكية وبالقيم الجماعية.

يربط روبن بحماسة بين تصوير رواية 1984  لحكومة شمولية تراقب الكتب وتعيد صياغتها، وبين ما يصفه بالهيمنة الحصرية لـ«الصواب السياسي»، معتبرًا إياه كيانًا «معاديًا للإنسان ومناهضًا للفكر». وربما يصحّ هذا الوصف، غير أنّ التناقض في موقفه صارخ؛ إذ سبق لروبن أن امتدح المناورات السياسية لحاكم فلوريدا رون ديسانتيس Ron DeSantis ومساعيه المباشرة لحظر الكتب. ومهما يكن رأي أورويل المحتمل في ما يُسمّى «ثقافة الإلغاء»، فمن المؤكد أنه كان سيقف موقفًا حادًا ضد جهود ديسانتيس الرامية إلى استئصال الأفكار الاشتراكية من المدارس العامة في فلوريدا.

يحاول شابيرو Shapiro الالتفاف على التزامات أورويل السياسية المعلَنة بالزعم أن الكاتب «لم يفهم الاشتراكية من منظور اقتصادي». غير أن هذا النقد يفتقر إلى الاتساق، لأن أورويل لم يكن اقتصاديًا أصلًا؛ فأعماله الروائية نصوص فنية تستكشف الأبعاد السياسية والأخلاقية للتجربة الإنسانية، لا أطروحات ماركسية تُعنى بشرح آليات السوق. إن رفض موقفه السياسي بحجة أن كتاباته لا تقدّم نظرية اقتصادية متكاملة للملكية العامة لا يختلف عن الادعاء بأن سالي روني Sally Rooney  ليست يسارية لأن رواياتها لا تعرض شرحًا وافيًا لنظرية قيمة العمل.

ومع ذلك، تزخر أعمال أورويل بأدلة واضحة على عمق وتعقيد تفكيره السياسي والاقتصادي. فقد كان روائيًا قاسيًا في حكمه على نفسه؛ إذ عُرف عنه نفوره من اثنين من كتبه على الأقل، الدريقة تطير وابنة القس ، حتى إنه فكّر في وقف إعادة نشرهما. ورغم أن هذه الأعمال، مثل 1984، ليست سهلة القراءة أو «ممتعة» بالمعنى التقليدي، فإنها أفضل بكثير مما كان أورويل نفسه يعتقد، وتستحق اهتمامًا خاصًا من القرّاء اليساريين. ففيها يظهر انشغاله الواضح، وإن النادر، بالمسألة الاقتصادية: شخصياته منشغلة دومًا بضيق الحال، ويشير بوضوح إلى أن معاناتها النفسية والجسدية كانت ستخفّ كثيرًا لولا عبء الديون وضآلة الدخل. وهذه نقطة يعجز اليمين عن استيعابها: صحيح أن المال لا يشتري السعادة، لكنه يسهّل الوصول إلى العلاج والرعاية، ويمنح الإنسان مساحة أوسع للاهتمام بشؤون الروح والفكر.

وفي مقالته اللافتة»هل يمكن للاشتراكيين أن يكونوا سعداء؟«، يحدّد أورويل ملامح تصوّره للاشتراكية، مؤكدًا أنها لا تعد بيوتوبيا مكتملة أو سعادة مطلقة، ولا تسعى إلى إنهاء كل أشكال الصراع. فغاية الاشتراكية، في نظره، هي مجتمع لا تكون فيه الصدقة ضرورة، وعالم لا يعاني فيه الناس بلا نهاية من أمراض يمكن علاجها، ولا يُتصوَّر فيه دخل غير مكتسب على شاكلة ثروة إبنيزر سكروج d’Ebenezer Scrooge . وإذا كانت 1984  رواية نافذة البصيرة، فإن مقالات أورويل غير الروائية لا تقل عنها خلودًا، حتى لتبدو وكأنها كُتبت عن أزمات الرعاية الصحية وعدم المساواة في القرن الحادي والعشرين.

أما ذروة إنتاجه اليساري فتتمثل في أعماله الصحفية التي صدرت في كتب مثل لا بيض في باريس ولندن، والطريق إلى ويغان بيير، وتحية إلى كاتالونيا. وقد وصف نعوم تشومسكي هذا الأخير بأنه تحفته الفنية، وهو بحق من أبرز ما كُتب في الصحافة الحربية. ففي لا بيض في باريس ولندن يقدم أورويل دفاعًا قويًا عن تحسين ظروف الفقراء والطبقة العاملة، بينما يوجّه في الطريق إلى ويغان بيير نقدًا لاذعًا لليبراليين البريطانيين من الطبقة الوسطى، كاشفًا في الوقت نفسه ظروف عيش عمال شمال إنجلترا القاسية.

لم يتردد أورويل في نقد اليسار نفسه؛ فمع دعوته إلى دورٍ للدولة في تنظيم إنتاج الغذاء وتوزيعه، حذّر في الوقت ذاته من مخاطر إساءة استخدام هذه السلطة. وهذه الانتقادات تشكّل رصيدًا ثمينًا للاشتراكيين الديمقراطيين المعاصرين الساعين إلى بناء حركة تتعلّم من أخطاء الماضي، وإن كانت قد سهّلت أيضًا على اليمين محاولات الاستيلاء على إرثه. ومع ذلك، فإن ما يميّز أورويل هو هذا الوعي بالتناقضات السياسية، وهو ما يجعل إرثه جديرًا بالدفاع عنه.

لا شك أن أسلوب يتسم أورويل بالشدة والصرامة.  1984 رواية قاتمة، وأعماله الأولى تميل إلى المبالغة، ومذكّراته-لمن يغامر بقراءتها- تفيض بتفاصيل عن رتابة الحياة اليومية في ريف إنجلترا. لكن وسط كل هذه التناقضات، تبرز حقيقة واحدة لا لبس فيها: أورويل لم يتخلَّ يومًا عن التزامه بالاشتراكية الديمقراطية.

لم يكن أورويل فردانيًا بالمعنى التحرري، بل على العكس تمامًا. كتب في مقاله عن السعادة أن « هدف الاشتراكية الحقيقي هو الأخوّة الإنسانية». وكل من يعرف معنى الأخوّة يدرك أنها لا تخلو من الخلافات والمشاحنات. كانت انتقاداته لليسار جزءًا من نقاش عائلي داخلي، لا تنكّرًا للمبدأ. وحين يحاول الرجعيون السطو على هذا الإرث، لا يبقى أمامنا سوى الدفاع عنه والمطالبة به بوصفه جزءًا من تراثنا الفكري المشترك.

تشاندلر داندريدج

معالج نفسي ومربٍّ أمريكي، تنصبّ اهتماماته السريرية على علاج الإدمان واضطرابات القلق، واستكشاف مقاربات إبداعية لتعزيز الصحة النفسية على المستوى العام.

المصدر: https://jacobinlat.com/2023/02/1984-fue-escrito-por-un-socialista/

شارك المقالة

اقرأ أيضا